البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 حصانة المحامي كآلية من آليات المحاكمة العادلة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: حصانة المحامي كآلية من آليات المحاكمة العادلة   الثلاثاء أبريل 08, 2008 4:12 pm

حصانة المحامي كآلية من آليات المحاكمة العادلة

بقلم الأستاذة ربيعة الغزواني

حصانة المحامي كآلية من آليات المحاكمة العادلة
المقدمة
يستوجب قيام المحاكمة العادلة توفر جملة من الشروط بعضها يتعلق باستقلالية جهاز القضاء وبظروف سير المحاكمة والبعض الآخر يرتبط بالوضعية القانونية والواقعية للدفاع، أي مدى توفر جملة من الضمانات التي تسمح للمحامي بان يضطلع بدوره في الدفاع عن منوبه على الوجه الأكمل.
وفي إطار هذه الضمانات الممنوحة للمحامي تأتي مسالة الحصانة باعتبارها احد أهم الآليات التي تعزز موقع المحامي، وتضمن إلى حد بعيد توفر شروط المحاكمة العادلة.
وعليه فان المحاكمة العادلة ليست سوى اختزال لخلاصة التطور التشريعي والطبيعة القانونية التي لا بد أن تتسم بها الدولة لمنح المواطن حقوقه فتكون المحاكمة العادلة مرتبطة بالمؤسسة القانونية في مدى عدالتها.
ان معنى ومفهوم المحاكمة العادلة ليسا بالضرورة ظروفا وتقنيات بل إنها إطار تتحرك فيه دواليب الدولة ومؤسساتها. إذا ما تحولت السلطة القضائية إلى وسيلة في يد السلطة التنفيذية تحول جهاز الدولة بشكل اختزالي إلى أداة في يد سلطة واحدة وفقدت السلطة التشريعية كسلطة ثالثة سلطتها، وبالتالي فان المحاكمة العادلة هي حلقة الارتباط بين الدولة والقانون وهذا الارتباط هو الممارسة السليمة للقانون.
وهكذا يكون الحق في الاستعانة بمحام حقا محوريا في شروط المحاكمة العادلة والإشكال المطروح ليس في تعيين محام ولكن في تمكين المحامي من القيام بمهامه في اطار قانوني وواقعي مريح أو مقبول.
لذا فان الاتفاقيات الدولية عندما تنص على شروط المحاكمة العادلة مؤكدة على حضور محام وعلى ان لا يقتصر ذلك الحضور على الشكل المادي بقدر ما يعني توفير إمكانية تقديم الدفاع في ظروف مقبولة.
ونظرا للتشعبات النظرية والفقهية الواسعة التي يثيرها أي بحث للمحاكمة العادلة فان هذا البحث سيقتصر على مناقشة آلية واحدة من آلياتها ألا و هي حصانة المحامي أي الحماية التي يتمتع بها خلال قيامه بواجباته في الدفاع و مدى مساهمته في إنجاز المحاكمة العادلة.
معايير المحاكمة العادلة
أوّلا : في المواثيق الدولية
ثانيا: في القانون التونسي
أولا: معايير المحاكمة العادلة في المواثيق الدولية:
باعتبار أن موضوع بحثنا يتصل بحقوق الإنسان التي اجتازت الحدود الضيقة فأصبحت في أيامنا كونية مما يحيلنا ضرورة على أهم ما جاء بالتشاريع الدولية في خصوص موضوع بحثنا وكذلك بالتشريع التونسي.
* الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:
تنص المادة العاشرة من الإعلان على:لكل إنسان على قدم المساواة مع الآخرين الحق أن تنظر في قضيته محكمة مستقلة و محايدة نظرا منصفا و علنيا للفصل في حقوقه و التزاماته و في أية تهمة جزائية توجه إليه.
كما جاء بالمادة الحادية عشر: كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت إرتكابه لها قانونا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.
* العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية:
تنص المادة 14من العهد : من حق كل فرد إن تكون قضيته محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة مستقلة حيادية منشأة بحكم القانون،كما إن من حق كل محتجز أن يحاكم حضوريا و أن يدافع عن نفسه بشخصه او بواسطة محام من اختياره و أن يحظر بحقه في وجود من يدافع عنه.
* مجموعة المبادئ للأمم المتحدة المتعلقة بحماية جميع الأشخاص اللذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الإيقاف أو السجن.
- أكدت هذه النصوص بالخصوص على الحق في اختيار محام فجاءت ناصة على أنه من حق كل مضنون فيه تكليف محام للدفاع عنه في جميع مراحل الإجراءات الجزائية (المبدآن 10 و 17 من مجموعة المبادئ ) و ينص المبدأ السابع من المبادئ الأساسية المتعلقة بدور المحامين على أن من حق الموقوفين الاستعانة بمحام فورا …
ثانيا: معايير المحاكمة العادلة في التشريع التونسي:
لقد تعرض الدستور التونسي إلى جملة المبادئ التي تضمن لكل إنسان حقه في محاكمة عادلة تتوفر فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه أمام محكمة مختصة و منشأة بالقانون متركبة من قضاة مستقلين لا سلطان عليهم سوى للقانون.
* الفصل 12 من الدستور فقرة ثانية: كل متهم بريء إلى أن تثبت إدانته في محاكمة تكفل له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه.
* الفصل 165: القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون.
* الفصل الأول من القانون المؤرخ في 7 سبتمبر 1989 و المنظم لمهنة المحاماة : المحاماة مهنة حرة و مستقلة غايتها المساعدة على إقامة العدل .
الفصل 46 : لا يترتب عن المرافعات الواقعة أمام المحاكم أية دعوى من أجل الثلب أو الشتم أو القذف أو النميمة إلاّ إذا ثبت سوء النية .
وعليه فان النصوص التشريعية دوليا أو وطنيا في مجملها أقرت بالحق في محاكمة عادلة وأكدت أم من ضمن آليتها وجود دفاع مستقل للمتقاضي الحق المطلق في اختياره غير أن الاشكاليات التالية تبقى قائمة وتفرض نفسها على بحثنا:
هل بالامكان اختزال الضمانات الحقيقية للمحاكمة العادلة في قضاء منصف و محايد يضمن حق الدفاع و يدعم حصانته ؟.
هل يمكننا الحديث عن حصانة للدفاع في القانون التونسي باعتبارها مؤسسة لها آليات وضمانات حقيقية ؟.
إن تناول موضوع "حصانة المحامي كآلية من آليات المحاكمة العادلة"، يفترض الرجوع إلى قانون المحاماة المؤرخ في 15 مارس 1958 الذي وضع لأول مرة بالفصل 41 طريقة تتبع المحامي جزائيا إذا ما أخل عند مباشرته لمهنته بنظام الجلسات القضائية كما نص نفس القانون على جملة من الضمانات الإجرائية عند تتبعه جزائيا.
ويبقى البحث في مسالة الحصانة مطروحا بأكثر حدة وجدية من خلال قانون 7 سبتمبر1989، وخاصة الفصلين 45و46 منه، أمرا بديهيا باعتباره القانون الذي يعكس الوضعية التشريعية الحالية للموضوع.
تهدف دراسة هذا الموضوع على المستوى النظري الى البحث في مكانة الدور الذي يلعبه الدفاع في توفير شروط المحاكمة العادلة. الدور لا يمكن ان يكتمل دون ما لم يتمتع المحامون بالضمانات اللازمة لممارسة دورهم بكامل الاستقلالية والحرية.
كما ان دراسة الموضوع تفضي حتما الى تقييم درجة الحصانة المفترضة التي يوفرها القانون التونسي للمحامي ومن ثم تبين محدودية الضمانات الممنوحة للمحامي التونسي بمناسبة أداء دوره في الدفاع وعلى المستوى العملي فان حصانة المحامي كشرط للمحاكمة العادلة يمثل مطلبا أكيدا لأغلب المحامين في تونس ولمختلف هياكل المهنة المستقلة، مما يجعل تدعيم درجتها غاية يسعى الى تحقيقها اغلب هؤلاء .
وعليه، هل يمكننا الحديث عن حصانة للمحامي في القانون التونسي باعتبارها مؤسسة قانونية ثابتة تسمح بتدعيم آليات المحاكمة العادلة؟
ان الاجابة عن هذه الاشكاليات يدفعنا بداهة لتحليل مجموعة الضمانات الممنوحة للمحامي على مستوى التشريع التونسي والتي لا ترتقي الى درجة الحصانة وهذا هو العنوان الرئيسي للجزء الأول من بحثنا.
الجزء الأول: مجموعة ضمانات لا ترتقي الى درجة الحصانة
إن البحث في طبيعة الحصانة التي يتمتع بها لمحامي في القانون التونسي تفضي إلى القول بنسبيتها وهشاشتها الكبيرة (الفصل الأول)، كما أن التمتع بهذه الحصانة ورد مشروطا في الفصل 46 من قانون المحاماة لسنة1989 (الفصل الثاني).
الفصل الأول: ضمانات هشة:
تظهر هشاشة حصانة المحامي في عدة جوانب تشريعية وعملية، ويمكن حوصلتها فيما يتعلق بإجراءات تتبع المحامي (الفقرة الأولى) أو من خلال محدودية الحماية التي يتمتع بها المحامي في خصوص مكتبه وحياته الخاصة. (الفقرة الثانية)
الفقرة الأولى:على مستوى إجراءات تتبع المحامي:
لقد نص الفصل 45 من قانون المحاماة المؤرخ في 7 سبتمبر 1989 إلى جملة من الإجراءات الواجب إتباعها ضد المحامي الذي يرتكب جنحة أو جناية. ويستوجب تحليل الفصل 45 التعرض إلى مسألتي السلطات المختصة بصلاحية التتبع الجزائي ضد المحامي –أ- ومسالة إعلام رئيس الفرع الجهوي للمحامين وتمكينه من الحضـــور خلال استنطاق المحامي أو تفتيش مكتبه -ب-
أ‌- السلطات القضائية المختصة بالتتبع الجزائي للمحامي.
لقد اقتضى الفصل 45 من القانون الحالي لمهنة المحاماة أن" المحامي المباشر المتهم بارتكاب جناية أو جنحة أثناء القيام بأعمال مهنته أو بمناسبتها يحال وجوبا من طرف الوكيل العام على قاضي التحقيق".
وبذلك نتبين أن المشرع التونسي قد أفرد الوكيل العام بصلاحية إثارة الدعوى العمومية ضد المحامي وطلب إحالته على قاضي التحقيق، الأمر الذي ينجر عنه بصورة مبدئية بطلان التتبع إذا ما كانت إثارته قد تمت من قبل أية سلطة أخرى ، وذلك استنادا على الفصل 199 م.ا.ج والذي يقضي ببطلان كل الأعمال والأحكام المنافية للنصوص المتعلقة بالنظام العام أو قواعد الإجراءات الأساسية أو الماسة بمصلحة المتهم الشرعية.
وقد تطرح مسالة الاختصاص الترابي بالنسبة للوكيل العام المختص بإثارة الدعوى العمومية ضد المحامي. في هذا الإطار يذهب البعض إلى إمكانية الرجوع إلى الفصل 27 من مجلة الإجراءات الجزائية الذي يقتضي انه"يتعهد بالتتبعات وكيل الجمهورية المنتصب بالمكان الذي ارتكبت فيه الجريمة أو بالمكان الذي به مقر المضنون فيه أو بالمكان الذي به محل إقامته الأخير، أو المكان الذي عثر فيه عليه".
في رأينا أن هذا الحل القانوني غير مناسب لمسألة الاختصاص الترابي بالنسبة للتتبع المحامي لأنه بالرجوع إلى الفصل 45 نرى أن من شروط التتبع في هذا الإطار أن يكون من أجل جناية أو جنحة ارتكبت "أثناء القيام أعمال مهنته أو بمناسبتها"، وبالتالي فالوكيل العام المختص هو الذي تم الفعل بدائرة محكمة الاستئناف التي يعمل بها. وفي صورة تتبع المحامي، يتولى الوكيل العام إحالة المحامي على قاضي التحقيق بموجب قرار في فتح البحث.
وقد خص المشرع حاكم التحقيق باختصاص استنطاق المحامي محل التتبع دون غيره، أي أنه أقصى مأموري الضابطة العدلية من الاضطلاع بهذا الدور وهو أمر بديهي في رأينا. غير أن"الإضافة: التي جاء بها الفصل 45 هي وجوب التحقيق مع المحامي حتى في صورة الجنحة المرتكبة من المحامي وذلك خلافا للمبدأ العام في مادة الإجراءات الجزائية الذي يجعل من التحقيق مسألة إختيارية في مادة الجنح.
ويتولى حاكم التحقيق القيام بجميع الأعمال التي يتطلبها عمله من استنطاق وتفتيش وحجز وإصدار البطاقات اللازمة وغيرها. غير أن هذا المبدأ يعرف استثناء جاءت به الفقرة 4 من الفصل 46 من قانون المهنة التي نصت على انه في صورة التلبس يقوم مأمورو العدلية كل الإجراءات، أي البحث والحجز...في حين أن هذه الفقرة قد تركت مسألة الاستنطاق من ضمن اختصاص القاضي المتعهد بالموضوع.
الفقرة الثانية :على مستوى حماية مكتب المحامي :
تمثل استباحة مكتب المحامي إشكالية كبرى يعاني منها المحامون في تونس أمام ضعف ومحدودية الضمانات القانونية والواقعية لمكتب المحامي ووثائقه ومراسلاته واتصالاته.
فإذا عدنا إلى التشريع فإننا لا نجد إلا ضمانة شكلية محدودة إلى حد بعيد تتمثل فيما نص عليه الفصل 45 من قانون 1989 في فقرته الثانية من انه"لا يجوز تفتيش مكتب محام بدون حضور القاضي المختص قانونا".
وتفضي قراءة هذا الفصل إلى القول بان حاكم التحقيق هو المختص الوحيد قانونا بالقيام بأعمال تفتيش المكتب دون أن يحق له إنابة مأموري الضابطة العدلية لتعويضه في القيام بهذا الدور.
وتبقى أهم إشكالية مطروحة في هذا الإطار تتعلق بمسالة استقلالية القضاء وقدرته على القيام بهذا الدور بكل مسؤولية وحياد. إن إثارة هذه الإشكالية لا تنبع من فراغ بل من واقع التتبعات المثارة ضد المحامين في تونس خاصة إذا كانت القضية ذات طبيعة سياسية.
ومن جهة أخرى فان المشرع التونسي لم يتعرض إلى مسالة الحجز بمكتب المحامي مما يجعل الأمر خاضعا إلى الفصل العام في مادة الإجراءات الجزائية والذي ينص على انه"على حاكم التحقيق أن يبحث عن الأوراق والأشياء التي من شانها الإعانة على كشف الحقيقة وان يحجزها".
وهذا السكوت لا يمكن أن يقرا إلا على اعتباره غيابا لأي شكل من أشكال الضمانات الممنوحة للمحامي في هذا الإطار. سواء فيما يتعلق بحضور العميد أو رئيس الفرع الجهوي أو كذلك غياب أي استثناء لبعض الوثائق الخاصة أو ذات الطابع السري. فالمشرع التونسي لم يستثني، خلافا لبعض القوانين المقارنة، حتى المراسلات المتعلقة ببعض القضايا التي ينوب فيها المحامي محل التتبع أو المرسلة إليه من زملاءه أو من حرفاءه.فهذه المراسلات تبقى خاضعة إلى الفصل 99 من م.ا.ج الذي ينص على انه"لحاكم التحقيق أن يأذن بحجز كل ما كان من قبيل المراسلات وغيرها من الأشياء المبعوث بها إن رأى في ذلك فائدة لكشف الحقيق" .
الفصل الثاني: ضمانات مشروطة :
تنص الفقرة الاولى من الفصل 46 من قانون 1989 على انه "لا تترتب عن المرافعات الواقعة امام المحاكم والكتابات المقدمة اليها اية دعوى من اجل الثلب او الشتم او القذف او النميمة كما وقع تعريفها بكل من مجلة الصحافة والمجلة الجنائية الا اذا ثبت سوء النية ".
ان القراءة المعاكسة لهذه الفقرة تفضي بالقول الى حصانة المحامي أمام المحاكم بمناسبة مرافعاته وتقاريره لا تتوفر الا متى كان حسن النية. وحسن النية يبقى من أكثر المفاهيم اثارة للجدل باعتباره مفهوما غير محدد وقابل لأكثر من تأويل بل يمكن يتباين تفسيره بين شخص وآخر بصورة كبيرة.
لذلك لا بد من محاولة تحديد هذا المفهوم (الفقرة الاولى)، ثم البحث في مسالة تتبع المحامي متى ثبت سوء نيته في مرافعة او تقرير مقدم الى المحكمة. (الفقرة الثانية)
الفقرة الأولى: مفهوم حسن النية الوارد بالفصل 46
يمثل سوء النية استثناء لمبدأ عدم مؤاخذة المحامي و المشرع لم يوضح متى يكون المحامي سيء النية في مرافعاته او في تقاريره . و يكون بذلك قد ترك المجال لمطلق اجتهاد القاضي فهو الذي يستشف سوء النية و يرتب الحدّ من الحصانة و يجعل من المحامي محل مؤاخذة إذا كانت مرافعاته أو كتاباته تتم عن سوء نية.
إذن فان القاضي هو الذي يعطي لمبدأ عدم مؤاخذة المحامي الجدوى في تفعيل المحاكمة العادلة لذلك تدخل حصانة المحامي و استقلال القضاء في علاقة جدلية لا يمكن لإحداهما أن تتحقق بدون أخرى.
وتجدر الاشارة في البداية إلى أن هناك واجب الاحترام تجاه المحاكم محمولا على المحامي و يعتبر اليمين التي يؤديها قبل مباشرته خير دليل على ذلك ، كما جاء بالفصل الخامس من قانون تنظيم مهنة المحاماة لسنة 1989 " اقسم بالله العظيم أن أقوم بأعمالي في مهنة المحاماة بأمانة و شرف و أن أحافظ على سرّ المهنة و أن أحترم القوانين و أن لا أتحدى الواجب المحاكم و للسلطة العمومية " .
غير أن عمومية عبارات هذا الفصل لا تسمح بإعطاء مدلول واضح لواجب حسن النية المحمول على المحامي، خاصة في غياب فقه قضاء مستقر وواضح.
ومن خلال الحكم الجناحي الابتدائي عدد 51906 المؤرخ في 03 ماي 2005 الصادر المحكمة الابتدائية بقرمبالة المتعلق بتتبع الاستاذ فوزي بن مراد ، فان المحكمة ادانت المحامي المذكور من اجل تهمة انتهاك حرمة موظف بالقول والتهديد بالجلسة من النظام العدلي طبق الفصلين 125 و126 من المجلة الجنائية والفصل 46 من قانون المحاماة، بناء على توجهه الى رئيس المحكمة بالعبارات التالية:"اسكت انت، وقت يتكلم لسان الدفاع حتى حد ما يقاطعو". ويمن ان نستخلص ان غياب مفهوم واضح ودقيق لمفهوم سوء النية يشكل تهديدا كبيرا لحرية المحامي وحصانته بمناسبة أداءه لرسالته.
الفقرة الثانية: تتبع المحامي سيء النية
على الرغم من الجدل الواسع الذي أثاره الفصل 46 من قانون المهنة في الجانب المتعلق بالاستثناء الوارد بمناسبته اذا ثبت أن المحامي سيء النية وعلى الرغم كذلك من جميع النداءات التي تتالت من مختلف هياكل مهنة المحتاماة والداعية لتنقيحه في اتجاه يحفظ للمهنة حرمتها ويوفر للمحامين ضمانات حقيقية فان السلطة التنفيذية لم تستجب لذلك ولم تقدم على تنقيح هذا الفصل الذي بقي سيفا مسلطا على رؤوس المحامين ولئن أظهرت التجربة \أنه لم يتم استعمال هذا الفصل الا مرة واحدة منذ تنقيخ 1989 فان خطورته تبقى قائمة كما أنه يجعل من التشريع الونسي المنظم لمهنة المحاماة حالة استثنائية أمام تشاريع عديد الدول الغربية وحتى العربية حقيقة أن تتبع المحامي لا يمكن أن يكون على أساس النوايا بل الافعال.
الجزء الثاني: ضمانات لا تتوفر على شروط المحاكمة العادلة
لقد جاء هذا المبدأ بالفصل 46 من قانون تنظيم مهنة المحاماة له 1989 الذي اقتضى أنه : لا تترتب عن المرافعات الواقعة أمام المحاكم و الكتابات المقدمة إليه أية دعوى من أجلا لسب أو الشتم أو القذف أو النميمة كما وقع تعرفها بكل من مجلة الصحافة و المجلة الجنائية إلاّ إذا ثبت سوء النية .
الفقرة الأولى: حدود متأتية من صياعة النص ذاته :
الاستثناء لمبدأ عدم مؤاخذة المحامي هو سوء النية و المشرع لم يوضح كيف و متى يحدث سوء النية . و يكون بذلك قد ترك المجال لاجتهاد المطلق للقاضي فهو الذي يستشف سوء النية و يرتب الحدّ من الحصانة و يجعل من المحامي محل مؤاخذة إذا كانت مرافعاته أو كتاباته تتم عن سوء نية إذن القاضي هو الذي يعطي لمبدأ عدم المؤاخذة المحامي الجدوى في تفعيل المحاكمة العادلة لذلك تدخل حصانة المحامي و استقلال القضاء في علاقة جدلية لا يمكن لإحداهما أن تتحقق بدون أخرى. نشر في البداية إلى أن هناك واجب الاحترام تجاه المحاكم محمولا على المحامي و يعتبر اليمين التي يؤديها قبل مباشرته خير دليل على ذلك ، كما جاء بالفصل الخامس من قانون تنظيم مهنة المحاماة لسنة 1989 " اقسم بالله العظيم أن أقوم بأعمالي في مهنة المحاماة بأمانة و شرف و أن أحافظ على سرّ المهنة و أن أحترم القوانين و أن لا أتحدى الواجب المحاكم و للسلطة العمومية " .
و يتجه الفقه في أن على المحامي أن يمتنع بشكل صارم عن أي عمل يمكن أن ينال من استقلال القضاء … كما لا يجب أن تكون العلاقة بين القضاة و المحامين عرضة "لإساءة الدفاع " إذن ما هي حدود حصانة المحامي خاصة و أن النية هي حالة كامنة في النفس لا يمكن لأي كان أن يستقرئها إلاّ من خلال تجسيداتها الخارجية و المادية فالاستثناء لمبدأ الحصانة هو استثناء هام و المشرع أو كل تفسيره للقاضي لذلك ارتأينا البحث عن مفهوم سوء النية في القوانين الأخرى علنا نهتدي إلى مفهوم يمكن من خلاله جعل لهذا الاستثناء مواصفات موضوعية .
سوء النية في القانون المدني هو التغرير أي إخفاء عيوب الشيء حتى يظهر للغير بالصفة الغير حقيقية أي الخزعبلات التي توقع الغير في الغلط .
سوء النية في القانون الجنائي : هو القصد الجنائي أي القيام بعمل أو عدم القيام به مع المعرفة أن ذلك الفعل مجرم و معاقب عليه بنص سابق الوضع .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: حصانة المحامي كآلية من آليات المحاكمة العادلة   الثلاثاء أبريل 08, 2008 4:15 pm

ما لمراد بسوء النية في الفصل 46 " يشهد مبدأ الحصانة تراجعا هاما مما يمس بمبدأ استقلالية المحامي و حرية حق الدفاع و ذلك إذا تعسف المحامي في ممارسة مهنته و كان ذلك عن قصد "
هل سوء النية هو تعسف في استعمال الحق متى يتعسف المحامي في استعمال الحق .
لم يذكر قانون سنة 1989 المنظم لمهنة المحاماة هذه الحالة .
التعسف في استعمال الحق ينظمه الفصل 103 من م ا ع الذي يقتضي " أن من فعل ما يقتضيه حقه بدون قصد الإضرار بالغير فلا عهدة مالية عليه ."
هل يجيب هذا الفصل عن مفهوم سوء النية و هو قصد الإضرار . و لكن هنا قصد الإضرار يستشف من وقوع الضرر فالنص القانون أي الفصل 103 لا يحمل مسؤولية إلاّ لمن أضر الغير و كان له قصد الإضرار أي أن وقوع المضرة وحدها بدون قصد الإضرار لا يكفي لقيام مسؤولية الفاعل .
إذن نظرية التعسف في استعمال الحق لا تتماشى و مفهوم الفصل 46 من قانون مهنة المحاماة الذي يكتفي بحصول سوء النية ليلغي الحصانة الذي يتمتع بها .
فالفصل 46 من قانون تنظيم مهنة المحاماة نظم حالتين من حالات عدم احترام المحاكم يمثل الحالة الأولى في ارتكاب الجريمة أمام هيئة المحكمة . و تمثل الحالة الثانية في استهداف الجريمة هيئة المحكمة و ينظم الحالة الثانية الفصل 126 من المجلة الجنائية الذي يقتضي " إذا كان انتهاك الحرمة واقعا بالجلسة لموظف من النظام العدلي فالعقاب يكون بالسجن مدة عامين و يكون العقاب بالإعدام إذا وقع الاعتداء بالعنف باستعمال السلاح أو التهديد به ضد قاض بالجلسة "و بالتالي فإن قانون تنظيم مهنة المحاماة لسنة 1989 لم ينظم الجرائم بل أحالها على المجلة الجنائية. و مجلة الصحافة و نصوص أخرى متفرقة و يكون من الأسلم لو يحصر المشرع صراحة قائمة الجرائم التي قد يرتكبها المحامي في إطار مباشرته لمهنة المحاماة حتى تكون إدانته قائمة على نص قانوني جزائي صريح اعتبارا و أنه لا يجوز التوسع و لا القياس في النصوص الجزائية و يمكن ذكر قرار حديث عن محكمة التعقيب أيدت فيه المحكمة ما جاء بالحكم الابتدائي والاستئنافي و رفضت مطلب التعقيب أصلا بعد قبوله شكلا و قد جاء بإحدى حيثيات الحكم الابتدائي القاضي بالإدانة طبق الفصلين 125 و 126 من المجلة الجنائية و الصادر في 17/06/1999 ما يلي " فإن نية المتهم كانت منصرفة أساسا إلى انتهاك حرمة القضاة الجالسين مثلما تؤيده العبارات الصادرة عنه و هيجانه بالجلسة و رفضه الرجوع للمكان المخصص للمحامين عند الترافع و شهادة الشهود و توجهه لرئيس الجلسة بعبارة "أنت ديمة هكاكة معايا " ، يؤكد تعمده انتهاك حرمة القاضي المذكور إذ أن العبارات السالف ذكرها قد وجهت لشخص هذا الأخير و عن قصد لإحراجه و تقليل الاحترام الواجب له خاصة و أن التهجم تم بجلسة علنية و على مرأى و مسمع من جميع الحاضرين …"
كما أكدت محكمة التعقيب التونسية على وجوب توفر الأركان القانونية لجريمة هضم جانب موظف من النظام العدلي ، و جاء في إحدى حيثيات القرار ما يلي :
أن جريمة الفصل 126 من المجلة الجنائية لا تقوم و تستقيم إلاّ بتوفر أركانها الثلاثة و التي من ضمنها أن يكون هضم الجانب بالقول أو الإشارة أو التهديد مقصودا من الجاني و موجها في نفس الوقت إلى الموظف بنية الإساءة إليه أو النيل من اعتباره وجاهة ".
و قد أيدت محكمة الاستئناف الحكم الابتدائي المذكور بتاريخ 29 جوان 2000 و اعتبرت و أن المتهم قد " بادر بالاستهزاء بالحكم التحضيري السابق كما استعمل لهجة هستيرية جاء في مخاطبة المحكمة و خروجه من المكان المخصص للمحامين متقدما نحو منبر المحكمة ملوحا للمحكمة بإشارات بيديه ، كل هذا لا يمكن أن يعتبر مرافعة قانونية تتسم باحترام آداب المهنة وإجراءات التقاضي.
إذن الحالات التي يؤاخذ فيها المحامي حسب فقه القضاء هي طبق الفصول 125 و 126 من المجلة الجنائية و الذين يتعلقان بالانهاك حرمة موظف عمومي بالقول أو بالاشارة او التهديدو هي تعني الأشخاص و الأفراد من الناس بينما المحامي لا يمكن أن يعامل كفرد من عموم الناس ضرورة أن الضمانات القانونية التي توفر لحقوق الدفاع و تتجاوز القانون المنظم لمهنة المحاماة إذ نجدها في الدستور التونسي و هو أعلى نص في المنظومة القانونية و تحديدا فصل 12 إذن لم نعثر على قرار يؤاخذ محامي طبق الفصل 46 من قانون المهنة صراحة و هو الذي استثنى مبدأ الحصانة بسوء النية حسب اعتقادنا يؤدي هذا الاستثناء إلى سحب الحصانة متى أراد القاضي ذلك و بالتالي فإن تحقيق المحاكمة العادلة هو رهين توفر ظروف ملائمة و مناخ ديمقراطي حتى ترقى حصانة المحامي إلى أن تصبح آلية من آليات المحاكمة العادلة إلاّ عندما يكون هنالك احترام للمؤسسات الدستورية و إطلاق حرية التعبير بالنسبة لفقه القضاء الفرنسي فهو يحرم الأفعال التي يقوم بها المحامي و المتمثلة في عبارات و مواقف تكون سلوكا متناف و واجبات المحامي المضمنة باليمين التي يؤديها . و يعرف الفقه الفرنسي المؤسسة القضائية بمحملها على أنها une valeur de civilisation qui postule une demarche particuliere de la part de ceux qui la rendent et de leurs partenaires "
و يكون من الأسلم لو يحصر المشرع صراحة حالات سحب الحصانة حتى يكون هذه الحالات تقوم على إدانة واضحة بمقتضى نص قانوني جزائي صريح لا يجوز التوسع فيه و لا القياس عليه باعتبار أن النصوص الجزائية تخضع إلى تأويل ضيق و لا يمكن التوسع في تأويلها غير أنه جاء نص الفصل 46 من القانون المنظم لمهنة المحاماة نصا يحد من حصانة المحامي بصيغته المبهمة و التي جعلت حدّا لها استثناء يمكن تأويله حسب المناخ السياسي و ملاءمته لمحاكمة عادلة أم لا و بالتالي تصبح المحاماة و دورها الريادي في لدفاع عن حقوق لأفراد كحرية التعبير وحرية الرأي و كل ما تستلزمه مستحقات.
الفقرة الثانية : حدود متأتية من تأويل النص القانوني المبهم و المنظم لحصانة المحامي :
حسب اعتقادنا إذ أريد أن يكون النص المنظم لحصانة المحامي مبهما فذلك يعبر عن رسالة واضحة تتمثل في جعل هذه الحصانة رهينة المناخ السياسي و مكانة القضاء متقاطعة مع المعايير الأخرى السابق بيانها لانجاز المحاكمة العادلة ومنها احترام المؤسسات الدستورية ، و التفريق بين السلط ، و استقلالية القضاء …
فلنرى كيف فك القاضي إبهام النص الذي ينظم حصانة المحامي : يقضي الفصل 46 من قانون7 سبتمبر لسنة 1989 أنه لا تترتب عن المرافعات الواقعة أمام المحاكم و الكتابات المقدمة إليها أية دعوى من أجل السب أو الشتم أو القذف أو النميمة كما وقع تعريفها بكل من مجلة الصحافة و المجلة الجنائية إلاّ إذا ثبت سوء النية .
* تعريف الجنح الثلاثة المذكورة بمجلة الصحافة و المجلة الجنائية :
عرف الفصل 53 من مجلة الصحافة السب بكونه "كل إدعاء أو نسبة شيء بصورة علنية من شأنه أن ينال من شرف أو اعتبار شخص أو هيئة رسمية " و نظم على ذلك عقوبات جسدية ومادية.
عرف الفصل 54 جريمة الشتم بكنه "يعتبر شتما كل عبارة تنال من الكرامة أو لفظ احتقار تتضمن نسبة شيء معين " و نظم على ذلك عقوبات مادية و جسدية و يعتبر ركن العلانية أساسا لقيام جريمة الشتم و الثلب هو الإشهار بمكان عمومي ، و لقد حدد الفصل 46 من قانون تنظيم المحاماة المحاكم باعتبارها المكان الطبيعي الذي يمارس فيه المحامي مهنته بصفة مباشرة ، إضافة إلى أنه يتولى فيه المرافعة و تقديم التقارير و بذلك يكون قد اعتبر قاعة الجلسات مكانا عموميا بالتخصيص .
و قد اعتبرت محكمة النقض المصرية في قرارها الصادر في 15 فيفري 1931 قاعة الجلسة في الوقت المحدد لانعقاد الجلسات تعتبر من المحلات العمومية بالتخصيص ، و الجهر بالقول أو الصياح في ذلك الوقت يوفر ركن العلانية كما عرف الفصل 58 من قانون الصحافة جريمة الثلث بأنه " كل نقل لأمر منسوب و ثبت قضائيا أنه من قبيل الثلب يعتبر صادرا عن سوء نية ما لم يقعالإدلاء بما يثبت خلاف ذلك " و هنا فسر المشرع مفهوم سوء النية التي يتكون من قرينة قابلة للدحض بالنسبة لفقه القضاء التونسي، هنالك قرار مؤرخ في 10 أكتوبر 1964 عدد 1658 يعتبر أنه ليس من الضروري لقيام جريمة الثلب أن يكون المعتدي عليه معينا باسم و إنما يكفي أن تكون عبارات الثلب موجهة بصورة يسهل معها فهم الشخص المقصود منها ، و عدم مراعاة الإجراءات التي جاء بها الفصل 41 من قانون تنظيم مهنة المحاماة لا يوجب بطلان التتبعات الجزائية ضد المحامي لارتكاب جريمة بمناسبة تأديته لواجب مهنته فتحي شلبي : القذف و الثلب و الشتم في القانون الجنائي و قانون الصحافة ، و مجلة القضاء و التشريع عدد 7جويلية 1985 ص 24 و 28 و 30 إلى 45 بتصرف . فعندما تكون صياغة النص المنظم للحصانة على النحو التالي لا تترتب عن المرافعات الواقعة أمام المحاكم و الكتابات المقدمة إليها أية دعوى من أجل السب أو الشتم أو القذف أو النميمة كما وقع تعريفها بكل من مجلة الصحافة و المجلة الجنائية إلاّ إذا ثبت سوء النية لم يحدد فقه القضاء مفهوم لسوء النية و بذلك يمكن الكيل بمكيالين فهنا يعتبر ذاك المحامي عن سوء نية و هناك يعتبر عن حسن نية و يصبح التحديد inconcreto أي حسب مقاييس لا تخضع للموضوعية فما يعتبره قاض حادث عن سوء نية ليس كذلك لقاض آخر و ما يطبق على محام لا يطبق على محام آخر و بالتالي تسحب الحصانة عندما يراد إلغاء حقوق الدفاع و تسلط تتبعات جزائية عليهم و تبقى الحصانة عندما لا تشكل أي إزعاج للسلطة السياسية لذلك غالبا ما يكون المحامي في قضايا الرأي و الحريات مهددا بالتتابعات فلا يمكن له أن يتمسك بالحصانة المنظمة بالفصل 46 لأن سحبها ممكن و سهل أن يتهم بأن مرافعته كانت عن سوء النية باعتبار أن سوء النية إشارة مانعة للحق الممنوح و المتمثل في الحصانة . فمحمول على القاضي بحكم اليمين الذي يؤديها قبل تنصيبه في وظيفته و هي التالية:
"اقسم بالله العظيم أن أقوم بوظائفي بكل حياد و نزاهة و أن التزم بعدم إفشاء سرّ المفاوضات أثناء تولي القضاء وبعده و أن يكون سلوكي سلوك القاضي الأمين الشريف "
إن يؤول النص الغامض تأويل القاضي الأمين الشريف ضمانة في ان لا يفرغ محتوى الحق الممنوح بتأويل غير حيادي أو غير نزيه . فالقاضي هو الذي ينجز المحاكمة العادلة و هو الذي كذلك لا ينجزها عندما يصادر حقوق الدفاع و هو الذي اقسم على شرف الحياد و النزاهة و عدم خيانة الأمانة و عدم افشاء سر المفاوضات إن المشرع بمفرده لا يصنع تاريخا و لا يقيم عدلا فالأمر موكول لكل من يتداول أطراف الحياة الاجتماعية و السياسية كالفقهاء و القضاة و المحامون … كل له دور في تفعيل آليات العدالة الاجتماعية و السياسية .
و رغم أنه يجدر بالنص التشريعي أن يكون واضحا فيما يتعلق بالحقوق الجوهرية فأننا يمكن أن لا نخشى من تأويل نص مبهم أو غير واضح عندما تكون هناك حركة فقهية و كتابات كثيرة تنبه و تقود القضاة و المحامون في عملهم اليومي .
كما يمكن أن لا نخشى من تأويل نص غامض عندما نكون متأكدين أن القاضي محايد و نزيه و أمين و شريف و عندما يكون المحامي يحترم القانون في إطار حق الدفاع و استقلاليته فلا يمكن للمشرع بمفرده ان يقودنا نحو الحرية و العدالة بدون تناغم كل المؤسسات و وعيها بهدفها في المساعدة على إقامة العدل . نضرب مثلا بالقضاء الإداري هذا القضاء الذي أسس فقهه على تدعيم حماية حقوق الأفراد و يكرس مفهوم المواطنة و يقوم برسالة حضارية حقا في حماية حق الفرد ضد تجاوز السلطات .
فلو شهد القضاء العدلي هذه الحركية و هذا الاجتهاد الخلاق لأصبح الفصل 46 رغم نقائصه ،فصلا ينظم بحق حصانة المحامي بصورة واقعية باستثناء حالات يحددها فقه القضاء عندئذ و تصبح معلومة عند الجميع و غير قابلة لتأويل يمس من مبدإ الحصانة ذاته و مؤسسة للدفاع .
إن أي مشرع في أي بلد لإن كان محمولا عليه مراعات الحقوق الجوهرية عند صياغة القانون ، ليس محمولا عليه تحديد الحقوق و الحريات بكامل الدقة و إن يكون متيقظا لحالات ضياع هذه الحقوق لأن ذلك محمول على بقية السلط و مدى إرادتها في إنجاز المشروع الديمقراطي .
الفقرة الثالثة: الحدّ من حصانة المحامي و قانون مكافحة الإرهاب :
لقد أقر القانون عدد 75 لسنة 2003 المؤرخ في سنة 2003 لمكافحة الإرهاب بما يتنافى و مبدأ حصانة المحامي و إنجاز المحاكمة العادلة بإعتبارها حق أساسي أقره الدستور ضمن الفصل 12 من الدستور التونسي في فصله الثاني عشر فقرة ثانية " بأن كل متهم يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته في محاكمة تكفل فيها الضمانات الضرورية للدفاع عن نفسه.
أ/ : الدستور و قانون مكافحة الإرهاب: علاقة تناقض .
ضمن الدستور مبدأ المساواة أمام القانون و ذلك بافتراض قرينة البراءة في حق كل متهم إلى أن تثبت إدانته في محاكمة تكفل فيها الإجراءات الضرورية للدفاع عن نفسه إذن تتمثل غير أن هذا القانون في استبعاده للاجراءات المضمنة بمجلة الاجراءات الجزائية و التي فيها ضمان للمتهم و لحق الدفاع عن نفسه في محاكمة عادلة .
ب/ في ما يتعلق بحق الدفاع و الحقوق الأساسية للمتهم :
بمقتضى الفصل 54 الذي نص على انه يعاقب بالسجن من …. و بخطية كل من أفصح عمدا عن أي معطيات من شأنها الكشف عنهم لغاية إلحاق الإذى بهم و الإضرار بمكاسبهم ، هذا العقاب يشمل المحامي بصفته يطلع على الملف حتى يتمكن من الالمام بالمعطيات و بالتالي الدفاع عن منوبه و نفهم من هذا أن النيابة في الجرائم الإرهابية هي مخاطرة في حدّ ذاتها وبالتالي نخرج عن إطار مبدأ حصانة المحامي و استقلاليته .
هنا المحامي يدخل تحت طائلة عقوبة الفصل 54 و هي عقوبة قاسية خاصة و أن قانون مكافحة الإرهاب قد استبعد القواعد الإجرائية العادية و من ضمنها قواعد الاثبات ‏ هذا و قد سن الفصل 22 : واجب اشعار فوري للسلط العمومية لا يستثني منه من كان خاضعا للسر المهني مثل المحامي . التخلي عن هذا الواجب يعاقب عليه بعقوية بالسجن من عام إلى خمسة أعوام و بخطية من ألف إلى خمسة آلاف دينار .و هو ما يمثل تناقضا صارخا و تقاليد المهنة بحيث يصبح المحامي مخبرا و تعتبر حالة من حالات الإفشاء الوجوبي للسر المهني التي لا يخضع لها المحامي.
ج/ في ما يتعلق بحياد القاضي و استقلاليته :
غير قانون مكافحة الارهاب قواعد الاختصاص الترابي بالنسبة لإثارة الدعوى العمومية إذ جعل لوكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس اختصاص مطلق (الفصل 34 و جعل من وكلاء الجمهورية المتواجدين في دوائر قضاء أخرى عبر ولايات الجمهورية لا يقومون إلاّ بالابحاث الأولية و المتأكدة على أن يضعوا المتهم و تقاريرهم و المحجوز على ذمة وكيل الجمهورية بتونس) .
كما يتمتع مأمورو الضابطة العدلية المؤهلون لمعاينة الجرائم الارهابية التابعون لدائرة المحكمة الابتدائية بتونس بصلاحية مباشرة وظائفهم بكامل تراب الجمهورية دون التقيد بقواعد الاختصاص الترابي (الفصل 132) بحيث يخلق هذا القانون نوعا من الملاحقة المتهم بالارهاب و تجميع المعلومات عند السلطة المركزية القائمة بالتتبع خاصة و أن قرينة الإدانة هي التي تفترض عند إثارة النبع في الجريمة الارهابية إذن لقد فقدت الضمانات القانونية التاي تكفل عدم المساس بالحرمة الجسدية و بالحقوق الأساسية للمظنون فيه .
*1/في ما يتعلق بالمحاكمة :
فقد أقر قانون 10 ديسمبر 2003 اختصاص مطلق للمحكمة الابتدائية بتونس للنظر في الجرائم الارهابية . "مما يجعلنا أمام محاكم استثنائية بحكم الواقع خاصة و أن هذا التخصيص قد رافقته قواعد إجرائية خاصة قد تجعل من المبرر القول بإن هذا الإجراء يعد خرقا لا حد المبادئ القانونية الهامة و هو المساواة أمام القانون "
هنا القضاة هم قضاة معينون للنظر في هذه الجريمة فهل سيحافظون على الحياد و الإنصاف و هل سيكفلون الضمانات الضرورية للمظنون فيه للدفاع عن نفسه و هو الذي يعتبر مدانا إلى تثبت براءته كيف ذلك و قد حذفت كل الضمانات التي توفرها نصوص محله الاجراءات الجزائية .
2/ جريمة مكافحة الإرهاب و المحاكمة العادلة :
لا يمكن استبعاد المحاكمة العادلة لمكافحة الارهاب ذلك لاعتقادنا بأن المضنون فيه يجب أن يمكن من كل حقوقه الأساسية و منها حقه في محاكمة عادلة .
فالجريمة الارهابية تجعل كل مؤسسات المجتمع في خطر لذلك يجب القضاء على جذور الارهاب و أسبابه و ليس على تمظهراته كل جريمة في حق الفرد أو المجتمع يجب أن تدان في إطار محاكمة عادلة تتوفر حصانة حقيقة للدفاع لأن خلاف ذلك يمس من مؤسسة الاستقلالية القضاء و الحقوق الأساسية التي ضمنها الدستور و من ضمنها الحق المقدس للإنسان في الدفاع وفي ردّ التهمة المتعلق به سواء بنفسه أو بواسطة مؤسسة المحاماة التي لا يمكن لها القيام بواجبها إلاّ مع ما يكفي من الحصانة .
إذا كان الفصل 46 قد أقر مبدأ حصانة المحامي و لكنه مستثنيا من هذه الحصانة المحامي السيء النية . هذا القانون اعتدى على مؤسسة الدفاع نفسها و ذلك بسن عقوبات تسلط على المحامي نفسه الذي بمناسبة اطلاعه على أوراق الملف أبلغ حريفه او ذكر بصفة علنية أسماء شهود أو مأمورى الظابط العدلية أو القضاة أو عائلاتهم .
قد بينا في البداية أن المحامي ينوب ليصبح شريكا في القرار فهو يقدح في الشهود و يجرح في الحكام و يطعن ببطلان الإجراءات و شرعية التدابير . فقانون مكافحة الإرهاب لا يمكن المحامي من القدح في الشهود باعتبار أن ذكر أسمائهم (يعرضهم للخطر ) و يعاقب المحامي على فعل ذلك . و المحامي لا يجرح القضاة باعتبار أن هذا القانون يمنع ضمنيا فإن القضاة معينون بصفة خاصة للنظر في هذه القضايا أما الطعن ببطلان الاجراءات و شرعية التدابير فهو أمر مستحيل ذلك أن قانون مكافحة الارهاب استعد الاجراءات العادية التي تضمن حق الدفاع وحياد القاضي
الخاتمة
ان المتتبع لتاريخ ومسيرة المحاماة التونسية التي تجاوزت القرن منذ صدور الامر المنظم لمهنة الوكلاء في ماي 1885 ثم القانون المحدث لهيئة المحامين بتونس سنة 1887 يلاحظ دون عناء ا، مسيرة المحاماة التونسية ارتبطت بالنضالات المتواصلة لأصحاب الزي الأسود من أجل الحصول على الضمانات الواقعيو والقانونية التي تمكنهم من أداء واجبهم دون الخضوع لسلطان الخوف والترهيب الذي تلجأ اليه من حين لآخر السلطة السياسية لاسكاتهم، ولئن أقر القانون الحالي المنظم للمهنة أخيرا بأن المحاماة حرة مستقلة ورتب بعض الضمانات للمحامي أثناء أداء مهمته غير أن تلك الضمانات لم ترتق الى مرتبة الحصانة التي بقيت مطلبا ملحا تتناقله مختلف أجيال المحامين التونسيين التي ترنو إلى تحقيقه ولسان حالها يردد قول المتنبي :
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تأخذ الدنيا غلابـــا
وما استعصى على قوم منال اذا الاقدام كان لهم ركابا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: حصانة المحامى والمحاماة بقلم الأستاذ رجائي عطية المحامي بالنقض   الأحد مايو 29, 2011 12:39 am

حصانة المحامى والمحاماة

بقلم الأستاذ
رجائي عطية
المحامي بالنقض

مقدمة :
المحاماة صوت الحق في هذه الأمة، وفي كل أمة.. هي رسالةينهض بها المحامون فرسان الحق والكلمة، ويخوضون فيها الغمار، ويسبحون ضد التيار !.. يحملون راية العدل في صدق وأمانة وذمة ووقار.. يناصرون الحق، ويدرأون الظلم.. يناضلالمحامي في القيام بأمانته مناضلة قد تتعرض فيها مصالحه وحريته للخطر وربما حياتهنفسها !.
سيبقى رائعًا وعظيمًا ومنشودًا، أن يكون العدل مهجة وضمير وغايةولسان وقلم القاضي فيما به يحكم، بيد أنه ليس يكفي المحامي أن يكون العدل مهجتهوضميره وغايته، وإنما عليه أن يكون مفطورًا على النضال من أجله وأن يسترخص كل عناءٍومجاهدة وخطر في سبيل الوصول إليه – القاضي حسبه أن يقتنع بالعدل فيحكم به، فالكلمةبه صادرة من لسانه وقلبه، ثم هو محصن بالاستقلال وبالحصانة القضائية وبالمنصةالعالية التي إليها يجلس، أما المحامي فيخوض غمارًا عليه أن يقف فيه شامخًا منتصبًارغم أنه بلا حماية ولا حصانة، يكافح من أجل الحق الذي ينشده ويستصغر في سبيلهمصالحه ويستهين بما قد يصيبه في شخصه وحريته، وربما في حياته نفسها، وتاريخالمحاماة شاهد في كل العصور على ذلك !
المحاماة رسالة، تستمد هذا المعنىالجليل من غايتها ونهجها.. فالمحامي يكرس موهبته وعلمه ومعارفه وقدراته لحماية ( الغير) والدفاع عنه.. قد يكفي المهندس أو الطبيب أو الصيدلي أو المحاسب أو المهنيبعامة أن يملك العلم والخبرة، والجد والإخلاص والتفاني، وعطاؤه مردود إليه.. معنى( الغير) والتصدي لحمايته والدفاع عنه ليس حاضرًا في ذهن المهني أو الحرفي، ولكنه كلمعنى المحاماة وصفحة وعي المحامي.. الداعية الديني – مسلمًا كان أو مسيحيًا – يجلسإلى جمهور المتلقين المحبين المقبلين الراغبين في الاستماع إليه، لا يقاومونالداعية ولا يناهضونه ولا يناصبونه عداء ولا منافسة، أما المحامي فإنه يؤدي رسالتهفي ظروف غير مواتية، ما بين خصم يناوئه، ورولٍ مزحوم قد يدفع إلى العجلة أو ضيقالصدر، ومتلقي نادرًا ما يجب سماعه وغالبًا ما يضيق به وقد يصادر عليه ويرى أنهيستغني بعلمه عن الاستماع إليه !! لذلك كانت المحاماة رسالة، الكلمة والحجة أداتها،والفروسية خلقها وسجيتها...
يستطيع المهني أن يؤدي مهمته متى دان له العلموالخبرة بتخصصه – بالطب إذا كان طبيبًا فذلك يكفيه للتشخيص وتحديد العلاج،وبالهندسة إذا كان مهندسًا فذلك يكفيه لإفراغ التصميم ومتابعة التنفيذ – وهكذا، أماالمحامي – فلا يكفيه العلم بالقانون وفروعه، ولا تكفيه الموهبة – وهي شرط لازم،وإنما يتوجب عليه أن يكون موسوعي الثقافة والمعرفة، لأن رسالته قائمة على( الإقناع)، يتغيا به التأثير في وجدان، والوصول إلى غاية معقودة بعقل وفهم وضميرسواه، وهذه الغاية حصاد ما توفره الموهبة ويدلي به العلم وتضافره الثقافة والمعرفة – مجدول ذلك كله في عبارة مسبوكة وشحنة محسوبة لإقناع المتلقي. وما لم يصل المحاميإلى هذا الإقناع، فإن مهمته تخفق في الوصول إلى غايتها.. لذلك فـالمحامي لا يمكنأن يكون من الأوساط أو الخاملين، وإنما هو شعلة نابهة متوقدة متيقظة، موهوبة ملهمة،مزودة بزاد من العلوم والمعارف لا ينفد، مستعدة على الدوام لخوض الصعب وتحقيقالغاية مهما بذلت في سبيلها ما دامت تستهدف الحق والعدل والإنصاف.
ولذلكفإن فروسية الكلمة، ليست محض رصف لحروف، أو عبارات، ولا هي محض مباهاة أو طنطنة.. لا تتحقق للكلمة هذه الفروسية ما لم تكن تعبيرًا عن حاصل واقع وقائم في وجدانوحناياه ملقيها، مقرونًا باستعداد للبذل والنضال والكفاح من أجل تحقيق معانيها: فيعالم الواقع لا في عالم الخيال، في عالم الفعل لا في عالم التفاخر والتباهي والتيهبالكلمات بغض النظر عن قيمتها وما تترجم عنه في عالم الواقع والفعل والعملوالسلوك.. لم يكن النبي - عليه السلام – فارسًا للكلمة لمجرد أنه يقول: ( أنا النبيلا كذب، أنا ابن عبد المطلب) - ولا لمجرد أنه قال لعمه أبي طالب في شأن كبار قريشالذين جاءوا يساومونه على دينه ويعرضون عليه العروض ليصرف النظر عما يدعو إليه،فقال: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمرحتى يظهره الله أو أهلك دونه - ما تركته !. ( .. ولم يكن عليه السلام فارسًا للكلمةلمجرد أن ختم دعاؤه الشهير بالطائف قائلاً في مناجاته لربه: (إن لم يكن بك غضب علىفلا أبالي ! ) .. وإنما كان محمد المصطفى فارسًا للكلمة لأنه كان يعني ما يقول،ولأنه ترجم الكلمات إلى واقع احتمل فيه العذاب والتنكيل والإساءة والإهانةوالإيذاء.. جاهد ما وسعته وفوق ما تسعه طاقة أشداء المجاهدين، واحتمل جمرات قذائفوطعنات الكفار والمشركين، ولم يضق بما كان فيه من مكابدة ونصب، بل مضى لأداء رسالتهيحول الكلمات إلى واقع غيّر وجه الحياة وحمل النور والضياء إلى الإنسانية عبرالمكان والزمان !!
المحاماة رسالة الحق ونصيره وصوته، والمحامون هم فرسانهذه الرسالة، الحاملون لأمانتها، الناهضون بها، الباذلون بصدق وأمانة ومضاء وإخلاصفي محرابها.. يحتضنون في ضمائرهم أوجاع وآلام وهموم الناس، يخوضون الغمار ويجتازونالصعاب للقيام برسالتهم النبيلة.. قوامها الحجة والبيان والبرهان، ورايتها الحقوالعدل والحرية.
هذه الرسالة الضخمة، تستلزم استلزام وجوب أن توفر للمحاميوللمحاماة الحصانة والحماية الكافية، حصانة المحامي وحمايته في أداء رسالته وحملأمانته، هي حصانة وحماية للعدالة ذاتها، لأن النهوض بها عبء جسيم، ولأن غايتها غايةسامقة يجب أن يتوفر لحملة رايتها ما يقدرون به أن يؤدوا الرسالة في أمان بلا وجلولا خوف ولا إعاقة ولا مصادرة !!
ومع أن المدونة التشريعية المصرية، لاتزال إلى الآن دون المستوى المطلوب في حماية المحامي والمحاماة، فإن علينا أن نقربأن كثيرين منا لا يلتفتون - أو بالقدر الكافي - لما حملته المدونة التشريعية منعناصر يتعين على المحامين، وعلى النقابة - أن يلموا بها وأن يتمسكوا بإعمالها إلىأن ترتفع المدونات ومعها الحماية إلى المستوى الذي تنشده المحاماة والمحامون. - هذاويمكننا أن ستخلص من المدونات التشريعية الحالية بعض الخطوط العريضة التي نأمل أنتزداد عراضة واتساعًا وعمقًا.
تورد المادة / 1 من قانون المحاماة 17/1983 - أن المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وفي تأكيد سيادةالقانون وفي كفالة حق الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم.
وتورد ذات المادةالأولى من قانون المحاماة، أن مهنة المحاماة يمارسها المحامون وحدهم في استقلال لاسلطان عليهم في ذلك إلا ضمائرهم وأحكام القانون، فماذا أوردت المدونة التشريعيةالمصرية ضمانًا لذلك ؟ !
أولاً: الاحترام الواجب للمحامي والمحاماة وضمانة قيام المحامي بأمانته بالجلسة:
نصتالمادة /49 من قانون المحاماة 17/1983 على أن (يعامل المحامي من المحاكم وسائرالجهات التي يحضر أمامها بالاحترام الواجب للمهنة)وهذا الاحترام الواجب،لا يصل إلى غايته ما لم تتضافر معه حماية تسبغ على المحامي حال قيامه بواجبهوأمانته، فلا جدوى من ترك واجب الاحترام للآخرين يبذلونه متى شاءوا أو يضنون به متىأرادوا.. يزيد هذه المخاطر احتمالا، أن المحامي يتعامل مع سلطات درج شاغلوها علىممارسة السلطة بما تعطيه هذه الممارسة من اعتياد الخلود والارتياح إليها وحبممارستها بما قد يؤدي إلى تجاوزات ينبغي أن يؤمن المحامي من غائلتها إذا تجاوزت أناشتطت.
لذلك نصت الفقرة الثانية من المادة/ 49 سالفة الذكر، على أنه:
واستثناء من الأحكام الخاصة بنظام الجلسات والجرائم التي تقع فيها المنصوصعليها في قانون المرافعات والإجراءات الجنائية إذا وقع من المحامي أثناء وجودهبالجلسة لأداء واجبه أو بسببه إخلال بنظام الجلسة أو أي أمر يستدعي محاسبته نقابيًاأو جنائيًا، يأمر رئيس الجلسة بتحرير مذكرة بما حدث ويحيلها إلى النيابة العامةويخطر النقابة الفرعية المختصة بذلك .
فلا تجيز هذه المادة - ونقلتها بنصهاالمادة / 590 من تعليمات النيابة العامة (الكتاب الأول) - لا تجيز للقاضي أن يعاملالمحامي الحاضر أمامه بما قد تعامل به جرائم الجلسات، وكل ماله هو أن يحرر مذكرةتحال إلى النيابة العامة مع إخطار نقابة المحامين الفرعية بذلك.
وعلى ذاتهذا النظر جرت المادة / 245 من قانون الإجراءات الجنائية، وزادت أنه لا يجوز أنيكون رئيس الجلسة أو أحد أعضائها عضوًا في الهيئة التي تنظر ما عساه يرفع علىالمحامي.

وتأمينًا للمحامي من أي جنوح في معاملته، نصت المادة / 50 منقانون المحاماة على أنه:

(في الحالات المبينة بالمادة السابقة لا يجوزالقبض على المحامي أو حبسه احتياطيًا، ولا ترفع الدعوى الجنائية فيها إلا بأمر منالنائب العام أو من ينوب عنه من المحامين العاملين الأول).

بهذه النصوصأخرج المشرع ما عساه يصدر من المحامي مخالفًا لقانون وتقاليد المحاماة أو المدونةالجنائية - من عداد الاختصاص المقرر للمحاكم في جرائم الجلسات.

وجوهر هذاالاستثناء الذي قرره الشارع في شأن جرائم الجلسات التي قد تقع أو تنسب إلى محام - أنه لم يخول المحكمة سلطة التحقيق أو الحكم فيها، وإنما قصر سلطتها على مجردالإحالة إلى النيابة العامة لإجراء التحقيق، فلا يجوز للمحكمة أن تحقق مع المحاميالحاضر أمامها أو تتخذ إزاءه أي إجراء من الإجراءات التحفظية، وغاية هذا واضحة هيتوفير مظلة الأمان الواجب للمحامي وهو ينهض برسالته بالجلسة.
وعلة هذاالاستثناء أن المحامي يحتل في النظام القضائي الحديث مركزًا قانونيًا، وهو يعاونالقاضي في الفهم الصحيح لوقائع الدعوى والتطبيق السليم للقانون عليها، ومن المصلحةأن يمكن من أداء واجبه في حرية ودون أن يخشى إجراءً تعسفيًا أو عقوبة فورية يوقعهاالقاضي عليه، يعني ذلك أن ثمة اختلافًا أساسيًا بين وضع المحامي في الجلسة ووضعغيره من الحاضرين فيها، وهذا الاختلاف يفسر الحكم الخاص بهذه الجرائم، وبالإضافةإلى ذلك، قدر الشارع أن من المصلحة - في حالة وقوع الاعتداء على أحد أعضاء هيئةالمحكمة - أن يفصل في جريمة المحامي في جلسة غير الجلسة التي سيطر عليها التوترالذي ترتب على المشادة بينه وبين عضو المحكمة، بل إن الإرجاء قد يتيح الصلح بينهما،فلا تحال الدعوى إلى القضاء، وفي عودة الوئام بين عضو هيئة المحكمة المعتدى عليهوبين المحامي مصلحة لا شك فيها، وإذا أحيلت الدعوى على القضاء، فإنه يفصل فيها قاضٍآخر غير من وقع الاعتداء عليه، فلا يجوز أن يجمع شخص واحد بين صفتي المجني عليهوالقاضي.

* د. محمود نجيب حسني - الإجراءات - ط 1988 - رقم 179 - ص 165 - 166

* الأستاذ علي زكي العرابي - الإجراءات - جـ 1 - رقم 1439 - ص 695

* الدكتور محمود مصطفى - الإجراءات - رقم 87 - ص 115

* د. حسنالمرصفاوي - الإجراءات رقم 65 - ص 168

* د. مأمون سلامة - الإجراءاتالجنائية في التشريع المصري - جـ 1 - ص 187/188

* د. مأمون سلامة - الإجراءات معلقًا عليه - ط 1980 – ص 612

وفيما يبدو أنه استجابة واجبة لهذهالقاعدة المقررة بقانون المحاماة وقانون الإجراءات الجنائية وتعليمات النيابةالعامة - نصت المادة / 592 من تعليمات النيابة العامة على أنه:-

(لا يجوزالقبض على محامٍ أو حسبه احتياطيًا لما نسب إليه في الجلسة من جرائم القذف والسبوالإهانة بسبب أقوال أو كتابات صدرت منه أثناء أو بسبب ممارسته المهنة، وعلى عضوالنيابة تحرير محضر بما حدث في هذه الحالة وإبلاغ صورته عن طريق المحامي العام أورئيس النيابة الكلية إلى مجلس النقابة، وذلك دون إخلال بسلطة النيابة في تحقيق هذهالجرائم).
ثانيًا: حماية المحامي من أي تجاوز أو إهانةأثناء قيامه بأعمال مهنته
حماية المحامي هي فيما أسلفنا - حماية للمحاماة وللعدالة، والإقرار بماللمحاماة من دور هام ومشارك في تحقيق العدالة، تستوجب حمايته من أي تجاوزات تمسه أوتمس اعتباره أثناء نهوضه بأمانته - ومع أن التعدي والإساءة للاعتبار معاقب عليهمابالمدونة العقابية بغض النظر عن شخص المجني عليه - فإن قانون المحاماة 17/1983 نصفي مادته / 54 على ما يلي:
" يعاقب كل من تعدى على محام أو أهانه بالإشارةأو القول أو التهديد أثناء قيامه بأعمال مهنته أو بسببها بالعقوبة المقررة لمنيرتكب هذه الجريمة ضد أحد أعضاء هيئة المحكمة "
وجدير بالذكر أن الفقرةالثانية من المادة / 133 عقوبات، تعاقب عن إهانة هيئة قضائية بعقوبة الحبس مدة لاتزيد على سنة أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه.
ثالثًا: ضوابط وقيودالتحقيق مع المحامي أو تفتيش مكتبه:
نصت المادة / 51 من قانون المحاماة 17/1983على أنه:
" لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاءالنيابة العامة . ويجب على النيابة العامة أن تخطر مجلس النقابة أو مجلسالنقابة الفرعية قبل الشروع في تحقيق أية شكوى ضد محام بوقت مناسب، وللنقيب أو رئيسالنقابة الفرعية إذا كان المحامي متهمًا بجناية أو جنحة خاصة بعمله أن يحضر هو أومن ينيبه من المحامين، التحقيقولمجلس النقابة، ولمجلس النقابة الفرعيةالمختص طلب صور التحقيق بغير رسوم
ونصت المادة / 587 من تعليمات النيابةالعامة (الكتاب الأول) على أنه:
" إذا اتهم أحد المحامين بارتكاب جناية أوجنحة لا صلة لها بمهنته فيجب على الشرطة إذا كان البلاغ قد ورد إليها ابتداء إخطارالنيابة فورًا لتتولى تحقيق الحادث، وعلى النيابة الجزئية التي تلقت بلاغ الحادث أوأخطرت به أن تتولى تحقيقه وقيده بجداولها مع مراعاة إخطار المحامي العام أو رئيسالنيابة الكلية بذلك فورًا وقبل البدء في التحقيق، ولا يجوز للنيابة أن تكلف الشرطةبتحقيق أية شكوى من الشكاوى التي تقدم ضد المحامين ولا بإجراء استيفاء فيها، وإذااقتضى التحقيق حضور المحامي إلى مقر النيابة فيجب طلبه بكتاب خاص يرسل إليه مباشرةأو الاتصال به بطريق التليفون ولا يجوز طلب المحامي إلى النيابة عن طريق الشرطة).

ونصت المادة /588 من تعليمات النيابة العامة (الكتاب الأول) على أنه:

(إذا كان موضوع الشكوى المقدمة ضد المحامي يتعلق بمهنته فيجوز للمحاميالعام أو رئيس النيابة الكلية الاكتفاء بطلب معلومات المحامي إلا إذا كان اقتضىالأمر سماع أقوال الشاكي أو إجراء تحقيق فيما تضمنته الشكوى، فإذا تفاهم طرفاالشكوى أو ثبت أنها غير جدية فيتعين حفظها ما لم ير المحامي العام أو رئيس النيابةالكلية استطلاع رأي المحامي العام لدى محكمة الاستئناف قبل التصرف فيها).

ونصت المادة / 589 من تعليمات النيابة العامة (الكتاب الأول) على أنه:

(إذا اتهم المحامي بأنه ارتكب جناية أو جنحة أو أنه أخل بواجباته أو بشرفطائفته أو حط من قدرها بسبب سيره في أعمال مهنته أو غيرها فيجب على النيابات أنترسل التحقيق الذي تجريه في ذلك إلى المحامي العام لدى محكمة الاستئناف بمذكرةلاستطلاع الرأي قبل التصرف فيه، وعليه إرسال الأوراق إلى النائب العام إذا رأىمحلاً لإقامة الدعوى الجنائية أو التأديبية).

هذا ومع ما نصت عليه المادة / 592 سالفة البيان من تعليمات النيابة العامة، فإن المادة / 593 من ذات التعليمات قدنصت على أنه:

(لا يجوز التحقيق مع محام أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحدأعضاء النيابة ويجب على عضو النيابة أن يخطر مجلس نقابة المحامين أو مجلس النقابةالفرعية قبل الشروع في التحقيق أي شكوى ضد أحد المحامين بوقت مناسب.

فإذاكان المحامي متهمًا بجناية أو جنحة خاصة بعمله فللنقيب أو رئيس النقابة الفرعية أومن ينبه من المحامين حضور التحقيق).

وتقييد تفتيش مكتب المحامي هو فرع علىما يجب توفيره له من ظروف وضمانات لتوفير الحماية الواجبة له ليستطيع أن ينهضبمهامه ويؤدي رسالته في حرية وطمأنينة وأمان، يفرض هذا أيضًا أن المحامي عرضهبالأدوار التي يؤديها في الخصومات أن يكون هدفًا لانتقام هذا أو ذاك من أطرافالخصومة ببلاغ كيدي، فضلاً عما يجب أن يتوفر للمكتب وأوراقه ومستنداته من سياج تأمنبه من أي عبث أو تهديد قد يتستر شكلاً بشكاوى وإجراءات ظاهرها برئ وباطنها الرغبةفي الكيد للمحامي أو الوصول إلى النيل منه أو مما لديه من مستندات وأوراق تتعلق بهاأسرار ومصالح الخصوم الذين يتولى قضاياهم..
رابعًا: حصانة المحامي فيمرافعته الشفوية والمكتوبة:-
لا يعرف صعوبة المرافعة إلا من يكابدها، فهي حاملة الرسالة التي ينهض بهاالمحاماة في ظروف عسيرة لبلوغ الغاية وإحقاق الحق وإرساء العدل.

ولا غناءفي مرافعة - شفوية أو مكتوبة - تحوطها المخاوف والهواجس، وإلا فقد الدفاع حكمتهوغايته جميعًا.

وحماية المحامي في أداء رسالته، هي فرع على حماية حقوقالدفاع، سواء باشرها أطراف الخصومة، أو نهض بها المحامون.

وقد نصت المادة / 309 عقوبات على أنه:-

(لا تسري أحكام المواد 302، 303، 305، 306، 308 علىما يسنده أحد الأخصام في الدفاع الشفوي أو الكتابي أمام المحاكم فإن ذلك لا يترتبعليه إلا المقاضاة المدنية أو المحاكمة التأديبية).

ونصت المادة / 47 منقانون المحاماة 17/1983 (المادتان 91، 134 من قانون المحاماة 61/ 6FPRIVATE "TYPE=PICT;ALT=Cool" على أنه:-

(للمحامي أن يسلك الطريقة التي يراها ناجحةطبقًا لأصول المهنة في الدفاع عن موكله ولا يكون مسئولاً عما يورده في مرافعتهالشفوية أو في مذكراته المكتوبة مما يستلزمه حق الدفاع، وذلك مع عدم الإخلال بأحكامقانون الإجراءات الجنائية وقانون المرافعات المدنية والتجارية).

هذا وقدجرى تواتر قضاء النقض باطراد، على أن حكم المادة 309 ع ليس إلا تطبيقًا لمبدأ عامهو حرية الدفاع بالقدر الذي يستلزمه وأنه يستوي أن تصدر العبارات أمام المحاكم أوأمام سلطات التحقيق أي في محاضر البوليس، ذلك بأن هذا الحق أشد ما يكون ارتباطًابالضرورة الداعية إليه (نقض 2/10/1965 - س 7 - 269-986)، حتى أنه قضى بدخول إنكاربنوة الطفل واتهام أمه بأنها حملته سفاحًا في دائرة أفعال القذف المباحة لأنها منمستلزمات الدفاع، وكذلك نسبة الاختلاس والارتشاء إلى الموظف لإثبات مبررات فصله، أونسبة اختلاس ريع الوقف إلى نظار الوقف في دعوى عزله من النظارة، (نقض 10/6/1940 مجالقواعد القانونية - عمر - جـ 5 - رقم 122 - ص 230)، كما قضى بأن نسبة الإقراضبالربا الفاحش إلى الخصم في معرض بيان مقدرته المالية تعتبر متعلقة بدعوى النفقةالمرفوعة عليه - (نقض 4/3/40 مج القواعد القانونية - عمر – جـ 5 - رقم 71 - ص 122)،كما قضى أيضًا بأنه من المباح لأنه من مستلزمات الدفاع إسناد المتهم شهادة الزوروالرشوة إلى رجل البوليس الذي حرر ضده محضر جمع الاستدلالات (جرائم النشر.. الأستاذمحمد عبد الله محمد - ط 1951 - ص 347).

* وقضت محكمة النقض بأن:

(الإدانة) بالسبب تستلزم من الحكم بيان العبارات محل الاتهام بالسب أوالقذف، - حتى يتضح وجه استخلاص الحكم أن عبارات السب ليست مما يستلزمه حق الدفاع فيالنزاع).

* نقض 22/10/1972 - س 23 - 240 - 1074

بل وقضت محكمةالنقض بأنه:

(يدخل في معنى الخصم الذي يعفى من عقاب القذف الذي يصدر منهأمام المحكمة طبقًا لنص المادة / 309 ع المحامون عن المتقاضين ما دامت عبارات القذفالموجهة إليهم تتصل بموضوع الخصومة وتقتضيها ضرورات الدفاع).

* نقض 27/11/1956 - س 7 - 332 - 1196

* وقضت محكمة النقض بأن:

(حكمالمادة / 309 عقوبات ليس إلا تطبيقًا لمبدأ عام هو حرية الدفاع بالقدر الذييستلزمه، فيستوي أن تصدر العبارات أمام محاكم أو أمام سلطات التحقيق أو في محضرالشرطة، - ذلك بأن هذا الحق أشد ما يكون ارتباطًا بالضرورة الداعية إليه، وما فاهبه الطاعن من طلب السكوت من جانب الطعون ضده (بقوله (اخرس)) أدنى وسائل الدفاع عننفسه في مقام اتهامه أمام الشرطة باغتصاب أثاث زوجته ورميه بأنه يعيش من مالها - ويكون الحكم إذ اعتبر ما تلفظ به الطاعن/ سبًا يكون قد أخطأ في التكييف القانوني).

* نقض 6/10/1969 - س 20 - 197 - 1014

وأيدت محكمة النقض الحكمالقاضي ببراءة المطعون ضده - والذي وجه لخصمه في دعوى مدنية أمام محكمة الموسكيالجزئية - عبارة (أنت خايف ليكشف تزويرك) - وقالت المحكمة أن هذا الإسناد ممايستلزمه الدفاع، وأن الخصم إذ وصف اختلاف المستندات بأنه تزوير فإن ذلك يكونتضخيمًا لتهيئة ذهن المحكمة بما يستلزمه الدفاع، وقالت محكمة النقض أنه لما كان ذلكوكان الفصل فيما إذا كانت عبارات السب أو القذف مما يستلزمه الدفاع متروكًا لمحكمةالموضوع وكانت المحكمة قد رأت أن العبارات التي صدرت من المطعون ضده إنما تتصلبالنزاع القائم وبالقدر الذي تقتضيه مرافعة الخصم عن حقه، وانتهت في منطق سليم إلىأن تلك العبارات مما تمتد إليه حماية القانون، فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى برفضطلب التعويض تأسيسًا على تعلق (القذف) بالخصومة ومناسبته للمقام، لا يكون قد أخطأفي شيء ويكون الطعن على غير أساس متعينًا رفضه).
* نقض 27/11/1956 - س 7 - 332 - 1196

* وقضت محكمة النقض بأنه:

(متى كانت محكمة الموضوع قد قررتفي حدود سلطتها التقديرية أن العبارات التي اعتبرها الطاعن قذفًا في حقه - إنماصدرت من المطعون ضده في مقام الدفاع في الدعوى المدنية التي رفعها الطاعن عليه ورأتأن المقام كان يقتضيها فلا يقبل الجدل في ذلك أمام محكمة النقض).

* نقض 26/1/1948 - مج القواعد القانونية - عمر - جـ 7 - 519 - 478

* وقضت محكمةالنقض بنقض وإلغاء الحكم المطعون فيه الذي كان قد قضى بالإدانة - وقضت مجددًاببراءة الطاعن الذي كان قد رد على ادعاء المدعية بقيام الزوجية وأنها أثمرت طفلاً - بأن قال (إن هذا الولد نتيجة سفاح) - وأوردت محكمة النقض أن عبارات القذف إنما وقعتأثناء تحقيق النيابة وكانت في مقام الدفاع، فتكون الواقعة المسندة إليه لا عقابعليها طبقًا للمادة 309 عقوبات، - ومن ثم يتعين إلغاء الحكم المطعون فيه وبراءةالطاعن مما نسب إليه).

نقض 19/5/1941 - مج القواعد القانونية - عمر - جـ 5 - 266 - 522

* كما قضت في العديد من أحكامها، - بأن تجاوز حق الدفاع المقررفي المادة / 309 عقوبات لا يستوجب إلا المساءلة المدنية.

* نقض 23/2/1942 - مج القواعد القانونية - عمر - جـ 5 - 367 - 629

* نقض 8/1/1931 - مجالقواعد القانونية - عمر - جـ 2 - 142 - 178

* وقضت محكمة النقض بأن:-

(حكم المادة / 309 عقوبات ليس إلا تطبيقًا لمبدأ عام هو حرية الدفاع بالقدرالذي يستلزمه فيستوي أن تصدر العبارات أمام المحاكم أو أمام سلطات التحقيق أو فيمحاضر البوليس ذلك بأن هذا الحق أشد ما يكون ارتباطًا بالضرورة الداعية إليه).

* نقض 2/10/1956 - س 7 - 269 - 986

وذلك وفي هذا الحكم الصادر 2/10/1956 برئاسة المستشار مصطفى فاضل وكيل المحكمة، - وبعضوية المستشارين محمودإبراهيم إسماعيل، ومحمود محمد مجاهد، ومحمد محمد حسنين، وأحمد عفيفي أيدت محكمةالنقض القضاء بالبراءة عن واقعة نعي فيها الطاعن على المطعون ضدهم - أن قذف أحدهمعلنًا في حق الطاعن بأن أسند إليه في محضر رسمي (أنه ليس محاميًا وليس له أن يتخذلقب أستاذ التي هي للمحامين) - فقضت محكمة أول درجة حضوريًا ببراءة المتهمين ورفضالدعوى المدنية وإلزامه بمصروفاتها - فاستأنف المدعي الحق المدني (الطاعن) هذاالحكم، فقضت محكمة الإسكندرية الابتدائية حضوريًا بتأييد الحكم المستأنف (القاضيبالبراءة) وألزمته (الطاعن) المصروفات المدنية الاستئنافية، - فطعن من ثم بالنقض، - ناعيًا على المحكمة أنها قصرت في الرد على دفاعه - دفاع الطاعن - بأن العبارات تشكلقذفًا في حقه لما تضمنته من أنه يدعي أنه محام ويدعو نفسه بأستاذ بغير حق، فقضتمحكمة النقض برفض هذا الطعن وتأييد الحكم القاضي بالبراءة قولاً منها بأن المحكمةالاستئنافية فيما قضت به من عدم قيام الجريمة وانتفاء الخطأ الموجب للمسئوليةالمدنية، قد أحاطت بظروف الدعوى وألمت بموجبات هذا القضاء وأقرت الحكم المستأنف (القاضي بالبراءة) فيما قرره في حدود سلطة المحكمة التقديرية من أن العبارات موضوعالاتهام (أنه ليس محاميًا وليس له أن يتخذ لقب أستاذ التي هي للمحامين) تشملهاحصانة الدفاع، - وأنه متى كان ذلك فإنه لا يعيب الحكم أنه أجرى حكم المادة 309عقوبات على ما أبدى من عبارات في محضر تحقيق البوليس لأن حكم هذه المادة ليس إلاتطبيقًا لمبدأ عام هو حرية الدفاع بالقدر الذي يستلزمه فيستوي أن تصدر العباراتأمام المحاكم أو أمام سلطات التحقيق أو في محاضر البوليس ذلك بأن هذا الحق أشد مايكون ارتباطًا بالضرورة الداعية إليه)

* نقض 2/10/1956 - س 7 - 269 - 986 - الطعن 749/26 ق
خامسًا: كفالةحق المحامي في الاطلاع.

وعدم جوازالمصادرة على حقه أو تعطيله.

نصت المادة / 52 من قانون المحاماة 17/1983 - على أنه:-

(للمحامي حق الاطلاع على الدعاوى والأوراق القضائية والحصول علىالبيانات المتعلقة بالدعاوى التي يباشرها.

ويجب على جميع المحاكم والنياباتودوائر الشرطة ومأموريات الشهر العقاري وغيرها من الجهات التي يمارس المحامي مهمتهأمامها أن تقدم له التسهيلات التي يقتضيها القيام بواجبه وتمكينه من الاطلاع علىالأوراق والحصول على البيانات وحضور التحقيق مع موكله وفقًا لأحكام القانون ولايجوز رفض طلباته دون مسوغ قانوني.

ويجب إثبات جميع ما يدور في الجلسة فيمحضرها).

واستجابة لما نص عليه قانون المحاماة، وتوجيه العدالة وكفالة حقوقالدفاع، أصدر النائب العام الكتاب الدوري رقم 7/1996 أورد فيه ما يلي:-

(لما كان من المقرر أن حق الاطلاع على أوراق التحقيقات التي تجريها النيابةالعامة مع المتهمين تعد من أبرز حقوق الدفاع التي نظمها قانون الإجراءات الجنائية،والمادة / 52 من قانون المحاماة رقم / 17 لسنة 1983 - بوصفه من أهم ضمانات التحقيقالجنائي وذلك تمكينًا للدفاع من القيام بواجبه المنوط به قانونًا.

وتطبيقًالذلك - نظمت المواد 605، 612، 613 من التعليمات القضائية حالات وضوابط ممارسةالدفاع لذلك الحق، وجاء تنظيمها في هذا الشأن شاملاً كذلك لحالات ممارسة التحقيق فيظروف الاستعجال ومقتضيات الضرورة بسبب الخوف من ضياع الأدلة.

وبناء على ماتقدم - ونزولاً على تلك الاعتبارات فإننا ندعو السادة أعضاء النيابة إلى ضرورةالعمل على تيسير حق الدفاع في الاطلاع على أوراق التحقيقات أو نسخها ملتزمين في ذلكبما ورد في النصوص سالفة الإشارة من أحكام وضوابط قانونية تمكينًا للدفاع من أداءواجبه المقرر في هذا الشأن).

ثم زاد النائب العام هذه الكفالة قوة وضمانًا،في الكتاب الدوري رقم /1 لسنة 2002 - وأورد فيه ما يلي:-

(نصت المادة 125من قانون الإجراءات الجنائية على أنه (يجب السماح للمحامي بالاطلاع على التحقيق فياليوم السابق على الاستجواب أو المواجهة ما لم يقرر القاضي غير ذلك، وفي جميعالأحوال لا يجوز الفصل بين المتهم ومحاميه الحاضر معه أثناء التحقيق).

ولماكان حق الدفاع من الحقوق الأصلية المكفولة لكل مواطن بحكم الدستور، الأمر الذي يجبوضعه دائمًا في موضع التنفيذ في كافة مناحيه والعمل على إزالة أية عقبات تعترضسبيله، ولعل من أهم مظاهره وجوب السماح للمحامي بالاطلاع على التحقيق حتى اليومالسابق على استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود حتى يحاط الدفاعبما جرى في التحقيقات عن بصر وبصيرة حرصًا على أداء واجبه وصولاً إلى الحقيقة التيينشدها المجتمع.

فإننا ندعو السادة أعضاء النيابة إلى تكليف رؤساء الأقلامالجنائية بالنيابات الكلية والجزئيات تحت إشرافهم بتصوير التحقيقات التي تجريهاالنيابة العامة أيًا كان الرقم القضائي المقيدة به عقب كل جلسة تحقيق وختمها بخاتمالنيابة لتكون صورة طبق الأصل تودع لدى رؤساء الأقلام الجنائية على أن يتم تصويرنسخة معتمدة من الصورة المودعة تسلم للسادة المحامين الموكلين حال طلبهم الاطلاععلى التحقيقات بعد سداد الرسوم المقررة، ويحتفظ بأصل التحقيقات بعيدًا عن التداول).
سادسًا: عدمجواز إجبار المحامي على إفشاء ما لديه من أسرار موكليه:

في حياة ونفس كل إنسانأسرار ودقائق وأمور لا يعلمها إلا عالم الأسرار ومن خلق النفس البشرية وسواهافألهمها فجورها وتقواها.. سبحانه وتعالى، ولا يقوى صاحبها على المصارحة والإفضاءوالإسرار بمكنون ومخبوء نفسه إلا لمن يثق فيه ويطمئن إلى أنه لن يفشي ذلك السر،فالإنسان مجبول بفطرته وطبيعته وغريزته على أن يكتم سره في قبله وألا يبوح به لأحدمن الناس إلى لمن وثق به وأمن واطمأن إليه وارتضاه حافظًا على أسراره.

وذلكفقد حرصت الشرائع على تحريم وحظر وتجريم إفشاء الأسرار وحضت على كتمان الأسراربحسبانه واجبًا وإلزامًا خلقيًا، وقد ابتدأ الأمر بتجريم رجال الدين إذا ما أفشواسر الاعتراف، ثم امتد نطاق الحظر والتجريم بعد ذلك إلى المحامين ووكلاء الدعاوىوالأطباء على مختلف تخصصاتهم والصيادلة، والجراحين والقوابل، ولما تطورت رسالةالدولة وتزايدت واتسعت واجباتها وجد كمان أسرار المهنة تطبيقاته في أعمال السلطاتالمختلفة، كالقضاء والتحقيقات والتوثيق والضرائب وغيرها.

ولذلك فقد نصت م 75 أ.ج على أنه:

تعتبر إجراءات التحقيق ذاتها والنتائج التي تسفر عنها منالأسرار ويجب على قضاة التحقيق وأعضاء النيابة العامة ومساعديهم من كتاب وخبراءوغيرهم ممن يتصلون بالتحقيق أو يحضرونه سبب وظيفتهم أو مهنتهم عدم إفشائها، ومنيخالف ذلك منهم يعاقب طبقًا للمادة / 310 من قانون العقوبات).

كما أكدت هذهالقاعدة م / 58 أ.ج بالنسبة إلى كل موظف يكون قد وصل إلى علمه بسبب التفتيش معلوماتعن الأشياء والأوراق المضبوطة، وكذلك ما نصت عليه م/ 154 ع من أن (كل من أخفى منموظفي الحكومة أو مصلحة التلغراف أو مأموريها تلغرافًا من التلغرافات المسلمة إلىالمصلحة المذكورة أو أفشاه أو سهل ذلك لغيره ويعاقب...........)

وواجبالمحامي في المحافظة على أسرار موكله، وينبع أساسًا من قيم وتقاليد المحاماة،ويستند أيضًا إلى نص المادة / 79 من قانون المحاماة 17/1983 التي نصت على أنه:-

(على المحامي أن يحتفظ بما يفضي به إليه موكله من معلومات، ما لم يطلب منهإبداءها للدفاع عن مصالحة في الدعوى).

وجدير بالذكر أنه توجد قوانين أخرىلا يتسع المقام لسردها - أوجبت على طوائف مختلف من الموظفين عدم إفشاء أسرارالمهنة، مثل م / 48 من القانون رقم 14/ 1939 الخاص بفرض ضريبة على إيرادات رؤوسالأموال المنقولة وعلى الأرباح الصناعية والتجارية وعلى كسب العمل، والمادة / 18 منالمرسوم بقانون رقم 163 / 1950 الخاص بشؤون التسعيرة الجبرية وتحديد الأرباحوالمادة / 14 من القانون رقم 80 / 1947 بتنظيم الرقابة على عمليات النقد.

ومهنة المحاماة من أبرز المهن التي يفزع فيها الإنسان طائعًا مختارًا إلىرسلها وفرسانها، يبوح إلى من يختاره منهم بمكنون ومخبوء نفسه، ولذلك فقد أوجبالمشرع على المحامي حفظ هذه الأسرار (م/ 79 محاماة سالفة البيان)، كما حرص المشرع - تحقيقًا لهذه الغاية - على أن يحيط علاقة المحامي بموكله بسياج متين وضمانات تكفلالأمن والأمان والطمأنينة لتلك الرسالة السامية ومن يمارسها، فوضع نصوصًا لا يجوزبمقتضاها إجبار المحامي على إفشاء ما لديه من أسرار.


فنصت م / 65 منقانون المحاماة رقم 17/ 1983 على أنه:

(على المحامي أن يمتنع عن أداءالشهادة عن الوقائع أو المعلومات التي علم بها عن طريق مهنته إذا طلب منه ذلك منأبلغها إليه، إلا إذا كان ذكرها له بقصد ارتكاب جناية أو جنحة).

وفي ذاتالمعنى والسياق سالف البيان نصت م / 66 من قانون الإثبات فق المواد المدنيةوالتجارية على أنه:

(لا يجوز لمن علم من المحامين أو الوكلاء أو الأطباء أوغيرهم عن طريق مهنته أو صنعته بواقعة أو معلومات أن يفشيها ولو بعد انتهاء خدمته أوزوال صفته ما لم يكن ذكرها مقصودًا به ارتكاب جناية أو جنحة).

(ومع ذلك يجبعلى الأشخاص المذكورين أن يؤدوا الشهادة على تلك الواقعة أو المعلومات متى طلب منهمذلك من أسرها إليهم على ألا يخل ذلك بأحكام القوانين الخاصة بهم)

ذلك أنالمشرع قدر أن المحامي هو مستودع سر موكله، وهو المؤتمن على الأسرار التي سرها إليهوالتي قد لا يأمن أن يسر بها إلى أحد آخر غيره ولو المقربين إليه، ولذا فقد احترمالمشرع تلك العلاقة التي تربط المحامي بموكله وأحاطها بضمانة تبعث الطمأنينة والأمنفي نفس المحامي وموكله، فنص في المادتين سالفتي البيان على عدم جواز إجبار المحاميعلى أن يفشي ما لديه من أسرار موكليه، كما أعطى له الحق في أن يمتنع عن أداءالشاهدة عن الوقائع أو المعلومات التي علم بها عن طريق مهنته إذا لم يأذن له موكلهبذلك، بل وصل الأمر إلى حد أن المشرع حظر على المحامي إفشاء الأسرار والمعلوماتوالوقائع التي علم بها عن طريق مهنته ولو بعد انتهاء خدمته أو زوال صفته.

فقد نصت م/ 310 على أنه:

(كل من كان من الأطباء أو الجراحين أوالصيادلة أو القوابل أو غيرهم مودعًا لديه بمقتضى صناعته أو وظيفته سر خصوصي أؤتمنعليه فأفشاه في غير الأحوال التي يلزمه القانون فيها بتبليغ ذلك يعاقب بالحبس مدةلا تزيد على ستة أشهر أو بغرامة لا تتجاوز خمسمائة جنيه مصري).

(ولا تسريأحكام هذه المادة في الأحوال التي لم يرخص فيها قانونًا بإفشاء أمور معينة كالمقررفي المواد 202، 203، 204، 205 من قانون المرافعات في المواد المدنية والتجارية).

وواضح أن النص وإن تمثل في حظر الإفشاء بالأطباء والجراحين والصيادلةوالقوابل، فإنه عنى بإطلاق القاعدة بصريح اللفظ لتمتد إلى غيرهم ممن تقتضي مهنهمالاطلاع على الأسرار، وفي مقدمتهم المحامون.

* نقض 31/1/1967 – س 8 - 24 – 128 – الطعن 1172/36 ق

وإذا كان لا يجوز إجبار المحامي على إفشاء ما لديهمن أسرار موكليه، إلا أن ذلك لا يمنع من جواز سماع شهادته أمام النيابة أو القضاءإذا طلب أو أذن له موكله وصاحب السر بذلك، فحينئذ فقط يجوز للمحامي أن يدليبشهادته.

وجرى قضاء النقض على أنه يجوز للمحامي أن يكون شاهدًا في الدعوى (نقض 2/1/1929 – مج القواعد القانونية – محمود عمر – جـ 1 – 97 – 118).

ومنالمتفق عليه أنه يجوز للمحامي عن المتهم أن يسمع كشاهد نفي، إذ لا يوجد أي تعارضبين الصفتين، صفته كمحام عن المتهم وصفته كشاهد نفي للاتهام المنسوب إلى موكله، إذلا يوجد أي نص قانوني يحظر على المحامي أن يكون شاهدًا، ولكن استشهاد سلطة الاتهامبالمحامي هو وحده الذي يتعارض مع واجبه في الدفاع عن المتهم، ومع ما يمليه عليهواجب عدم إفشاء الأسرار التي أؤتمن عليها فلا يجوز للمحامي – حينئذ – أن يشهد ضدموكله المتهم المكلف بالدفاع عنه.

* د. عبد الرءوف مهدي – شرح القواعدالعامة للإجراءات الجنائية – ط نادي القضاة – 2003 – رقم 915 – ص 1334

* د. محمود نجيب حسني – الإجراءات – جـ 2 – 1988 – ص 488

والأصل هو أن حظر إفشاءالأسرار مقرر حتى ولو كان للتبليغ عن جريمة وقعت بالفعل، فليس للطبيب الذي يدعى إلىعيادة مصاب أن يبلغ عن إصابته، ولو اتصلت بجناية سواء أكان فيها جانيًا أو مجنيعليه، وليس للمحامي الذي اعترف له موكله بارتكاب جريمة معينة أن يبلغ عنها وهكذا،ولا يمكن للطبيب أو المحامي في مثل هاتين الصورتين أو غيرهما أن يتذرع بحكم المادة 25 إجراءات التي أجازت (لكل من علم بوقوع جريمة يجوز للنيابة العامة رفع الدعوىعنها بغير شكوى أو طلب أن يبلغ النيابة العامة أو أحد مأموري الضبط القضائي عنها.

وإنما استثناء من هذا الأصل أجاز القانون للأمين على السر أن يبلغ السلطاتعما وصل إليه من معلومات إذا كان (ذكرها مقصودًا به فقط ارتكاب جناية أو جنحة (علىحد تعبير المادة 66 من قانون الإثبات، أما إذا وقعت بالفعل فلا يجوز له الإفشاءبأية حال.
سابعًا: حماية مراسلات المحامي مع موكله والمحادثاتالهاتفيةبينهما:


ترتبط ضمانة حماية المراسلات المتبادلة بينالمحامي وموكله بالضمانة التي قررها المشرع للمحامي وحظر فيها إجباره على إفشاء مالديه من أسرار موكليه إلا بإذن الموكل أو بناء على طلبه.

فالمراسلاتالمتبادلة بين المحامي وموكله والأوراق والمستندات التي يسلمها أو يودعها الموكللدى محاميه تتضمن بطبيعة الحال أسرارًا لا يجوز إجبار المحامي على إفشائها أو إطلاعالغير عليها أو تسليمها إليهم حتى ولو كانت صورًا ضوئية منها.

ولذلك فقدنصت م/ 96 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 328 من التعليمات العامة للنياباتعلى أنه:

(لا يجوز لقاضي التحقيق أن يضبط لدى المدافع عن المتهم أو الخبيرالاستشاري الأوراق والمستندات التي سلمها المتهم لهما لأداء المهمة التي عهد إليهابها، ولا المراسلات المتبادلة بينهما في القضية).

وواضح من ذلك النص أنالمشرع قد وضع قيدًا على نطاق الأشياء التي يجوز للمحقق ضبطها فاستبعد منه الأوراقوالمستندات التي سلمها المتهم للمدافع عنه كي يستعين بها في الدفاع عنه أوالمراسلات المتبادلة بينهما في هذا الشأن، ولو رجح المحقق أن ضبطها فيه فائدة كبيرةللتحقيق، وعلة هذا القيد تمكين المدافع من القيام بدوره في الدعوى الجنائية، وهودور قد صار أساسيًا في القانون الحديث، ويتصل هذا القيد كذلك بالتزام المدافع بالسرالمهني، وعدم جواز أن التنقيب عن الدليل بطريق غير مشروع، ويتسق ذلك مع المبدأ الذيقررته المادة/141 من قانون الإجراءات الجنائية من حيث (عدم جواز الإخلال بحق المتهمفي الاتصال دائمًا بالمدافع عنه بدون حضور أحد)، فإذا كان من حق المتهم أن يتحدثشفويًا مع المدافع عنه بدون أن يستمع المحقق لحديثه، فإنه يرتبط بذلك حقه في أنيرسله دون أن يطلع المحقق على رسائله، وإذ الرسالة حديث مكتوب، والعلة العامة التيتجمع بين هذه المبادئ هي الحاجة إلى تمكين المتهم والمدافع عنه في أن يضعا خطةالدفاع معًا، دون أن يفسد تدبيرهما اطلاع المحقق على ما يدور بينهما، ومن مصلحةالمجتمع أن توضع خطة الدفاع التي تكافل اطلاع القضاء على وجهة نظر المتهم.

وعلة النص تتيح استظهار الأحكام التي يقررها: فالحصانة من الضبط تشمل مايسلمه المتهم إلى المدافع عنه من أشياء كي يستعملها في الدفاع عنه، وتشمل كذلكالمراسلات المتبادلة بينهما، وقد سوى الشارع بالمدافع عن المتهم الخبير الاستشاريالذي اختاره، فهو كذلك مدافع عنه من الوجهة الفنية.

ويشترط لعدم جواز الضبطشرطان: أن يكون من سلم الشيء له أو جرت بينه وبين المتهم الرسائل مدافعًا عنه، أيأن تثبت له هذه الصفة وفقًا للقانون، ويستوي أن يكون مختارًا أو منتدبًا، ولذلك لاتمتد الحصانة إلى ما يسلمه أو يبعث به المتهم إلى صديق كي ينصحه في خطة دفاعه، ولكنالحصانة تمتد إلى ما يبعث به المتهم إلى محام تمهيد لتوكيله في الدفاع عنه، أماالشرط الثاني، فهو أن تتوافر الصلة بين الشيء وبين الدفاع عن المتهم، أي يثبت أنوجوده في حيازة المدافع ضروري أو ملائم لحسن أدائه مهمته، والمحقق هو الذي يقدرذلك، وتراقبه في تقديره محكمة الموضوع.

ولا يجوز ضبط المراسلات التي بينالمحامي وموكله، سواء كانت في حيازة المدافع أو كانت في حيازة المتهم الذي تلقاه منالمدافع أو يوشك على إرسالها إليه، بل لا يجوز ضبطها في مكاتب البريد أو البرق، ولايجوز – استنادًا إلى ذات العلة – مراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية بين المتهموالمدافع عنه، إذ المحادثة رسالة في مدلولها الواسع، ولا يجوز التنصت أو تسجيلالأحاديث التي تدور بينهما.

ولا تعني القواعد السابقة عدم جواز تفتيش مكتبالمدافع عن المتهم أو خبيره الاستشاري، شريطة أن يكون وفقًا للضوابط والقيود التيوضعتها المادة / 51 من قانون المحاماة 17/1983، وإنما تعني عدم جواز تفتيشه إذاانحصرت غاية التفتيش في ضبط المراسلات المتبادلة بين المتهم ومحاميه، إذ تكونالغاية غير مشروعة، فيبطل التفتيش تبعًا لذلك، ولكن الشارع اشترط في تفتيش مكتبالمحامي – حين يكون جائزًا – أن يجريه أحد أعضاء النيابة العامة (المادة/ 51 منقانون المحاماة)، فلا يجوز أن يندب له مأمور الضبط القضائي، ولكن يجوز أن يجريهقاضي التحقيق من باب أولى، والضبط الذي يجرى خلافًا للقواعد السابقة يكون باطلاً،ولكن يجوز للمتهم – إذا قدر أن مصلحته في الدفاع تقتضي ذلك – أن يرضى باطلاع المحققعلى المراسلات المتبادلة بينه وبين محاميه.

أما مقار نقابة المحامين،فتتمتع بحصانة خاصة، عبرت عنها بعض مواد تعليمات النيابة العامة.

فنصتالمادة/ 327 من تعليمات النيابة العامة على أنه:

(لا يجوز لغير أعضاءالنيابة العامة تفتيش مقار نقابة المحامين ونقاباتها الفرعية ولجانها الفرعية أووضع أختام عليها، ويكون ذلك بحضور نقيب المحامين أو رئيس النقابة الفرعية أو منيمثلها، كما لا يجوز تفتيش مكاتب المحامين إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة.

ولا يصح بأي حال أن يندب أحد مأموري الضبط القضائي من غير أعضاء النيابةالعامة – للقيام بأحد الإجراءات سالفة البيان – كما لا يجوز لمأمور الضبط القضائيالقيام بها من تلقاء نفسه في حالة التلبس طبقًا لنص المادة 47 من قانون الإجراءاتالجنائية).
كما نصت المادة / 594 من ذات التعليمات على أنه:

(إذا اقتضىالأمر تفتيش مقر نقابة المحامين أو إحدى النقابات أو اللجان الفرعية أو وضع أختامعليها فيجب أن يتم ذلك بمعرفة أحد أعضاء النيابة وبحضور نقيب المحامين أو رئيسالنقابة الفرعية أو من يمثلهما بعد إخطاره بالحضور).

ثامنًا: عدم جوازالحجز على مكتب المحامي:
قدر المشرع أن أداء المحامي لمهمته السامية لايمكن أن يتحقق ما لم يتحقق له الاستقرار والأمن والأمان للمكان الذي يمارس فيهمهنته ونشاطه، فلم يجز القانون الحجز على مكتبه وكافة محتوياته وأدواته المستخدمةفي مزاولة وممارسة نشاطه المهني.

فقط نصت م/55 من قانون المحاماة رقم 17/1983 على أنه:

(لا يجوز الحجز على مكتب المحامي وكافة محتوياتهالمستخدمة في مزاولة المهنة).

كما وضعت م/ 306 من قانون المرافعات فيالمواد المدنية والتجارية نصًا عامًا لا يجوز بمقتضاه الحجز على ما يلزم كل مدينصاحب مهنة أو حرفة أيًا كانت من كتب وأدوات ومهمات لمزاولة مهنته أو حرفته بنفسهإلا لاقتضاء ثمنها أو مصاريف صيانتها أو نفقة مقررة.

فقد نصت م/ 306مرافعات سالفة البيان على أنه:

(لا يجوز الحجز على الأشياء الآتية إلالاقتضاء ثمنها أو مصاريف صيانتها أو نفقة مقررة:

1- ما يلزم المدين من كتبوأدوات ومهمات لمزاولة مهنته وحرفته بنفسه.

2-................................

ويشمل الحظر الوارد بالفقرةالأولى من المادة سالفة الذكر كل ما يلزم صاحب المهنة أو الحرفة لمزاولة مهنته أوحرفته كالكتب اللازمة للمحامي لمباشرة مهنته سواء كانت كتبًا قانونية أم تتصل بعلوماجتماعية يلزم معرفتها لمباشرة مهنته أيًا كانت قيمتها واللزوم مسألة نسبية تختلفباختلاف المهنة واختلاف مركز الشخص فيها.

وحصانة المحامي تحتاج إلى نقابةتحاجي عليها وتحميها وتوفر لها فاعليتها، وعلى قدرة قوة ومهابة النقابة على قدر ماتوفره لأبنائها حملة رسالة المحاماة من حماية فعلية تقيم سياجًا يحميهم من أيتجاوزات.

وجدير بالذكر أنه في سبتمبر 1946 حدث اعتداء من جانب رئيس محكمةمصر الابتدائية على بعض المحامين هم الأساتذة أحمد حسين وعزيز فهمي وعبد الحميد عبدالمقصود، فاجتمعت الجمعية العمومية للنقابة في اجتماع غير عادي في 20 سبتمبر 1946وقررت ما يلي:-


1- توافق الجمعية العمومية على ما تم في تسوية الحادث الذيوقع بين حضرة رئيس محكمة مصر وحضرات الزملاء وذلك بزيارة رئيس المحكمة ومعه كباررجال القضاء والنيابة لدار النقابة وإظهار أسفه وإعرابه عن تقديره واحترامه لحضراتالزملاء الذين تقدموا بالشكوى لمجلس النقابة مما جعل المجلس وحضرات الزملاء يعتبرونأن الحادث المذكور قد انتهى.


2- تقرر الجمعية العمومية للمحامين أنالمحاماة عنصر أساسي في النظام القضائي، وأن العدالة لا يمكن أن تتحقق تمامًا إلابتعاون عناصر النظام القضائي كله وتبادل الاحترام والتقدير بين القضاء والمحاماة،وأن كل اعتداء على كرامة المحامين أو حقوقهم وكل حد من قيامهم بواجب الدفاع فيهإخلال خطير بالعدالة لن تقبله الجمعية العمومية، وهي تأمل أن يكون هذا الوضع دائمًامحل تقدير من الجميع، كما تود ألا تتجدد حوادث الاعتداء وإلا فإنها على استعداد فيكل وقت لأن تجتمع وتقرر ما تراه لازمًا للمحافظة على كرامة المحامين وحقوق المهنةولو أدى الأمر إلى امتناع المحامين عن مباشرة عملهم حتى تسير الأمور في مجراهاالطبيعي.


وفي بداية عام 1949 حينما كان يجرى إعداد مشروع جديد لقانونالإجراءات الجنائية اتجهت اللجنة المختصة في مجلس الشيوخ إلى إلغاء نص المادة 51 منالقانون 98 لسنة 1944 الخاصة بحصانة المحامي أثناء الجلسات، فقام الأستاذ الجليلعمر عمر/ نقيب المحامين وقتها بمقابلة أعضاء اللجنة وهددهم بأنه إذا ألغيت هذهالمادة فسوف يضرب المحامون وينقلون أسماءهم إلى جداول غير المشتغلين، واجتمعتالجمعية العمومية للنقابة لهذا الغرض في 25 فبراير 1949 وقررت إزاء ذلك ما يلي: - (إن المحامين جميعهم لا يقبلون بحال إلغاء نص المادة/ 51 من قانون المحاماة رقم 98لسنة 1944، لأنه نص وضع حرصًا على مصلحة العدالة وحافظًا على كرامة المحامين وتمكينالمحامين من أداء واجبهم المقدس، وتفوض الجمعية العمومية مجلس النقابة للعمل علىبقاء المعاني المستفادة من النص سالف الذكر).

وجدير بالذكر واقعة أخرىتداعت في أول مارس 1961، تصدى لها مجلس النقابة العامة برئاسة النقيب المهيبالأستاذ الجليل مصطفى البرادعي، حين قام أحد القضاة بإصدار أمر ضبط وإحضار أحدالمحامين وحبسه احتياطيًا لمدة خمسة أيام بتهمة اعتدائه على المحكمة، وفور اتصالالنيابة بالنقابة اجتمع مجلسها برئاسة الأستاذ الجليل مصطفى البرادعي في 2 مارس 1961 وأصدر بيانًا جاء فيه:
)يؤسف مجلس نقابة المحامين أن تشوب الوحدة التيتجمع بين رجال القضاء الجالس منه والواقف تصرفات تصدر بين الحين والحين مما يخرجعلى مقتضى ما سارت عليه التقاليد وما توجبه الأوضاع المتداولة بين القضاة والمحامينإلى جانب الانطواء كثيرًا على مخالفة لأحكام القانون، ولقد أخذ مجلس النقابة الأموربما توجبه الحكمة، ولكنه يرى مضطرًا أن القرار الصادر من أحد قضاة محكمة بنها بضبطوإحضار أحد الأساتذة المحامين ثم التقرير بحبسه احتياطيًا لمدة خمسة أيام بتهمةاعتدائه على المحكمة أثناء تأدية واجبه أن هذا التصرف قد أمعن في الجنوح حتى جانبذات الحكمة من الحبس الاحتياطي التي لا تتوافر وفي الجرائم العادية – إلا عند خشيةالتأثير على الدليل أو هرب المتهم، وهي حكمة لا تقوم في مثل هذه الحالة من قريب أوبعيد، بل إن اعتبارات وحدة الأسرة القضائية ووجوب استمرار التعاون بين أفرادهاوالإبقاء على التقاليد الراسخة التي جمعت بينهم، كل ذلك كان يوجب معالجة الأمور علىغير هذا النحو وتجنب مثل هذا القرار، ومما يزيد من أسف مجلس النقابة أن يجانبالتصرف حكم القانون في زاوية أخرى هي التغاضي عن النص الوارد في المادة 52 منالقانون 96 لسنة 1957 حيث سرى التحقيق دون إخطار النقيب... لهذا قرر المجلساحتجاجًا على هذه التصرفات:

أولاً: الإضراب عن العمل أمام جمعية المحاكم يومالأحد 5 مارس 1961
ثانيًا: الامتناع عن الحضور أمام القاضي الذي أصدر قرارالضبط والإحضار.
ثالثًا: اعتبار مجلس نقابة المحامين في حالة انعقاد مستمرحتى ترد للمحامين كرامتهم(

كلمة ختام


أجملنا بقدر الإمكان، ما وردفي المدونة التشريعية المصرية حماية للمحامي والمحاماة، وعلينا أن نلتفت إلى أن ذلكأدنى بكثير من آمال المحامين والمحاماة، وأقل ما يتوجب توفيره لحصانة المحامي وأمانالأداء – لافتين الأنظار أيضًا إلى أن كثيرًا مما ورد في المدونة التشريعية ينقصه (الجزاء) أو ينقصه الجزاء الكافي، وأن هذه الحقيقة تضع واجبًا رئيسيًا على المحامينوعلى نقابتهم العامة ونقابتهم الفرعية، بأن يتقدم كل منا إلى قيم المحاماة، وأنيكون عنوان قويًا مهيبًا لها، يفرض بعلمه وقدراته احترام الآخرين له وللمحاماة، وأنتؤدي النقابة دورها في أن تكون مظلة حقيقة للمحامين والمحاماة، تتدارك معهم ما فيالمدونة التشريعية من قصور معيب في حماية المحامي والمحاماة التي ينهض فرسانها علىإقامة العدل ورفع رايات الحرية ورد الكرامة إلى الإنسان الجريح.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 
حصانة المحامي كآلية من آليات المحاكمة العادلة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 1-1- بحوث عامة في القانون التونسي-
انتقل الى: