البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 واجب أمانة الأجير تجاه المؤسسة النوري مزيد عميد كلية الحقوق بصفاقس

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: واجب أمانة الأجير تجاه المؤسسة النوري مزيد عميد كلية الحقوق بصفاقس   الإثنين يناير 28, 2008 10:27 am

ملتقى علمي حول مصلحة المؤسسة في القانون الإجتماعي الذي ألتئم بالحمامات يومي 22 و 23 جوان 2007 من طرف الجمعية التونسية لمتفقدي الشغل مقرها باب الخضراء 1075 تونس و ننشره بموقعنا تعميما للفائدة

يندرج واجب أمانة الأجير تجاه المؤسسة ضمن مبدأ عام يحكم سائر العقود، تكريسا لما نصّ عليه الفصل 243 من مجلة الإلتزامات والعقود مؤكدا على أنه " يجب الوفاء بالإلتزامات مع تمام الأمانة ولا يلزم ما صرح به فقط بل يلزم كل ما ترتب على الإلتزام من حيث القانون أو العرف أو الإنصاف حسب طبيعته".

وغالبا ما يقترن مفهوم الأمانة بمفهوم حسن النية الذي يعتبر " من الثوابت الأساسية التي تقوم عليها نظرية العقد في نظر المشرّع التونسي " . لكننا نفضل هنا إستعمال المفهوم الأول باعتبار أنّ مصطلح حسن النية يبقى متسما بالغموض والعمومية ولا يوجد تعريف دقيق له.

غير أنّ ذلك لا يعني في الحقيقة إنعدام العلاقة تماما بين المفهومين، بل يمكن القول أنّ مفهوم الأمانة ليس إلا إمتدادا أو تطبيقا لمبدأ حسن النية، وهو ما يقتضي من طرفي العقد إتباع سلوك متطابق مع الثقة المتبادلة التي أنشأها الإتفاق القائم بينهما، وما يترتب عن ذلك من ضرورة بذل العناية اللازمة لتنفيذ العقد بإخلاص، أي تنفيذ ما ينجرّ عنه من إلتزامات بالشكل الأفضل والأجدى والذي يراعي مصلحة الطرفين معا.
ورغم أنّ مجلة الشغل لم تنص بصفة صريحة وعامة على واجب أمانة الأجير تجاه مؤجره، فإنّ هذا الواجب يكتسي بدون شك أهمية بالغة في العلاقات الشغلية التي تنصهر في إطار مفهوم المؤسسة باعتبارها تشكل في نفس الوقت خلية إقتصادية وإجتماعية تقوم على ضرورة التكامل والتعاون بين مختلف عناصرها من أجل العمل على إستمرار نشاطها وإزدهارها. وهو ما يكفل للعمال شروط المحافظة على مورد رزقهم وما يضمن للمؤجر شروط النجاح في المنافسة الإقتصادية التي ما إنفكت تزداد حدّة في ظل التحولات المقترنة بالعولمة وتحرير المبادلات.
في هذا الإطار العام يتنزل إذن موضوع واجب أمانة الأجير تجاه المؤسسة. وهو ما يتطلب منا أن نحلل تجليات هذا الواجب ومقتضياته بالرجوع إلى أحكام قانون الشغل وفقه القضاء في هذا المجال.
ويمكن أن نتناول هذا الموضوع من خلال التمييز بين مرحلتين مختلفتين : أثناء تنفيذ العقد وما بعد إنتهاء العقد. ففي المرحلة الأولى يبدو واجب الأمانة بديهيا ويجد سندا له في العديد من الأحكام التي تضمنتها مجلة الشغل أو الإتفاقيات المشتركة وكرسها فقه القضاء. ويتجسد هذا الواجب من خلال إلتزام الأجير بالنزاهة في تنفيذ العقد وما يتطلبه من وفاء للمؤسسة التي ينتمي لها (I).
أما في المرحلة الثانية، أي بعد إنتهاء العقد فإنّ واجب الأمانة ينتفي مبدئيا كواجب قانوني عام بحكم أنّ الأجير يسترجع حريته تجاه مؤجره السابق ويمكن أن يمارس بصفة شرعية أي نشاط منافس له. لكن حتى في هذه المرحلة يمكن أن يجد الأجير نفسه مقيدا بالإلتزام بالأمانة نحو مؤجره السابق إذا تضمن عقد الشغل بندا ينصّ على عدم المنافسة، بحيث يصبح العقد بدوره مصدرا لتدعيم واجب الأمانة الذي يمتد إلى مرحلة لاحقة لمغادرة الأجير للمؤسسة (II).

I – الإلتزام بالنزاهة إثناء تنفيذ عقد الشغل

إذا كان من البديهي أن يتقيّد الأجير بمبدأ النزاهة تجاه مؤجره داخل المؤسسة (أ) فإنّ هذا المبدأ لا يتوقف عند هذا الحدّ بل يمتدّ كذلك ليشمل في كثير من الحالات سلوك الأجير خارج المؤسسة (ب).

أ) الإلتزام بالنزاهة داخل المؤسسة

مثل سائر العقود الأخرى، يقتضي عقد الشغل أن يتمّ تنفيذه بنزاهة وإخلاص، وهو ما يؤدي إلى تقيّد الأجير أثناء حياته المهنية بعدة إلتزامات قانونية تصب في إتجاه ضمان مصلحة المؤسسة.

ويتجلى مبدأ النزاهة قبل كل شيء من خلال التقيّد بأداء العمل بإخلاص باعتباره يمثل أهم واجب يترتب عن عقد الشغل على عاتق الأجير. ونعلم أنّ هذا الأخير مطالب بأداء العمل لفائدة المؤجر بصفة شخصية، وذلك باعتبار أنّ عقد ا لشغل هو من العقود ذات الإعتبار الشخصي .

ويقتضي الإلتزام بأداء العمل بنزاهة أن يتقيّد الأجير خاصة باحترام التعليمات التي تلقاها من مؤجره، وهو ما يقترن بمفهوم التبعية القانونية الذي يميّز عقد الشغل عن سائر العقود الأخرى، ذلك أنّ الفصل السادس من مجلة الشغل ينصّ على أنّ الأجير يؤدي عمله "تحت إدارة ومراقبة " المؤجر، مما يعطي لهذا الأخير سلطة قانونية في الإشراف على تسيير العمل داخل المؤسسة وتحديد شروط أدائه ومراقبة نتائجه.

وقد أقرّ ذلك فقه القضاء في العديد من القرارات مؤكدا على أنه "من أهم أركان عقد الشغل أن يستمدّ الأجير كامل سلطته من مستأجره وأن يكون عمله دوما في نطاق الأذون التي يتلقاها منه " .

ويترتب عن إلتزام الأجير بالخضوع إلى نفوذ المؤجر في تنفيذ العقد أنه يصبح "مسؤولا عن نتائج عدم إنجاز التعليمات التي تلقاها إذا كانت قطعية ولم يكن له عذر جدي لمخالفتها. و في صورة وجود مثل هذه الأعذار عليه أن يعلم بها مؤجره وأن يترقب تعليماته إذا لم يخش خطرا في ذلك " .

هذا ما أقرّه الفصل العاشر من مجلة الشغل، وهو ما يسمح باستنتاج مبدأ عام وإستثناء له.

فمن ناحية أولى، يتمثل المبدأ في تقيّد الأجير بتنفيذ تعليمات مؤجره في أداء العمل. ومن البديهي أنّ المقصود بهذه التعليمات تلك التي يتلقاها الأجير في نطاق قيامه بالعمل الذي كلف به وفي حدود إلتزاماته المهنية . وفي صورة الإخلال بهذا الواجب تقوم مسؤوليته نحو المؤجر. وهي مسؤولية عقدية باعتبارها ترتبط بالإخلال بإلتزام ينشأ عن إبرام عقد الشغل، مما يعني أنّ الأجير يكون معرضا مبدئيا لتحمل النتائج المترتبة عن كل خطأ أو تفريط أو تقصير من جانبه بسبب عدم تقيده بتوجيهات وأوامر المؤجر. وعلى هذا الأساس يجوز مبدئيا لهذا الأخير أن يطالبه بتعويض الضرر الحاصل للمؤسسة نتيجة ذلك الإخلال بواجبه المهني، مثلما يجوز له أن يسلط عليه عقوبة تأديبية قد تصل إلى حدّ إقصائه من المؤسسة نهائيا. وفي هذا الإتجاه أقرّ المشرّع أنّ " الإمتناع غير المبرّر عن تنفيذ الأوامر المتعلقة بالعمل والصادرة بصفة قطعية عن الهيئات المختصة بالمؤسسة التي تشغل العامل أو عن رئيسه " يمكن أن يعتبر من الأخطاء الفادحة التي تبرر الطرد . كما يتعيّن على العامل الإمتثال للتعليمات المتعلقة بالصحة والسلامة المهنية، وتجنب إرتكاب أي فعل أو تقصير من شأنه عرقلة تنفيذ هذه التعليمات ، ممّا يعتبر أيضا من الأخطاء الفادحة التي تبرر الطرد .

وإذا كان الأجير يتحمل مبدئيا المسؤولية الناجمة عن أي خطأ يلحق ضررا بالمؤسسة نتيجة إخلاله بالتعليمات التي تلقاها من مؤجره، فإنّ قانون الشغل قد اتجه عموما نحو التخفيف من حدّة تلك المسؤولية باعتبار وضعية التبعية التي يوجد فيها الأجير وهذا ما يبرز مثلا من خلال التمييز بين نوعين من الأخطاء : الأخطاء البسيطة التي لا تبرر قطع عقد الشغل والأخطاء الفادحة التي تعتبر من الأسباب الحقيقية والجدية للطرد.

ومن ناحية أخرى، فإنّ المبدأ المتمثل في إلتزام الأجير بتعليمات مؤجره ليس مبدأ مطلقا، وإنما يوجد إستثناء له، يتمثل في حق العامل في عدم التقيّد بتنفيذ تلك التعليمات إذا كانت تشكل خطرا عليه. هذا ما يستنتج من خلال الفقرة الثانية للفصل العاشر من مجلة الشغل، حيث منح المشرّع للعامل نوعا من السلطة التقديرية التي من شأنها أن تسمح له بالإمتناع عن تنفيذ أوامر مؤجره كلما رأى أنّ هناك مبررا جديّا لمخالفتها والذي يتمثل أساس في وجود خطر محدق يهدد سلامته البدنية. ففي هذه الحالة لا يعتبر الإمتناع عن تنفيذ تعليمات المؤجر خطأ أو تقصيرا من جانب العامل، ولا يتحمل هذا الأخير المسؤولية المنجزة عن ذلك، وإنما تبقى هذه المسؤولية على عاتق المؤجر الذي يتحمل مبدئيا كل ما ينجر عن نشاط المؤسسة من مخاطر تجاه العمال أو الغير.

ولا تتوقف الإلتزامات العقدية للأجير على إحترام أوامر المؤجر في أداء العمل، وإنما تشمل أيضا عدة إلتزامات أخرى تتعلق بواجبه في بذل العناية الكافية في تنفيذ عقد الشغل. وهو ما يترتب عنه بصفة خاصة إلتزامه بالإنضباط في العمل، مما يستوجب الحضور في المؤسسة بصفة منتظمة، حسب التوقيت الذي يحدده المؤجر في نطاق احترام الأحكام العامة المتعلقة بمدة العمل. لهذا أقرّ فقه القضاء في العديد من القرارات أنّ غياب الأجير عن العمل بصفة غير شرعية يعدّ من الأخطاء الفادحة التي تبرّر الطرد، خاصة إذا تكرّرت تلك الغيابات عدة مرات . لكن واجب الأجير في أداء العمل بإخلاص لا يتوقف عند إلتزامه بالتوقيت العادي للعمل ، حسب النظام التي تخضع له المؤسسة، وإنما قد يكون مطالبا أحيانا بالقيام بساعات عمل إضافية إذا إستوجبت ذلك مصلحة المؤسسة ولا يجوز للأجير مبدئيا رفض القيام بالساعات الزائدة المرخص فيها قانونيا، إذ أنّ اللجوء إلى مثل هذه الساعات يدخل ضمن سلطة المؤجر في تسيير العمل. ولهذا فإنّ رفض الأجير القيام بالساعات الإضافية بدون مبرر شرعي قد يشكل هفوة يمكن أن تبرر تسليط عقوبة تأديبية ضده من طرف المؤجر .

كما يترتب عن واجب الأجير في بذل العناية اللازمة في تنفيذ العقد إلتزامه باحترام القواعد المتعلقة بمردوديته في أداء العمل سواء من حيث حجم الإنتاج أو نوعيته. ولهذا اعتبر المشرّع أنّ " التخفيض في حجم الإنتاج أو نوعيته الناتج عن سوء إستعداد ظاهر " من ضمن الأخطاء الفادحة التي تبرر الطرد ، وهو ما أقرته أيضا أحكام الفصل 37 من الإتفاقية المشتركة الإطارية وكذلك جميع الإتفاقيات القطاعية. كما أنّ محكمة التعقيب لم تتردّد، صلب أحد قراراتها، في التأكيد على أنّ " فصل المعقب ضدها من العمل من طرف الطاعنة بموافقة مجلس التأديب لضعف إنتاجها، ولو بدون تعمد، يعتبر مطابقا لما يقتضيه القانون في ذلك " . ويبدو من خلال هذا القرار أنّ محكمة التعقيب لا تولي أهمية كبيرة لعنصر التعمد أو فقدانه في تقدير مسؤولية الأجير المترتبة عن ضعف مردوديته في العمل، رغم أنّ المشرّع يشترط بصفة صريحة أن يكون التخفيض في حجم الإنتاج أو نوعيته مقترنا "بسوء إستعداد ظاهر " من جانب الأجير كي يعتبر سلوكه بمثابة خطأ فادح.

لكن الصعوبة تكمن خاصة على مستوى تقدير مردودية الأجير في العمل، وذلك في غياب معايير موضوعية تحدّد حجم الإنتاج المطلوب من العامل ونوعيته حسب اختصاصه المهني. فالمشرّع لم يحدّد مثل هذه المعايير واكتفى بالتأكيد على أنه يتعيّن على المؤجر إستشارة اللجنة الإستشارية للمؤسسة في ما يتعلق بتنظيم العمل قصد تحسين الإنتاج والإنتاجية . كما أنّ الإتفاقية المشتركة الإطارية تكتفي بالإشارة إلى وجود لجان متناصفة تتكون على مستوى المؤسسة أو خارجها قصد ضبط مقاييس الإنتاج كما وكيفا .

وفي غياب مقاييس موضعية تتماشى مع خصوصية نشاط المؤسسة والإختصاص المهني لكل صنف من العمال، فإنه يصعب بالنسبة للمؤجر في كثير من الحالات إثبات خطأ الأجير وتبرير العقوبة التي يمكن أن تسلط عليه. إذ لا يكفي أن يتعلل المؤجر بضعف مردوره المهني بصفة مجردة، وإنما يكون مطالبا بإثبات العناصر المادية التي تجسد بدقة تهاون الأجير وتقاعسه في العمل بالمقارنة مع المردود العادي الذي كان مطالبا به.

بالإضافة لذلك، يشمل واجب الأجير في بذل العناية اللازمة في تنفيذ العقد إلتزامه بالمحافظة على المعدات والأشياء التابعة للمؤسسة، والتي وضعت على ذمته للقيام بالأعمال التي كلف بها وبالتالي يكون مسؤولا عن فقدانها أو تعطيبها إذا كان ذلك نتيجة لخطأ منه . لكن لا يعتبر العامل مسؤولا عن التعطيب أو الضياع الناتج عن أمر طارئ أو قوة قاهرة إلا في صورة وجوب إرجاع الأشياء التي تسلمها . أما إذا كانت الأشياء التي أعطيت له غير ضرورية لعمله ، فإنه يكون مسؤولا عنها مسؤولية الوديع والتي تقتضي أن لا ضمان على المستودع إلا إذا هلكت الوديعة أو تعيبت بفعله أو بتفريطه أو بإهمال حفظها .

وأخيرا يقتضي مبدأ الأمانة في العلاقات الشغلية أن يتجنب الأجير الإخلال بنظام العمل وقواعد السلوك داخل المؤسسة. وفي هذا الإطار يندرج مفهوم الخطأ التأديبي الذي يتميز عن مفهوم الخطأ العقدي. فإذا كان هذا الأخير يتجسد من خلال عدم التنفيذ الكلي أو الجزئي أو التنفيذ المعيب للإلتزامات العقدية، فإنّ الخطأ التأديبي يتمثل في الإخلال بنظام العمل داخل المؤسسة وقواعد السلوك المهني عامة.

ويمكن أن يقترن هذا الخطأ بسلوك العامل في علاقته مع المؤجر أو غيره من الأشخاص المتواجدين بالمؤسسة كقيامه أثناء عمله أو بمناسبته بأعمال عنف أو تهديد والإمتناع عن مدّ المساعدة في حالة خطر محدق بالمؤسسة أو بالأشخاص، أو كذلك الحصول على منافع مادية لها علاقة بسير المؤسسة أو على حسابها أو السرقة... إلخ. إنّ جميع هذه الأفعال التي ورد ذكرها في الفصل 14 رابعا من مجلة الشغل يمكن أن تعتبر من الأخطاء الفادحة التي تبرر الطرد طبق الإجراءات التأديبية. بل إنّ الطرد يمكن أن يتمّ أحيانا دون حاجة لعرض الأجير أمام مجلس التأديب إذا عثر عليه متلبسا بجريمة السرقة أو التحيل أو خيانة المؤتمن عند أدائه لعمله أو بمناسبته .

وبصفة عامة فإنّ كل سلوك خاطئ يتصف بقدر من الجسامة التي من شأنها أن تؤدي إلى زعزعة علاقة الثقة المتبادلة بين الأجير ومؤجره يعتبر خطأ فادحا يبرر الطرد. ولهذا اعتبر فقه القضاء أنّ اعتداء الأجير على الأخلاق الحميدة بمقر العمل وخروجه عن ضوابط علاقة الإحترام المتبادل في سلوكه تجاه المؤجر أو تجاه زملائه، تشكل أفعالا خطيرة تبرر الطرد لأن " ناموس العلاقة الشغلية وميزتها الخاصة هو الإحترام المتبادل بين الطرفين، وبانعدامه تنحل هاته العلاقة وتنعدم نجاعة الشغل وجدواه " .

وإذا كان واجب الأمانة يحكم سائر مظاهر العلاقة الشغلية داخل المؤسسة، سواء فيما يتعلق بالإلتزامات ذات الصبغة العقدية أو تلك التي تكتسي صبغة تنظيمية وتتعلق بالسلوك المهني للأجير، فإنّ نفس الواجب يمتدّ أيضا ليشمل سلوك هذا الأجير خارج المؤسسة.


عدل سابقا من قبل في الإثنين يناير 28, 2008 10:38 am عدل 2 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: ب) الإلتزام بالنزاهة خارج المؤسسة   الإثنين يناير 28, 2008 10:28 am

ب) الإلتزام بالنزاهة خارج المؤسسة

إذا كانت وضعية الأجير داخل المؤسسة تتميز بالتبعية القانونية وما يترتب عنها من خضوع لنفوذ المؤجر وسلطته في تسيير العمل ومراقبة نتائجه، فإنّ الأمر يختلف عن ذلك فيما يتعلق بوضعية الأجير خارج نطاق إلتزاماته المهنية حيث يسترد حريته تجاه المؤجر وتصبح تصرفاته جزءا من حياته الخاصة التي لا يجوز لهذا الأخير مبدئيا التدخل في شأنها.

لكن هذا لا ينفي تقيّد الأجير خارج المؤسسة بواجب الأمانة نحو مؤجره، حيث يتعين عليه تجنب إرتكاب أي فعل أو تقصير من شأنه أن يشكل إخلالا بهذا الواجب ويلحق ضررا بمصلحة المؤسسة التي ينتمي لها.

ويتجلى واجب أمانة الأجير خارج المؤسسة، قبل كل شيء، عبر إلتزامه بعدم إفشاء الأسرار المهنية. ذلك أنّ العلاقات الشغلية تقوم بصفة عامة على عنصر الثقة الذي يستوجب المحافظة على أسرار الصنع وغيرها من الأسرار ذات الصبغة المهنية التي تشمل كافة ما يطلع عليه العامل من معلومات أثناء عمله أو بمناسبته، والتي لا تكون معروفة لدى العامة ويسبب إفشاؤها ضررا للمؤسسة.

ويحضى السرّ المهني في القانون التونسي بحماية واسعة، خاصة في المجال الإقتصادي نظرا لما يكتسيه إفشاء الأسرار المهنية من خطورة إسثنائية في هذا المجال . لهذا أقرّ المشرّع صلب المجلة الجزائية، تجريم إفشاء السرّ المهني بصفة عامة ، وفرض عقوبات زجرية رادعة، خاصة إذا تعلق الأمر بإفشاء أسرار الصنع .

كما أقرّت مجلة الشغل والإتفاقيات المشتركة أنّ إفشاء الأسرار المهنية يعدّ من الأخطاء الفادحة التي تبرّر الطرد .

وإذا كان واجب عدم إفشاء الأسرار المهنية يتجه إلى جميع العمال، حيث يتعين عليهم التقيّد به، بقطع النظر عن وجودهم في وضعية مستقلة عن أداء العمل، فإنّ هذا الواجب يزداد تدعيما بالنسبة لبعض الأجراء بحكم مهامهم كممثلين للعمال. لهذا نصّ المشرّع على أحكام خاصة بأعضاء اللجنة الإستشارية للمؤسسة ونواب العملة، حيث أقرّ أنه يتعيّن عليهم " المحافظة على السرّ المهني في ما يتعلق بجميع المعلومات ذات الصبغة السرية التي يتحصلون عليها أثناء قيامهم بوظائفهم وكذلك في ما يتعلق بجميع المسائل التي تهمّ طرق الصنع. وفي صورة المخالفة فإنهم يتعرضون للعقوبات المنصوص عليها بالفصلين 138 و 254 من المجلة الجنائية " .

لكنّ التقيّد بعدم إفشاء السرّ المهني ليس مبدأ مطلقا، وإنما توجد إستثناءات له في بعض الحالات، مثلما يستنتج من عبارات الفصل 14 رابعا من مجلة الشغل الذي يفهم منه أنّ إفشاء السرّ المهني لا يكون خطأ فادحا إلا إذا قام به الأجير " في غير الحالات المسموح بها بالقانون". وهذا ما يفيد وجود حالات قانونية لا يعتبر فيها إفشاء السرّ المهني خطأ، وبالتالي لا تجوز مساءلة الأجير في مثل هذه الحالات والتي من بينها حالة قيام الأجير بتقديم معلومات لمتفقد الشغل حول كل ما يهم تطبيق القانون داخل المؤسسة، حيث لا تعتبر إجابة العامل من قبيل إفشاء السرّ المهني .

ولا يجب الخلط بين واجب التقيّد بالسرّ المهني وما يعبّر عنه بواجب التحفظ الذي يقتضي الإمتناع عن كلّ قول أو تعبير يتضمن إنتقادات من شأنها أن تلحق ضرا بسمعة المؤسسة.

ويتجلى واجب التحفظ، بصفة خاصة، في قانون الوظيفة العمومية ، نظرا لإرتباط هيبة الإدارة بمفهوم المصلحة العامة. وقد حرص فقه القضاء الإداري في العديد من القرارات على فرض احترام هذا الواجب بكل صرامة .

أمّا في قانون الشغل، فإنّ المشرّع لم يكرس بصفة صريحة واجب التحفظ على عاتق الأجير. لكنّ بعض الفقهاء يعتبرون أنّ واجب أمانة الأجير يقتضي إلتزامه بالتحفظ حتى لو لم يقع التنصيص على ذلك في العقد . وهذا ما ينسحب بصفة خاصة على الإطارات الذين يطالبون بالإعتدال في التعبير عن آرائهم، خارج المؤسسة، بصفة متناسبة مع أهمية وظائفهم.

لكننا نعتقد أنّ المبدأ يبقى حرية الأجير خارج المؤسسة في التعبير عن آرائه طالما أنه لم يتجاوز حدود عدم التعسف ولم يتفوّه بعبارات تتضمن الثلب أو الشتم تجاه المؤجر أو غيره من الأشخاص .

وعلى صعيد آخر، يتجلى واجب أمانة الأجير، خارج المؤسسة، من خلال تقيّده بعدم المنافسة طيلة فترة إرتباطه بعقد الشغل.
وإذا كانت محكمة التعقيب لم تتردد، في أحد قراراتها، في القول بأنه " لا شيء قانونا أو إتفاقا يمنع العامل من العمل لدى مؤسسة أخرى طالما لم يثبت عليه تغيب عن العمل أو تقاعس أو إنخفاض في مستوى الإنتاجية" ، فإنّ هذا الموقف يبدو مشطا وفيه إهمال واضح لمصلحة المؤسسة وإنكار غريب لأحد المقتضيات الأساسية التي تترتب عن واجب الأمانة في تنفيذ عقد الشغل، وهو تقيّد الأجير بعدم القيام بأي نشاط تنجرّ عنه منافسة لمؤجره الأصلي، سواء كان هذا النشاط لحسابه الخاص أو لحساب الغير.

ولا شكّ أنّ مبدأ عدم المنافسة ليس إلا تجسيدا أو تكريسا لمبدأ الأمانة في تنفيذ العقد، إستنادا لقاعدة عامة تحكم جميع العقود مثلما نصّ عليه الفصل 243 من مجلة الإلتزامات والعقود. ويترتب عن ذلك أنّ كل أجير يتقيّد بهذا الواجب طيلة فترة إنتمائه للمؤسسة، سواء نصّ العقد على إلتزامه بعدم المنافسة أو لم ينصّ صراحة على ذلك. إذ لا يجوز للأجير أن يكون في خدمة مؤجر ومنافس له في نفس الوقت، وهو ما أقرّته محكمة التعقيب عندما اعتبرت " أنّ مجرد إنتماء المعقب ضدّه ( الأجير) للمؤسسة المنافسة وثبوت مصلحته فيها يجعله مخلا بإلتزاماته كأجير لدى المعقبة " . لكن يتعيّن التفرقة بين أعمال المنافسة الفعلية التي فيها إخلال بمبدأ الأمانة والأعمال التحضيرية للمنافسة في مرحلة يستعد فيها الأجير لمغادرة المؤسسة نهائيا. لهذا اعتبرت محكمة التعقيب أنه إذا أطردت المؤسسة أحد عمالها متعللة بأنه إرتكب هفوة خطيرة بتأسيسه شركة أخرى تزاحمها وتبين أنّ الشركة المزعومة لم تباشر أي عمل من شأنه أن يلحق ضررا بالمؤجر الأصلي، فإنّ الطرد يعتبر تعسفيا لأنّ فعل المنافسة لم يتجسد بعد .

وإذا كان إلتزام الأجير بعدم المنافسة يمتدّ طيلة فترة إنتمائه للمؤسسة باعتباره تجسيدا لواجب قانوني عام، وهو واجب الأمانة في تنفيذ العقد، فإنّ الأمر يختلف عن ذلك إذا انقطعت علاقته بتلك المؤسسة، حيث يسترجع مبدئيا حريته كاملة في القيام بأي نشاط شرعي حتى إذا كان منافسا لمؤجره الأصلي. ورغم ذلك فإنّ الإلتزام بالأمانة قد يمتدّ أحيانا إلى مرحلة ما بعد العقد، إذا تضمن هذا العقد بندا ينصّ على إلتزام الأجير بعدم ممارسة نشاط منافس لمؤجره السابق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: II– الإلتزام بعدم المنافسة إثر إنتهاء عقد الشغل   الإثنين يناير 28, 2008 10:29 am

II – الإلتزام بعدم المنافسة إثر إنتهاء عقد الشغل

بانتهاء عقد الشغل تنتهي مبدئيا إلتزامات الأجير نحو مؤجره السابق، بحيث يسترجع حريته في ممارسة أي نشاط مهني يختاره، سواء لحسابه الخاص أو لحساب مؤجر آخر قد يكون منافسا للمؤجر الأول.

ويجد هذا المبدأ أساسه القانوني في حرية العمل باعتباره من الحقوق الأساسية التي يتمتع بها أي شخص، مما يخول له إختيار النشاط الذي يريد ممارسته بصفة شرعية .

وبديهي أن حرية ممارسة النشاط المهني ليست حرية مطلقة إذ أنها تخضع للمقتضيات المتعلقة بالنظام العام وتستوجب تجنب القيام بأي عمل يتضمن منافسة غير مشروعة من شأنها أن تلحق ضررا بالغير.

وإذا كان المشرّع قد سعى إلى حماية الأفراد والمؤسسات إزاء المنافسة غير المشروعة من خلال وضع العديد من القواعد المنظمة لحرية المنافسة والتنصيص على الجزاء المناسب في صورة الإخلال بتلك القواعد ، فإنّ عدة مؤسسات صارت تسعى إلى تدعيم حماية مصالحها أمام حدة المنافسة المتزايدة وما قد يترتب عن ذلك من خطر تحول أجرائها الذين اكتسبوا لديها كفاءة عالية وتجربة كبيرة إلى منافسين لها إثر إنقطاع علاقتهم بها.

في هذا الإطار يندرج التساؤل عن الأساس القانوني لإلتزام الأجير بعدم المنافسة إثر إنتهاء عقد الشغل (أ) وما يترتب عنه من نزاعات (ب)، خاصة في غياب أحكام قانونية صلب مجلة الشغل تنظم هذه المسألة بصفة تأخذ بعين الإعتبار خصوصية وضعية الأجير ومصلحة المؤسسة التي كان ينتمي إليها.


أ) أساس الإلتزام بعدم المنافسة إثر إنتهاء عقد الشغل

غالبا ما يقوم إلتزام الأجير بعدم المنافسة تجاه مؤجره السابق على أساس بند يدرج في عقد الشغل ويسمى بند عدم المنافسة. ويتعهد الأجير بمقتضى هذا البند بأن يتنازل جزئيا عن حريته في العمل، ملتزما بأن يمتنع في صورة مغادرة المؤسسة عن ممارسة أي نشاط مماثل للنشاط الذي كان يمارسه لدى مؤجره الأصلي.

وقد تغافل المشرّع، صلب مجلة الشغل، عن تنظيم هذا البند، فلم يقرّ صحته أو عدم صحته، رغم ما قد يترتب عن ذلك من آثار خطيرة بالنسبة للطرفين، وهو نفس الموقف الذي إنتهجه المشرّع في فرنسا، على سبيل المقارنة، رغم أنّ فقه القضاء الفرنسي قد اتجه منذ مدّة طويلة نحو القبول مبدئيا بصحة بند عدم المنافسة في عقد الشغل إذا توفرت بعض الشروط التي أقرتها المحاكم إنطلاقا من المبادئ العامة للقانون ومن خصوصية العلاقة الشغلية .

أمّا على مستوى فقه القضاء التونسي، فإنّ تناوله لهذا الموضوع بقي محتشما جدا حيث لا نجد ضمن القرارات المنشورة لمحكمة التعقيب أي قرار يتناول بشكل صريح موضوع بند عدم المنافسة في عقد الشغل. لكن محاكم الأصل تعرضت لهذه المسألة في بعض الأحكام النادرة ومنها الحكم الصادر عن المحكمة الإبتدائية بتونس تحت عدد 39131 والمؤرخ في 13 جانفي 2005 .

وقد تضمنت وقائع القضية موضوع هذا الحكم أنّ أحد الأجراء كان مرتبطا بعقد شغل مع أحد المؤسسات بوصفه مختصا في الصيانة والآلية، وتضمن العقد بندا يمنع عليه القيام بأي نشاط منافس لمؤجره في صورة إنتهاء العقد لأي سبب كان، وذلك بالإمتناع عن العمل بصفة مباشرة أو غير مباشرة لدى مؤسسات أخرى تمارس نشاطا متعلقا بميادين الجودة القياسية وخدمات التحقق والمعايرة والصيانة وبيع أدوات القيس والمراقبة، طيلة مدة خمس سنوات في كامل تراب الجمهورية. وإثر إنتهاء العلاقة الشغلية بين الطرفين قام الأجير بدعوى قضائية لدى المحكمة الإبتدائية طالبا الحكم ببطلان العقد وبصفة إحتياطية الحكم باعتبار شرط عدم المنافسة باطلا، مع إلزام المؤجر بالتعويض عن الضرر المعنوي.
وعلى ضوء هذه الوقائع طرحت أمام المحكمة مسألة مدى شرعية الإلتزام بعدم المنافسة في عقد الشغل. ولتناول هذه المسألة إنطلقت المحكمة من التذكير بالقاعدة العامة في مادة الإلتزامات والعقود والتي تتمثل في المبدأ القائل أن العقد شريعة الطرفين، تكريسا للحرية التعاقدية . لكنها اعتبرت أنّ التعاطي مع شرط عدم المنافسة لا يجب فهمه فقط في إطار تلك الأحكام العامة للقانون المدني، وإنما كذلك " في إطار سياسة المشرّع عند تناوله العلاقات الشغلية التي تتميّز بالنزعة الحمائية، للأجير والمستندة إلى فكرة النظام العام الإجتماعي.."

إنطلاقا من هذا التوجه، توصلت المحكمة إلى الإقرار ببطلان شرط عدم المنافسة المضمن في عقد الشغل المذكور، حيث إستندت أساسا إلى تأويل معين لأحكام الفصل 118 من مجلة الإلتزامات والعقود الذي نصّ على أنّ " كلّ شرط من شأنه أن يمنع أو يقيّد على إنسان تعاطي ماله من الحقوق البشرية كحق التزوج ومباشرة حقوقه المدنية فإنّه باطل وبه يبطل العقد. ولا يجري هذا الحكم فيما إذا تعهد إنسان بعدم تعاطي تجارة أو صناعة معلومة في جهة أو مدة معنية".

وقد إستنتجت المحكمة من خلال أحكام هذا الفصل وعلى ضوء الفقه وفقه القضاء المقارن، أنه "لئن كان شرط عدم المنافسة شرعيا من حيث المبدأ، إلا أنه يجب أن يكون محددا من حيث الزمان والمكان". وبالرجوع إلى محتوى البند المضمن في العقد لاحظت المحكمة أنّ الإلتزام بعدم المنافسة، وإن كان محددا من حيث الزمان (مدة خمس سنوات)، فإنه لم يكن محددا من حيث المكان حيث منع على الأجير ممارسة نشاطه في كامل تراب الجمهورية، وهذا ما يعني " تخلف أحد الشرطين المتلازمين " الذين تقوم عليهما صحة بند عدم المنافسة.

والحقيقة، فإنّ إستناد المحكمة إلى أحكام الفصل 118 م.ا.ع. يبقى قابلا للنقاش باعتبار أنّ تلك الأحكام تتنزل في إطار موضوع الشرط التعليقي والشرط الفسخي ، في حين أن شرط عدم المنافسة الذي يلتزم به الأجير لا يمكن أن يكون شرطا معلقا لعقد الشغل باعتبار أنّ تنفيذ هذا العقد لا يتوقف على حصول الشرط المذكور، كما أنه لا يمكن أن يكون شرطا فسخيا باعتبار أنّ تطبيقه يكون بعد إنقضاء عقد الشغل . هذا بالإضافة إلى أنّ الفصل 118 م.ا.ع. لم ينصّ على أن يكون الشرط محددا في نفس الوقت من حيث الزمان والمكان بل إكتفى بتوفر أحد هذين الشرطين، في حين اعتبرتهما المحكمة بمثابة شرطين " متلازمين ".

ولتدعيم موقفها إستندت المحكمة أيضا إلى الحق في العمل باعتباره من الحقوق الأساسية التي ضنها الدستور بالديباجة وأقرّتها بعض المواثيق الدولية التي ذكرت بها المحكمة، وتحديدا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نصّ صراحة على الحق في العمل في الفصل 23، والإتفاقية الدولية للعمل رقم 122 التي تحيل بدورها إلى هذا الفصل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. فاستنتجت المحكمة من ذلك أنّ إدراج بند عدم المنافسة في عقد الشغل بصفة تمنع الأجير من العمل بكامل تراب الجمهورية ولمدة خمس سنوات يؤدي إلى حرمانه من الحق في العمل، وهو ما يتضارب مع الدستور والمواثيق الدولية المشار إليها.

ونعتقد أنّ موقف المحكمة من هذه الناحية كان صائبا باعتباره يؤدي إلى وضع إلتزام الأجير بعدم المنافسة في إطاره الحقيقي كإستثناء لمبدأ عام وهو مبدأ حرية العمل التي تعتبر من الحريات الأساسية للإنسان. وهو ما يعني أنّ إدراج بند عدم المنافسة في عقد الشغل، إستنادا لمبدأ الحرية التعاقدية، لا يجب أن يؤول إلى إنتهاك كلي لمبدأ آخر لا يقلّ أهمية عنه، وهو مبدأ حرية العمل أو ما عبرت عنه ديباجة الدستور " بالحق في العمل ". فلا يمكن لمثل هذا البند إلا أن يقيّد نسبيا حق الأجير في ممارسة نشاطه المهني، دون أن ينفيه تماما، وهذا ما يتطلب أن لا تكون صياغة البند عامة جدا بحيث تضفي إلى منع مطلق للأجير من ممارسة حريته في العمل.

وقد سار فقه القضاء الفرنسي في نفس الإتجاه، رغم أنّ مجلة الشغل الفرنسية، تماما مثل مجلة الشغل التونسية، لم تتعرّض بتاتا لموضوع الإلتزام بعدم المنافسة في عقود الشغل. غير أنّ فقه القضاء الفرنسي لم يقتصر على ضرورة أن يكون بند عدم المنافسة مقيدا في الزمان والمكان، وإنما أضاف لذلك شرطين آخرين لكي يعتبر البند صحيحا. وأول هذين الشرطين أن يكون إلتزام الأجير بعدم المنافسة له ما يبرره من حيث وجود مصلحة مشروعة للمؤسسة التي كانت تشغله. وعادة ما يقع تقدير ذلك من خلال طبيعة الإختصاص المهني للأجير ومدى تأثيره على القدرة التنافسية للمؤسسة. فإذا كانت طبيعة عمل الأجير تقتضي مثلا التعرف على حرفاء المؤسسة من خلال الإتصال بهم مباشرة، ممّا يسهل ربط علاقات متينة معهم، فإنّ مصلحة المؤسسة في هذه الحالة يمكن أن تبرر بسهولة إدراج بند عدم المنافسة في عقد الشغل حتى تمنع الأجير بعد مغادرته لها من جلب أولئك الحرفاء لفائدته في نطاق نشاطه المهني.

أمّا الشرط الآخر الذي أضافه فقه القضاء الفرنسي، بعد فترة تردد، فهو يتمثل في ضرورة التنصيص على مبلغ مالي في شكل منحة تسند للأجير مقابل إلتزامه ببند عدم المنافسة. ويمكن تبرير هذا الشرط بأنّ الإلتزام بعدم المنافسة يؤدي إلى تقييد حرية الأجير في العمل والتضييق من إمكانية ممارسة نشاط يوفر له نفس الدخل الذي كان يتقاضاه سابقا، ولهذا تكتسي تلك المنحة صبغة تعويضية عن الحدّ من فرص العمل بالنسبة للأجير وما قد يترتب عنه من تقليص لموارده المهنية. وبذلك تكون المنحة بالنسبة له بمثابة السبب الذي يضفي شرعية على إلتزامه بعدم المنافسة بما يتضمنه من تنازل جزئي عن حريته في العمل.

وإذا كان إلتزام الأجير بعدم منافسة مؤجره إثر إنتهاء العلاقة بينهما يمرّ عادة عبر إدراج ما يسمى ببند عدم المنافسة في عقد الشغل، فإنّ السؤال يطرح حول إمكانية خضوع الأجير لنفس الإلتزام في غياب بند ينص على ذلك صراحة صلب العقد، وذلك بالإستناد إلى الإتفاقية المشتركة إذا تولت هذه الأخيرة التنصيص على أحكام تتعلق بهذا الموضوع.

في هذا الإطار يمكن أن نشير مثلا إلى أحكام الإتفاقية المشتركة لقطاع الكهرباء والإلكترونيك والتي نصت على أنه "حفاظا على تواصل نشاط المؤسسات في ظروف عمل عادية وعلى إستقرار مواطن الشغل بها وحفزا على رفع الكفاءة المهنية لعمالها، وعلى تشغيل الشباب من حاملي الشهادات العليا، وبهدف معالجة ظاهرة المنافسة غير النزيهة، يمنع على العمال المنتدبين لمدة غير محدودة من صنف الإطارات والتسيير الذين يغادرون عملهم تلقائيا، العمل لدى مؤسسة منافسة للمؤسسة التي غادروها أو الإنتصاب لحسابهم الخاص في نفس نشاط مؤجرهم، وذلك لمدة سنتين وفي شعاع مائة كلم، وينطبق هذا التحجير على العمال المحالين على التقاعد" .

هل أنّ مثل هذا الشرط المتعلق بإلزام الأجير بعدم المنافسة صلب الإتفاقية المشتركة يعتبر كافيا لتقييد حريته في العمل بعد إنقضاء علاقته الشغلية مع مؤجره الأصلي، رغم عدم تنصيص عقد الشغل على بند صريح بعدم المنافسة ؟ لقد تسنى للمحكمة الإبتدائية بصفاقس أن تعرضت لنزاع يتعلق بتطبيق الفصل المذكور على أحد العمال الذي كان تابعا لإحدى المؤسسات الخاضعة للإتفاقية المشتركة للكهرباء والإلكترونيك، وإثر مغادرته لتلك المؤسسة مارس نشاطا أعتبر منافسا لمؤجره الأول، فقام هذا المؤجر بدعوى ضده لمطالبته بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جرّاء منافسته له وإخلاله بأحكام الفصل 44 المشار إليه.

وقد إستجابت المحكمة لهذا الطلب حيث إعتبرت أن شروط تطبيق الفصل 44 متوفرة، دون التحقق مطلقا من وجود أو عدم وجود بند في عقد الشغل يقضي صراحة بإلزام الأجير بعدم المنافسة. وهو موقف لا يخلو من النقد، خاصة إذا أخذنا بعين الإعتبار موقف فقه القضاء التونسي في موضوع مشابه يتعلق بفترة التجربة، إذ أقرّت محكمة التعقيب أنه لا يجوز إخضاع الأجير لفترة تجربة طالما لم ينصّ على ذلك عقد الشغل صراحة ، رغم أنّ مجلة الشغل تحيل إلى الإتفاقيات المشتركة فيما يتعلق بتنظيم فترة التجربة . ويمكن تفسير هذا التوجه بالإستناد إلى مفهوم النظام العام الإجتماعي الذي يقوم على تطبيق المصدر الأفضل للأجير.

وعلى سبيل المقارنة، إعتبر فقه القضاء الفرنسي أنه في غياب بند صريح يتضمن إلتزام الأجير بعدم المنافسة صلب عقد الشغل لا يجوز مبدئيا تقييده بهذا الإلتزام تطبيقا لأحكام الإتفاقية المشتركة إلا إذا قام المؤجر مسبقا بإعلامه بما نصت عليه هذه الإتفاقية في هذا الشأن .

ب) النزاعات المترتبة عن الإلتزام بعدم المنافسة إثر إنتهاء عقد الشغل

رغم أنّ فقه القضاء التونسي في هذا المجال لم يتطور بعد كثيرا، فإنه ليس من المستبعد أن يصبح موضوع الإلتزام بعدم المنافسة إثر إنتهاء عقد الشغل من المواضيع التي قد تثير العديد من النزاعات، نظرا لما يكتسيه هذا الموضوع من حساسية نتيجة الأهمية المتزايدة للعنصر البشري في المنافسة الإقتصادية.
ويمكن أن تؤدي هذه النزاعات عموما إلى نوعين من الدعاوي حسب موضوعها. فإما أن تثار الدعوى من طرف الأجير مطالبا بإبطال بند عدم المنافسة، متمسكا بعدم صحته، حتى يتسنى له إسترجاع حريته في العمل. وهذا ما تمّ فعلا في إطار القضية التي نظرت فيها المحكمة الإبتدائية بتونس ، فقضت ببطلان شرط عدم المنافسة لأنه لم يكن محددا من حيث المكان بصفة تسمح للأجير بممارسة نشاطه المهني. وإما أن تثار الدعوى من طرف المؤجر مدعيا إخلال الأجير بشرط عدم المنافسة ومطالبا بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من جرّاء ذلك، مثلما هو الشأن في القضية التي أثيرت أمام المحكمة الإبتدائية بصفاقس . علما أنّ الدعوى في هذه القضية كانت موجهة في نفس الوقت ضد الأجير والشركة التي أسسها بعد إنقطاع علاقته مع مؤجره الأصلي، فقضت المحكمة بتغريمهما متضامنين لقاء الضرر الذي لحق هذا الأخير، إستنادا إلى أحكام الفصل 44 من الإتفاقية المشتركة للكهرباء والإلكترونيك، وتمّ تأييد هذا الحكم في الطور الإستئنافي .

لكن السؤال يبقى قائما حول الإختصاص القضائي بالنظر في الدعاوى المتعلقة بشرط عدم المنافسة في عقود الشغل. فهل إنّ هذه الدعاوى تكون من إختصاص الدوائر الشغلية التي أسند لها المشرع إختصاصا مطلقا بالنظر في النزاعات الفردية المرتبطة بعقد الشغل، أم أنها تعتبر من الدعاوى الخارجة عن إختصاص تلك الدوائر ؟

بالرجوع إلى الحكم الصادر عن المحكمة الإبتدائية بتونس في 13 جانفي 2005، نلاحظ أنّ هذه المحكمة قد إستجابت للدعوى التي تقدّم بها الأجير من أجل إبطال بند عدم المنافسة دون أن تثير مطلقا مسألة الإختصاص القضائي في مثل هذه الدعاوى، رغم أنّ هذه المسألة تتصل بالنظام العام وكان يتعيّن على المحكمة أن تثيرها من تلقاء نفسها. ويبدو أنّ المحكمة الإبتدائية بتونس كانت مقتنعة، ضمنيا، بأنّ الدعاوى المتعلقة بشرط عدم المنافسة في عقد الشغل تبقى من إختصاص القضاء المدني، وبالتالي خارجه عن إختصاص دوائر الشغل. أمّا موقف المحكمة الإبتدائية بصفاقس فقد كان صريحا وواضحا في اعتبار أنّ الدعوى المتعلقة بهذا الموضوع تخرج عن إختصاص القضاء الشغلي، معللة موقفها بأنّ العلاقة الرابطة بين المدعية ( المؤجر الأصلي) والمطلوب ( الأجير سابقا) "لم تعدّ علاقة شغلية بحكم إنتهائها وإنما علاقة تاجر بتاجر ". ولهذا أقرّت الدائرة التجارية بتلك المحكمة إختصاصها بالنظر في هذه الدعوى، وأيدتها في ذلك بصفة ضمنية الدائرة التجارية بمحكمة الإستئناف. غير أنّ هذا الموقف يبدو ضعيفا وقابلا للنقد، إذ أنّ النزاع كان متصلا في جوهره بمنافسة الأجير لمؤجر السابق، وقد إستند هذا المؤجر على أحكام الفصل 44 من الإتفاقية المشتركة للكهرباء والإلكترونيك. ونعتقد أنّ إرتباط النزاع بنشاط مارسه الأجير بعد إنتهاء علاقته بمؤجره ليس حجة كافية لإزاحة إختصاص الدائرة الشغلية التي أسند لها المشرّع كتلة إختصاص تشمل جميع النزاعات الفردية المترتبة عن عقد الشغل ، سواء من حيث قيامه أو تنفيذ ما يترتب عنه من إلتزامات أو من حيث إنتهائه، وذلك من أجل تجنب تشتت تلك النزاعات بين مختلف الهيئات القضائية . فلا يهمّ إذا كانت العلاقة الشغلية قد إنتهت بين الأجير ومؤجره السابق، وإنما يبقى العنصر المحدد هو إرتباط النزاع بينهما ببند أدرج في ذلك العقد أو إلتزام ترتب عنه. بل إنّ إختصاص الدائرة الشغلية لا يتوقف على وجود عقد الشغل صحيحا أم لا. وقد سبق أن أقرّ فقه القضاء إختصاص الدائرة الشغلية للبت في الدعوى المتعلقة بطلان هذا العقد .

وعلى سبيل المقارنة، فإنّ فقه القضاء الفرنسي إستقرّ منذ فترة طويلة على إختصاص الدوائر الشغلية للبت في الدعوى التي يثيرها الأجير ضد مؤجره السابق قصد إبطال بند عدم المنافسة، وكذلك الشأن بالنسبة لدعوى التعويض التي يثيرها أحد المؤجرين ضد أجيره السابق الذي يخلّ بإلتزامه بعدم المنافسة، باعتبار أنّ مسؤولية هذا الأجير تتعلق بإلتزام نشأ عن عقد الشغل . لكن الأمر يختلف عن ذلك إذا قام المؤجر ضد مؤجر آخر إنتدب الأجير بعد إنقضاء علاقته مع المؤجر الأول، مدعيا أنه تسبب له في ضرر نتيجة تواطئه في الإخلال ببند عدم المنافسة . ففي الحالة يبقى النزاع مدنيا أو تجاريا، حسب الحالة، ويكون بالتالي خارجا عن إختصاص الدائرة الشغلية .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 
واجب أمانة الأجير تجاه المؤسسة النوري مزيد عميد كلية الحقوق بصفاقس
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 1-1- بحوث عامة في القانون التونسي :: أبحاث و مقالات و ملتقيات :: القانون الإجتماعي التونسي-
انتقل الى: