البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو بقلم فتحي بالحاج يحيى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو بقلم فتحي بالحاج يحيى   الأربعاء أبريل 29, 2009 2:29 pm

من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو
بقلم فتحي بالحاج يحيى



منقول من موقع الأوان
يَوْمَها كان الطّقس جميلا، والشّمس بازغة، والسّماء صافية كأحلى ما يكون أَوَّل يومٍ صيفيّ من شهر يونيو، في بلد متوسّطيّ مثل تونس. والحقيقة أنّ حالة الطّقس لم تكن تعنيني بالمرّة في ذلك اليوم الصّعب امتحانه، ولعلّ لكونه يوم امتحان، فقد بدأته بالمقدّمة المعهودة في إنشاءاتنا العربية الْمُسْتَلَفَةِ من مناهج التّدريس الفرنسية، فلا نُدرك معها أنّ المناخ وحالة الطّقس عندهُم تنطوي على حاجةٍ لهم إلى الشّمس والحرارةِ بقدر حاجتنا نحن إلى شيء من الرّطوبة وكثرة المطر، وإلاّ عمّت المجاعة وزَمُن القحط. لِنَقُلْ إذن أنّ الطّقس يومها كان رائقًا للمتجوّلين، ومصيبةً على الفلاّحين، وكارثةً على البلد، لولا تحوّل الشّمس الحارقة إلى صناعة سياحيّة تدرّ على البلد أكثر ممّا تدرّه الفلاحة.

والمهمّ أنّني كنت راكبًا في سيّارة وزارة الدّاخلية، ولأوّل مرّة كانت السيّارة فخمة، لا علاقة بما عوّدتني به الوزارة إلى حدّ ذلك اليوم، بدليل أنني لم أتعرّف على ماركتها. كنت بالخلف، وبالأمام يجلس مدير الأمن الوطني بعينه، وكنّا نتجاذب أطراف الحديث وكأنّنا أصدقاء قدامى جمعت بيننا الدّراسة أو كرة القدم في البطحاء، أو لعب الكجّة والخذروف اللّذْين لهما علاقة متينة بالـ"بيس" و"الزّربوط" عندنا في تونس، لأنّهما نفس الشّيء.

كنّا مجموعة من ثلاثة مساجين سياسيين (محمد الخنيسي، ونورالدين بعبورة وأنا) يُقتادون إلى القصر الرّئاسي بقرطاج لمقابلة طال التّفاوض فيها مع مدير الأمن الوطني، عبد الحميد الصخيري آنذاك، الذي زارنا في السجن المدني بتونس المعروف بـ 9 أفريل (أبريل)، ثمّ مع وزير الدّاخلية، إدريس قيقة، في مكتبه.

لا نعلم إلى حدّ اليوم، وبعد انقضاء سبعٍ وعشرين سنة على الحدث، سبب اختيارنا نحن بالذّات. وعلى كلّ، لم يعترض رفاقنا البالغ عددهم أربعة عشر نفرا، وقتها، على هذا الاختيار.

المفاوضات الصّعبة

لم تكن المهمّة سهلة، فمنّا من تجاوزَتْ مدّة سجنه الستّ سنوات وبَقِيَتْ أمامه نصفُ المسافة، على افتراض تقضيتها كاملة. كنّا نعلم أنّ إمكانيّة سراحنا واردة نظرًا لخروج فوجٍ أوّل منّا منذ عشرة أشهر تقريبا – جلبار نقّاش ورشيد بللونة ونورالدين خضر وعزالدين الحزقي وأحمد بن عثمان الردّاوي، وعزالدين الحزقي، ومنجي اللّوز، والنّوري بوزيد، وعبد اللّه الرّويسي وغيرهم كثير.

لكنّ الذي يفكّر من داخل الزّنزانة ليس كالّذي يفكّر من خارجها، فهو لا يصدّق بالأمر إلاّ عندما يضع قدمه خارج عتبة الباب الكبير، وقد يظلّ لأيّام بعد تسريحه يبحث عن الأدلّة الماديّة الملموسة بأنّه خارجه، وفينا من حمل السّجن سنوات طوالا بين أضلاعه، وهو خارجه.

كان مدير السّجن مُنـزويًا على نفسه في ركن من مكتبه وهو ينظر مشدوها إلينا نُفاوض مدير الأمن الوطني على شروط خروجنا، وكلّه تأهّب للتدخّل عضليّا وبقيّة الحرّاس، في حالة تجاوزنا "حدود اللّياقة" تجاه ممثّل الدّولة. وكان هذا الأخير على قدر كبير من المرونة وسعة الصّدر والحنكة في امتصاص توتّرنا النّاجم عن بحثنا على إقامة معادلات عدّة في نفس الوقت :

— أن نُفْهِم الطّرفَ المقابل أنّنا لا نستجدي عطفا أو هِبَةً، وقد قضّينا سنواتٍ نرفض فيها إبداء أيّ إشارة يُقرأ منها طلبُ عفوٍ كان واردًا بسهولة لكلّ من طلبه.

— أن نحصُل على ضمانات بأن لا يتحوّل الأمر إلى عمليّة دعائيّة لفائدة النّظام بإعلانه عن امتناننا لبورقيبة بإطلاق سراحنا، أو تقديمنا في صورة التّائبين عن ضلالة شبابيّة عالجها الأب بما تقتضيه الأبوّة،

— أن نتصرّف في الخوف من إجهاض المفاوضة بوضع شروط "يسراوية" أو "دغمائيّة" تستفزّ بورقيبة بما يجعل أناويته تتغلّب على اختيارات (أو إلزامات) حكومة مزالي، بتوخّي سلوك انفتاحي جديد.

والحقيقة أنّه منذ إنزالنا "الحبس الجديد"، كما يُسمّى على قِدَمِه، ومغادرتنا معتقل "برج الرّومي"، كنّا نلمس بعض التغيّر في التّعامل معنا بما يشير إلى أنّنا خارجون لا محالة. ومن مفارقات الصّدف أنّنا عشنا هذه الفترة على وتيرة أشدّ على أعصابنا من وتيرة حياتنا في برج الرّومي والسّجون التي وُزّعنا عليها من قَبْل، بمدن الكاف أو قرمبالية أو صفاقس أو القصرين أو بنزرت أو باجة أو القيروان.

كانت الشّائعات والتكهّنات تَسْتَنِدُ إلى صور الأخبار التّلفزية التي تأتينا عن بورقيبة، بدون صوت بورقيبة. فالرّجل كان مريضا ويتكلّم بصعوبة، ويقول أشياء قد تكون في الموضوع أو خارجه، بحسب مزاجه ووضعه الصحّي، لذا قطعوا عنه الصّوت، وظلّ يحكم البلاد في سنواته الأخيرة، بالصّورة دون الصّوت، وهو الّذي نحتَ صَوْتُه وصقلت كلماته وخُطبُه وتوجيهاته، وجه البلد وأذهان العباد.

كانت هذه الصّور التّلفزية، وما يصحبها من قراءة على الشّفاه، وتأويلات، ومقاربات، وتحاليل، وإشاعات، تجعلنا على أهبة الخروج عشيّة كلّ مناسبة وطنية. وبقدر كثرة هذه المناسبات والأعياد في وطننا، كانت أعصابنا عرضة للشدّ ليلة الأعياد، وللارتخاء في اليوم الثاني منها (أعتقد أنّه من وقتها أصبحت لي مشكلة مع لفظة "ثاني عيد" !).

خرجنا من ورطة هذه المقابلة الأولى بفضل أحد ثلاثتنا -و لم أعد أذكره-، قال أنّنا مفوّضون من قبل بقية رفاقنا ويستوجب الرّجوع إليهم عملا بفكرنا الديموقراطي وتقاليدنا التّشاوريّة في أخذ القرار –لم نقل، طبعا، أنّ أمرنا شورى بيننا- وقَبِل "الصّخيري" الأمر على أن يعود إلى زيارتنا ثانية.

اجتماع في "الشّمبري"

أذكر أنه عندما عدنا إلى "غرفة النّوم" (بدا لي وقتها أنّنا نقطن فندقا، لمجرّد تغيّر نظرة الحرّاس ومدير السّجن إلينا، نتيجة ما لمسوه من حسن استقبال مدير الأمن الوطني لنا، وتبعا لذلك تَغُيُُّرُ نظرتي في تلك اللّحظة إلى الـ"شّمبري")، جهدنا في تقديم عرض ضاف ومفصّل عن حيثيّات ودقائق المقابلة، وحواشيها، وجوانبها، بما لا يدع شكّا لدى قاطني "الشمبري" (العنبر) أجمعين بأنّه لم يقع تفريط، من أيّ نوع كان، في المبادئ والقيم، أو أيّ شيء من هذا القبيل من شأنه أن يُقرأ على أنّه تخاذل أو تسرّع في قبول سراح قد يَنْسَخُ سنواتِ طوال من الصمود والنضال.

وأذكر أنّني استغللت يومها الفرصة لطلب سجائر إضافيّة بتعلّة "حرق" نصيبي، المقرّر يوميّا من رصيدنا الجماعي، أثناء هذا الحدث الطّارئ الذي لم يكن مبرمجًا في خصومتي اليوميّة مع الوقت لتقسيط سجائري بين الليل والنّهار. والحقّ أنّ الرّفيق المسؤول عن "الكنتينة" (أي ميزانية التّصرّف التي تخوّل لنا اقتناء بعض الحاجيات من متجر السّجن على حسابٍ جارٍ مفتوحٍ لدى الإدارة ومُمَوَّلٍ من عائلاتنا)، لم يُمانع في الأمر حرصا على اختصار الوقت للمرور إلى ما هو أهمّ، بل بلغ به الكرم إلى حدّ السّماح بقهوة إضافيّة للمفاوضين ثمّ عمّمها على الجميع، من باب الإنصاف والعدل أوّلا، وبسبب طول سهرنا في الاجتماع العامّ المخصّص لتحضير المقابلة القادمة مع السّلطة المجسّدة في أحد أعلى إطاراتها الأمنية.

يصعب على ذاكرتي اليوم استعادة جميع التّفاصيل، فبقدر ما كانت تجمعنا قواسم سلوكية كمجموعة في مواجهاتنا لإدارة السّجن، واتّفاقنا على تسيير حياتنا الجماعيّة من حيث تقاسم "القفّة" (السلة التي تأتي بها العائلات)، والمال، واستعمال الراديو المهرّب (رغم أنّ بعضنا كان يُفضّل الاستماع إلى إذاعة "تيرانا" الألبانيّة أكثر من استماعه إلى صوت العدوّ المنتشر في كلّ ربوع العالم تقريبا)، بقدر ما كنّا مختلفين سياسيّا وفكريّا على أشياء بعضها واضح، وبعضها مبهم، وبعضها سياسي وإيديولوجي، وبعضها الآخر لا علاقة له بالسّياسة، وإن لبس ثوبها. أشياء من نوع حكايات حبّ تعود إلى ما قبل السّجن تقاطعت فيها الأقدار بين رفيقين على حبيبة واحدة مثلا، لأسباب إحصائية بسيطة مردّها انخفاض عدد الإناث نسبة إلى الذّكور في عالم السريّة النّضاليّة، أو صداقات مسترابة أكثر من اللّزوم مع قدماء مجموعة "برسبكتيف" الذين جمعنا بهم معتقل برج الرّومي، وكان يرى فيهم البعض خطر تلويث فكري في زمن لم يكن فيه تلوّث البيئة ورادا في قاموسنا، أو قراءات لكتب برجوازية أفتى فيها البعض أنّها مارقة ككتب "سولجنتسين" أو "الفلاسفة الجدد"، وأحيانا مجلاّت خليعة لفاتنات عاريات تصلنا عن طريق حرّاسنا مقابل ثمن كان يرى البعض أنّه من الأجدر صرفه في أمور تهمّ الثورة والوطن دون تحديد واضح لما هو نافع. فقد كنّا بشكل عامّ أقدر على معرفة ما لا ينفع من تمييز ما ينفع.

وعلى كلّ لم تكن اختلافاتنا أو مخالفات بعضنا لضوابط التّصرّف السّليم لمناضل ماركسيّ لينيني تطرح عائقا كبيرا أمام تعايشنا اليومي، خاصّة في السنوات الأخيرة من السّجن. ربّما يعود الأمر إلى يأس النّواة الصّلبة من إصلاح الثّلثين، أو لرتابة الزّمن، وتداخل الأيّام، وارتخاء اليقظة الإيديولوجية ممّا جعل بعضنا يفجّر، أحيانا، نكتا نضحك لها جميعا كالإعلان عن ضياع مجلّة "هو Lui"[1] العارية، والتّظاهر بالبحث عنها لنجدها، في آخر الأمر، وقد دسّها أحدنا، تحت مخدّة رفيقنا الـ"كي"، الطيّب طينة والمتشدّد إيديولوجيةً. (أحد مساجين الحقّ العامّ من أبناء حيّي، كان لا ينفكّ عن الحديث عن خطيبته التي تركها في انتظاره، وأصرّ يوما على إطلاعي على صورتها… كان وجها رائع الجمال لصورة عفى عليها الدّهر…مقتطعا من مجلّة عربية متخصصة في نجمات السينما…وهو يعلّقه حذو رأسه…وينزل ضربا في كلّ من رأى فيه غير خطيبته الحقيقية).

كنّا نحتاج إلى الضّحك بقدر حاجتنا إلى الحريّة وكان الوقت يقتلنا بطوله وتمططّه، فنقتله بابتداع حكايات، وأوهام، وخصومات، وسهرات، ونقاشات تعطي معنى لوجودنا كبشر قبل وجودنا كمناضلين وسجناء رأي وسياسة.

ليلتها تمّ الاتّفاق بيننا، دون خلافات تذكر، على مواصلة التّفاوض على أسس واضحة : أنَّ قبولنا مغادرة السّجن يكون مشروطا بالاتّفاق المسبق على صيغة البيان الّذي سينشر بالصّحافة ، وقد فاتني القول أنّ مدير الأمن الوطني فاجأنا منذ الزّيارة الأولى بأنّ الرئيس بورقيبة يريد استقبالنا بالقصر الرئاسي، وأنّه لا مناص من قبول الأمر لأنّه في حالة مرض، وقد يستفزّه رفضنا بما قد يترتّب عليه إبقاؤنا في السّجن لسنوات أخرى، وقد يبلغ الأمر التّراجع في العفو عن المجموعة التي أُطلِق سراحها لعشرة أشهر خلت. وكنّا نعلم أنّه قادر على ذلك، فقد سبق أن أعاد إلى السّجن سنة 1972 كلاّ من رشيد بلّلونة، ونورالدين بن خضر، وجلبار نقّاش دون محاكمة بدعوى تراجعه عن العفو الرئاسي الذي شملهم سنة 70 إثر محاكمة 1968 الشهيرة.

أذكر أنّنا رددنا عليه، يومها، بأنّهم لن يستطيعوا نقلنا إلى القصر عنوة، وأنّنا سنعلن رفضنا بكلّ الطّرق، وهدَّدْنا بالفضيحة أمام الرئيس ذاته، وبتمزيق ثيابنا للتّعبير عن احتجاجنا، والحال أنّه كان يتحدّث عن مدّنا بملابس لائقة…

في حضرة الوزير

ما إن طلع صبح اليوم الموالي حتّى دُعينا من جديد إلى إدارة السّجن لمقابلة ثانية مع نفس المسؤول، فبادرناه بشروطنا، فردّ بأنّ مثل هذه الأمور تتجاوزه، وأنّه من الأفضل مقابلة وزير الدّاخلية والتّفاوض معه مباشرة. وهو ما تمّ فعلا في نفس اليوم حيث تمّ نقلنا إلى مكتب الوزير، إدريس قيقة، الذي استقبلنا كما لم نُستقبل يوما في حياتنا، وكنّا نعرف تحديدا مقرّات الدّاخلية التي استضافتنا أيّام إيقافاتنا المتتالية، غير أنّ الأمر كان، في هذه المرّة، مختلفا بعض الشيء من حيث الشّكل والمحتوى وكمية الوجع وتفاصيل أخرى، أجسادنا أقدر على الإفصاح عنها من أفواهنا وكلامنا. لم نكن في هذه المرّة معلّقين بين الأرض والسماء بل كنّا جالسين على مقاعد فخمة من الجلد الطّري.

كان الوزير أكثر عصبيّة من مدير الأمن، لاختلاف في الطّباع والمزاج، دون شكّ، وأيضا لـ"قرب رأس الفرطاس (الأقرع) إلى ربّي" على رأي المثل التّونسي، أو ربّما لعدم اقتناعه الكامل بأنّ تشريفات من هذا القبيل لسجناء سياسيين لا تليق كثيرا بمقام وزير داخلية لم يتمرّن بعد، بما فيه الكفاية، على ممارسة هذه الدّيموقراطية الجديدة.

قدّم لنا بسطة ضافية عن توجّه الحكومة الجديدة في طيّ صفحة الماضي وتدشين عهد الحريّات والدّيموقراطية، وعَلِمْنا منه، يومها، أنّنا أبناء هذا الوطن، واستبدّت به العاطفة فقال أننا أبناؤ"هم" أيضا (هم العائدة على أصحاب الوطن)، ولم يبلغ الأمر درجة تقبيلنا أو ضمّنا إلى صدره، وأفهمنا، بكثير من الإيحاء، بأنّ مدارك الرئيس ليست على ما يرام، وطالب منّا مساعدته على تخطّي هذه العقبة بضبط أنفسنا إذا ما صدر عن بورقيبة، لا سمح اللّه، ما لا يسرّ سماعه، وما قد يعكّر صفو المحبّة الجديدة بين الحكومة ومساجينها، ونحن نستمع ولا نفقه إن كان الرّجل خائفا من الحبيب بورقيبة بأن لا يكون في مستوى المسؤولية المنوطة بعهدته، كرئيس دولة، في تكريس سياسة الحكومة، أو خائفا من ردود فعلنا الطّفولي لما يعلمه عنّا من "صحّة رأس" وعدم تقدير لهيبة الدّولة، أو خائفا على نفسه من الورطة التي حلّت به. ولا أظنّ سوى أنّ خوفه كان ثلاثيّ الأبعاد، وهو ليس بالأمر الهيّن.

الحقيقة أنّني في تلك اللّحظة رقّيت لحاله، وكدت أن أربّت على كتفه، وأن آخذ بيده وأواسيه بكلمة طيبة من نوع "ما تحطّ شيء في بالك، غصرة (ضائقة) وتفوت"، ولكنّي لم أفعلها لسببين اثنين. أوّلا: وجدت هذه الجملة غير لائقة لانتمائها إلى قاموسي السّجني العالق بي، فكثيرا ما كنت أقولها لبعض مساجين الحقّ العامّ الذين سنحت لنا الظّروف بتبادل بعض الأحاديث معهم، وكنت أضيف إلى تلك العبارة "الحيّ يروّح والحبس كذّاب"، وهو كلام لا يليق بحضرة وزير على رأس أهمّ وزارات السيادة. وثانيا : تذكّرت بأنّي لست هنا أصالة عن شخصي الكريم، وإنّما أنا حاضر بصفتي نائبا عن رفاقي المساجين السياسيين القابعين بالسّجن، وأولئك الذين خرجوا منه، وعن جميع أطراف الحركة الدّيموقراطية في البلاد التي تحمل تطلّعات شعبنا في الخبز والحريّة، وبالتّالي فأنا أنوب عن كلّ الشّعب، وإن لم ينتخبني، ولكنّه تمثيل حقيقي بآليات معقّدة يصعب شرحها لضيق المجال.

عندما فُسح لنا المجال أخيرا للحديث كنّا، على صغر سنّنا، وطراوة تجربتنا السياسية، وانعدام خبراتنا التّفاوضية، أقدر منه على الإيجاز والوضوح والبيان : أوّلا: صياغة البيان الصحفي الذي سيصدر عن الرئاسة وينشر في الإعلام بما لا يدع شكّا لأيّ تأويل قد يفسّر أننّا طالبون لعفو رئاسي، مع التّنصيص على صفتنا كمساجين سياسيين يُطلق سراحهم. ثانيا : مهما كانت حالة الرئيس أو أقواله، فإنّنا سنطرح عليه مطالبنا في حرية التّنظيم، والصّحافة، والتّعبير، ومحاكمة المسؤولين عن التّعذيب، ثالثا : سنّ قانون عفو تشريعي عامّ، واسترداد حقوقنا كاملة، رابعا : أن يشمل العفو جميع المساجين السياسيين، إذ أنّ الوزير سبق أن أشار في حديثه إلى دفعة أولى يتحدّد من خلال تصرّفها شمول البقيّة.

اغتاظ الوزير لكلامنا وبدا عليه التبرّم وضيق الصّدر، ولاحت في الأفق بوادر مشادّة، قد لا تحمد عقباها على الجميع، ولم نكن نعرف مدى المناورة الذي يمكننا التّصرّف فيه، فقد كنّا نقرأ عن براعة الرفيق الفيتنامي " لو دوك تو" في قهره للأميركان على طاولة المفاوضات، كامتداد لقهره لهم على الميدان، أمّا الآن فالوضع مختلف، فليس عندنا مناطق محرّرة ندخلها في المعادلة التّفاوضيّة، ولا دراية لنا بتقنيات رفيقنا الفيتنامي وأساليبه، ولم نناقش كثيرا، فيما بيننا، قضية الحدّ الأدنى والحدّ الأقصى. قوّتنا كانت في تلاقي الأدنى بالأقصى. ولحسن الحظّ أنْ تَدَخَّلَ مدير الأمن الوطني ليلطّف الجوّ بأريحيَّتِه الطّبيعية، ولأسباب أخرى يتّصل بعضها، كما فهمت بعد خروجنا، بميول ٍلا علاقة لها، مباشرة، بالسياسة والدّولة، وبأخرى تَمُتُّ إلى صلته المتينة بوسيلة بن عمّار بورقيبة، زوجة الرئيس، التي كانت حريصة بدورها على خروجنا لأسباب فيها السياسي وغير السياسي. ويبقى هذا الأمر من قبيل تقديري الشّخصي البحت… وليس المجال للتبسّط أكثر.

[1]- مجلّة إباحية كنّا نجد فيها أجمل فاتنات العالم، كما ولدتهنّ أمّهاتهنّ، فيستسلمن لنا طائعات. يجدر اعتبارها، بحقّ، أروع ما يمكن للسّجين الحصول عليه من أمّهات الكتب، والمراجع الثّابتة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: في حضرة الزعيم   الأربعاء أبريل 29, 2009 2:31 pm

من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: في حضرة الزعيم




حلّ ركبنا في حوالي العاشرة صباحا بالقصر الرئاسي بقرطاج، وكان أقربَ إلى القافلة منه إلى الرّكب. كنت لابسا سروال "دجنس" وقميصا صيفيّا، وكان رفاقي على نفس الهيئة تقريبا، لا ربطة عنق، ولا بذلة، ولا أحذية لـمّاعة، وقد أصررنا على ذلك لغرض واضح كنّا نعني به امتناعنا عن المشاركة في الطّقوس، وعدم اندماجنا في المراسم، من حيث المظهر على الأقلّ، في انتظار البقيّة.

لم يكن الأمر مدروسا أو واعيا بالشكل الذي أتحدّث عنه اليوم، ولكنّه كان حاضرا بقوّة في أذهاننا، فيه نوع من الحرص على الحفاظ على هويّتنا، وعدم التّورّط الكامل في اللّعبة. وكان يحدوني الشّعور، وأعتقد نفس الشّيء بالنسبة لرفاقي، بأنّ الحديث إلى الرئيس من خلال عدم تقمّص الدّور المطلوب منّا، بداية من اللّباس، سيمنحنا حرية أكبر لتوليد الكلام المناسب لوضعنا. كان مهمّا أن لا ينسوا صفتنا كمساجين، وأن لا ننسى نحن الأمر، وفي مظهرنا إشارة، ولو شكليّة، إلى هذا التّمايز.

استقبلتنا وسيلة بورقيبة في مدخل القصر، ووجدنا سجينين سياسيين آخرين أتوا بهما لم تكن لنا سابق معرفة بهما.

كان يقف، إلى جانب الرّئيسة، عدد من الوزراء صحبة مدير الحزب المنجي الكعلي الذي علت محيّاه علامات الاستياء من حماسة وسيلة التي بادرتنا بالتّرحيب وكأنّها تستقبل عرسانا شبّانا، جاؤوا لخطبتها في بناتها أو بعض قريباتها. أسْقَطَتْ كلّ تَكَلُّف بالمراسم وبطبيعة الموقف، وأخذت تحدّثنا عن إعجابها بوسامتنا وثقافتنا، وقالت بأنّه من المفروض أن نكون مسؤولين كبارا في الدّولة، وأنّها ستزوّجنا، وأشياء أخرى لم نكن ندري إن كانت تؤمن بها، بفعل ثقافتها المجتمعية الصّالونية الواسعة، أو لطبعها المرح، أو لحنكة سياسية في تمهيد نفسيّاتنا للأخذ بخاطرها في صورة ما إذا خرج الرئيس عن حدود اللّياقة. قالت لنا صراحة وبأريحية لا لُبْسَ فيها، ما قاله وزير الدّاخلية بكثير من التّعقيد : "سي الحبيب راهو بوكم، ما يسالش كان بدا ياخذ ويعطي، ما تاخذوش عليه، خوذو بخاطري، راهو باش يسيّبكم"، (سي الحبيب بمثابة أبيكم، لا يهمّ إن تجاوز حدود اللّياقة، لا تَدَعوا الأمر يحزّ في نفوسكم، إكراما لي. إنّه سيُطلق سراحكم). كان البقيّة منقبضين عدا عبد الحميد الصّخيري الذي كان يتصرّف بمثل تصرّفها.

قدّموا لنا عصيرا ولا أتذكّر من الّذي شرب ولم يشرب، وبدأ الخوف ينتابني باقتراب الامتحان. كنت أخشى أن يقع صِدَامٌ مع بورقيبة، وكنت، كما تعوّدت أن أفعل عند الشّدائد، أستجمع خوفي لأحوّله إلى جسارة، وتحدٍّ، وقلة حياء إن لزم الأمر.

يصعب تفسير هذه اللّحظة التي اختزلت جميع معاني حياتنا ونضالنا. فاليسار التونسي، بقطع النّظر عن أفكاره وتحليلاته ورؤاه في السياسة والمجتمع وغيرها، لم يكن في نهاية الأمر سوى لحظة كرامة في هذا البلد، لكونه الوحيد الذي رفض أناويّة بورقيبة، ورفض أن يُختزل البلد في شخص واحد، ورفض الإخصاء الذي مارسه بورقيبة على الطبقة السياسية ورجالات الدّولة والحزب. والآن تفصلنا بضع دقائق عن وقوف موسى أمام فرعون، ونحن لا معجزة في جرابنا، ولا عصا في أيدينا، ولا ربّ يحمينا!

دخلنا مكتبه فأصبح مكتظّا بنا، وبالوزراء، وأعوان الأمن المقرّب. حوالي الأربعين نفرا، أو أقلّ أو أكثر، لا أدري. ودخل بورقيبة.

كان قصير القامة. يمشي بشيء من الصّعوبة لكن دون عناء، واتَّجَهَتْ إليه وسيلة لتُسنده وتستبق الأمور. قالت له "هذوما ولادك عاد" (هؤلاء أولادك، أليس كذلك). فرفع يديه كما عهدناه يفعل في خطبه، وتقدّم نحونا وهو يتمعّن في وجوهنا وفي وجوه البعض من الملتفّين حولنا من الأمن والوزراء قائلا "ترا نشوف. هاو تبارك اللّه نظاف. ماهوش وجوه مقلّبة كي هاكه جماعة قفصة (1)، أولادي هذوما، آش عملولكم تحطّوهم في الحبس". (كانت أحداث قفصة لا تزال ماثلة في ذهنه بعد بضعة أشهر من حدوثها، وأشهر أقلّ من شنق رموزها).

كنّا نعلم الكثير عن قدرات بورقيبة المسرحيّة وعن دهائه السياسي، وكنّا كثيرا ما نتقمّص دوره في السّجن. لا أعتقد أنّ تونسيّا واحدا لم تنتبه يوما رغبة في تقمّص دور بورقيبة للحديث مثله أو في استنباط كلام كان يمكن أن يقوله وإن لم يقله. ورغم ذلك فلم أكن أنتظر أن أجد نفسي، وأنا أتساءل، إن كان الرّجل صادقا فيما يقول، أو كان يرتجل حديثه وانطباعاته، أم هو يستحضر دورا تدرّب عليه ولو قليلا. لو طُلب منّي أن أراهن وقتها على شيء ثمين، لرجّحت الكفّة إلى صدق النيّة لكي لا أخرج خاسرا. فهو ينتمي إلى مدرسة المسرح الواقعي التي يُشترط فيها أن لا يترك الممثّل أيّ مسافة بينه وبين الشّخصية التي يلعبها، كأن يتقدّم يوسف وهبي في حياته العادية إلى خطبة التي ستصبح زوجته الحقيقية مستعملا نفس الحركات والتّعابير والألفاظ التي يستعملها في أفلامه وهو يخاطب الممثّلة شادية، مثلا، في دور خطيبته في الفلم. في أحد أفلامه تَطْرُق فاتن حمامة، على ما أظنّ، باب منزل فيفتح لها رجل وهو يقول، أمام اعتذارها عن الغلط، "إنتِ مش عارفه أنا مِينْ ؟ أنا يوسف وهبي". وكان هو فعلا يوسف وهبي يمثّل دور يوسف وهبي!

هكذا كان بورقيبة يمثّل إلى حدّ الإقناع التّامّ دور بورقيبة، وهي حالة تعرّض لها علم النّفس التّحليلي ولها اسمها ومواصفاتها وعلاماتها وعوارضها.

قال لنا إنّه يعلم أنّنا شيوعيّون وإنّه يعرف عن الشّيوعيّة أشياء نجهلها نحن. وحكى عن اختلافه معهم منذ فترة المقاومة حين كان ينادي بالاستقلال وكانوا يرونه مرتبطا بتحرّر الطبقة الشّغيلة في العالم، وكان يقول لهم "اقعدو استنّاو" (ابْقَوْا في الانتظار). ثمّ انتابته لحظة عاطفة ولِينٍ وهو يقول أنّنا نذكّره بما قالته له فرنسا، يوم وقف في وجهها : "نحن فتحنا لكم المدارس وعلّمناكم وها أنت تتعلّم لتلتفّ علينا" (كان ينظر إلى ناحية وزرائه)، ثمّ توجّه إلينا بتأثّر "هَاكُمْ اليوم بعد ما قَرِّيتْكُمْ وكَبَّرْتْكُمْ تْحِبُّو تْنَّحِيوْني… لو كان ما قرّيتْكُمْشْ رَاكُمْ ما زلتم سُرَّاحْ" (وها إنّكم بعد أن علّمتكم تريدون تَنْحِيَتِي و لو لم أعلّمكم في المدارس لكنتم اليوم لا تزالون رُعَاةَ غَنَمٍ).

"موش هكّة ؟"

وكان يدور وسط فراغ الحلقة الملتئمة حوله ويلتفت بين الحين والآخر إلى الحاضرين قائلا، على عادته التي نعرفها من التّلفاز، "موش هكّه ؟" (أليس كذلك؟). "تركيزة" الكلام هذه عند بورقيبة يعرفها الشّعب التّونسي كلّه، وهي دارجة في لهجتنا التونسية، ولا أدري إن كان بورقيبة هو الذي أسّسها، أو أنّها كانت واردة قبله وأشاعها ملكا مشتركا بين النّاس. كنّا نتندّر بها كثيرا كلّما أراد أحدنا أن يؤكّد لحظة تسلّط "سُوفْتْ" أي مرنة (فقاموس الإعلامية لم يوجد بعد وقتها). وعندما يرمي بها بورقيبة إلى حاشيته فإنّما لقراءة درجات الولاء وأصنافه، وربّما للتأكّد من أنّه لا معارضة تُذكر لرأيه، أو لخلق شعور لدى أتباعه بأنّه أعطاهم فرصة لإبداء الرّأي تصبح بعدها مخالفته غدرًا وجحودا، تدخل في خانة "انعدام الرّجولة" أكثر منها في باب الاختلاف السياسي الذي كان متاحا لحظتها.

هذا الأمر تفطّنت له يوم أصبحت لي بنت، وكلّما خاصمتها ولاذت بالصّمت أمام بلادة حججي، أكتشف نفسي يائسا في انتزاع قبولها بمنطقي وأنا أردّد، عملا بقاعدة الحوار، "موش هكّة (؟)"… وقد تجيبني أحيانا "طبعا هكّة… أنت دائما تعلم كلّ شيء، فلما تسأل ؟"

حوار سريالي

ولتقديم صورة أوضح عن بقيّة المقابلة، فسأصوغها في حوار قد يساعدني فيه الرّفاق الحاضرون معي على استحضار تفاصيل، وتصويبات، وتعديلات، فاتتني بالضّرورة، لبعد الزّمن، وانطبع ما انطبع منها في ذاكرتي من خلال رؤيتي الخاصّة للحدث، والتي قد لا تتوافق مع بعض زوايا النّظر الأخرى، وهو أمر طبيعي.

إضافة إلى أنّ مقابلة المجموعة الثانية التي تمّت يوم 3 أوت 1980، أي بعد شهرين من مقابلتنا، وكان ذلك بقصر صقانس بالمنستير، قد كرّرها لنا الرّفاق مرّات ومرّات بما خلق تداخلا بينها وبين الأولى لتشابه الأوضاع والظّروف، وهو ما قد ينجم عنه بعض الخلط بين هذه وتلك.

بورقيبة : (يواصل حديثه وقد تفطّن إلى أنّه ليس أمام شيوعيين فقط بل أمام مساجين أيضا، وكأنّ الأمر عَزَّ عليه بأن نبقى الشّخصيات الدّرامية الوحيدة في هذا المشهد) :

— أنا أيضا سُجنت زمن فرنسا، وقاسيت الويلات والمحاكم والتّعذيب… (وظلّ يحكي طويلا عن السّجن، والمعاناة، ووحدته القاسية…).

لم نتقاسم الأدوار فيما بيننا قبل قدومنا، لاستحالة توقّع مسار الأحداث. الاتّفاق الوحيد تمّ على المسائل الثلاث أو الأربع التي ذكرناها لوزير الدّاخلية، وقد أنهى المقابلة دون الخوض فيها وبقي الأمر مفتوحا. وكنّا نرصد حركات بورقيبة ونشغّل أدمغتنا لقراءة حديثه والمنحى الذي سيأخذه. وأنا أنظر في عمق عينيه الزّرقاوين. كان فيهما نوع من الشّفافية البصرية، ربّما بفعل المرض رغم أنّ الذين عرفوه من قبل يقولون أنّ لون عينيه هو أحد أسراره في التّأثير على الغير.

تلقّف الحديث أحدُنا قائلا :

— كان ذلك في عهد الاستعمار، أمّا نحن فقد سجنّا في زمن الاستقلال، وعُذّبنا كثيرا من طرف البوليس السّياسي، وذلك من أجل أفكارنا وآرائنا… ونحن نطالب بفتح تحقيق في الأمر ومحاكمة الذين مارسوا التّعذيب علينا…

التفت بورقيبة إلى حيث كانت ثلّة وزارئه، وهو يبحث عن وزير الدّاخلية :

— علاش تعذّبو فيهم …آش عملولكم… أولادي هاذمك… توّه نشوفو الحكاية… ثمّ استدرك قائلا وهو يبتسم :

— ماهو زاده كيف ما تحبّش تقرّ… آش تحبّهم يعملو… لازم كفّ… وشويّه كذا… (إذا ما رفض أحدكم الاعتراف فماذا عساهم يفعلون…لا بدّ من صفعة على الوجه…أو شيء من هذا القبيل).

ردّ عليه أحدنا بأنّ الأمور تتجاوز الصّفعة المعتقدة وأنّ التّعذيب مناف لجميع الأعراف الدّولية ومبادئ حقوق الإنسان، فبدا عليه الاضطراب، وشعرنا بغيوم الغضب تتلبّد في داخله، وظلّ يدور في مكانه ويبحث عن كلماته. وقتها تدخل وزير الداخلية لإنقاذ الموقف قائلا إنه على علم بالموضوع وسيتولى التحقيق في الأمر، فتلقّف عنه بورقيبة الكلام ليقول إنه هو أيضا ضد التعذيب و يأمر بإجراء تحقيق حول هذه القضية…

— أحد الرّفاق : نحن نطالب بالاعتراف بنا كحزب سياسي له حقّ الوجود وبأن تكون لنا جرائدنا الحرّة.

— بورقيبة : لقد أذنتُ بحريّة الصّحافة. أنا أيضا كنت أكتب في الصّحافة. كانت مقالاتي في اللّغتين تهزّ المستعمر…أعطوهُمْ جرائد.

ثمّ تراجع قليلا إلى الوراء ولم يعد يفرّق بيننا وبين الحاضرين، وقد التصق بنا بعض من الوزراء ومدير الحزب ليطلبوا منّا، همسا، بأن نخفّض من أصواتنا، وأن ننهي المقابلة وقد عبّرنا على ما نريد. بدا له الجمع غفيرا، وقد نسي كم كان عددنا كمساجين، أو تناسى الأمر. صاح قائلا (وقد بدا عليه التّعب):

— أتريدون جريدة لكلّ واحد. كم جريدة سنعطي. ستعمّ الفوضى !

— قال أحدنا: ليست المسألة مسألة عدد أو كثرة. إنّها مبدأ يقرّه الدّستور في فصله الثّامن.

ولكثرة ما سمع بورقيبة لفظة "البند الثامن"، التي وردت مرارا على ألسنتنا، فقد انتهى به الأمر وهو يزمجر: سألغي هذا البند… ثمّ تدارك الأمر، وكأنّه يريد قطع الطّريق علينا، وإنهاء الجدل، وفسح المجال مرّة أخرى للحديث عن نفسه: أُعطوهم حزبا وجريدة.

نبّهته "وسيلة" إلى أنّه يُحدّث وزراءه، فأمرهم بالابتعاد ليتمكّن من فرزنا، ونسيتُ ما الذي حدث بعدها قبل أن يتدخّل رفيق آخر لإثارة مسألة العفو التّشريعي العامّ من قبل مجلس الأمّة، وبورقيبة يردّد بأنّه عفا عنّا شخصيا ضمن مجموعة أولى، وأكّدت وسيلة بورقيبة أنّ البقيّة سيكون موعدهم يوم عيد ميلاد الرئيس في الثالث من أغسطس المقبل (وهو ما تمّ فعلا لاحقا). وكأنّي به لم يفهم، رغم ضلوعه في القانون، أنّنا نطلب عفوا تشريعيّا يفوق قيمة وقوّة، قرار العفو الرّئاسي المرتبط بشخصه!

انتهت المقابلة داخل نوع من الفوضى، وقد تبادلنا معه حجما من الحديث يفوق ما ذكرت، عندما ألحّ بعضهم، ربّما يكون طبيبُه الخاصّ، إنهاءها، وسحَب بورقيبة من مكتبه، وهو يعود إلينا في كلّ مرّة ليواصل حديثه، والحاضرون يدفعون بنا نحو الباب، وهم يردّدون بأنّ الرئيس قد تعب وها قد قلنا كلّ ما نريد قوله.

فخرجنا على غير ما كان يخرج به "لو دوك ثيو" من وثائق موقّعة، واتّفاقيات واضحة، وخرائط مرسّمة، ولكنّا كنّا نشعر بنوع من الارتياح لتوفّقنا في الوقوف في وجه بورقيبة، ولم يكن الأمر سهلا. فقلّة هم الّذين وقفوا أمامه على نمط وقفتنا. ولم أتساءل وقتها ما الّذي كان سيحدث لو قابلناه في عنفوانه وأوج سلطانه!

يوم الخروج

… لا علاقة بسيناء والبحر الأحمر!. خرجنا من قرطاج، لنعود إلى السّجن المدني بتونس، وانتبهت وقتها إلى الطّقس. كان رائعا. كنت أعيد رسم خارطة العاصمة في ذهني وأرى النّاس يتجوّلون في الفضاء الواسع. بدا لي أوسع بكثير ممّا كنت أعرفه. نوع من البرمجة تتمّ في دماغ السّجين في إعادة صياغة مقاسات المسافة والزّمن داخل بضعة الأمتار المربّعة التي يعيش فيها، وبفعل تعاقب اللّيل والنّهار في حلقة دائرية مفرغة، تقطعها بين الفينة والأخرى أخبار ترد علينا من الخارج مثل أحداث المواجهة بين النّظام والاتّحاد العام التّونسي للشّغل، أو أحداث قفصة أو غيرها، فندرك معها أنّ الزّمن يسير بخطاه الطبيعية خارج أسوارنا. وذات الأمر نقف عليه كلّما زارنا أخ أو أخت تركناهما صغيرين ونراهما يكبران مع مرّ السّنين ونحن نشعر بأنفسنا وكأنّنا لم نتغيّر.

وجه الحبيبة

لم أعد أتذكّر المسار الذي سلكته السيّارة الفخمة التي عادت بنا إلى رفاق ينتظرون على أحرّ من الجمر. كنت خارج السّجن تماما بذهني ومخيّلتي. صورة صديقتي ترتسم في الأفق وتسكن كامل كياني. شوق عارم إلى اللّقاء وخوف كبير من التّلاقي. ماذا سنقول لبعضنا بعد خمس سنوات وشهرين من الانقطاع وحكاية الحبّ بيننا لم تكد تنشأ.

كان الزّمن زمن تساقط الرّفاق الواحد تلو الآخر تحت ضربات البوليس السّياسي، وكنت عائدا من فرنسا لمساعدة مناضلي الدّاخل على إعادة هيكلة المنظّمة. كنّا نعيش في السريّة بهويّات مزيّفة، ونتنقّل بصعوبة بين المناطق، وعمري وقتها لم يتجاوز العشرين سنة، وهي في نفس السنّ تقريبا.

آوتنا في بيتها لزمن كنّا نغيّر فيه سكننا حسب ما تتيحه إمكانيّاتنا الماديّة شبه المنعدمة، وقد أصررنا على طبع الجريدة السريّة في أوج حملة الإيقافات للدّلالة على أنّنا واقفون لا نركع، وأنّنا نقاوم. كنّا لا نعرف من الكرّ والفرّ سوى اللّفظة الأولى، ولم يكن لدينا متّسع من الوقت أو البال للحديث في مثل هذه الأشياء، أو ضبط استراتيجية تتوافق مع الأوضاع.

وكان مثل هذه العقليّة والتّصرّفات يمنح المناضل هالة رومانسية، ومسحة من التّراجيديا، ولحظة من الهشاشة العاطفية التي تستند إليها صلابة المعنويات وفولاذية العزيمة اللّتان يفرضهما الوضع. وإذا ما تقابل مناضل ومناضلة في مثل هذه الأحوال، تنشأ بالضّرورة مشاعر من نوع خاصّ تمتزج فيها العاطفة بالشّهوة، والحبّ بالشّبق، وأحاسيس الذّنب بما يصعب كبحه، وإن كُبِحَ فليُولّد سراب حبّ ينضاف إلى لائحة الحوافز التي نبحث عنها لصناعة فولاذ العزيمة، ومجابهة إيقاف يلوح في الأفق، ونحن نعلم أنّه قادم لا محالة.

كانت تجلس إلى جانبي وأنا بصدد تحضير أوّل عدد من جريدة "العامل التّونسي" سيصدر بالدّاخل، بعد أن كانت تأتينا مهرّبة من رفاقنا بفرنسا بطرق شتّى، والشّيخ الإمام يغنّي "تجمّعوا العشّاق في باب القلعة…"، وأنا أشرح لها بعض الكلمات المصريّة. كان صوتها أجمل من صوت الشيخ في أذني عندما تعيد على مسامعي بعض المقاطع، وأنا أتلو عليها قصيدة "بلدي وحبيبتي" لِمَلَكَةٍ طبيعية ِفيَّ لا يستقيم معها الغناء. كنتُ ظاهرة صوتية وكانت ظاهرة موسيقية. وفيها حلاوة النّكتة التي لم تكن حتّى لتحتاج إليها، لفرط جمالها. كانت تقول : أُحِبُّ أن أكون غَانِيَتَك لتعملَ أفضل. وعندما فسّرت لها معنى "الغانية" في العربية، اعتذرت عن عدم ضلوعها في اللّغة، لكنّها سرعان ما تنسى شروحي، ككلّ الفاتنات، فتقول: أنا غانيتك وأنت نَجْمِي (إشارة إلى أحمد فؤاد نجم) قبل أن تعتذر من جديد عن ضعفها…في اللّغة العربية.

تفارقنا على عِناق. كان لزاما عليّ أن أغادر المحلّ لأنّ أحد الرّفاق القياديين، الذي كان لاجئا إليه مثلي، قد "سقط" بمعنى أُلقِي عليه القبض. كنّا نشعر بأنّنا لن نتقابل بعد اليوم، لمدّة طويلة على الأقلّ. خرجت تائها وقد انقطعت جميع خطوط الاتّصال بيني وبين من تبقّى من الرّفاق الّذين لم يوقَفوا بعد.

من يومها حملتها حلما خفّف عليّ إلى حدّ كبير وطأة سنوات السّجن وعُمْقَ الحاجة لدى السّجين إلى خيال أنثى تؤثّث فراغ الوجدان و تملأ وحشة الجسد.

(1)- استفاقت البلاد في شهر يناير 1980 على مجموعة من المسلّحين قدموا من ليبيا وسيطروا على مدينة قفصة. قرأ البعض هذا الحدث كردّ فعل من "الأخ" العقيد القذّافي على تراجع بورقيبة عن اتّفاقية الوحدة بين تونس وليبيا التي وُقعت في ظروف سريالية سنة 1974.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
محمد منعم



عدد الرسائل : 725
العمر : 48
الإسم و اللقب : محمد منعم
نقاط : 260
تاريخ التسجيل : 12/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو بقلم فتحي بالحاج يحيى   الخميس أبريل 30, 2009 7:43 pm

مشكور جدا ولو أنى اشك انه مع مرور الأيام ربما لا تصدق الأجيال القادمة ان هذا كان يحدث
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ناصر



عدد الرسائل : 651
العمر : 50
الإسم و اللقب : ناصر
نقاط : 141
تاريخ التسجيل : 08/05/2008

مُساهمةموضوع: رد: من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو بقلم فتحي بالحاج يحيى   الجمعة مايو 01, 2009 9:11 pm

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد منعم



عدد الرسائل : 725
العمر : 48
الإسم و اللقب : محمد منعم
نقاط : 260
تاريخ التسجيل : 12/03/2008

مُساهمةموضوع: رد: من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو بقلم فتحي بالحاج يحيى   الأحد مايو 31, 2009 10:44 am

ناصر باشا فينك يا بطل وحشتنا ردودك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
من دفاتر اليسار التونسي في الزمن البورقيبي: السجن والتفاوض على طريقة الرفيق لو دوك تو بقلم فتحي بالحاج يحيى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 15- منتدى قصص من الواقع-
انتقل الى: