البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الصعوبات الاقتصادية بين مجلة الشغل والقوانين الخاصة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: الصعوبات الاقتصادية بين مجلة الشغل والقوانين الخاصة   الجمعة أغسطس 28, 2009 3:40 pm

الصعوبات الاقتصادية بين مجلة الشغل والقوانين الخاصة
بقلم: عصام الأحمر قاضي رئيس فريق عمل بمركز الدراسات القانونية والقضائية



«عند الازمات الاقتصادية توجه أصابع الاتهام الى قانون الشغل» (1) فيتهم بالجمود والتحجر واختلال التوازن في الاحكام التي يسعى الى تطبيقها على العلاقات المهنية.

واعتبارا للترابط بين الوضع الاقتصادي والاجتماعي اذ يشهد المناخ الاجتماعي استقرارا في ظل الرخاء الاقتصادي وتتعطل مسالك الحوار سواء داخل المؤسسة أو خارجها عند الازمات الاقتصادية على اختلاف مصادرها وأهميتها فقد ادى تطور المؤسسات القانونية الى التخلي التدريجي عن الصبغة الحمائية التي أضفيت على قانون الشغل وحل محلها مفهوم التوازن في العلاقات الشغلية.
وقد أوضح اغلب الفقهاء ان قانون الشغل ليس سوى أداة لتحقيق التوازن الاجتماعي بإعتبار ان المؤسسة اصبحت اليوم وحدة اقتصادية واجتماعية للانتاج وتبعا لذلك فإن قانون الشغل ليس سوى فرع من فروع القانون الاقتصادي المحدد لنوع من التوازن في العلاقات الاجتماعية (2).
وتأكيدا للتلازم بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي يرى بعض الفقهاء ان قانون الشغل الذي يهدف اساسا الى حماية العامل قد يتحول الى أداة لحرمانه من بعض الحقوق المكتسبة عند الازمات.
مثلت مسألة الطرد لأسباب اقتصادية أحد اهم المسائل التي تثير نقاشا من حيث الوقائع أو من حيث القانون لدى دوائر الشغل اعتبارا لما تثيره هذه المسألة من صعوبات وما قد يترتب عنها من آثار سواء بالنسبة للأجير او المؤجر.
غير ان تتبع التطور التشريعي في البلاد التونسية يؤكد ظاهرة تشتت المفهوم القانوني للصعوبات الاقتصادية والتي يمكن تصنيفها بحسب طبيعتها الى صعوبات مستمرة او ممتدة في الزمن وتستوجب حلولا جذرية (الفصل 21 م م ش وقانون الانقاذ) ومنها من هو ظرفي ويتطلب تدخلا عاجلا لمدة معينة (الفصول من 25 الى 35 من القانون عدد 80 لسنة 2003 المتعلق بقانون المالية لسنة 2004 بخصوص الامتيازات الممنوحة للمؤسسات السياحية التي جابهت صعوبات ظرفية وكذلك القانون عدد 79 لسنة 2008 المتعلق بالمؤسسات التي شهد نشاطها تقلصا نتيجة الازمة العالمية).
وتجدر الاشارة الى ان الفصول من 25 الى 35 من القانون عدد 80 لسنة 2003 المتعلق بقانون المالية لسنة 2004 بخصوص الامتيازات الممنوحة للمؤسسات السياحية التي جابهت صعوبات ظرفية اقتصرت على الامتيازات الجبائية والاعفاء من خطايا التأخير والتخلي عن الفوائد الموظفة خلافا للقانون عدد 79 لسنة 2008 المتعلق بالمؤسسات التي شهد نشاطها تقلصا نتيجة للأزمة العالمية والذي تضمن أحكاما خاصة بقانون الشغل وأنظمة الضمان الاجتماعي.
أوضح العميد النوري مزيد (3) ان «المشرع لم يعرّف مفهوم الاسباب الاقتصادية التي من شأنها ان تبرر الطرد، وذلك على عكس المشرع الفرنسي مثلا، الذي ينص على انه «يعتبر طردا لأسباب اقتصادية الطرد الذي يقوم به المؤجر لسبب او لعدة اسباب ليس لها ارتباط بشخص الاجير والناجم عن حذف او تغيير مواطن الشغل او تعديل جوهري لعقد الشغل، والمترتب خاصة عن صعوبات اقتصادية او تغييرات تكنولوجية (4)».
واكد بعض الفقهاء في هذا الخصوص ضرورة التمييز بين ظاهر النزاع وحقيقته بقولهم: «... إن المشرع التونسي خوّل في بعض الصور المحدودة لدائرة الشغل النظر في بعض الخلافات التي ظاهرها خلافات جماعية لكن في الحقيقة مبناها عقد الشغل الفردي... (5)».
البحث الأول : خصائص الصعوبات الاقتصادية
اعتبارا لخصائص الطرد لأسباب اقتصادية فإنه يتجه التعرض الى الشروط المتعلقة بالمؤسسة والشروط المتعلقة بالعملة المعنيين لننتهي الى دراسة الشروط الإجرائية:
1 ـ الشروط المتعلقة بالمؤسسة
مفهوم الصعوبة الاقتصادية:
حدد المشرع بالفصل 21 من الشغل وفق تعديله سنة 1994 الاجراءات المتعين احترامها عند اعتزام المؤجر طرد بعض او عملته كافة ورغم دقة هذه الاجراءات فإنه يمكن تبويبه في عنصرين استنادا الى خصائص الطرد لأسباب اقتصادية كما حددها العميد النوري مزيد: «ان مفهوم الاسباب الاقتصادية للطرد يقوم على عنصرين متكاملين:
ـ فمن ناحية أولى يجب أن يكون السبب مستقلا تمام عن شخص الاجير وسلوكه، اذ يتعين ان يكون هذا السبب قائما على اعتبارات موضوعية مرتبطة بنشاط المؤسسة او الظروف المحيطة به، سواء تعلق الامر بالقدرة الانتاجية للمؤسسة او هيكلتها او قدرتها على تسويق منتوجاتها او وضعيتها المالية... الخ.
ـ ومن ناحية ثانية، يجب ان يكون السبب من شأنه ان يؤدي الى حذف مواطن شغل قارة او ادخال تعديلات جوهرية على شروط العمل داخل المؤسسة. فكلما تبين مثلا ان المؤجر قد استند الى اسباب اقتصادية قصد اقصاء عمال قارين وتعويضهم مباشرة بعمال وقتيين في مواطن الشغل ذاتها، فإن ذلك يشكل قرينة على ان الاسباب التي قام عليها الطرد لم تكن اسباب اقتصادية او لم تكن ذات صبغة حقيقية وجدية».
لم تتضمن مجلة الشغل تعريفا للأسباب الاقتصادية الموجبة للطرد وان أوجبت على المؤجر بيان الاسباب التي أدت الى طلب او الايقاف عن العمل وهو ما يدعو الى البحث في امكانية الاستئناس بأحكام القانون المتعلق بإنقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية.
يعتبر توفر الصعوبة الاقتصادية شرط اساسي للانتفاع بنظام التسوية عملا بأحكام الفصل 3 من القانون عدد 34 لسنة 1995، وأثيرت عمليا عديد الصعوبات القانونية في تحديد هذا المفهوم وبالتالي تحديد المؤسسات المنتفعة بنظام التسوية وهو ما دفع المشرع الى التدخل بموجب القانون عدد 79 لسنة 2003 المؤرخ في 29 ديسمبر 2003 لتعديل احكام الفصل 3 ومزيد تدقيق مفهوم الصعوبات الاقتصادية ووضع بعض المعايير الموضوعية.
ويرى بعض الدارسين لقانون انقاذ المؤسسات ان هذا التدخل التشريعي لم يكن موفقا بالقدر المطلوب باعتبار ان المشرع تدخل لتقنين مسائل فنية دقيقة لم تكن محل اجماع من قبل المختصين بإعتبار ان المشرع وضع: «امام حتمية اختيار اسلوب التنظيم الدقيق ووضع تعريف قانوني لمفهوم يحتاج الى ذلك ضمانا لحسن التطبيق وتفاديا لتشتت التأويلات في ميدان يفترض أناسه ان يكونوا على بينة من امورهم او العزوف عن الدخول في تفصيلات اقتصادية وتقنية قد لا يحسن المشرع الخوض فيها خاصة انها ذات تبدل سريع».
والصعوبة الاقتصادية تمثل حسب قانون انقاذ المؤسسات الحد الفاصل بين مصلحة المؤسسة ومصالح مختلف الاطراف المتعاملين معها، فعدم ثبوت الصعوبة الاقتصادية وفق المعايير المحددة بالفصل 3 من القانون المذكور ينفي امكانية الانتفاع بالتسوية ويغفل بالتالي مصالح المؤسسة التي قد تكون في حاجة الى بعض الاجراءات التي من شأنها تحسين قدرتها التنافسية ضمانا لبقائها في سوق تتميز بالمنافسة الشرسة. وفي مقابل ذلك فإن استفحال الصعوبة الاقتصادية وتوقف المؤسسة عن النشاط لمدة تفوق السنة يؤدي ايضا الى حرمانها من الانتفاع بالتسوية اعتبارا لإستحالة إنقاذها أو إنتفاء الجدوى من ذلك.
وتأسيسا على ذلك فإنه يتجه التحري في تحديد مدى توافر العناصر المثبتة للصعوبة الاقتصادية والمتمثلة في:
ـ المماطلة في دفع الديون مع عدم القدرة على ذلك وهو ما يعبر عنه بالتوقف عن الدفع.
ـ التوقف نهائيا عن النشاط لمدة لا تقل عن السنة.
ـ خسارة كامل الاموال الذاتية او تسجيل خسائر تتجاوز 3/4 الاموال الذاتية للمؤسسة.
ـ توفر الفرصة الجدية لإنقاذ المؤسسة.
ولئن كان من آثار الصعوبة الاقتصادية على معنى قانون انقاذ المؤسسات انهاء عقود الشغل واعتبار الإنهاء واقعا لأسباب اقتصادية فإن مفهوم الصعوبة لا يتطابق مع الصعوبات الاقتصادية المبررة للطرد لأسباب اقتصادية في اطار الفصل 21 من مجلة الشغل بإعتبار ان لجنة مراقبة الطرد تنظر في ملف الطرد او الايقاف عن العمل على ضوء الوضعية العامة للنشاط الذي تنتمي اليه المؤسسة والوضع الخاص لهذه الاخيرة (الفصل 21/9 من م.ش).
وتبعا لذلك فلا يشترط في اطار مجلة الشغل ثبوت التوقف عن الدفع ولا التوقف عن النشاط كما لا يشترط تسجيل قدر معين من الخسائر وإنما ينظر الى الوضع العام للنشاط ومدى حاجة المؤسسة للتخفيف من الاعباء الاجتماعية.
وقد أدى اعتماد هذا المفهوم للصعوبات الاقتصادية في اطار اجراءات الطرد لأسباب اقتصادية او فنية الى توسيع مفهوم الصعوبات الاقتصادية ليشمل المحافظة على القدرة التنافسية للمؤسسة ويصبح بذلك الطرد اجراء وقائيا في اطار التصرف الرشيد والمتوقع لمواطن الشغل وهو ما أقرته محكمة التعقيب الفرنسية عدد U0540977 بتاريخ 11 جانفي 2006.
وفي محاولة للتنسيق بين نظام انقاذ المؤسسات والنظام القانوني للطرد لأسباب اقتصادية يمكن التفكير في توسيع مفهوم الصعوبات الاقتصادية في اطار قانون الانقاذ لتمكين المؤسسات التي لم تتوقف بعد عن الدفع او لم تتوقف عن النشاط من الانتفاع ببعض احكام قانون الانقاذ بصفة وقائية وقبل استفحال الازمة وهو ما يدعم فرص إنجاح برنامج الانقاذ بما يسمح بمراعاة مصلحة المؤسسة والموازاة بينها وبين بقية المصالح.
غير ان السؤال المطروح يتعلق بالصعوبات الاقتصادية المستقبلية الذي وان أقره القضاء الفرنسي فإنه لازال محل جدل في القانون التونسي.
أما بالنسبة الى القانون عدد 79 لسنة 2008 فقد اثر استعمال عبارة «تقلص النشاط المرتبط بالاسواق الخارجية» في محاولة لإقتصار هذه الامتيازات على المؤسسات المرتبطة في نشاطها بالسوق العالمية التي تشهدت بدورها ازمة مالية تحولت الى ازمة اقتصادية.
ويتجه التأكيد في هذا الخصوص الى اهمية الاختلاف بين الصعوبات الاقتصادية واسباب عدم مواصلة المؤسسة لأسباب خارجة عن نطاقها التي حددها المشرع في الحالات التالية: ـ إحالة المؤسسة في اطار برنامج انقاذ ـ القوة القاهرة المستقلة عن المؤسسة ـ اتحاد الدائنين في اطار التفليس.
2 ـ الشروط المتعلقة بالعملة المعنيين
رغم التحديد الذي ورد بمجلة الشغل لكيفية ترتيب العمل المعنيين بالطرد لأسباب اقتصادية فإن بعض الصعوبات تبقى قائمة:
ـ حماية ممثلي العملة:
صادقت الدولة التونسية بموجب القانون عدد 15 لسنة 2007 على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 135 المتعلقة بممثلي العملة التي أوجبت توفير الحماية القانونية لممثلي العملة ضد الاضرار او الاخطار التي يمكن ان تلحق بهم نتيجة اضطلاعهم بهذه الوظيفة التمثيلية او انخراطهم في هيكل نقابي طبق المقتضيات القانونية والاتفاقيات المشتركة.
وفي محاولة لوضع حد لظاهرة الاختلاف أسند المشرع بموجب القانون عدد 19 لسنة 2007 الاختصاص بالنظر في مطالب طرد نواب العملة الى المدير العام لتفقدية الشغل والمصالحة اعتبارا لما يتمتع به من تجربة وخبرة في مجال العلاقات المهنية.
يعتبر إنهاء العلاقات الشغلية لأسباب اقتصادية او فنية احدى الحلول القانونية التي تمكن من إحلال التوازن بين مصلحة الاجير ومصلحة المؤسسة. ففي بقاء المؤسسة حفاظ على بعض مواطن الشغل واستمرار لعملية الانتاج وفي مقابل ذلك فإن إنهاء بعض عقود الشغل يستوجب تمكين العملة المفصولين من التعويضات المناسبة التي تراعي اهمية الضرر وقدرة المؤسسة المالية.
غير ان تحديد قائمة العملة الذين سيتم انهاء عقود شغلهم يتم اساسا بإعتماد معيار الاقدمية في العمل والوضعية الاجتماعية للعامل فيتم تسريح العامل الاقل أقدمية والاقل عائلية دون اعتبار الصفة التمثيلية للعامل بالمؤسسة وهو ما قد يؤدي الى حشر ممثلي العملة ضمن قائمة العمال الواقع إنهاء عقود شغلهم.
وسعيا من المشرع الى توفير الحماية الضرورية لممثلي العملة قصد تمكينهم من القيام بمهامهم على احسن وجه والمساهمة في استقرار وسلامة المناخ الاجتماعي داخل المؤسسة فقد أعطاهم أولوية البقاء في العمل عند لجوء المؤسسة الى اجراءات الطرد لأسباب اقتصادية او فنية.
تعديل الاتفاقيات القطاعية وسحب الحماية على النائب النقابي منذ تاريخ قبول الترشح والى غاية انقضاء ستة اشهر بعد نهاية المدة النيابية.
غير ان احكام الفصول 165 و 166 و 166 مكرر من مجلة الشغل كما تم تعديلها خلال سنة 2007 لا تنطبق على عقود الشغل الواقع إنهاؤها في اطار برنامج الانقاذ بما يؤكد اختلاف مفهوم الصعوبات الاقتصادية الوارد بالفصل 21 من م.ش ومفهوم الصعوبات في اطار قانون الانقاذ كما لا تنطبق بالنسبة الى القانون عدد 79 لسنة 2008.
ـ انهاء عقود الشغل والتخفيض في الأجور والإمتيازات
يعتبر إنهاء الشغل والتخفيض في الاجور والامتيازات الممنوحة للعملة من ابرز مظاهر تحقيق مصلحة المؤسسة في اطار قانون الانقاذ الذي يهدف اساسا الى إحلال التوازن بين مصلحة المؤسسة ومصلحة العاملين بها.
ويعتبر التخفيض من الاجور والامتيازات الممنوحة للعملة احد اهم الفوارق بين قانون الانقاذ ومجلة الشغل التي لم تجز التخفيض في الاجور والامتيازات عند ثبوت الصعوبة الاقتصادية وإن أجازت توقيف النشاط او التخفيض من عدد الفرق او من ساعات العمل.
ويبدو من هذه الزاوية ثبوت الترابط بين الفصل 21 من م ش واحكام القانون عدد 79 لسنة 2008 الذي أقر لأسباب اقتصادية امكانية التخفيض في عدد الساعات العمل لمدة 8 ساعات على الاقل في الاسبوع.
3 ـ الشروط الاجرائية
تتعلق الشروط الاجرائية اساسا بالإعلام والأبحاث المتعين إجراؤها من قبل متفقد الشغل وكذلك دور لجنة مراقبة الطرد في «المصالحة» بين الطرفين وهي مسائل إجرائية سيتم التعرض الى ما تثيره من صعوبات ضمن المبحث الثاني المتعلق بالمراقبة القضائية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: المبحث الثاني: المراقبة القضائية للصعوبات الاقتصادية   الجمعة أغسطس 28, 2009 3:41 pm

المبحث الثاني: المراقبة القضائية للصعوبات الاقتصادية
يعتبر الطرد والايقاف عن العمل لأسباب اقتصادية او فنية إجراء جماعيا يشمل ضرورة عددا من العملة، اذ اقتضى الفصل 21 من م ش أنه: «على كل مؤجر يعتزم طرد اوايقاف عن العمل لأسباب اقتصادية او فنية البعض من عملته القارين او كاملهم ان يعلم بذلك مسبقا تفقدية الشغل المختصة». وتبعا لذلك فإن النزاعات الناشئة عن هذا الصنف من الطرد او الايقاف عن العمل هي نزاعات جماعية تخرج عن انظار دائرة الشغل.
غير ان الطرد أو الايقاف عن العمل لأسباب اقتصادية او فنية يمكن ان ينشأ نزاعات شغل فردية تتعلق اساسا بالمنازعة في شرعية الطرد وضبط الالتزامات المترتبة عنه.
أ) مراقبة شرعية الطرد
ان شرعية الطرد لأسباب اقتصادية او فنية تستند الى مبدأ التوازن في العلاقات الشغلية، فإذا كان من الضروري حماية العامل من تعسف المؤجر في إنهاء علاقات العمل فإنه وفي مقابل ذلك لا يجب إغفال مصالح المؤسسة بإعتبارها مصدر ربح المؤجر ومورد رزق الاجير، اذ في بقاء المؤسسة محافظة على مواطن الشغل وبالتالي دفع لعملية التنمية، وهو ما دفع المشرع الى إقرار امكانية الطرد لأسباب اقتصادية مع إخضاعه الى عدة ضوابط تتعلق بالأصل او بالاجراءات وأسند الى القضاء الشغلي سلطة مهمة في مراقبة مدى احترام هذه الضوابط.
1) مراقبة مدى توفر الصعوبة الاقتصادية
يتعلق الإشكال بتحديد مدى اختصاص دائرة الشغل بالنظر في مدى توافر الصعوبة الاقتصادية من عدمها. فهل يمكن لدائرة الشغل اعادة النظر في قرار لجنة الطرد بخصوص الصعوبة الاقتصادية او عدم ثبوتها؟ وفي صورة عدم إبداء لجنة مراقبة الطرد رأيها هل يمكن لدائرة الشغل الحلول محلّها والبحث في مدى توفر الصعوبة الاقتصادية من عدمها؟
لقد سبق ان عرضت هذه المسألة على انظار الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب التي صرحت انه: «وحيث انه بإمكان القاضي إجراء كل وسيلة تحقيق» بما في ذلك الاختبار عملا بالفصل 209 من م ش. والاحكام الإجرائية العامة التي تجيز للمحكمة «الاستعانة بأهل الخبرة» بما في ذلك لجنة مراقبة الطرد ذاتها عندما يتراءى للمحكمة ضرورة لذلك او ان اللجنة لم تبتّ مطلقا في الامر. وحيث ردت محكمة الحكم المنتقد على طلب انتداب خبير للوقوف على وجود الصعوبة الاقتصادية بأن الفصل 21 من م ش. خصّ لجنة مراقبة الطرد بتقدير وجود الصعوبة من عدمه ولا يمكن ان تدحض اعمالها بإختبار.
وحيث ان المحكمة لما قضت بذلك كان قضاؤها مبنيا على اساس قانوني صحيح طالما ان اللجنة أبدت رأيها برفض طلب المؤجر الرامي الى طرد عملة ولم يقدم هذا الاخير للمحكمة ما يقنعها بجدية طلب اللجوء الى الاختبار» (6).
ويتضح من خلال هذا القرار انه يجوز لدائرة الشغل إعادة البحث في مدى توافر الصعوبة الاقتصادية الموجبة للطرد من عدمها، وذلك في صورة عدم إبداء لجنة الطرد رأيها او عندما يدلي المدعي بما يقنع المحكمة بجدية اللجوء الى الاختبار لدحض قرار اللجنة.
ورغم اهمية هذا الرأي باعتباره صادرا عن الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب فإنه مع ذلك يبقى قابلا للنقاش لإعتماده القواعد العامة المنظمة لإجراءات التقاضي وإغفاله القواعد الخاصة الواردة بمجلة الشغل وهو ما يستوجب إبداء الملاحظات التالية في شأنه:
ـ ان الاشارة الى أحكام الفصل 209 من م ش، بحيثيات القرار جاءت في غير موضعها بإعتبار ان هذا الفصل أقر إمكانية إجراء الابحاث بالجلسة العادية او بجلسة خاصة تعيّن للغرض، وكان من الاجدى اعتماد احكام الفصل 199 من م ش الذي خوّل لرئيس دائرة الشغل الإذن بإجراء كل «وسيلة تحقيق» يراها لازمة وهي العبارة نفسها المستعملة بالقرار التعقيبي.
ـ لقد أسند المشرع بالفصل 21 ـ 9 من م ش الى اللجنة الجهوية او اللجنة المركزية لمراقبة الطرد مهمة البت في ملف الطرد او الايقاف عن العمل، واعتبارا للطبيعة الادارية لهذه اللجنة فإن قراراتها لا تخضع لمراقبة القضاء العدلي بما يحول دون امكانية اعادة النظر في مدى توافر الصعوبة الاقتصادية من قبل دائرة الشغل.
ـ حددت مجلة الشغل صور تعهد القضاء الشغلي بالنزاعات الناشئة عن الطرد او الايقاف عن العمل لأسباب اقتصادية او فنية (7) وبالتالي لا يجوز التوسع في هذه الصور بما ينفي امكانية اعادة النظر في مدى توافر الصعوبة الاقتصادية.
ـ إن إقرار اختصاص دائرة الشغل بإعادة النظر في مدى توافر الصعوبة الاقتصادية يتعارض مع احكام القانون عدد 34 لسنة 1995 المتعلق بإنقاذ المؤسسات التي تمر بصعوبات اقتصادية (Cool الذي اقتضى الفصل 34 منه ان إنهاء عقود الشغل في اطار برنامج الانقاذ المصادق عليه يعتبر إنهاء لأسباب اقتصادية على ان يحتفظ العملة بحق اللجوء الى القضاء المختص لتقدير المنح المستحقة.
وتبعا لذلك فإن المشرع وضع قرينة قانونية غير قابلة للدحض على ثبوت الصعوبة الاقتصادية وعلى احترام اجراءات الطرد لأسباب اقتصادية عندما يتم الطرد في اطار برنامج إنقاذ المؤسسة فلا يجوز تبعا لذلك لدائرة الشغل إعادة النظر في ما أثبته المشرع.
ـ إن السلطة الأدبية التي تحظى بها قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب بإعتبارها مصدرا من مصادر القانون لم تحل دون تمسك بعض الدوائر بموقفها الرافض لإعادة النظر في قرارات اللجنة الجهوية او اللجنة المركزية لمراقبة الطرد فقد جاء بإحدى القرارات التعقيبية أن: «تقدير قيام الصعوبة الاقتصادية هو من مشمولات لجنة مراقبة الطرد فإذا قررت هذه اللجنة قيام الصعوبة فإن ذلك حجة على الطرفين ولا يجوز دحض ما انتهت اليه اللجنة بالإختبار او المعاينات... لأن هذه اللجنة هي المؤسسة الوحيدة التي أسند لها المشرع حق تقدير مدى وجود الصعوبة الاقتصادية وتحديد الوسائل اللازمة لتجاوزها عملا بأحكام الفصول 21 و 394 من م ش. وليس للمحكمة سلطة مراجعة قرار اللجنة (9).
ويتضح مما سبق عرضه انه خلافا لما انتهت اليه الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب فإن دائرة الشغل غير مختصة بإعادة النظر في مدى توفر الصعوبة الاقتصادية ولا يمكنها الحلول محل لجنة مراقبة الطرد في صورة تراخيها في اصدار قرارها.
وفي مقابل ذلك فقد وضع المشرع قرينة قانونية قاطعة على ثبوت الصعوبات الاقتصادية عند المصادقة من قبل المحكمة على برنامج الإنقاذ في اطار القانون عدد 34 لسنة 1995.
2) مراقبة مدى احترام اجراءات الطرد او التخفيض من ساعات العمل لأسباب اقتصادية او فنية
لئن لم يسند المشرع الى دائرة الشغل صراحة الاختصاص بمراقبة مدى احترام اجراءات الطرد لأسباب اقتصادية او فنية، فإنه يستشف من احكام الفصل 21 ـ 12 من م ش الذي اقتضى ان الطرد او الايقاف عن العمل اللذين يتمان دون الحصول مسبقا على رأي اللجنة الجهوية او اللجنة المركزية لمراقبة الطرد يعتبر طردا تعسفيا، بإستثناء حالة القوة القاهرة او عند اتفاق الطرفين المعنيين، وتبعا لذلك فإن دائرة الشغل تكون مختصة بمراقبة مدى احترام اجراءات الطرد او الايقاف عن العمل لأسباب اقتصادية لتنتهي الى التصريح بثبوت او انتفاء الصبغة التعسفية للطرد ثم الحكم بالغرامات المستحقة في صورة ثبوت الصبغة التعسفية لإنهاء العلاقة الشغلية.
وقد أتيحت الفرصة لمحكمة التعقيب لبيان اهمية دور القاضي في مراقبة مدى الالتزام بالإجراءات القانونية اذ صرحت : «إن الطرد قبل أخـذ رأي اللجنـة مراقبـة الطـرد لأسبـاب اقتصـاديـة يعتبر طـردا تعسفيـا (10). كما أوضحت محكمة التعقيب ان : «الإفلاس لا يعتبر قوة قاهرة ولا يعفي المؤجر من أخذ رأي لجنة مراقبة الطرد لصعوبات اقتصادية ويعتبر الطرد تعسفيا اذا لم يُؤخذ رأي اللجنة مسبقا (11)».
وتأكيدا لأهمية احترام الاجراءات القانونية في إضفاء الصبغة الشرعية على الطرد أوضحت محكمة التعقيب ان : «مجرد موافقة لجنة مراقبة الطرد على توفر الصعوبات الاقتصادية والفنية لا يفسخ عقد العمل ولا يحرم العامل من طالب التعويض من المحاكم ذات النظر طالما لم تحرر اللجنة محضرا ممضى من الطرفين بالمصادقة في ضبط التعويضات تكون له القوة التنفيذية (12).
ويتضح من خلال ما تقدم ان اجراءات الطرد لصعوبات اقتصادية المنصوص عليها بمجلة الشغل تمثل وحدة متكاملة يتعين على المؤجر احترامها بصفة كلية ويخضع في ذلك لمراقبة القضاء الشغلي الذي بإمكانه التصريح بثبوت الصبغة التعسفية للطرد كلما ثبت لديه إخلال بالإجراءات او الآجال.
ولئن أحال المشرع الى احكام الفصل 21 الى 21/11 من م ش بخصوص اجراءات التخفيض في ساعات العمل في اطار القانون عدد 79 لسنة 2008 فإنه لم يشر الى اختصاص دوائر الشغل بالنظر في النزاعات المتعلقة بالتخفيض في ساعات العمل اذ تجنب الاشارة الى احكام الفصل 21/12 من م ش الذي يضفي الصبغة التعسفية على الطرد لأسباب اقتصادية عند الإخلال بالإجراءات.
(يتبع)

الهـوامـــش
1) حافظ العموري: المناولة والاستثمار ملتقى «الاستثمار» مركز الدراسات القانونية والقضائية تونس 2007.
2) HATEM. Kotrane: «La Tunisie et le Droit au travail». SAGEP. Tunis 1992 p. 94 : «c'est dire, En définitive que Le droit du travail n'est autre que cette branche du droit économique définissant une sorte d'équilibre, des rapports sociaux, à même d'associer l'entreprise à l'effort de développement économique et social».
ـ منصور هلال: دروس في القانون الاجتماعي المعهد الاعلى للتصرف تونس 2007.
3) النوري مزيد: «النظام القانوني للطرد لأسباب اقتصادية».
ملتقى حول: الطرد في القانون التونسي وفي فقه القضاء الشغلي، الجمعية التونسية لمتفقدي الشغل سوسة في 6 و 7 افريل 2007.
4) الفصل 1 ـ 321 L من مجلة الشغل الفرنسية.
5) الطيب اللومي: «عقد الشغل الفردي والقضاء الشغلي» منشورات حيوني طبعة سنة 1997، ص 219.
6) قرار تعقيبي مدني صادر عن الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب تحت عدد 99/7431 مؤرخ في 28 سبتمبر نشرية قرارات الدوائر المجتمعة لمحكمة التعقيب 1999 ـ 2000، ص 305.
7) يقتصر اختصاص دائرة الشغل في صورة الطرد لأسباب اقتصادية او فنية على تقدير مبلغ مكافأة نهاية الخدمة ومراقبة مدى احترام اجراءات الطرد.
Cool القانون عدد 34 لسنة 1995 المؤرخ في 17 افريل 1995 المتعلق بإنقاذ المؤسسة التي تمر بصعوبات اقتصادية كما تم تعديله بموجب القانون عدد 63 لسنة 1999 المؤرخ في 15 جويلية 1999 ثم بموجب القانون عدد 79 لسنة 2003 المؤرخ في 29 ديسمبر 2003.
9) قرار تعقيبي مدني عدد 2226 بتاريخ 13/12/2000 نشرية محكمة التعقيب لسنة 2000 الجزء الاول ص 295.
10) قرار تعقيبي مدني عدد 39505 بتاريخ 4/10/1993 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1993 القسم المدني.
11) قرار تعقيبي مدني عدد 33760 بتاريخ 12/02/1998 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1998 القسم المدني ص 475.
12) قرار تعقيبي مدني عدد 59109 بتاريخ 4/10/1993 نشرية محكمة التعقيب لسنة 1993 القسم المدني.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 
الصعوبات الاقتصادية بين مجلة الشغل والقوانين الخاصة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 1-1- بحوث عامة في القانون التونسي :: أبحاث و مقالات و ملتقيات :: القانون الإجتماعي التونسي-
انتقل الى: