البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 القضاء في الأسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: القضاء في الأسلام   السبت مارس 13, 2010 6:14 pm

القضاء في الأسلام


د. بشير خليل الحداد:


مقدمة:
من الخصائص التي تميز بها تشريع الأسلام عن كل المذاهب و المناهج البشرية ،شموليته و استيعابه للحياة كلها ،فأذا كانت العقائد و القوانين الوضعية تعنى بجانب أو جوانب محدودة من حياة الأنسان ، فأن الأسلام قد عني بالأنسان كاملاً – روحاً و جسداً – و بالحياة من كافة النواحي و الجوانب .
فألأسلام رسالة للأنسان و لحياته في كل المجالات و في كل ميادين النشاط البشري ، فلا يدع جانب من جوانب الحياة الأنسانية الآ كان له فيه موقف من أقرار او تعديل أو تكميل أو تبديل أو تقنين.
إن ألاسلام هو دين الحياة بكل ما في الكلمة معنى ، وليس فكرا مجرداً ، أو عقيدة من دون شريعة ، و انما هو في حقيقته عقيدة ينبثق منها تصور فكري و نظام متكامل للحياة .
و من ابرز النظم التي وضعها الأسلام لتنظيم حياة البشر نظام القضاء.

أهمية النظام القضائي و فضله:
خلق الله تعالى الأنسان مدنياً بطبعه، لا يمكن ان ينعزل عن العالم و يعيش فريداً وحيداً بعيداً عن بني جنسه ، فهو مجبول بفطرته و غريزته على معاشرة الناس و مخالطتهم و معاملتهم ومقايضتهم ، و مدفوع الى الدخول معهم في علاقات متعددة .و روابط مختبلفة ، وهو بذلك يسعى الى تحقيق مصالحه ، ويعمل على اشباع حاجاته و أستكمال رغباته ، و قد يضر بالآخرين و يعتدي على حقوقهم أثناء البحث عما ينفعه فينشأ نزاع بينه و بين الذين يتعامل معهم ، وينشب الصراع بين افراد الجماعة الواحدة .
فوجب ايجاد قواعد تشريعية الهية أو قوانين وضعية يلتزم بها الناس ، توضح لهم حقوقهم وترسم لهم حدودها وأطرها ، و تنظم لهم اشباع حاجاتهم و رغباتهم ، حتى تستقر احوال المجتمع و تستقيم اموره ، و لزم وجود طائفة تتولى هذه التشريعات و التقنينات و تسهر على صيانتها من العبث بها ، و حمايتها من الأعتداء أو الخروج عليها ، كي يسود النظام العام و يعمم السلام الأجتماعي بين البشر ، وتحتم ايجاد سلطة تكفل احترام التشريعات و التقنينات ، و تعمل على ازالة معوقات تنفيذها و منع معرقلات احترامها.(1)

و في الدولة الأسلامية فقد غدى العدل وظيفة رئيسية ، حيث به قامت السماوات و الأرض ، و القضاء هو الميزان الذي يتحقق به العدل ،و القسطاس هو الميزان الذي يتم به القسط ، و تحفظ به الحقوق و تصان به الأموال و ألاعراض و الدماء من الضياع و ألانتهاك و ألاهدار و القضاء يعتمد على مفهوم موحد بين الناس لمعنى الحق ، و من ثم فأنه لا يزدهر الآ بين الجماعات المتمدنة ،و لايرقى الا في المجتمعات التي بلغت في الحضارة مبلغاً عظيماً .

يقول قاضي القضاة (شهاب الدین ابو اسحاق بن عبدالله المعروف بأبن ابي الدم الحموي ت 642 هـ ) (( القيام بالقضاء بين الناس والأنتصار للمظلومين ،و قطع الخصومات الناشئة بين المتخاصمين من اركان الدين ، و هو اهم فروض الكفاية، فأذا قام به من يصلح له سقط الفرض فيه عن الباقيين ، و ان امتنع كل الصالحين له اثم جميعا )) (2)

و يؤكد ابو الحسن الأندلسي : ان خطة القضاء عند الفقهاء و المسلمين قاطبة من اسمى الخطط ، فأن الله تعالى قد رفع درجة الحكام و جعل اليهم تصريف امور الأنام ، اذا يحكمون في الدماء ،و ألأبضاع ، و الأموال ، و الحلال و الحرام ، و هذه خطة الأنبياء ، و من بعدهم الخلفاء فلا شرف في الدنياء بعد الخلافة أشرف من القضاء. (3)

و نقل عن الفقهاء ان التمادي في ترك اقامة قاضٍ في قطر من الأقطار معصية تعم اهله ،و ان البلد الذي لا حاكم فيه تجب الهجرة منه ، و انه لابد للناس من حاكم يأخذ على يد الظالم و المظلوم و ينصف الناس بعضهم من بعض .(4)
و قد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقضاء ،و بلغ من اهتمامه به انه نص عليه في المعاهدة التي عقدها بين المسلمين و اليهود و المشركين في المدينة بعد الهجرة ،و تاسيس الدولة الأسلامية ،اذا جاء فيها : وانه ماكان بين اهل الصحيفة من حدث او شجار يخاف فاسده ، فأن مردّه الا الله عز وجل ، و الا محمد رسول الله صلى الله عليه و سلم (5)

و اذا كان الله تعالى قد امر الحكام في القرآن الكريم بأن يحكموا بين الناس بالعدل ، و اكد النبي صلى الله عليه و سلم في سنة الشريفة هذا المعنى ، و اجمعت الأئمة عليه ، فأن كيفية الوصول الى هذه الغاية متروكة للمسلمين حسب الزمان و المكان فلهم ان يختاروا ما يشائون من الأشكال و الأجراءات التي تصاحب الأعمال القضائية ، و ان يضعوا القواعد المنظمة لها و تخصيصها ،و ترتيب درجاتها و تحديد مواعيد سماع الدعوى و الطعن في الأحكام القضائية .فالشريعة ألأسلامية لا تعارض اي تنظيم للقضاء الشرعي تقتضي الضروريات العملية ،و يتمشى مع التشريعات الحديثة بل تحض عليه مادام يحقق العدالة ، و يوصل الى الحكم بالقسط بين الناس (6)

ومن اجل هذا نظمت الدولة الأسلامية القضاء احسن تنظيم و سبقت في هذا المجال كل الأنظمة المستحدثة ،اذا لا تتم مظاهر السيادة في الدولة الا بأنشاء الجهاز القضائي ، و تنظيم السلطة القضائية ، ومنح القضاة ضمانات تكفل لهم ممارسة اختصاصاتهم ، و مباشرة مهامهم ، و تخول للناس ان يتقاضوا امامهم .

تأريخ القضاء في الأسلام:
عرفت جميع الأمم القضاء ،سواء اكانت امم متقدمة متوغلة في البداوة و التخلف لأن الخصومات من لوازم الطبائع الأنسانية ، و المنازعات من سجايا النفوس البشرية ،فلذلك يستلزم تنسيب قضاة يردون الظالمين و يأخذون على ايدي المفسدين ، لكي لا يختل نظام المجتمع و ينتشر الفساد في الأرض ، و تشيع الفواحش و يعم الفوضى في الناس .
و قد عرف العرب قبل بعثة الرسول صلى الله عليه و سلم نظاما للتقاضي و وجد بينهم حكام يحتكم الناس اليهم فكانوا ينصفون المظلومين ، و يردون اليهم حقوقهم ، و كان لكل قبيلة حكام معروفون ، فحكام قبيلة قريش هم : عبدالمطلب ،وابو طالب ، و العاص بن وائل ... و غيرهم ، و حكام قبيلة تميم هم : اكثم بن صيفي و حاجب بن ابي زرارة ... و غيرهم من الحكام في قبائل اخرى ..و كان العرب يتحكمون احياناً الى العرافين او الكهنة ،معتقدين انهم يعلمون بواطن الأمور عن طريقة الفراسة و القرائن ،او عن طريقة الأستعانة بالجن .و في بداية عصر النبوة لم يكن في الدولة الأسلامية قضاة سوى رسول الله صلى الله عليه و سلم ، لأن مساحة الدولة كانت صغيرة ، و الناس لا يزالون على بساطتهم ، و كان الرسول صلى الله عليه و سلم اضافة الى انه كان رئيساً للدولة الأسلامية ، و نبياً عن ربه ، كان قاضيا بين افراد الدولة ، قال تعالى ((إنا انزلنا اِلَيلكَ الكِتابَ بِالحَقِ لِتَحكُمَ بينَ الناسِ بمِا اراكَ الله )) (7)

و قال ايضاً (فأحكُم بَينَهُم بمِا اُنزل الله ) (Cool ، و امر الله و المؤمنين بأن يتقاضوا الى رسول الله و يحتكموا اليه ، و جعل ذلك دليلاً على الأيمان ، قال تعالى (فأن تَنازَعتُم في شَيءٍ فردُّوهُ إلى الله و الرَّسول إن كُنتُم تُؤمِنوُنَ باللهِ و اليَوم الآخر ) (9)

وقد وضع النبي صلى الله عليه و سلم القواعد التي يسير عليها القضاة في احكامهم ،و رسم المعالم التي توضح كيفية الحكم بين الناس ، وبين الأسس التي تحقق بها العدالة في المجتمعات و الشعوب ، حتى اصبح سبيل العدل ظاهراً جلياً ، و أسست المباديء القضائية ثابتة راسخة ، و اصبحت دعائم الحكم متميزة شامخاً ، قال صلى الله عليه و سلم (لا يقضينَّ حاكمٌ بينَ اثنينِ و هُوَ غَضبان ) (10) و قال ايضاً ( لو يعطي الناس بدعواهم لأدعى الناس دماء رجالٍ و اموالهم و لكن البينة على المدعي و اليمين على من انكر ) (11)
و ارشد النبي (صلى الله عليه و سلم) علياً بن ابي طالب حين وجهه الى اليمن قائلاً: (يا على اذا جلس اليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول فأنك اذا فعلت ذلك تبين لك القضاء)(12)
و قد جوَّز النبي (صلى الله عليه و سلم) للقاضي ان يجتهد رأيه اذا لم يجد نصاً يطبق على القضية المعروضة حتى يصل الى الحل يتفق و المباديء الشرعية العامة ، وجعل له على خطئه في الأجتهاد أجراً واحداً اذا كان يقصد معرفة الحق و اتّباعه .
و في عهد الخلفاء الراشدين سار الخلفاء على ماكان عليه في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم ففي خلافة ابي بكر (رضي الله عنه ) كان الولاة في الأمصار هم القضاة ايضاً و لم يفصل القضاة عن الولاية .
و في خلافة عمر ابن الخطاب (رض) ، حيث كثرت الفتوحات و اتسعت اقليم الدولة ، و زاد العمران بحيث اصبح متعسراً على الخليفة ، او على الوالي ان يجمع اي واحد منهما بين النظر في مصالح الناس ، و بين القضاء ، فلذلك فصل عمر بن الخطاب (رض) القضاء عن الولاية ، و عين قضاة خصّوا بالفصل في المنازعات وفوضهم في الحكم بين الناس ،و سموا بأسم القضاة ، و كانت تصرف لهم ارزاقهم من بيت المال .(13)

اهداف القضاء في الأسلام ، و اسس تحقيقها:

بما ان القضاء هو الميزان الذي به يتحقق العدل و تحفظ الحقوق كما مر سابقا فهو من اقوى الفرائض ، و اشرف العبادات بعد الأيمان بالله تعالى و يمكن اجمال الأهداف العامة لأقامة القضاء ماياتي: (14)
1-رفع التهار ج ، ورد النوائب ،و صيانة مصالح المجتمع .
2- بث الطمأنينة في النفوس .
3- توصيل الحقوق الى اصحابها.
4- وضع الأمور في نصابها .
5- نشر العدل و الأمن في المجتمع .
6- دفع الجور بين العباد ،و الضرب على ايدي المفسدين .
7- قطع الخصومات و القضاء على المنازعات .
8- الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر .

ان تحقيق هذه الأهداف لا يتأتى الا بتوافر خمسة اسس هي :
1- تولية القاضي الذي استكمل شروط القضاء ، و يصلح لهذا العمل .
2- الحكم بالعدل و الاحسان .
3- اسغلال القضاء و عدم تدخل السلطة التنفيذية في ممارسة اعماله .
4- اظهار معاونة رئيس الدولة و اعضاء السلطة التنفيذية للقاضي قولاً و فعلاً و منع كل من يحاول التدخل في شؤونه.
5- يجب على ولي الأمر أن لا يألوا جهداً في مراقبة القضاة و الا يدخر و سعا في تفقد احوالهم ، و الأشراف عليهم دائماً ، و لكن في حدود احكام الشريعة بحيث لا تؤثر هذه المراقبة في استغلال القضاء و عمل القاضي .

المصادر و الهوامش :
1. نظام القضاء الأسلامي : د. اسماعيل ابراهيم البدوي ، ص11.
2. الدرر المنظومات في الأقضية والحكومات / كتاب ادب القضاء : د. محمد
مصطفى الزحيلي ص36.
3. تأريخ قضاة الأندلس / كتاب المرتبة العليا ... ابو الحسن الأندلسي ص2.
4. الفتاوي الكبرى الفقهية : شهاب الدين احمد بن محمد بن حجر الهيثمي /ت 995 هـ 4/297
5. سيرة ابن هشام : ابو محمد عبدالملك بن هشام ت 218 هـ: 2/119.
6. العمل القضائي في القانون المقارن ..د. القطب محمد طبلية /ص92.
7. النساء 105.
8. المائدة 48.
9. النساء 59.
10. حديث صحيح رواه الجماعة /نيل الأوطار للشوكاني ، 8/308.
11. حديث صحيح اخرجه البهيقي /المصدر نفسه 8/344.
12. رواه الترمذي و ابو داود / المصدر نفسه 8/343.
13. نظام القضاء الأسلامي : د. اسماعيل ابراهيم البدوي ص 149 ، مصدر رئيس.
14. المصدر نفسه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 
القضاء في الأسلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 8- خدمات لرجال القانون :: أخلاقيات Déontologies-
انتقل الى: