الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 المدخل لدراسة العلوم القانونية: مبادئ القانون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
karoum



عدد الرسائل: 5
العمر: 36
الإسم و اللقب: karoum ikram
نقاط: 14
تاريخ التسجيل: 15/01/2010

مُساهمةموضوع: المدخل لدراسة العلوم القانونية: مبادئ القانون   السبت نوفمبر 06, 2010 10:25 am

:

أولاً: المصادر الأصلية للقاعدة القانونية (التشريع)


1- المقصود بالتشريع:

يشمل التشريع جملة القواعد القانونية التي تضعها السلطة المختصة بذلك في الدولة، وفقا للإجراءات التي نص عليها الدستور.

[وتعتبر الشريعة الإسلامية الإطار العام الذي تدور في نطاقه كافة القوانين في المملكة العربية السعودية .. وجميع المنازعات التي تنشب في المملكة العربية السعودية يتعين حسمها وفقاً لقواعد الشريعة الإسلامية (وهى هنا بمثابة التشريع).


2- مزايا التشريع:

o يكون التشريع مكتوباً؛ فترد مواده مصاغة ً في ألفاظٍ محددةٍ، مما يسمه بالوضوح وسهولة الرجوع إليه.

o وحدة القانون داخل الدولة الواحدة؛ فعمومية قواعد التشريع تعني وحدة النظام القانوني فيها (بخلاف العرف الذي قد يطبق في إقليم دون آخر).

o سهولة إصدار التشريع وسهولة تعديله وإلغائه.
3- عيوب التشريع

o قد يتعارض مع مصالح الناس ومتطلبات الجماعة (كما لو صدر التشريع تحت ضغوط سياسية أملتها مرحلة معينة)

o ظروف الاستعجال قد تدفع بالمشرع إلى إصدار تشريعات معيبة (قاصرة ومتعارضة مع سواها من التشريعات القائمة)، مما يعني وجوب تدخل المشرع بالتعديل، الأمر الذي يؤدي بالمحصلة إلى فقدان الثقة بالقانون.


4- أنواع التشريع

أولاً: الدستور (التشريع الأساسي)

ثانياً: التشريع العادي (أو القانون)

ثالثاً: التشريع الفرعي (اللوائح)
أولاً: الدستور (التشريع الأساسي)
1- تعريف الدستور

o المعنى اللغوي للدستور: لفظ فارسي يفيد معنى الأساس أو القاعدة.

o المعنى الاصطلاحي للدستور: هو مجموعة القواعد التي تحدد شكل الدولة، نظام الحكم فيها، السلطات العامة والعلاقات بينها، وتحدد الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.
2- مكانة الدستور في النظام القانوني (مبدأ المشروعية)

يتكون النظام القانوني في الدولة من مجموعة من القواعد القانونية تتدرج بشكل هرمي حسب مكانة الجهة التي أصدرتها، وحسب طبيعة الإجراءات المتبعة في إصدارها، وذلك على النحو التالي:

o الدستور (التشريع الأساسي)

o القوانين العادية

o اللوائح

o القرارات الإدارية.

o التعليمات التي تصدرها الوحدات الإدارية الدنيا.

وبذلك؛ فان قواعد الدستور تحتل المكانة العليا في هذا النظام؛ فلا تجوز لأية قواعد أدنى منها أن تخالفها (سواء بعمل قانوني أو بعمل مادي).


3- طرق وضع الدساتير

- هنالك ثلاثة طرق أساسية لوضع الدساتير:

o الطريقة الأوتوقراطية (المنحة): عرفت هذه الطريقة في عهد الملكية المطلقة وكذلك في بعض النظم الدكتاتورية؛ فيستقل الحاكم بوضع الدستور دون أدنى مشاركة من الشعب (فرنسا 1814: في عهد الملكية البوربونية / دستور الإمارات / دستور قطر)

o الطريقة المختلطة (العقد/ الاتفاق): تكون السلطة التأسيسية موزعة بين الحاكم و هيئة تمثيلية ينتخبها الشعب (جمعية تأسيسية)؛ فيضع أحدهما مشروع الدستور ويعرضه على الطرف الآخر للموافقة عليه.

o الطريقة الديمقراطية: في المجتمعات الديمقراطية، تكون سلطة وضع الدستور خالصة للشعب وحده استقلالاً عن الحاكم، و يتم ذلك عادةً من خلال أحدى الوسائل التالية:

§ الجمعية التأسيسية: وهي هيئة نيابية تنتخب من قبل الشعب، لغرضٍ وحيدٍ هو وضع الدستور. فإذا ما وضعت الدستور فانه يصبح نافذاً بمجرد إقرارها له. وينقضي دورها بوضعه؛ فلا تمارس أي عمل تشريعي.

§ الاستفتاء الشعبي: يوضع مشروع الدستور بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة / لجنة فنية معينة، ثم يطرح على الشعب للاستفتاء عليه مباشرة ً بنعم أو لا، و ذلك دون وساطة من نوابه.

§ طريقة الفرض: حيث أدى ظهور بعض الأيديولوجيات الشمولية الصارمة التي يتولاها حزب واحد يحتكر السلطة إلى وضع دساتير غير ديمقراطية تفرض مبادئها عن طريق الحزب الواحد (النظم الشيوعية والفاشية والنازية)، وهي دساتير تفرض عادةً من خلال إلزام الشعب بالقبول بها في أجواء من القمع و الإرهاب.


4- أنواع الدساتير

o نوع الدستور من حيث المصدر

§ الدستور المكتوب: وهو الذي وضع أحكامه المشرع الدستوري، ويصدر في شكل وثيقة رسمية واحدة، (كالنظام الأساسي للحكم في المملكة) أو عدة وثائق (كما هو الحال في المملكة حيث يضاف نظام مجلس الوزراء ونظام مجلس الشورى).

§ الدستور العرفي (غير المدون): فهي التي ترجع أحكامها إلى السوابق القضائية والعرف والتقاليد التي استمر العمل بها لسنوات طويلة حتى أصبحت بمثابة القانون الملزم، دون تدخل من المشرع في وضعها، ودون أن تصدر بها وثيقة رسمية (الدستور في بريطانيا).



o نوع الدستور من حيث طريقة التعديل:

§ الدستور المرن: هو الذي يمكن تعديل نصوصه بالطريقة العادية التي يوضع أو يعدل بها القانون العادي، ودون إجراءات إضافية تميز الدستور عن غيره من القوانين العادية. إذاً يعدل الدستور المرن: بواسطة نفس الجهة التي تملك تعديل القوانين العادية (السلطة التشريعية)، وطبقاً لذات الإجراءات التي يتم بموجبها تعديل القانون العادي (لا يتم تطلب أغلبية خاصة)

§ أما الدستور الجامد: فهو الذي يتطلب تعديله اللجوء إلى إجراءات خاصة و أكثر تعقيداً من تلك التي يعدل بها القانون العادي.

o نوع الدستور من حيث مدة سريانه

§ الدستور المؤقت: هو الذي يوضع ليسري خلال فترة زمنية مؤقتة، لمواجهة أوضاع أو ظروف معينة يمر بها البلد (دستور دولة الإمارات العربية المتحدة لسنة 1971 / الدستور القطري لسنة 1972).

§ الدستور الدائم: هو الذي توضع نصوصه لتطبيق لفترة زمنية غير محددة، إلى أن تظهر الحاجة لتعديله أو إلغائه، بما يتفق والمتطلبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.



o نوع الدستور من حيث كيفية تنظيمه للمسائل التي يتضمنها

§ الدستور المطول (المفصل): هو الذي يحتوي على كثير من المسائل الفرعية، التي يمكن أن تترك ليقوم بتنظيمها المشرع العادي (بعض مواد الدستور المصري).

§ الدستور المختصر (الموجز): هو الذي يتضمن المبادئ العامة والقواعد الأساسية لنظام الحكم في الدولة، تاركا أمر التفاصيل للقوانين العادية واللوائح (دستور المملكة والدستور الأمريكي).


ثانياً – التشريع العادي (القانون أو النظام):
أ‌- تعريف القانون (النظام):-

هو مجموعة القواعد التي تضعها السلطة التشريعية، وفقا للإجراءات التي نص عليها الدستور، ويشمل جميع القوانين العادية التي لا تتعلق بالنظام الأساسي للدولة مثل: نظام الأوراق التجارية، نظام الشركات، نظام المرافعات الشرعية، نظام العمل...الخ. والقانون يلي الدستور من حيث القوة والمرتبة (مبدأ المشروعية).
ب‌- مراحل سن النظام:

o الاقتراح: وهو حق لأعضاء مجلس الوزراء وكذلك لمجلس الشورى وفقاً لما يرونه مناسبا لمعالجة موضوع معين (ويرفع الاقتراح إلى اللجنة العامة بمجلس الوزراء وهيئة الخبراء).

o المناقشة والتصويت: يلزم رفع مشروع النظام لمجلس الشورى لإبداء الرأي فيه، وتتم المناقشة والتصويت الحقيقيين داخل مجلس الوزراء، ويأتي التصويت على المشروع مادة تلو الأخرى.

o التصديق: إعلان يصدر من جلالة الملك على المشروع الذي تم إقراره من قبل مجلس الوزراء(وللملك حق الاعتراض خلال ثلاثين يوم مع بيان أسباب الاعتراض).

o الإصدار: وفق مرسوم ملكي ويترتب عليه نتيجتان: إقرار السلطة التنفيذية بوجود القانون فضلاً عن إعطاء الأمر بنشره وتنفيذه.

o النشر: ويتحقق العلم بالقانون، عن طريق نشره في الجريدة الرسمية المخصصة لنشر القوانين، وهي "أم القرى". (بمجرد نشر القانون في الجريدة الرسمية تكون نافذة وتقوم قرينة قانونية تفترض علم الكافة بالقانون).

ثالثاً – التشريع الفرعي (اللوائح)

أ- المقصود بالتشريع الفرعي (اللوائح)

اللوائح هي مجموعة القواعد القانونية العامة المجردة التي تضعها السلطة التنفيذية في المجالات التي حددها لها الدستور.



ب- أنواع التشريع الفرعي (اللوائح)

o اللوائح التنفيذية: هي القواعد التي تسنها السلطة التنفيذية لتنفيذ التشريع العادي الصادر عن السلطة التشريعية، بما لا يتضمن تعديلا فيه أو تعطيلاَ عن تنفيذه (اللائحة التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية، لنظام هيئة التحقيق والادعاء العام، لنظام الخدمة المدنية...الخ). ويدعو لهذه اللوائح أن التشريع العادي لا يتضمن عادة سوى الأحكام العامة، بينما تترك التفصيلات اللازمة لوضع القانون موضع التطبيق للسلطة التنفيذية باعتبارها أقرب إلى مشاكل الناس وأكثر احتكاكا بالواقع.

o اللوائح التنظيمية (اللوائح المستقلة): هي قواعد التي تسنها السلطة التنفيذية لتنظيم الأجهزة والمرافق العامة (كلوائح البلدية: لوائح مراقبة الأغذية والباعة المتجولين والمحال المقلقلة للراحة). كما تسمى "اللوائح المستقلة" لكونها تصدر استقلالاً ً عن أي تشريع عادي رئيسي (بخلاف اللوائح التنفيذية التي لا بد أن يسبقها تشريع).

o لوائح الضبط أو البوليس: هي مجموعة القواعد الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية بغرض إقرار النظام العام متمثلاً في مدلولات ثلاث: حفظ الأمن , وضمان السكينة, وصيانة الصحة العامة. ونلاحظ في هذا الشأن أن السلطة التنفيذية تملك الحق في إصدار لوائح الضبط دون أن يكون ذلك تنفيذاً لنظام معين وذلك على عكس ما هو متبع في شأن اللوائح التنفيذية والتنظيمية.



ثانياً: المصادر الاحتياطية للقاعدة القانونية:

يعتبر التشريع المصدر الأساسي الذي ترجع إليه المحاكم في النظم الوضعية. إلا أنه بجانب ذلك, فقد قدرت معظم الدول أن التشريعات قد تعجز عن مواجهة كل ما يستجد من أمور قد يستحدثها التطور المستمر بصفة عامة؛ فنصت من ثم على مصادر أخرى أوجبت على المحاكم الرجوع إليها في هذه الحالة كمصادر احتياطية. وهى تنحصر في العرف والمبادئ العامة للشريعة الإسلامية والقضاء والفقه وقواعد القانون الطبيعي وقواعد العدالة وذلك على اختلاف بين تلك الدول في ترتيبها الذي يتعين على المحاكم التقييد به عند الرجوع إليه.



أ- العرف :

وهو قانون الجماعات منذ نشأتها قديماً، ويتكون من العادات التي درج عليها الأفراد باعتبار الخضوع لأحكامها أمراً لازماً.



وقد عرف: بأنه اعتياد الناس على سلوك معين في مسألة معينة مع الاعتقاد بإلزاميته واستحقاق من يخالفه للجزاء .


يتضح من ذلك أن للعرف أركاناً هي :

o القدم: وذلك لا يتحقق إلا إذا مضى على إتباعه فترة كافية تساعد على رسوخه في الأذهان .

o الثبات والاطراد: فإذا ثبت تخلى المجتمع عنه فإنه لا يعتبر عرفاً بالمعنى المقصود .

o العمومية: أي أن يتبعه أغلب أفراد المجتمع . ولا يقصد بالعمومية ضرورة انطباقه على كافة أجزاء القطر , وإنما قد يكون قاصراً على إقليم معين فيه؛ فالعمومية تعني أن يتبعه أغلب الأفراد إن كان العرف شاملاً , أو يتبعه أغلب أفراد الإقليم إن كان العرف محلياً أو معظم أفراد الفئة إن كان فئويا

o موافقته للنظام العام أو الآداب: فما أعتاده الناس لا يعتبر عرفاً إذا كان متعارضاً مع قواعد النظام العام أو الآداب؛ فالاعتياد على الثأر والربا لا نعتبرها أعرافاً حتى وإن توفرت فيها الشروط الأخرى .

o الاعتقاد بإلزامية العرف: يتعين استشعار الأفراد ضرورة احترام القاعدة العرفية , بحيث يتعرض من يخافها للجزاء , وذلك ما يعرف بالركن المعنوي فإذا اكتمل للقاعدة ركناها - المادي والمعنوي - فإنه يصبح عرفاً واجب الإتباع. أما العادة فهي اطراد الناس على أمر معين دون شعورهم بإلزاميته ومن ثم فإنها تتفق مع العرف من حيث القدم والثبات والعمومية , أي من حيث الركن المادي وتختلف عنه من حيث عدم توافر عنصر الإلزام بالنسبة لها أي من حيث الركن المعنوي .

ب- تقييم العرف (مقارنةً بالتشريع)

o مزايا العرف:

§ ينشأ العرف تدريجياً بالمسايرة لظروف الجماعة و بإرادتها والتشريع ينشأ دفعة واحدة وبإرادة المشرع (وبالتالي لا يعبر دائما ً عن إرادة الجماعة).

§ يتطور العرف بتغير ظروف الجماعة وقد يتخلف التشريع عن متابعة المستجدات في المجتمع.

§ يعتبر العرف مصدرا مكملا للتشريع؛ فالتشريع لا يستطيع أن يضع حلولا لكل المسائل التي قد تواجهه.

o عيوب العرف:

§ البطء في التكوين (الركن المادي يتطلب المدة و الاستمرار).

§ الغموض (يصعب التثبت من وجود أركانه، لاسيما المعنوي).

§ قد يؤدي تعدد الأعراف إلى تعدد الأنظمة و اختلافها في المجتمع الواحد (كالعرف الإقليمي أو العرف الخاص)، مما يعيق وحدة القانون في المجتمع.



ث- مكانة العرف من التشريع:

o حالة انعدام النص التشريعي: إذا لم يوجد نص تشريعي أو حكم فقهي فان القاضي يطبق العرف.

o حالة وجود النص التشريعي: يمتنع على القاضي تطبيق العرف.

o العرف البديل عن التشريع :

§ يقوم عندما يحيل النص القانوني إلى العرف فيعطيه أولوية في التطبيق.

§ يكون التعديل بالإضافة إلى أحكام القانون / بالحذف منها / بتعطيلها.

مثال1:" نفقات التسليم تكون على البائع ما لم يقض الاتفاق أو العرف بغير ذلك".

مثال2: "يكون الثمن مستحق الأداء فور تمام البيع، ما لم يوجد اتفاق أو عرف يقضي بغير ذلك".

مثال3: "مصروفات رد المأجور تكون على المستأجر ما لم يقض الاتفاق أو العرف بغير ذلك".

o العرف المفسر (المساعد أو المعاون للتشريع) :

§ وهو العرف الذي يحيل عليه المشرع لتفسير إرادة المتعاقدين:

مثال1: "لا يضمن البائع عيباً جرى العرف على التسامح فيه": ويلجأ للعرف من أجل تحديد العيب الذي يمكن التسامح فيه.

مثالث2: "يشمل البيع كل ما كان من ملحقات المبيع وتوابعه، وذلك وفقاً لطبيعة المعاملة وعرف الجهة وقصد المتعاقدين".

o العرف المخالف للتشريع:

§ القواعد الآمرة: لا يطبق العرف المخالف لها.

§ القواعد المكملة: يمكن تطبيق العرف المخالف لها.

ب – المبادئ العامة للشريعة الإسلامية:
حينا لا يوجد حكم نصي يمكن للقاضي الرجوع إليه فإن له الحق في الاجتهاد بالرجوع في حل النزاع للمبادئ العامة للشريعة الإسلامية. مثل قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة الغنم بالغرم، ودرء المفاسد مقدم على جلب المنافع وغيرها.



ت- القضاء:
وعبارة القضاء قد تنصرف إلى هيئة قضائية, كما قد تعني مجموعة الأحكام التي تصدرها تلك المحاكم وأخيراً فإنها قد تنصرف إلى مجموعة المبادئ التي يمكن استخلاصها من الأحكام واطراد المحاكم على إتباعها, ويعتبر القضاء بالمعنى الأخير مصدراً تفسيرياً للقاعدة القانونية .

ث- الفقه:
وهو مجموعة آراء علماء القانون التي تضمنها مؤلفاتهم وأبحاثهم في شأن شرح نصوصه وتعليقهم على أحكام المحاكم عند تطبيقها لتلك النصوص.



المحور الرابع: نطاق تطبيق القاعدة القانونية:

لا يمكن لأي قاعدة قانونية أن تجد حظاً من التطبيق ما لم يكن لها نطاق تسري فيه. ونطاق القاعدة القانونية يتحدد من حيث الأشخاص، والمكان، والزمان.


أولاً :نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث الأشخاص:

بمجرد خروج القاعدة القانونية إلى حيز التنفيذ فإنها تصبح ملزمة لجميع المخاطبين بمضمون أحكامها. وعليه لا يمكن للمخاطب بها أن يستند إلى جهلة بالقاعدة القانونية حتى يتحلل من تطبيق أحكامها عليه. إلا أنه في حالات معينه يمكن له أن يعتد بعدم العلم بالقاعدة القانونيةوهنا يظهر لنا مبدأ واستثناء.



أ- المبدأ: عدم جواز الاعتذار بجهل القانون:

ويقصد بهذا المبدأ أنه لا يسمح لأي شخص مخاطب بحكم قاعدة قانونية أن يعتذر بجهله بها حتى يكون بمنأى عن تطبيق أحكامها في حقه. وبعبارة أخرى يفترض علم المكلفين بأحكام القانون حتى وإن لم يعلموا به فعلاً. والحكمة من وجود هذا المبدأ وافتراض علم المكلفين بالقانون هو استقرار المعاملات وإلا كانت الثقة في المعاملات مزعزعه وبالتالي سيهدد سير العدالة وإدارتها وذلك عندما يثقل كاهل الجهات القضائية بحمل الدعاوي المؤسسة على الزعم بعدم العلم بحكم القانون. بالإضافة إلى ذلك كله لو أمكن قبول الاعتذار بجهل القانون للتملص من أحكامه فسيصبح عنصر الإلزام الموجود في القاعدة القانونية غير موجود إلا عند ثبوت العلم بها، وهذا الأمر لا ينسجم مع خصائص القاعدة القانونية التي يكون الإلزام بها أمراً منبثقاً منها بذاتها، لا من عامل خارجي عنها متصل بالعلم بها واقعاً. ومبدأ افتراض العلم بالقاعدة القانونية يكون سارياً مهما كان مصدر القاعدة القانونية، وأيا كان نوع القاعدة القانونية من حيث كونها آمره أو مفسره.


ب- الاستثناء: وجود قوة قاهرة تحول دون العلم:

من المعلوم أن النظام عندما يصدر ينشر في الجريدة الرسمية ( أم القرى) ويفترض العلم به من تاريخ نشره. وفي حالة عدم وصول الجريدة الرسمية لبعض أقاليم الدولة بسبب قوه قاهره (زلازل – براكين – حروب لا سمح الله) نكون بصدد ماذا ؟ نكون بصدد استثناء يجيز الاعتذار بجهل القانون.


إذاً وبحسبة رياضية بسيطة (قوة قاهرة =جواز الاعتذار بجهل القانون)..(لا توجد قوة قاهرة = يظل المبدأ على حاله وهو عدم جواز الاعتذار بجهل القانون) والقوة القاهرة تمثل في كل سبب عام غير متوقع لا يمكن دفعه يحول دون الشخص وتنفيذ التزامه أو يمنعه من إتمام ما يقع عليه من التزامات. وبالتالي فالمنظم لا ينظر إلى الظروف الخاصة لكل شخص من مرض أو سفر بل ينظر إلى الظروف العامة الاستثنائية التي لا يمكن دفعها وتكون مفاجأة مثل الزلازل والبراكين والحروب وتفشي الأوبئة وغيرها.


ت- الفرق بين الجهل بالقانون والغلط في القانون:-

دائماً ما تثار عند الحديث عن الجهل بأحكام القانون فكرة الغلط في حكم القانون، أي توهم شخص ما في حكم معين من حيث وجوده أو عدم وجوده. والسؤال هل هذا الغلط يشبه الجهل بأحكام القانون ؟


الإجابة على هذا السؤال بالنفيّ. فالجهل بأحكام القانون يختلف عن الغلط في حكم القانون المبنى على التوهم ومثاله ( لو فرفضنا أن خالد وأخته العنود ورثا من أبيهما أموالاً ونصيب خالد كما هو معروف في قواعد الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين إلا أن العنود قد قامت بالمخارجة وهو عقد معروف في الفقه الإسلامي يجيز بيع الوريث ما يملك لأحد الورثة وباعت لخالد حصتها وهي تظنها النص فإذا هي بأقل من ذلك (ثلث التركة) هنا نقول يحق لها إبطال عقد البيع ولا يجوز لخالد التمسك بعدم جوازها الاعتذار بجهل حكم من أحكام المواريث)....لذا نقول إن إعطاء المتعاقد الواقع في غلط في القانون حق إبطال العقد الذي أتمه وهو واقع تحت تأثير ذلك الغلط لا يعد استثناء أو خروجاً على مبدأ عدم جواز الاعتذار بجهل أحكام القانون..بل حكمه مستقل استقلال تام عن ذلك المبدأ. وعلة ذلك أن الذي يدفع بالغلط في القانون إنما يرغب في إعمال صحيح القواعد القانونية، أما من يدفع بجهله بأحكام القانون إنما يريد أن يتنصل من حكم القاعدة كلية.



ثانياً: نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث المكان:

لكي نفهم ما المقصود بالنطاق المكاني لتطبيق القاعدة القانونية سوف نطرح السؤال التالي: هل قوانين الدولة ينحصر تطبيقها على إقليمها السياسي ويشمل بذلك مواطنيها والأجانب المقيمين عليها ؟ أم أنها مقتصرة فقط على مواطنيّ الدولة دون الأجانب فيها والذين يظلون خاضعين لقوانين دولهم ؟ وهل يلحق قانون الدولة أحدى رعاياها في المقيم في دولة أخرى ؟ ومثال ذلك (هل قوانين السعودية تنطبق على السعوديين والأجانب على إقليم السعودية السياسي ؟ أم أنها تخص السعوديين دون غيرهم ؟ وهل تلحق قوانين السعودية أحد رعاياها المقيم في دولة مصر مثلاً) ؟؟


للإجابة على هذه الأسئلة والتي من شأنها تحديد النطاق أو الحيز المكاني لتطبيق القانون سنجد أنفسنا أمام مبدأين هما :مبدأ إقليمية القوانين، ومبدأ شخصية القوانين.



أ- مبدأ إقليمية القوانين:

ويقصد به وجهان، الأول ايجابي: ويقصد به أن قوانين الدولة التي تصدرها تطبق في حدود إقليمها وعلى جميع الأشخاص سواء كانوا مواطنين أم أجانب مقيمين إقامة دائمة أو مؤقتة، وتسري أيضا على كل ما يقع على إقليم الدولة من أشياء وأموال. والوجه الأخر سلبي: ويقصد به أن لا يتعدى قانون تلك الدولة إلى إقليم دولة أخرى (كحال مثالنا السابق لا يمكن للقانون السعودي أن يلحق بسعودي مقيم في مصر ولا على أمواله خارج السعودية والموجودة على إقليم مصر وفقاً لهذا المبدأ. وهذا المبدأ يعتمد على أساس استقلال كل دولة بإقليمها لتنظيم كل ما يقع داخله من علاقات قانونية أي أن السيادة هي التي تقرر سلطان الدولة المطلق على إقليمها.


غير أنه مع تطور المجتمعات الحديثة لاحت في الأفق عدم جدوى تطبيق هذا المبدأ بحذافيره وخاصة بعد سهولة انتقال رعايا الدول فيما بينهما، سواء كان الانتقال لأغراض العمل أو الدراسة أو السياحة. كما أن هذا المبدأ بدا لا يستقيم في بعض المسائل والتي يراعى فيها الجانب الإنساني والعقائدي والاجتماعي الخاص بأولئك الأجانب المقيمين على إقليم دوله أخرى. ومثال ذلك المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية من زواج وطلاق ونسب وتركه ووصيه...الخ. لذا كان لابد من البحث عن وسيلة أخرى لتخفيف حدة مبدأ إقليمية القوانين تمكنّ من تطبيق قانون دولة ما خارج إقليمها ..وهذا ما أدى إلى ظهور مبدأ شخصية القوانين.

ب- مبدأ شخصية القوانين:

يقصد به وجهان، الأول ايجابي: مؤداه سريان قوانين الدولة على مواطنيها المقيمين خارج إقليميها (مثاله القانون السعودي ينطبق على المواطن السعودي أينما وجد خارج المملكة). أما الوجه الآخر فسلبي: ومعناه أن لا يسري قانون الدولة على الأجانب المقيمين فوق أراضيها (مثال القانون السعودي لا يسري على الأجانب المقيمون على أراضيها). ويستند هذا المبدأ في وجوده إلى اعتبار أن القوانين تشكل في الأصل مجموع ما ارتضاه الأفراد لتنظيم شؤون حياتهم وبالتالي فأنها سنت لتطبق عليهم أينما وجدوا...والأخذ ببعض ما يستهدفه هذا المبدأ في العصر الحديث أصبح أساسه ما تقتضيه قواعد المجاملات الدولية والمعاملة بالمثل ثم تطور الأمر ليصبح الأخذ به خاضعاً لاعتبارات تتطلب العدالة واستقرار المعاملات. ومجال سريان هذا المبدأ هو مسائل الأحوال الشخصية، من ميراث وزواج وطلاق ونسب ونفقة وحضانة...الخ. أما عدا ذلك من عقود مدنيه أو تجارية أو جرائم فتظل خاضعة لمبدأ الإقليمية.


ومثالاً لذلك: تنص بعض التشريعات (ومنها القانون اللبناني) على أن القانون الواجب التطبيق بشأن الميراث هو قانون المورث. وعليه لو توفي سعودي مقيم على أرض لبنان فإن القانون الواجب التطبيق على تركته الموجودة على الإقليم اللبناني هو القانون السعودي) وهذا استثناءاً من مبدأ إقليمية القوانين.


وهنا يبرز تساؤل، هل امتداد تطبيق قانون الدولة ليشمل جميع القاطنين على أرضها يرد عليه استثناءات ؟ نعم ترد بعض الاستثناءات على الشق الايجابي لمبدأ الإقليمية وهى:-



o تعتبر السفارات والمثليات الأجنبية المعترف بها أجزاء من أقاليم الدولة التي تمثلها وبالتالي فإن قانون الدولة التي توجد بها لا يسري عليها (مثاله السفارة الايطالية في حي السفارات في الرياض لا يمكن للقانون السعودي في أي حال من الأحوال أن ينفذ بداخلها بل يطبق على كل ما يجري بداخلها القانون الايطالي، وإنما قد تتدخل السلطات السعودية لتقديم المساعدة فقط). وكذلك الحال بالنسبة للموظفين الدبلوماسيين ورؤساء الدول حيث يتمتع هؤلاء بحصانات قضائية وإعفاءات قانونية تحول دون تطبيق قوانين الدولة المقيمين على أراضيها عليهم.

o بعض قواعد القانون العام تخاطب المواطنين فقط دون غيرهم من الأجانب المقيمين عليها كحال الواجبات العامة التي لا يكلف بها الأجانب مثل تولي الوظائف العامة وقصرها على المواطنين إلا انه قد تستعين الدولة بموظفين أجانب لتولي تلك الوظيفة وبهذا خروج على مبدأ التطبيق الإقليمي لتلك القواعد.

o هناك بعض الامتيازات تقدم لبعض الأجانب على اعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة أو قواعد المجاملات الدولية كحال القوانين المالية المتعلقة بالضرائب والتي بالأصل تطبق تطبيقاً إقليمياً ما لم يكن هناك إعفاءات للأجنبي.



ثالثاً: نطاق تطبيق القاعدة القانونية من حيث الزمان:

من المعلوم أن قواعد القانون ما وجدت إلا لتنظيم حاجات المجتمع والتي بطبعها تتغير وتتبدل بحسب الزمان والمكان. وهذا يعني أن سريان القاعدة القانونية قد لا تطول بمدتها وتأتي بعدها قواعد قانونية جديدة. وبالتالي يؤدي هذا التعاقب إلى حدوث تنازع بين القواعد القانونية المستبدلة والمستحدثة وبخاصة عندما تختلف أحكامها عن بعض. ويتعيّن حينئذ تحديد مدى سلطان تلك القواعد المتوالية والمتعاقبة على حكم ينظم واقعة كان موضوعها خاضع لحكم تنظيم معيّن زاحمه بعد ذلك قانون جديد يهدف إلى تنظيم حكم تلك الواقعة.


وهذا يدفعنا أولاً للحديث عن الكيفية التي يتم بها إلغاء القانون، ثم نتكلم في إشكالية تنازع القوانين.





أ- إلغـاء القـانون:

إن حاجات المجتمع والعلاقات الاجتماعية فيه متغيّره لا تستقر على حال فالدوام لا يجوز إلا لله، وعليه فإن قواعد القانون ستكون عرضه للتغيّر؛ فهي أشبه ما تكون بالكائن الحيّ ينقضي عمره بالوفاة. ووفاة القاعدة القانونية تسمى (الإلغاء.


o المقصود بالإلغاء:
هو إنهاء سريان القانون وإزالة سلطانه عن الأشخاص المخاطبين بأحكامه وذلك عن طريق تجريده من قوته الملزمة سواء ترتب على ذلك إحلال قواعد أخرى عوضاً عن ما تم نسخه أو بالاستغناء عنه بالكلية دون سن قواعد تحل محله.
وقد يقع الإلغاء على قاعدة واحدة من مجمل القانون كما قد يتعداها ليشمل القانون كله. غير أن عملية الإلغاء سواء وردت على قاعدة في القانون أو مجمله لا يمكن أن تتم إلا من نفس السلطة التي قامت بوضعه أو سلطة أعلى منها درجه وهذا يعني ضرورة مراعاة مبدأ التدرج في القوه بالنسبة للقواعد القانونية. فلا يجوز لقاعدة من التشريع العادي نسخ قاعدة دستورية والسبب أن الدستور أعلى من التشريع العادي والسلطة واضعته أقوى، وكذلك الحال لا يمكن لتشريع لائحي أن ينسخ قاعدة للتشريع العادي أو الدستوري لأنهما أقوى منها درجة؛ في حين يمكن لتشريع لائحي إلغاء نص لائحي مساويّ لها في نفس الدرجة.

وتمتد آثار الإلغاء إلى المستقبل دون الماضي وهو بذلك على عكس البطلان. فالبطلان تكون أثاره على الماضي والمستقبل على السواء. وكذلك يختلف الإلغاء عن البطلان في كونه يرد على قاعدة قانونية صحيحة بينما البطلان يتقرر على عدم صحة وجود تلك القاعدة ابتداءً.
o طرق الإلغاء:
§ الإلغاء الصريح:
يكون الإلغاء صريحاً حينما يفصح المنظم بنص قانوني صريح بأنها العمل بحكم القانون السابق قد انتهى سواء كان بشكل كلي أو بإلغاء بعض القواعد في ذلك القانون القديم. ومثاله ما جاء في المادة 244 من نظام العمل السعودي لعام 1426هـ حين نصت على أن "يحل هذا النظام محل نظام العمل والعمال، الصادر بالمرسوم الملكي ذي الرقم (م/21) والتاريخ 6/9/1389هـ، ويلغي كل ما يتعارض معه من أحكام". ويعد هذا النوع من أبسط طرق الإلغاء وأبرزها وضوحاً وأكثرها شيوعاً. وقد يأتي الإلغاء الصريح عند حلول الأجل الذي ينتهي به سريان قانون مؤقت يصدر في أحوال وظروف خاصة. ومثاله (صدور قانون لمنحة مهلة سداد لبعض المدينين للبنوك من رجال الأعمال لمواجهة أزمة مالية تعصف باقتصاد البلد).
§ الإلغاء الضمنيّ:
على عكس الإلغاء الصريح لا يكون بنص صريح وإنما يستنج من استحالة الجمع بين قواعده القانونيين لتعارضهما أو عندما عند ما يصدر قانون جديد متكامل يشمل نفس الموضوع الذي حكمه وعالجه قانون سابق.

هذا النوع من الإلغاء له صورتين هما:
@ الإلغاء عن طريق التعارض بين النصوص:
وفيه لا يتحقق إلغاء التشريع اللاحق للتشريع السابق إلا عندما نكون أمام قواعد قانونية تقرر إحكاما متناقضة مع سابقتها. وهو يستند على وجوب احترام رغبة المشرع الأخيرة التي يتعين معها الأخذ بما ارتضاه من تنظيم لحكم مسألة ما. وننوه إلى أن إلغاء للقانون القديم لا يكون إلا في حالة حدود التعارض مع القانون الجديد. وعليه إذا كنا أمام استحالة الجمع بين أحكام تشريعين فإن الإلغاء يكون إلغاءً كلياً. أما إذا اقتصر التعارض على بعض أحكام التشريع القديم أي على جزء منها فقط فيكون الإلغاء في هذه الحالة جزئياً. مع ملاحظة أنه قد يصدر تشريعين يحكمان مسألة واحده ومع ذلك يظل كلاً من هذين التشريعين سارياً. فلا نكون في تلك الحالة أمام إلغاء للقانون، والسبب أن القانون الجديد بمثابة "الخاص"، بينما يظل القانون القديم بمثابة "العام". وهنا يجب إعمال القاعدة القانونية المعرفة "الخاص يقيّد العام في حكمه" ومثال ذلك حين ينظم القانون المدني مثلاً عقد العمل، وفي ذات الوقت يأتي قانون العمل وينظم ذات العقد في مسألة مثلاً استحقاق العامل للأجرة؛ فإن قانون العمل هو الذي يتقدم في على القانون المدني باعتبار أن الأول هو القانون الخاص. وعلى العكس إذا لم نجد في قانون العمل ما يحكم واقعه قد نظمها القانون المدني؛ فإننا نحتكم قواعد القانون المدني بحسبانها القواعد العامة واجبة التطبيق عند عدم ورود نص خاص.
@@ الإلغاء عن طريق إعادة التنظيم:
يقصد بإعادة التنظيم أن المشرع عندما يصدر تشريع لاحق على تشريع سابق يتناول فيه جميع ما تم تنظيمه في السابق بصوره متكاملة، وعلى ذلك يعد التشريع القديم منسوخاً ضمناً بقواعد التشريع الجديد حتى في المسائل التي لم يتناولها التشريع الجديد وكانت موجودة في التشريع القديم، دونما الإشارة إلى ذلك في ديباجة التشريع الجديد ولا حتى خاتمته.
ب- تنازع القانون من حيث الزمان:
سبق القول إن القاعدة القانونية تصبح نافذة بمجرد نشرها في الجريدة الرسمية، أو عندما يحدد المشرع نفاذها بعد تاريخ معيّن من النشر. وينتهي العمل بتلك القاعدة عند إلغاء حكمها، والذي يكون عادة بإصدار قاعدة قانونية تحل محلها. غير أن تطبيق القانون زمانياً على أساس تحديد بدايته وانتهائه لا يفض لنا النزاع حين تستمر وقائع أو تصرفات قانونية في ترتيب أثارها المستقبلية إلى ما بعد انتهاء القانون القديم وحلول قانون آخر محله تختلف فيه النتائج المترتبة عند إعمال حكمه عن سابقه. فما هي المبادئ التي تحكم هذا التنازع الزماني بين قانون قديم ما زالت أثاره سارية والقانون الجديد الذي حل محله وربما أتى بحكم جديد أيضاً؟ إن حل هذا التنازع الزماني يتأتى من خلال إتباع المبادئ التالية.
o مبدأ عدم رجعية القوانين:
يقصد به انعدام سريان أحكام قواعد القانون الجديد على الماضي، بحيث لا يكون هناك أثر رجعي للقاعة القانونية على وقائع ومراكز قانونية تكونت في شتى مراحلها في ظل قانون قديم. وبمعنى آخر قواعد القانون السابق ستكون هي الحاكمة لكل ما تم من أفعال وتصرفات قبل نفاذ القانون الجديد.
مثال1: لو صدر قانون بتاريخ 1/8/1429ه ينظم عقود بيع المركبات الأجنبية في السعودية مثلاً بحيث لا يعتبر عقد البيع صحيح ومنتج لأثاره ما لم يتم تسجيله لدى قسم التسجيل في إدارة المرور، أي أن التسجيل أصبح شرط انعقاد؛ فإن هذا القانون الجديد لا يسري على التصرفات التي تكون قد تمت في الماضي، بمعنى أن كافة بيوع المركبات الأجنبية التي تمت قبل صدور هذا القانون الجديد تظل جميعها صحيحة حتى ولو لم يتم تسجيلها في إدارة المرور.
مثال2: لو فرضنا أنه صدر تعديل لنظام المرور يقضي باعتبار استخدام الجوال أثناء قيادة السائق لمركبته مخالفه يعاقب عليها في السعودية. فإن هذا التجريم لا ينصرف لأفعال الاستخدام التي تمت في الماضي، حتى ولو تبين أن هناك من الحوادث كان سببها استخدام الجوال أثناء القيادة.
ومما لاشك فيه أن عدم انسحاب أثار القانون على ما قد تم في الماضي أمر تحتمه اعتبارات متعددة تتوافق مع المنطق القانوني في العلاقات التي تتم بين أفراد المجتمع ومن هذا الاعتبارات ما يلي:-
§ يتضمن المنطق القانوني، الذي فيه ينظر إلى القاعدة القانونية على اعتبارها خطاباً تكليفي لأفراد المجتمع، أمراً بأتباع عمل محدد أو النهي عنه لا يمكن تصوره إلا في أمور مستقبلية والقول بغير ذلك يعني أن القانون سيأمر شخصاً للقيام بعمل في زمن ماضي وهو ما يستحيله الواقع.
§ العدالة واعتباراتها وبالخصوص منها ما يتعلق بتجريم أفعال. فمن المعلوم أن الأصل في الإنسان براءة ذمته، كما أن الأصل في الأشياء الإباحة فلا يتصور وليس من العدالة أن يطالب الشخص بالخضوع لقانون يعاقبه على فعل مباح في الماضي وجُرّم في الحاضر بقانون لاحق.
§ يعد مبدأ عدم رجعية القوانين ضمانة أساسية لحقوق الأفراد وأداة رئيسية لدعم الاستقرار الاجتماعي والثقة في المعاملات بين أفراد المجتمع. والسبب أن انسحاب القانون بحكمه على الماضي سيقود إلى الإخلال والاضطراب قد يهدم فيه ثقة أفراد المجتمع بالقانون.


o الاستثناءات على مبدأ عدم رجعية القوانين:
§ الاستثناء الوارد بنص صريح على رجعية القوانين:
إن مبدأ عدم رجعية القوانين يمثل أصلاً يتعين أن يلتزم به القاضي وواضع القانون. إلا أنه في حق القاضي يكون بشكل مطلق (أي أن القاضي ملزم بتطبيق ذلك المبدأ)، على عكس واضع القانون (أي المنظم) فإنه لا يتقيّد، بحيث يجوز للمنظم الخروج على هذا المبدأ عندما تحتم عليه المصلحة العامة للمجتمع وبناء على ذلك فإن اللجوء إلى الاستثناء ينحصر في الحالات التي تصبح معها إعمال الأثر الرجعي للقانون مغلبه على المصلحة المترتبة من ضرورة استقرار المعاملات. والعلة في ذلك هو اختلاف وظيفة كل من القاضي والمنظم. فالقاضي مكلف بتنفيذ وتطبيق القانون؛ فتنحصر مهمته بشكل أساسي في الاعتراف بحالة قانونية سابقه والبحث في آثارها، وهو أمر لا يمكن تحققه إلا بناء على القانون الجديد حينما يرتب تلك الآثار القانونية.

مثــال: إذا صدر قانون جديد ينص أن تحصل ضريبة على أرباح العاملين بالخارج بنسبة5%، على أن تصل الضريبة بأثر رجعي ولمدة خمس سنوات سابقة.



على أن هذا الاستثناء يقبل هو الأخر استثناءً يعود بنا إلى الأصل وهو حالة النصوص الجنائية التي لا يجوز بحال إعمال أحكامها بأثر رجعي. وقد أكدت على ذلك المادة 38 من النظام الأساسي للحكم بقولها: "العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على نص شرعي أو نظامي ولا عقاب إلا على الأعمال اللاحقة للعمل بالنص النظامي".
§ استثناء القوانين الجنائية الأصلح للمتهم:
يقصد بالقانون الأصلح للمتهم هو ذلك القانون الجديد الذي يصدر بعد ارتكاب الفعل الإجرامي (والذي عادة ما تكون العقوبة فيه أخف مما هو مقرر في القانون القديم أو يأتي لإباحة الفعل تماماً...الخ)؛ فهنا ولاعتبارات إنسانية بحته لا يعد انسحاب القوانين الجنائية الأصلح للمتهم على ما مضى من أفعال وحوادث انتهاكاً لحريات الأفراد، وبالتالي يستفيد المتهم من تخفيف العقوبة المقرر في القانون الجديد. وهذا الاستثناء يراعي أيضاً اعتبارات العدالة؛ فليس من العدل الإصرار على العقوبة أشد بعد صدور قانون يرى إباحة الفعل أو يخفف من عقوبته. [ويشار هنا إلى أن أيه القصاص التي تسمح بالعفو يقال أنها طبقت بأثر رجعي على عهد سيدنا رسول الله].

مثال1: لو فرضنا مثلاً أنه في تاريخ 1/ 6/1429ه أودع (أ) سجن الحائر وحكم عليه بالسجن لمدة 6 شهور مع الجلد وذلك بتهمة الخلوة بامرأة أجنبية عنه وكانت هذه هي المرة الأولى التي أقدم فيها (أ) على هذا الفعل. إلا انه بعد مكوثه قرابة الشهرين من مدة الحكم آتت البشائر تزفها الأقدار وصدر قانون بتاريخ 1/ 8/ 1429هـ ينص على أنه لا عقاب على من أدين بهذا الفعل لأول مره مع إلزامه فقط بكتابة تعهد وتوبة إلى الله على أن لا يعود إليها. هذا المثال يعرض لحالة يكون قد صدر فيها قانون أصلح للمتهم؛ فعليه لا نركن إلى مبدأ عدم رجعية القوانين، ويستفيد المتهم مما جاء به القانون الجديد.



مثـال2: لو فرضنا أن شخصاً حكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات في جريمـة تهريب العملة الأجنبية داخل البلاد، ثم صدر قانون جديد بإلغاء القانون السابق، وإباحة إدخال العملة الأجنبية. فإذا كان المحكوم عليه قد أمضى عاما في السجن فإنه يفرج عنه فوراً، ولا ينفد باقي مدة السجن. أما إذا كان هذا الشخص في مرحلة إجراء التحقيق معه ولم يقدم بعد للمحاكمة؛ فإنه يجب إخلاء سبيله، وعدم تقديمه للمحاكمة.



وهنا يتعين الإشارة إلى أن بعض الفقهاء يميلون إلى القول بوجود استثناء ثالث على مبدأ عدم رجعية القوانين وذلك في حالة القوانين التفسيرية، وذلك عندما يصدر قانون جديد يفسر فيه غموض قاعدة قانونيه في قانون قديم ويكون بشرحه لتلك الأحكام قد أظهرت المقصود منه والتي قد يفهم منها إمكانية انسحاب القانون الجديد بتفسيراته للقانون القديم على آثاره السابقة. والرأي الغالب في الفقه يرى أن القانون المفسر لا يحتوي على أحكام جديدة وإنما يقتصر فقط على الإفصاح عن المعنى المراد من التشريع الأصلي. وبالتالي فلا نكون أمام استثناء حقيقي على مبدأ عدم رجعية القوانين.


o مبدأ الأثر الفوري والمباشر للقانون:

يقصد بهذا المبدأ سريان أحكام القانون الجديد على الوقائع والمراكز القانونية التي تقع أو تكونت بعد نفاذه، حتى ولو كانت بعض الوقائع قد تولدت في كنف القانون القديم، وذلك لأن سريانه لا يكون تطبيقاً رجعياً لأحكامه بل ينظر إليه على اعتباره تطبيق فوري له.

ويستند هذا المبدأ على اعتبارات عده منها ما يلي:-

§ يمنع هذا المبدأ الازدواجية التي سوف تحكم المراكز والأوضاع القانونية المتماثلة حينا نكون بصدد تطبيق للقانون الجديد وذلك لأن القانون الجديد ستنبسط ولايته على كافة المراكز القانونية والوقائع القانونية المتشابهة
§ تكون حكمة إقرار مبدأ الأثر الفوري للقانون واضحة حينما تقتضي المصلحة استبعاد حكم القانون القديم لقصوره وعدم صلاحيته لمعالجة مسألة من المسائل.
o الاستثناء على مبدأ الأثر الفوري والمباشر:
إن تطبيق مبدأ الأثر الفوري للقانون بصورة مطلقة قد يرتب أثار شاذة حين ينعدم تحقيق مصلحة اجتماعية عند تطبيق ذلك المبدأ، أو حينما ينجم عنه في ذات الوقت الإضرار بمصالح الأفراد ويكون ذلك في الروابط القانونية التي أجريت بين الأفراد قبل إصدار القانون الجديد وكانت أثارها مستقبلية متحققة كلها أو بعضها بعد سريان القانون الجديد.
مثال1: لو افترضنا تعاقد (أ) على فيلاً بالإيجار لمدة خمس سنوات بقيمة إيجار سنوي (40000 ريال)، وفي أثناء سريان ذلك العقد صدر قانون ينظم أجرة المساكن بحيث لا تزيد الأجرة السنوية على (30000 ريال). هنا لا يمكن لنا الأخذ بمبدأ الأثر الفوري والمباشر للقانون الجديد، بل يحق للمؤجر الاستمرار في المطالبة بقيمة الأجرة الزائدة على نهاية العقد. والعلة من تقرير الخروج على مبدأ الأثر الفوري للقانون هنا تكمن في احترام إرادة الأطراف المتعاقدة عندما أقدمت على إبرام تلك العقود على أساس اعتبارات وحسابات كانت في تقديرها لأحكام القانون الساري وقت التعاقد. ولو طبق مبدأ الأثر المباشر أو الفوري بحذافيره لكان أدى ذلك إلى اختلال التوازن العقدي بين الأطراف وهو ما قد يفضي إلى إجحاف بحقوق الأفراد.

مثال2: إذا صدر قانون جديد يعدل من شروط نفقة المطلقة أو حضانة الأولاد؛ فإنه يسري على كل نفقة وعلى كل حضانة مستقبلية مترتبة على طلاق تم في ظل القانون القديم، ولكن لا يؤثر القانون الجديد على مـا استحق من نفقة وما تم من حضانة قبل نفاده .
على أن هذا الخروج على مبدأ الأثر الفوري والمباشر يرد عليه استثناء يعود بنا إلى الأصل وذلك في الأحوال التي تكون فيها قواعد القانون الجديد من القواعد الآمرة والمتعلقة بالنظام العام والآداب العامة.



المحور الخامس: تفسير القواعد القانونية:
o المقصود بتفسير القانون:

§ التفسير هو العملية الذهنية القاصدة إلى تحديد معنى القاعدة القانونية ومداها، عن طريق:

· توضيح نص غامض.

· إكمال نص مقتضب.

· التوفيق بين الأجزاء المتناقضة للنص الواحد.

o مبادئ أولية في التفسير:

§ القاعدة: لا محل للاجتهاد في مورد النص الواضح.

§ في جميع دول العالم، الخلفية المفسرة للقانون هي الأعمال التحضيرية ومحاضر المناقشات التي دارت في لجان الصياغة.

§ التفسير لا يرد إلا على التشريع، أما العرف فيتم التثبت من وجوده فقط (أي مسألة إثبات)
o الحالات الداعية لتفسير القانون

§ الخطأ: ويتحقق عندما يشوب صياغة النص عيب لم يقصده المشرع. وهو على قسمين:

· خطأ مادي: حين ورود خطأ لفظي في نص المادة القانونية، بحيث لا يستقيم مفهوم النص إلا بتصحيح هذا الخطأ.

· خطأ معنوي: يتعلق بالمعنى و ليس بالصياغة.

§ الغموض: عندما يحتمل النص، أو أحد ألفاظه أكثر من معنى مما يؤدي إلى إبهامه. قد يكون الغموض مقصودا من المشرع لإطلاق يد القضاء في التفسير

§ النقص: إغفال لفظ في النص لا يستقيم المعنى بدونه، مما يحدو بالمفسر إلى إكمال هذا النقص ومسترشداً بقصد المشرع:

مثال: المادة 76 من القانون المدني المصري القديم فيما يتعلق بشروط اكتساب الملكية بالتقادم القصير؛ فأشارت إلى وضع اليد والسبب الصحيح وأغفلت حسن النية، وهو من شروط اكتساب الملكية في هذا النوع من التقادم.

§ التعارض: تعدد المعاني المستخلصة من النصوص مع تناقض معناها (فيدل أحد النصوص على معنى معين ويدل نص آخر على معنى مختلف).

· حالات التعارض:

- التعارض بين نصوص التشريع نفسه: ويزال التعارض باللجوء إلى طرق التفسير الداخلية والخارجية.

- التعارض مع نصوص تشريع آخر:

§ التشريع الأعلى يرجح على التشريع الأدنى.

§ النص الأحدث هو الذي يرجح ( التشريع اللاحق يلغي التشريع السابق)

· كيف يتم رفع التناقض؟ باللجوء إلى:

- إلى قاعدة تدرج القوانين والتي بمقتضاها يتعين تغليب القانون الأعلى درجة (مبدأ المشروعية).

- إن تساوت القوانين في الدرجة طبقت قواعد النسخ أو الإلغاء الضمني بتغليب القانون الأحدث صدوراً؛ فالنص اللاحق ينسخ النص السابق؛ فإذا كان أحدهما نصاً خاصاً فإنه يقيد النص العام سواء كان يسبقه أو يلحقه.

- إن تساوت في الدرجة + في وقت الإصدار وجب اللجوء إلى وسائل التفسير الخارجية.
o المذاهب المختلفة في التفسير:

§ مدرسة الشرح على المتون Glossators (أو مدرسة التزام النصوص): وتقوم هذه المدرسة على أساس التزام المفسر بتفسير النظام وفقاً لإرادة المنظم وقت وضع التشريع، لا وفقاً لإرادة المفسر وقت التفسير أو التطبيق، أي تبحث عن نية المشرع المفترضة وقت وضع التشريع لا وقت التفسير، مهما كان الزمن الذي مر على إصدار القانون. وأبرز ما يميز هذه الطريقة في التفسير أنها تؤدي إلى تقييد حرية المفسر عند قيامه بعملية التفسير، مما يمنح التشريع شيء من الثبات والاستقرار.

§ المدرسة التاريخية الاجتماعية: تذهب المدرسة إلى أن تفسير النصوص يجب أن يتم على ضوء الظروف الاجتماعية وكافة العوامل والمؤثرات المحيطة بالمفسر وقت قيامه بعملية التفسير لا وقت وضع النظام، باعتبار أن القانون هو أداة للتعبير عن اتجاهات المجتمع وأولوياته. فوفقاً لمونتسكيو (Montesquieu)؛ فان روح البلاد تحددها عوامل عديدة (الطبيعة، المناخ، الدين، القانون، القيم، العادات) و لذلك فمن غير المتصور أن يناسب قانون واحد جميع المجتمعات.

§ مدرسة البحث العلمي الحر (المدرسة العلمية): وتقف هذه المدرسة موقفاً وسطاً بين المدرستين لسابقتين؛ فتفرق بين حالتين:

· إذا عرضت حالات على المفسر قد تعرض لها التشريع: فيطبق المفسر القانون على ما يعرض أمامه من حالات اعتماداً على إرادة المشرع الذي صدر عنه (مما يتفق مع مدرسة الشرح على المتون).

· إذا عرضت حالات على المفسر لم يتعرض لها التشريع: هنا يبحث عن الحلول في المصادر المختلفة للقانون؛ فان لم يجد ذلك فإنه يقوم بـ "البحث العلمي الحر" أي إلى مختلف العوامل التي تساهم في خلق القاعدة القانونية (كالعرف).
o أنواع التفسير (من حيث الجهة القائمة به)

§ القانون الدولي: هناك جهات أنيط بها مهمة تفسيره وهي محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن.

§ القانون الداخلي: الأمر مختلف (كما يلي):

· التفسير التشريعي: يصدر من ذات المشرع الذي قام بإصدار القانون الأصلي، بقصد تفسير النصوص الغامضة منه، وذلك بإصدار قانون يسمى "القانون التفسيري"، يتمتع بذات القوة الإلزامية التي يتمتع بها القانون الأصلي. ورغم ندرة هذا النوع من التفسير وكونه غير محبذ، وعادة ما يترك المشرع التفسير للمحكمة العليا (المحاكم الدستورية) في الدول التي تأخذ بهذا النظام. وربما عدم وجود محكمة عليا في المملكة في السنوات السابقة وقبل صدور نظام القضاء الجديد هو الذي دفع مجلس الوزراء إلى الأخذ بهذا النمط من التفسير أكثر من مرة. مثال ذلك تفسير بعض ما غمض في نظام مكافحة الرشوة لعام 1412هـ بشأن مكافآت الإرشاد عن الرشوة، وكذلك في نظام مكافحة التزوير لعام 1382هـ في شأن انطباق نص المادة 5 على الصورة الشمسية، وانطباق المادة 6 على المحررات غير الرسمية).

· التفسير القضائي: وهو التفسير الذي يقوم به القاضي للقانون عند تطبيقه على الدعوى المعروضة أمامه إذا تبين له غموض بعض نصوصه. و يتميز عن التفسير التشريعي من حيث كونه غير ملزم للمحكمة إلا بصدد الدعوى التي صدر بشأنها، بحيث يجوز للمحكمة نفسها التي أصدرته العدول عنه في الدعاوى الأخرى، و لو تماثلت.

· التفسير الفقهي: يقوم به الفقهاء في شروحهم القانونية، وهو تفسير غير ملزم، و إن كان له بعض القيمة الاسترشادية لدى القضاء.

· التفسير الإداري: يتكون من التوجيهات التي توجهها السلطة التنفيذية إلى موظفيها لتفسير أحكام القانون و كيفية تطبيقه. وهو تفسير غير ملزم إلا بالنسبة للموظفين الذين صدر إليهم.


o وسائل التفسير:

§ الطرق الداخلية للتفسير (تفسير النص غير المعيب):

· منطوق النص (دلالة العبارة):

- القاعدة: لا اجتهاد في مورد النص. إذاً يتحدد معنى النص من خلال ألفاظه وعباراته؛ فيتقيد المفسر بالمعنى اللفظي لها.

- المعنى اللفظي: هو المعنى الذي يتبادر فهمه من ألفاظ النص (فيتعين الوقوف عنده دون تأويله إلى معنى آخر، ما لم يقم دليل على ذلك).

- طريقة التفسير:

* إذا كان اللفظ يحتمل أن يفسر بعمومه وإطلاقه و يحتمل أن يفسر مع التخصيص أو التقييد فإن اللفظ يفسر بعمومه وإطلاقه ما لم يقم دليل على خلاف ذلك (فالعام يظل على عموميته حتى يرد ما يقيده).

* إذا كان للفظ معنى اصطلاحي أو فني ومعنى أخر لغوي أو دارج؛ فيفسر اللفظ بمعناه الاصطلاحي أو الفني (ما لم يقم دليل على خلاف ذلك).

* إذا كان للفظ معنى حقيقي وأخر معنى مجازي؛ فإنه يؤخذ بالمعنى الحقيقي (ما لم يقم دليل على خلاف ذلك).

· إشارة النص (دلالة الإشارة):

- المقصود بإشارة النص: المعنى الذي يشير إليه النص دون أن يصرح به (فهو معنى لا يتبادر فهمه من ألفاظ النص، ولكنه لازماً لمعنى متبادر منها).

- في حالة تعارض المضمون المستخلص من إشارة النص مع المضمون المستفاد من منطوق ألفاظ نص آخر تعين تغليب معنى اللفظ على معنى الإشارة.

· مفهوم النص (دلالة المفهوم):

- المقصود بمفهوم النص: ما يمكن فهمه واستنتاجه من مفهوم النص وروحه بإحدى طرق القياس الآتية:

* الاستنتاج بمفهوم الموافقة

* الاستنتاج من باب أولى

* الاستنتاج بمفهوم المخالفة



@: الاستنتاج بمفهوم الموافقة أو الاستنتاج بطريقة القياس: ويقصد به إعطاء الحكم الذي تقرره قاعدة قانونية تحكم حالة معينة، لحالة أخرى لم يرد بشأنها قاعدة، لاتحادهما معاً في العلة التي سنت من أجلها القاعدة القانونية. وهو نوع من القياس إذا أن القياس هو إلحاق حكم الأصل للفرع لاتحاد العلة. ويراعى أنه لا يجوز التوسع في تفسير المواد الجنائية، لمخالفة ذلك لمبدأ الشرعية( لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص).



@@: الاستنتاج من باب أولى: ويراد به إعطاء حالة غير منصوص عليها حكم حالة أخرى منصوص عليها (لوضوح علة الحكم في الحالة الأولى دون الثانية).

- ومن حالاته:

* تطبيق حكم الكثير على القليل:

مثال1: ما تقرره بعض القوانين ذات المصدر الغربي من تخفيف العقوبة على من يقتل زوجته وشريكها في حالة مفاجئتهما متلبسين بالزنا، وتطبيق هذا التخفيف إذا ضرب الزوج الزوجة والشريك، وأحدث بهما مثلا عاهة مستديمة، أو بعض الأضرار الجسمانية، باعتبار التخفيف من باب أولى.

مثال2: انطباق المادة السادسة من نظام مكافحة التزوير على استعمال المحررات الرسمية وغير الرسمية (رغم أن ظاهر النص يوحي باقتصار النص على المحررات الرسمية).

o تطبيق حكم القليل على الكثير: مثال: إذا حظر القانون على القاصر (الصبي المميز) التصرف في ماله بمقابل أو بعوض؛ فان هذا الحكم ينسحب أيضا على تصرفاته بدون عوض.

ويكشف ما سبق عن أن الاستنتاج من باب أولى و الاستنتاج بمفهوم الموافقة يشتركان في أن:

* كلاً منهما تفسير موسع: فلا يجوز اللجوء إليهما إذا كان الحكم الذي يقرره النص حكماً استثنائياً يتضمن خروجاً على قاعدة عامة (لأن الاستثناء لا يقاس عليه، ولا يتوسع فيه).

* لا يجوز إعمالهما في المسائل الجنائية إلا لمصلحة المتهم (فإذا كان النص الجنائي يجرم فعل إخفاء الأشياء المسروقة؛ فلا يمكن مد هذا الحكم إلى إخفاء الأشياء المتحصلة من النصب أو خيانة الأمانة).

@@@: الاستنتاج بمفهوم المخالفة / الاستنتاج العكسي: ويعبر عن إعطاء حالة غير منصوص عليها في القانون عكس الحكم المنصوص عليه في حالة أخرى لانتفاء قيد ورد بالنسبة للحالة المنصوص على حكمها.



ويتعين الإشارة إلى أن تحديد مضمون النص من مفهومه يأتي من حيث درجته بعد تحديد المضمون وفقاً لإشارته، ووفقاً لمنطوقه.



§ الطرق الخارجية للتفسير (تفسير النص المعيب):

- النص المعيب: هو الذي يشوبه خطأ أو تعارض أو نقص أو غموض.




- طرق تفسير النص المعيب:

1- حكمة التشريع: وهي الغاية والهدف الذي يرمي إليه المشرع من وضع التشريع، حيث يتعين أن يفهم النص على المعنى الذي يكون أكثر تحقيقاً للحكمة منه.

وقد تكون غاية المشرع:

* مصلحة الجماعة

* مصلحة الأفراد

* مرتبطة باعتبارات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية



2- الأعمال التحضيرية: وهي وثائق تلحق عادة بالتشريعات عند تحضيرها، و تفيد المفسر لمعرفة قصد المشرع الحقيقي عند وضع النص، و تتكون من:

* المذكرات التفسيرية

* مناقشات المجالس التي تقوم على إعداد التشريع.

* محاضر جلسات هذه المجالس وأعمال اللجان

ويجدر التنويه إلى أن هذه الأعمال قد لا تعبر عن وجهة المنظم تعبيراً حقيقياً ولذلك في تقف عند حد كونها وسيلة يستأنس بها تساعد القضاة والفقهاء، ولكنها غير ملزمة للمفسر.



3- المصادر التاريخية: المقصود بها إزالة إبهام النصوص من خلال الرجوع إلى الأصل التاريخي الذي استمدها المشرع منه.

مثال ذلك:

* حين يلجأ الفقه المصري في بعض الحالات إلى القانون المدني الفرنسي يبحث فيه عن تفسير لبعض أحكام القانون المدني المصري، كما يلجأ إلى أحكام الشريعة الإسلامية بالنسبة للأحكام المستمدة منها.

* كذلك حين يلجأ الفقه السعودي إلى نظام مكافحة الرشوة المصري باعتباره مصدراً تاريخياً لأنظمة مكافحة الرشوة في المملكة لتذليل ما قد يظهر من غموض في نصوصه المشتقة منهما.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

المدخل لدراسة العلوم القانونية: مبادئ القانون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: -