البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 الوزير يدخل النار وهو علي قيد الحياة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: الوزير يدخل النار وهو علي قيد الحياة   الإثنين ديسمبر 27, 2010 8:06 pm

الوزير يدخل النار وهو علي قيد الحياة



رائحة الشواء كانت تفوح منه وهو يسير بين الناس
الوزير يدخل النار وهو علي قيد الحياة






هذه قصة حقيقية بطلها ـ رحمه الله ـ شخصية سيادية قد تستطيع معرفته حين تقرأ حكايته المذهلة، سنحت لي الظروف أن أقابله وأجلس معه، وقد استأذنته قبل وفاته في كتابتها فأذن لي بذلك بشرط عدم ذكر اسمه وقد أقسمت له علي ذلك، وإذ حاولت نشر هذه القصة في الصحف التي كانت لي بها علاقة إلا أن الأبواب أوصدت في وجهي أو بالأحري في وجه قصتي ـ أو قصته ـ حتي تلك الصحف المستقلة أو المعارضة قالت لي وقتها إن هذه القصة تدخل في نطاق الخطوط الحمراء التي لا ينبغي أن يتجاوزها أحد منهم، ولم يكن أمامي إلا أن نشرها علي شبكة الإنترنت ولكن ظل قراء الصحف محرومين منها ومحرومة هي منهم، لكن الآن جاء وقت نشرها هنا في «الفجر».
بطلنا وزير سابق في وزارة سيادية، كانت سطوته وقسوته مضرب الأمثال، خرج من الوزارة عقب أزمة سياسية طاحنة مرت بالبلاد، ولم يكن من المقدّر لي أن ألتقي به لولا أن صديقاً لي اشتري منه قطعة أرض، وبحكم الصداقة طلب مني صديقي أن أتحقق من الملكية وأحرر عقد البيع، وعندما أنجزت المهمة الموكلة إليَّ حانت لحظة التوقيع علي العقد الابتدائي فطلبت من صديقي اصطحاب الوزير السابق إلي مكتبي حتي يقوم بالتوقيع باعتباره بائع الأرض، إلا أن صديقي زم شفتيه وزوي حاجبيه وقال بلا مبالاة مصطنعة.. الرجل بلغ من الكبر عتياً.. وقد لا تساعده صحته علي الحضور إلي مكتبك، خاصة أن مكتبك في مصر الجديدة وهو يقيم في الضفة الأخري من المدينة، فهل يضيرك أن ننتقل نحن إليه؟.. وثق أنه لن يضيع من وقتك الكثير، ففي دقائق سنكون في الفندق الأثير للرجل وهو فندق نصف مشهور في أطراف الجيزة في منطقة هادئة، وقد اعتاد الوزير السابق ارتشاف فنجان قهوته صباح كل يوم في الركن الشرقي بهذا الفندق، وحسبك يا أخي أنك ستلتقي بوزير كانت الدنيا تقوم ولا تقعد من أجله، بل إن كل وزراء مصر في وقته كانوا يتمنون رضاه.
وافقت علي مضض إذ لم يكن من المألوف في عملي أن ألتقي بالعملاء خارج المكتب، وفي اليوم التالي ذهبت إليه.
من بعيد رأيت الرجل.. يا الله.. أهذا هو من ارتعدت فرائص مصر من بطشه وجبروته؟!! أهذا هو من ألقي العشرات في السجون وبغي وتجبر..؟!!
ها هو يجلس وحيداً في ركن منزوٍ وقد خط الزمن بريشته خطوطاً متقاطعة علي وجههه، وفعل الأفاعيل في تقاطيعه فتهدل حاجباه وتدلت شفتاه وبدا طاعناً في السن وكأنه جاء من زمن أهل الكهف.
وعلي الطاولة وبعد همهمات وسلامات قدمت الأوراق إلي الرجل وأعطيته قلمي كي يوقع علي العقد، إلا أنه أخرج قلماً من معطف كان يضعه علي كرسي قريب منه ثم خلع قفازه، وارتدي نظارة القراءة وسألني بابتسامة باهتة.. أوقع فين يا أستاذ؟ فأشرت له إلي خانة في الصفحة الأخيرة، وأمسكتها له كي أساعده، وفي اللحظة التي قام فيها الرجل بالتوقيع علي العقد جفلت يدي رغماً عني، فوقعت الورقة مني، إذ وقعت عيناي علي ظهر يد الرجل اليمني فرأيت بقعة مستديرة ملتهبة في جلده يتراوح لونها بين الاحمرار والاصفرار وكأنها سُلخت علي مهل، والغريب أنني شممت رائحة شواء تنبعث من هذه البقعة وكأنها ما زالت تشوي علي النار!!! ويبدو أن الوزير السابق تنبه لحالة الارتباك التي أصابتني، وتوقعت أن يهب ثائراً متبرماً، إلا أنه وعلي عكس ما توقعت نظر إليّ نظرة حانية هادئة وكأنه أبي، وإذا بملامح طيبة ترتسم علي وجهه بلا افتعال، ملامح لا علاقة لها بالوزير المتغطرس الباطش المستبد، وكأن ملامحه الطيبة هذه تدل علي رجل من أهل الله، وبيد مرتعشة تفوح منها رائحة الشواء قدم لي الوزير العقد قائلاً: اتفضل يا أستاذ، ثم التفت لصديقي قائلاً: مبارك علي الأرض.. اتفضلوا أكملوا الشاي.
مع الرشفة الأخيرة وبعد عبارات التهنئة جمعت كل ما أملك من قوة وقلت له سلامة يدك يامعالي الباشا، شفاك الله وعافاك.. خير إن شاء الله.. يبدو أن شيئاً ما أصاب يدك قبل حضورنا فشكلها ملتهب جداً.. ولم يرد الرجل إلا بتمتمة غير مفهومة، إلا أنه نظر في الفراغ الذي أمامه نظرة أسي وحزن وكأنه أتعس رجل في العالم.
ومرت أيام وشهور علي هذه الواقعة وظلت نظرة الرجل التعيسة ويده المحترقة التي تفوح منها رائحة الشواء لا تغادر خيالي.
انزوت هذه الواقعة في ركن خلفي من ذاكرتي وسرعان ما تناسيت الرجل وتناسيت يده المشوية.
ومر عامان إلا بضعة أشهر وجاء موسم انتخابات نقابة المحامين، وتزاحمت عليَّ الأحداث ذلك أن أحد أصدقائي رشح نفسه لمنصب النقيب وكانت ضريبة الصداقة والوفاء توجب عليّ الوقوف بجانبه عن طريق جلب الأنصار وتحييد الخصوم، وحدث أن واعدني أحد الأصدقاء لمقابلة بعض الأنصار في نفس الفندق الذي التقيت فيه بالوزير السابق وقبل الموعد المضروب كنت أجلس في نفس الركن الشرقي ارتشف فنجان القهوة المضبوط، وأمسح حبات العرق التي سالت علي جبيني من فرط حرارة الجو، وإذا برجل طاعن في السن يتوكأ علي عصاه، ويتوجه علي مهل إلي طاولة في أقصي المكان.. منفرداً.. منزوياً.. نعم كان هو الوزير السابق صاحب اليد الحمراء المشوية.
وبعد أن جلس واستوي علي مقعده حانت منه التفاتة إلي الطاولة التي أجلس عليها، ثم إذا ببصره يعود ويستقر عندي للحظات، وكان أن تبادلنا الابتسامات والإيماءات، ولغير سبب واضح قمت من مقعدي وتقدمت للوزير السابق محيياً مذكراً إياه بنفسي، وبنفس الملامح الطيبة التي رأيتها عليه من قبل دعاني للجلوس، وبعد التحيات والسؤال عن الصحة والكلام عن الجو الحار والزحام وقعت عيناي رغماً عني علي يده فوجدته - ويالعجبي - يرتدي قفازه الأسود!! - رغم حرارة الجو - فقلت بغير دبلوماسية وبعبارات فجة متطفلة لا أعرف كيف خرجت مني.. كيف حال يدك يا معالي الباشا.. أشفيت إن شاء الله.. حرق هو أليس كذلك؟.. وبكلمات بطيئة متلعثمة وجلة قال.. نعم حرق ولكن ليس كأي حرق.. إيه ربنا يستر.
ولدهشتي استرسل الوزير السابق في حديثه وكأنه يحدث نفسه: طبعاً إنت عارف ماذا كان موقعي في الدولة، كنت الآمر الناهي وكان الجميع يخطب ودي تصورت أنني أعز من أشاء وأذل من أشاء وتصورت أن المنصب سيدوم لي أبد الآبدين لم أفكر في يوم من الأيام أن هناك خالقاً وأن هناك حساباً، فحبست وعذبت وخربت بيوت بغير حق بل وأحياناً دون سبب.. وجاء يوم وليته ما جاء كنت عائداً إلي بيتي تحيطني سيارات الحراسة من كل جانب، ولسوء طالعي وقع بصري علي كشك سجائر قابع في جانب من الطريق فاستقبحت منظره، وفي اليوم التالي أصدرت قراراً بإزالة الكشك وفي غضون دقائق معدودة بعد صدور القرار قامت قوات وجحافل بإزالة الكشك حتي لا يقع عليه بصري وأنا عائد إلي بيتي، لا تسألني عن صاحب الكشك ولا عن حقوق الإنسان فوقتها لم يشغل هذا الأمر تفكيري ولو للحظة، وقطع الوزير كلامه قائلاً: تشرب شاي لازم والله.. وقبل أن أرد عاد إلي حديثه دون أن ينتظر إجابتي.. وأثناء عودتي نظرت إلي مكان الكشك فوجدت رجلاً متهالكاً يجلس علي الأرض ومعه امرأة متشحة بالسواد وأطفال حفاة أقرب إلي العراة، وعندما اقترب الموكب من المكان تمهل الركب لغير سبب وكأننا مجموعة من الحجاج يطوفون حول بقعة قدسية، فإذا بالرجل الجالس يهب واقفاً قائلاً بأعلي صوته يا فلان اتق الله.. اتق الله.
وضايقتني العبارات أشد المضايقة فسألت أحد اللواءات الذين كانوا يرافقونني من هذا؟ فقال لي: إنه صاحب الكشك.. ولم أنتظر لليوم التالي بل وأنا في سيارتي أصدرت قراراً باعتقال صاحب الكشك ثم اتصلت تليفونياً ببعض أعواني وأمرتهم بتأديب الرجل.. ومرة أخري قطع الوزير كلامه قائلاً: الله..ألم تطلب شاي لازم والله.. ثم وبنفس الاسترسال ودون انتظار الإجابة استمر قائلاً: أرقتني عبارة الرجل اتق الله كانت صادقة وقوية ومجلجلة، لم أتعود أن يقولها أحد لي من قبل، هل تصدق أنني عندما ذهبت إلي بيتي تحدثت مع قريب لي في كلية دار العلوم حتي يشرح لي معني كلمة "اتق الله" لا أعرف لماذا توقفت هذه الكلمة عند أذني وتجاوزت سمعي إلي داخل أحشائي فإذا بألم شديد يمزق معدتي.. ومع بعض المسكنات والمهدئات حاولت أن أنام ولم أستطع وفي اليوم التالي رأيت في ذات المكان امرأة صاحب الكشك وهي متشحة بسوادها ومعها أطفالها العراة، وإذا بصوتها هي الأخري يعلون مجلجلاً يا فلان اتق الله، وفي بيتي لاحظت زوجتي أرقي فهدأت من روعي وقالت لي: لا تخش شيئاً أنت من أهل الجنة خدماتك علي البلد كثيرة حد يقدر ينكر.
هل تصدق يا أستاذ.. هو بالمناسبة ألم تطلب شيئا؟ ألم تطلب شاي لازم والله، وعرفت أنه لن ينتظر إجابتي وبالفعل استمر في استرساله الغريب.. هل تصدق أنني نمت يومها نوماً عميقاً.. وياليتني ما نمت.. وهنا بدأت دموع الرجل تنساب وبدأ صوته يتهدج، نمت ورأيت في نومي أن القيامة قد قامت ورأيتني عارياً من ملابسي، وإذا بملائكة غلاظ شداد لا أستطيع أن أصفهم لك يجذبونني بعنف إلي النار وأنا أقاوم وأحاول أن أبحث عن حراسي ورجالي ولكن للأسف لم أجد أحداً معي يناصرني أو يدفع عني العذاب، هل تصدق أنه أثناء جذب الملائكة لي رأيت زوجتي فقلت لها أنقذيني فقالت: نفسي نفسي، فتعجبت!! وقلت لها: ألم تخبريني أنني من أهل الجنة؟ فلم ترد، حاولت أن أناقش الملائكة فقلت لهم لقد قدمت لمصر الكثير ستجدون أعمالي الباهرة في ميزان حسناتي فلم يرد عليَّ أحد منهم، وأثناء جذبي وجرّي نظرت إلي الجنة فوجدت قصراً عالياً شامخاً ليس له مثيل تظهر من خلال أسوار الجنة، هل تصدق أنها أسوار تشف ما خلفها!! فقلت للملائكة هذا قصري خذوني إليه فقال أحد الملائكة إنه قصر صاحب الكشك فقلت ولماذا أستحقه فقال الملاك لأنه لم يرضخ للظلم وقال كلمة حق عند سلطان جائر فهو شهيد، فقلت وأين مكاني قالوا في الدرك الأسفل من النار، وقتها حاولت التملص منهم وكنا قد اقتربنا من أبواب الجحيم، وعندما هممت بدفع أحد الملائكة بيدي هذه إذا بلفحة بسيطة من حر جهنم تصيبني في ظهر يدي، آه لو تعرف يا أستاذ مدي الألم الذي أصابني لا يوجد مثله مثيل علي وجه الأرض، مجرد لفحة بسيطة لا من النار ولكن من حر النار، فقمت من نومي صارخاً فزعاً ونظرت إلي ظهر يدي فإذا به وكأنه احترق ورائحة الشواء تتصاعد منه وآه وآه وألف آه أسرعت بالاتصال تليفونياً بأحد رجالي فإذا به يخبرني أن صاحب الكشك مات من التعذيب.. مات لا وألف لا.. صرخت قائلاً: أعيدوه للحياة.. أعيدوه للحياة أعيدوا له الكشك.. ولكن لا حياة لمن تنادي.. سبقتني يدي إلي النار.. كنت قد اندمجت مع حكاية الوزير حتي أنني لم ألحظ بكاءه ونشيجه، وكان بدني كله مقشعراً وكأنني قنفذ تائه في صحراء، ونظرت حولي فإذا ببعض الجالسين المتطفلين ينظرون إلينا باهتمام بالغ، وتدحرجت كلمات مني لا علاقة لها ببعض: يا باشا ربنا غفور رحيم أطلب منه المغفرة.. علي فكرة أنا ممكن أطلب شاي.. هو الرجل مات فعلاً.. هي النار جامدة قوي.. ربنا يستر.. ربنا يستر.. وبعد هنيهة عاد الهدوء للرجل واكتسي وجهه بملامح طيبة وظهرت في عينيه نظرة رجاء واستعطاف ثم قال ربنا غفور أليس كذلك ثم أردف: تفضل اشرب شاي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 
الوزير يدخل النار وهو علي قيد الحياة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 15- منتدى قصص من الواقع-
انتقل الى: