الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
شاطر | 
 

 إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:26 am

الجمهوريّة التونسيّة.
وزارة العدل .
المعهد الأعلى للقضاء .




إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 .

رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء
إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة .
تحت إشراف السيّد الهاشمي عمر الرّ ئيس الأوّل
لمحكمة الإستئناف بالمنستير.

السّنة القضائيّة 2000 - 2001 .
الإهداء
إلى روح أمّي الطّاهرة حافزي على التألّق والنجاح.
إلى أبي العزيز الذي كان لي دوما خير عون وخير سند.
إلى كافة أفراد العائلة وكافة الأصدقاء.
إلى كلّ من علّمني خيرا .
إلى كلّ من ساعدني على إنجاز هذا العمل.
إلى كلّ هؤلاء أهدي هذا العمل المتواضع ثمرة سنين من الكدّ والمثابرة ، وأملي أن تعقبه أعمال أخرى أكثر عمقا و ثراء .











قائمة المختصرات:


* باللّغة العربيّة : *باللّغة الفرنسيّة
-Art : Article
-Op. cit. : dans l'ouvrage cité .
-P : page.
-J.C.P : Jurisclasseur périodique édition générale.
-R.T.D: Revue Tunisienne de droit
-D : Recueil Dalloz.
-Ch : chronique.
-Éd : édition.
-CA : cour d’appel.
-Cass civ : chambre civile de la cour de cassation.
-J.O.R.T : journal officiel de Tunisie.
-N° : Numéro.
- Rev. dr. sanit. Soc : Revue de droit sanitaire et social.
-م أ ش : مجلّة الأحوال الشخصيّة.
-م إ ع : مجلّة الالتزامات والعقود.
-ق ح م : قانون الحالة المدنيّة.
-م ج : المجلّة الجنائيّة .
-م م م ت : مجلّة المرافعات المدنيّة والتجاريّة.
-م ح ط : مجلّة حقوق الطفل
-م م ف : المجلّة المدنيّة الفرنسيّة .
-م ق ت: المجلّة القانونيّة التونسيّة.
-ق ت: مجلّة القضاء والتشريع.
-ن : نشريّة محكمة التعقيب.
-ق ج : القسم الجزائي.

-ق.م : القسم المدني.

-ج : جزء.


-ص : صفحة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:29 am

المقدّمة

الطّفل هو أب الإنسان فهو رجل المستقبل ومحطّ الآمال ومعقد الرّجاء لذلك كانت من أوكد واجبات الأسرة والمجتمع العناية به وإعداده الإعداد الأفضل تحسّبا للمستقبل وتحقيقا لتوازن المجتمع وتماسكه، فالعناية بالطّفل وحمايته وضمان حقوقه المّادية منها والمعنويّة أصبح هدفا ساميا يسعى المشرّع والقاضي إلى حمايته.
فالمشرّع باعتبار أنّ مصلحة الطّفل الفضلى هي الأساس من سنّ القواعد القانونيّة المتّصلة به وهي أيضا المقصد من تشريعها. أمّا القاضي باعتبار أنّ مصلحة الطّفل هي المعيار الحاسم لفضّ النّزاعات العائلية في حال سكوت النص أو تضارب المصالح .
وغنيّ عن البيان أنّ التّشريع الإسلامي خصّ الطفل بعناية فائقة وجانبا كبيرا من الإهتمام ووضع عديد الأحكام المتعلّقة به منذ أن تدبّ فيه الحياة وهو لا يزال في بطن أمّه إلى أن يشبّ ويترعرع وذلك حفاظا على مستقبل المجتمع الإسلامي وقيامه على أتمّ وجه وأكمله.
وصيانة لأفراد هذا المجتمع من الفساد وتكريسا للعلاقات الشرعيّة شرّع الزّواج وسيلة لإنجاب الأطفال وإيجادهم في هذه الحياة فإذا ما ولد الطّفل كان من أوكد حقوقه ثبوت نسبه من والديه.
والنّسب لغة من فعل نسب ينسب نسبا ونسبة : ه إلى فلان أو إلى كذا عزاه إليه. والنسب هو القرابة وهو أيضا سلسلة تتابع الأنسال في الأسرة الواحدة أو في العرق الواحد .
والأصل في الكلمة يعود إلى العرب في الجاهلية حين كانت القبيلة هي الأساس الواسع فكان إرتباط أفراد الأسرة الأعضاء كارتباط القبيلة الأم مؤسّسا على النسب المبني على قرابة العصوبة أي قرابة الرّجال الذين لهم جميع حقوق الإرث وغيرها.
ولئن تعرّض المشرّع التونسي إلى مسألة النسب في م أ ش إلاّ أنّه لم يتولّ تعريفه ويرى الفقهاء أنّه تبنّى أحكام النسب الواردة في الشريعة الإسلامية دون أن يدخل عليها أيّة تحويرات معتمدا على آراء فقهاء الحنفيّة والمالكيّة في مختلف مسائله وفي إستنباط الحلول لها. لذا فإنّ التعريف القانوني لمصطلح النسب يحتّم علينا الرجوع إلى ما قدّمه فقهاء الشّريعة من تعريفات له.
ويعرّف النّسب في التّشريع الإسلامي بأنّه الرّابطة الشّرعية التي تربط بين الطّفل وأبيه وقد ذهب الشيخ الفاضل بن عاشور إلى تعريف النسب بأنّه علاقة البنوة المبنيّة على زواج شرعي أي ما يقابل التّعبير الفرنسي filiation légitime .
ومن خلال هذا التعريف يمكن أن نستخلص خاصيّتين أساسيّتين لمصطلح النسب كيفما إتّفق فقهاء الشريعة على تعريفه وكما ورد بالفصل 68 وما بعده م أ ش.
فالنسب هو أوّلا علاقة الطفل بوالده ذلك أنّ إنتساب الولد لأمّه يثبت في جميع الحالات بمجرّد الولادة سواء كانت شرعية أو غير شرعية . ومعلوم أنّ إهمال علاقة الأمومة في مادّة النسب يرجع إلى تفوّق الذّكر في العائلة عند العرب لقدرته على التكسّب والإنفاق وقدرته على الدّفاع عن نفسه وعن عشيرته. لذلك فإنّ مصلحة الطفل تقتضي أن يثبت نسبه بصفة أساسيّة تجاه أبيه وهي مصلحة ماديّة باعتبار أنّ الأب هو المطالب بالإنفاق على أبنائه بصفته رئيسا للعائلة وهي مصلحة معنوية أيضا نظرا وأنّ الأب مؤهّل أكثر من الأم عادة إلى توفير الحماية والرعاية لأبنائه هذا إضافة إلى أنّ بقاء الطفل مجهول النسب من الأب يعتبر مصدر عار له وتبقى صفة ابن الزنا ملازمة له طيلة حياته. ويتدعّم هذا التحليل بمقتضيات الفصل 68 م أ ش الذي إقتضى صراحة أنّه :" يثبت النّسب بالفراش أو بإقرار الأب أو بشهادة شاهدين من أهل الثّقة ." وكذلك بمقتضيات الفصل 72 م أ ش الذي إقتضى أنّ :" انقطاع الولد من نسب أبيه يخرجه من العصبة ويسقط حقّه في النفقة والإرث ."
والنّسب في التّشريع الإسلامي ليس مجرّد علاقة دمويّة بين الطّفل وأبيه فحسب وإنّما يشترط في هذه العلاقة أن تكون علاقة شرعيّة. فلئن كانت علاقة الولد بأمّه ثابتة في جميع حالات الولادة شرعيّة كانت أم غير شرعيّة فإنّ علاقة الطّفل من أبيه لا تثبت إلاّ من طريق الزّواج الصّحيح أو الفاسد أو الوطء بشبهة أو الإستلحاق إذا توفّرت شروطه.
فالشريعة الإسلامية تعتبر إذن أنّ النّسب رابطة سامية وصلة عظيمة على جانب كبير من الخطورة، لذلك يرى الفقهاء أنّ الشارع أحاطها بسياج منيع يحميها من الفساد والإضطراب وعلى ذلك وضع لثبوت النسب سببا واضحا وهو الإتّصال بالمرأة ومخالطة الرجل لها بطريق من طرق الحلّ فإذا تحقّق ذلك الحمل أو شبهته وحصلت تلك المخالطة بين الزوج وزوجته كان الرجل أبا للولد الذي نتج عن هذه المخالطة ويؤسس الفقهاء هذا القول على حديث الرسول صلى الله عليه وسلّم الذّي جاء فيه أنّّ :" الولد للفراش وللعاهر الحجر."
وهذا الحديث النبويّ يبرز بوضوح تغليب الشريعة الإسلاميّة للعلاقات الشّرعيّة على العلاقات الآثمة ويعدّ دليلا أيضا على عدم إمكانيّة إثبات نسب إبن الزّنا، ويتأكّد هذا الموقف بما أجمع عليه الفقهاء المسلمون من أنّ النّسب نعمة عظمى أنعم الله بها على الإنسان ولا يمكن تبعا لذلك للنّعمة أن تتأتى من طريق حرام فالله عزّ وجلّ هو الذّي منّ على الإنسان بنعمة النسب لقوله تعالى :" هو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربّك قديرا."
وكان من نتائج هذا الطرح أنّ الزّنا في الشّريعة الإسلاميّة لا يصلح سببا لثبوت النّسب إعتبارا وأنّه من الفواحش التي نهى عنها الشّارع وقرّر لها عقوبات هيّ من الأهميّة بمكان ذلك أنّ الجلد أو الرّجم يوحي بمدى إستنكار الشريعة لهذه الجريمة لما لها من آثار عائليّة وإجتماعيّة وخيمة ،إذ يقول عزّ وجلّ في محكم تنزيله :" ولا تقربوا الزّنا إنّه كان فاحشة وساء سبيلا ." لذلك يعدّ ابن الزّنا في الشريعة الإسلاميّة إبنا غير شرعيّ مقطوع النّسب من أبيه ولو كان هذا الأب معروفا أو من الممكن معرفته.
وفي نفس الإتّّجاه سار المشرّع التونسي في م أ ش وبقيت البنوة الغير شرعية أو ما يسمّى بالبنوة الطبيعية* غير منظّمة في القانون التونسي ولم يقرّر المشرّع لها أحكاما خاصّة بها سوى أنّ الفـصـل 152 م أ ش هو الفصل الوحيد الذي تحدّث عن ابن الزنا إذ أقرّ علاقته بأمّه وقرابتها فقط ورتّب عنها آثارا منها أنّه يرث أمّه وقرابتها وترثه أمّه وقرابتها. وهو نفس المنحى أيضا المنتهج من طرف بقية التشاريع في الدّول العربية والإسلامية.
أمّا المشرّع الفرنسي وعديد التشاريع الغربية فقد إعترفت بالأبناء الغير شرعيين أو الطبيعيين وخوّلت لهم إثبات البنوة وأقرّت لهم نفس الحقوق تقريبا المقرّرة للأبناء الشرعيين.
ويقسّم علماء القانون الأبناء الطبيعيين « les enfant naturels » إلى عديد الأصناف حيث نجد الطفل الطبيعي البسيط «enfant naturel simple »وهو المولود لشخصين غير مرتبطين بعلاقة الزوجية دون أنّ يكون هناك مانع من موانع الزواج بينهما. والولد الطبيعي من زنا « enfant adultérin » وهو المولود لشخص مرتبط بعلاقة زوجيّة أخرى، ويعتبر الابن طفل زنا للأب إذا كان الأب مرتبطا بعلاقة زوجية أخرى، ويعتبر ولد زنا للأم إذا كانت الأم مرتبطة بعلاقة زوجية أخرى. أمّا القسم الثالث من الأبناء الطبيعيين فهو ما يعبّر عنه الفقهاء بابن القرابى « enfant incestueux » وهو إبن لشخصين مرتبطين بعلاقة قرابة أو مصاهرة تحول دون إمكانية إبرام الزواج بينهما كالخال وابنة الأخت أو الأخ والأخت..
ومن جهته استقر فقه القضاء التونسي أنّ النّسب في م أ ش شرعي أو لا يكون وأكّدت محكمة التعقيب في عديد المناسبات تشبّثها بالمفهوم الشّّرعي لمصطلح النّسب بما هو نعمة والنّعمة لا يمكن أن تتأتّى من محرّم، وأنّ العلاقات الآثمة لا يمكن أن تكون أساسا يثبت به النسب، لما قد يترتّب عن ذلك من إختلاط في الأنساب وفوضى في الأخلاق وتشجيعا على الفاحشة والفسق في المجتمع واستهانة بعقد الزواج الشّرعي الذي تتكوّن منه الأنساب والأسر المترابطة .
والرّجوع بالنسب إلى صبغته الشرعية جعل فقه القضاء التونسي يتّجه في غالب الأحيان إلى إشتراط ما يفيد وجود علاقة شرعية بين الأب المزعوم ووالدة الطفل حتى في صورة الإعتماد على الإقرار أو شهادة الشهود لإثبات نسب الطفل.
كل ذلك يجعلنا نجزم أنّ النّسب في م أ ش هو علاقة شرعيّّة بين الإبن وأبيه أو لا تكون وكلّما إتّضّح أنّ المولود لا يتمتّع بقرينة الشرعية انقطع نسبه عن والده ولم يبق له سوى الانتساب لأمّه وقرابتها.
وأمام سكوت المشرّع التونسي عن وضعية الابن الطبيعي وغياب المؤسسات القانونيّة التي تكفل له إكتساب حقوقه تجاه أبيه البيولوجي إتّجهت بعض المحاكم التونسية وسايرتها في ذلك محكمة التعقيب في بعض قراراتها إلى إيجاد حلول ومخارج قانونية تخوّل إظهار الإبن الطبيعي بمظهر الإبن الشرعي، وفعلا فقد وجدت الحلّ في مؤسسة الزواج الباطل واعتبرت أنّ الطفل المولود قبل زواج والديه هو نتيجة لزواج باطل أبرم بين هذين الأخيرين كما اعتمدت بعض محاكم الأصل الإقرار وشهادة الشّّّّهود كوسيلة لإثبات نسب الابن الطبيعي.
كما تباينت مواقف الفقهاء في تونس حول مدى أحقية الطفل الطبيعي في إثبات نسبه من أبيه طبق أحكــام م أ ش . فذهب بعضهم إلى القول بأنّ النّسب المعتبر في القانون التونسي هو النسب الشّرعي فحسب لأنّ م أ ش لا تعترف بالبنوة الطبيعية .
بينما إعتبر بعض الفقهاء أنّ إقصاء الأبناء الطبيعيين من حقّّّهم في إثبات النسب يتجافى ومقتضيات العدالة والإنصاف فليس من العدل في شيء أن نحمّل الطفل نتائج ولادته من أبوين غير متزوّجين ،هذا إضافة إلى أنّ الفصل 68 م أ ش لا يميّز بين الأطفال سواء كانوا شرعيين أو غير ذلك إذ جاءت عباراته مطلقة في خصوص وسائل إثبات النسب ولم تقيّدها بالوضعيّة القانونيّة لعلاقة الأبوين. وذلك على خلاف بعض التشاريع العربية التي اتّخذت في هذا المجال موقفا صريحا كالمشرّع المغربي الذي نصّ صراحة صلب الفصل 83 من المدوّنة أنّ :" البنوّة الغير شرعية لا تتولّد عنها رابطة النسب من جهة الأب ولا ينتج عنها بصفة عامة أيّ نتائج قانونيّة."
علاوة على ذلك فإنّ الفصل 68 م أ ش جعل لإثبات النسب ثلاثة وسائل مستقلّة عن بعضها وتقوم كلّ واحدة بنفسها وعليه فمن الممكن قانونا إذا إنعدم شرط الزواج أن يتمّ إثبات نسب الإبن الطبيعي بالإقرار أو بشهادة الشهود طالما أنّ المشرّع لا يشترط صراحة لقبولها قيام الرابطة الزوجيّة. هذا فضلا على أنّه لا وجود لأيّ نصّ في القرآن يتعارض مع إستحداث هيكل خاص بالأبناء الطبيعيين ومن جهة أخرى فإنّ حديث الرّسول الكريم المستدلّ به يجب وضعه في إطاره التاريخي وهو أنّه قيل بمناسبة تنازع شخصين حول نسب مولود فضّل الرسول أن يقضي بالنسب للأب الشّرعي على أن يقضي به للأب البيولوجي .
هذا ويلاحظ أنّ أحكام النّسب كما وردت بم أ ش تفضي إلى تحلّل الأب الطبيعي من كلّ مسؤولية تجاه ابن صلبه رغم علمه الجيّد في بعض الحالات أنّه من أبنائه ويعمل رغم ذلك على التملّص من مسؤولياته الأبوية نحوه خصوصا واجبه في الرّعاية والإنفاق مستندا في ذلك إلى أحكام النسب التي تمنع إثبات بنوة الطفل المولود خارج إطار الزواج.
وتجدر الإشارة أيضا أنّ مسألة إيجاد إطار قانوني ينظمّ وضعية الأبناء الطبيعيين أصبحت حاجة متأكّدة تفرض نفسها أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى الواقع الإجتماعي الحالي ، سيّما وأنّ هاته الشريحة من الأطفال تأخذ في الإزدياد في السّنوات الأخيرة مع تراجع الضوابط الدينية والأخلاقيّة من جهة وتنامي العلاقات الحرّة والروابط الجنسيّة خارج إطار الزواج من جهة أخرى . فضلا على أنّ هذه العلاقات تخرج مبدئيّا عن مناط التجريم في القانون التونسي اللهمّ إذا كانت من قبيل مواقعة أنثى دون رضاها أو كان سنّها دون العشرين سنة كاملة.
وقد أظهرت الإحصائيات أنّه بلغ عدد الأطفال الغير شرعيين في تونس سنة 1990-711 طفلا وتطوّر هذا الرقم ليبلغ 1065 سنة 1996 أي بنسبة بلغت ,50 %من النسبة الجملية للولادات. طبعا دون الأخذ بعين الاعتبار للأرقام الغير محصاة رسميّا.
كلّ ذلك دفع بالعديد من الفقهاء إلى الدّعوة لإجراء تدخّل تشريعي يكفل تنظيم وضعية الأبناء الطبيعيين ويخوّل لهم اكتساب حقوقهم المشروعة نحو من كان سببا في ولادتهم. وقد دعا أحد الفقهاء إلى تمكين الابن الطبيعي من القيام بدعوى البحث عن الأبوّة على غرار ما فعله المشرّع الفرنسي الذي أتاح للطفل إمكانيّة إثبات بنوته الطبيعيّة وذلك سواء عن طريق القيام بدعوى قضـائيّة في الغرض أو استنادا إلى إعـتراف الأب ببنوته.
وبموجب القانون عدد 75 لسنة 1998 المؤرّخ في 28 أكتوبر 1998 المتعلّق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب يمكن القول أنّ المشرّع التونسي قد أعاد النظر في مسألة إثبات بنوة الأطفال الطبيعيين.
ويبدو ظاهريّا من خلال عنونة هذا القانون وما تضمّنته فصوله الستّة من أحكام أنّه يهدف إلى إيجاد حلّ نهائي لإشكاليات الهويّة التي تعترض الأطفال المهملين ومجهولي النسب وعدّ على هذا الأساس أحد مظاهر تكريس حقوق الإنسان في تونس، إلاّ أنّه يخفي في طيّاته تغييرات جذريّة وإشكاليات جديّة تحوم حول مفهوم النسب والبنوّة عموما وجلّ المؤسّسات القانونيّة المتعلّقة بمسألة القرابة الدمويّة وبآثارها، لذا فإنّه من المهمّ أن نعرّف هؤلاء الأطفال المخاطبين بأحكام هذا القانون.
مبدئيا يعرّف الطفل المهمل بأنّه الطفل المتروك ليلا ونهارا بلا رعاية.
وقد جاء في تعريف الطفل المهمل بالمادّة الأولى من الظهير المغربي أنّه :" يعتبر طفلا مهملا الحدث الذي لم يبلغ سنّه ثمانية عشر سنة شمسيّة كاملة إذا وجد في إحدى الحالات الآتية :
1ـ إذا ازداد من أبوين مجهولين وعثر عليه في أي مكان …"
فالطفل المهمل هو إذن الطفل الذي أهمله والديه أو أهملته أمّه وترك دون رعاية. وقد يكون الإهمال شرعيّا إذا وضع في مؤسسة عموميّة أو هيكل مختص مقابل الإمضاء على وثيقة تخلّي، ويتعلّق الأمر في غالب الأحيان إذا لم نقل جميعها بإبن غير شرعي حيث ترغب والدته في التخلّص منه بصورة قانونيّة .
كما قد يكون إهمال الطفل غير شرعيّ إذا وقع تحت طائلة العقاب الجزائي فقد إقتضى الفصل 212 م ج أنّه :" يستوجب السجن مدّة ثلاثة أعوام وخطية قدرها مائتا دينار من يعرّض مباشرة أو بواسطة أو يترك مباشرة أو بواسطة بقصد الإهمال في مكان آهل بالناس طفلا لا طاقة له على حفظ نفسه أو عاجزا." فحالة الإهمال هذه المعاقب عنها جزائيّا لا يمكن أن تفسّر إلاّ بأن هذا الطفل ولد من علاقة غير شرعيّة وأنّ أمّه قد دفعها الخوف من ردّة الفعل العائلية ومن نظرة المجتمع لها ولابنها ثمرة السّفاح أن تهمله بالطريق . وتنطبق هذه الوضعيّة على وضعية اللّقيط التي عرفت نظاما قانونيّا مخصوصا بالفصول 77 وما بعده م أ ش .
أمّا الطفل المجهول النّسب فهو الطفل الغير معلوم الأب أو قام الأب الذي انتسب إليه بنفي نسبه عنه وقد يكون الطفل مجهول النسب مطلقا إذا لم يعرف له لا أب ولا أم.
فالمعنيين إذن بقانون 28 أكتوبر 1998 هم مبدئيّا الأطفال الغير شرعيين سواء تعلّق الأمر بالطّفل المهمل أو بالطفل المجهول النّسب وهو ما يتأكّد من التّعريف الساّلف بسطه إضافة إلى أنّ الطّفل الشّرعي ليس في حاجة إلى القيام بدعوى في إسناد اللّقب العائلي التي جاء بها هذا القانون طالما أنّه يكتسب اللقب العائلي الأبوي بمجرّد ولادته من علاقة شرعيّة كما له أن يقوم بدعوى في ثبوت النّسب استنادا إلى أحكام الفصول 68 وما بعده م أ ش التي ترتّب له من بين آثارها هذا الحقّ.
ولا خلاف أنّ قانون 1998 أعطى حلولا عملية لإشكاليات الهويّة التي تعترض هذه الشّريحة من الأطفال إذا اعتبرنا أنّ المشرّع قد سعى في هذا القانون إلى تجاوز النقائص التي أوجدتها النصوص القانونيّة السّّابقة وإقرار حل قانوني دائم وشامل لهاته الإشكاليات.
فقانون الحالة المدنيّة حمّل في فصله 27 ضابط الحالة المدنيّة مسؤوليّة اختيار اسم ولقب للمولود المعثور عليه بيد أنّ نطاق هذا الفصل بقي محدّد جدّا ولا يمكن أن يشمل جميع الحالات ذلك أنه لا يتعلّق إلاّ بالطفل المولود حديثا.
ثمّ إنّ تدخّل المشرّع التونسي مجدّدا بموجب القانون عدد 53 لسنة 1959 المؤرّخ في 26 ماي 1959 الذي اقتضى في فصله الأوّل أنّه :" ينبغي على كلّ مواطن تونسي أن يكون له زيادة على إسمه أو أسمائه لقبا عائليّا." لم يشمل جميع حالات الأشخاص المجهولي النّسب بالنظر إلى صبغة هذا القانون الإنتقالية وتقيّده بالعنصر الزمني، فقد إقتضى الفصل الثاني منه أنّه :" على كلّ تونسي أن يقدّم قبل غرّة ديسمبر 1959 تصريحا طبق المثال المصاحب لهذا المركز المعتمدية أو الشرطة أو الحرس الوطني الكائن بمقرّه". وهو ما نجم عنه بقاء الوضعيات الجديدة الناشئة بعد غرّة ديسمبر 1959 دون حلّ قانوني.
وقد تفطّن المشرّع التونسي إلى هذا الوضع فأصدر القانون المؤرّخ في 11 أوت 1985 المتعلّق بإسناد لقب عائلي للأطفال المجهولي النسب أو المهملين الذي أوجب في فصله الأوّل على الولي العمومي إختيار إسم ولقب لمن يفتقر من هؤلاء الأطفال لذلك، غير أنّ الفصل الرابع من هذا القانون حدّد إستمرار العمل بأحكامه مدّة عامين فقط من تاريخ نشره وبانقضاء هذا الأجل عادت إشكالية إسناد لقب عائلي للأطفال مجهولي النسب لتطرح من جديد في القانون التونسي.
ومن نافلة القول أنّ قانون 1998 قد كان ناجعا وحاسما الى حدّ ما في فضّ هذا الإشكال من هذه الناحية، فقد أوجب على الأم الحاضنة لابنها القاصر ومجهول النسب أن تسند له اسما ولقبها العائلي أو أن تطلب الإذن بذلك طبق أحكام الحالة المدنية. كما أوجب على الولي العمومي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب اختيار اسم ولقب عائلي لهؤلاء الأطفال إذا لم يطلب أحد من أهلهم إسناد اسم ولقبه العائلي لهم في ظرف ستّة أشهر بعد قبولهم من طرف السلطة المختصّة.
وخوّل هذا القانون للأطفال المهملين ومجهولي النسب الذين لم يعهد بهم للولي العمومي ولم يبلغ سنّهم العشرين سنة كاملة بتاريخ الأجل المحدّد بقانون 11 أوت 1985 دون أن يكون لهم اسما أو لقبا عائليّا من حق المطالبة عن طريق الأم الحاضنة بإسناد اسم أو لقب عائلي لهم. فضلا على أنّه أصبح من الممكن بموجب هذا القانون لكلّ شخص تجاوز سنة عشرين عاما كاملة من حق المطالبة بإسناد إسم أو لقب عائلي له إن كان خاليا من ذلك.
بيد أنّه لا يسعنا إلاّ أن نؤكّد في هذا السياق أنّ أهمّ ما جاء به قانون 1998 يبقى دون شك ما تضمّنته مقتضيات الفصل الأوّل منه في فقراته الثانية والثالثة والرابعة الذي إقتضى أنّه :" ويمكن للأب أو للأم أو للنيابة العموميّة رفع الأمر إلى المحكمة المختصّة لطلب إسناد لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني أنّ هذا الشخص هو أب ذلك الطفل.
وفي هذه الحالة فإنّ إسناد اللّقب يخوّل للطفل الحق في النفقة والرعاية من ولاية وحضانة ما دام لم يبلغ سنّ الرشد أو بعده في الحالات المخوّلة قانونا"
فالملاحظ من خلال صياغة هذا الفصل أنّه ورغم ما توحي به تسمية هذا القانون من إقتصاره على تكريس حق الأبناء المهملين ومجهولي النّسب وبصفة عامّة حق كلّ شخص في هويته كاملة مهما كانت طبيعة بنوته ورغم عدم تطرّق المشرّع إلى مسألة إثبات النّسب ولا إلحاق الطفل بنسب أبيه صراحة وإنّما إقتصر على إسناد لقب الأب في صورة ثبوت الأبوّة مع ما يترتّب عن ذلك من آثار شخصيّة إلاّ أنّه يمكن الجزم أنّ هذا القانون يتعلّق بصفة أساسيّة بإثبات البنوة الطبيعيّة وهذا الطرح له عديد التبريرات القانونيّة.
إذ لا جدال أن ربط علاقة قانونيّة بين الطفل وأبيه وتحميل الأب بالتزامات ومسؤوليّات قانونيّة جرّاء هذه الرّابطة ليس إلاّ من المسائل المتعلّقة بإثبات البنوّة. ويبرز ذلك جليا من خلال إستعمال المشرّع بالفصل الأوّل من قانون 1998 لمصطلح "إثبات الأبوّة" إضافة لما أورده من آثار شخصيّة مترتّبة عن ثبوت هذه الأبوّة وعن إسناد اللّقب العائلي من نفقة وحضانة وولاية وتحمّل المسؤوليّة القانونيّة في شأنه. علاوة على أنّ صياغة هذا الفصل تتقارب وصياغة الفصل 68 م أ ش في خصوص وسائل إثبات البنوّة من خلال إعتماد الإقرار وشهادة الشهود، عدى أنّ المشرّع في قانون 1998 أقصى الفراش من وسائل إثبات البنوّة ليعوّضه بالتحليل الجيني.
كما أنّ القّول بأنّّ الفصل الأوّل من قانون 1998 إنّما يتعلّق بإسناد اللّقب العائلي للأطفال مجهولي النّسب وليس بإثبات البنوة أمر يتعارض مع مقتضيات المنطق القانوني السليم، إذ لا جدال أنّ إسناد اللّقب العائلي يمرّ حتما عبر إثبات البنوة ويعدّ أثرا مباشرا لهاته الرابطة البيولوجيّة التي خوّل هذا القانون إقامة الدليل على وجودها. ففقدان الشخص لرابطة النّسب هو الدافع الأساسي للقيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي بغرض إثبات البنوة الطبيعيّة وترتيب الآثار القانونيّة عن ذلك.
وعلاوة على ذلك فإنّ ترتيب آثارا قانونيّة على إسناد اللّقب العائلي من نفقة ورعاية ومسؤوليّة أبويّة لا يعدّ إلاّ مساسا بأحكام النّسب الواردة في م أ ش أراد المشرّع ذلك أم لم يرد . سيّمـا وأنّ الأحكـام الـواردة بم أ ش لا تخوّل للأبناء مطالبة الأب بأيّ حق ّفي مواجهته إلاّ إذا كانت رابطة النّسب ثابتة فلا يمكن للإبن الطبيعي مطالبة أبيه البيولوجي بالإنفاق عليه مثلا أو بتحمّل المسؤولية القانونية عمّا ارتكبه من أفعال أحدثت ضررا بالغير لأنه مقطوع النّسب منه.
وقد إعتبر علي المزغني أنّ عنونة هذا القانون تبعث على الخطأ لأنّ موضوعه أوسع من مجرّد إسناد لقب عائلي. لكن لماذا كلّ هذا التحفّظ من المشرّع وتعمّده التخفّي وراء مصطلحات قانونية غامضة وتجنّب الإقرار صراحة أنّ الأمر يتعلّق بإثبات بنوة طبيعيّة وليس بمجرّد إسناد لقب عائلي ؟
يبدو أنّ المشرّع التونسي على قدر ما كان واعيا بضرورة تنظيم وضعية الأطفال المولودين خارج إطار الزواج على قدر ما سعى إلى التعبير دوما عن محافظته على المبادئ العامّة التي تحكم مسألة النّسب لذلك عمل على تفادي استعمال مصطلح إثبات النّسب واستعاض عنه بمصطلحي إثبات الأبوّة وإسناد اللّقب حتى لا يثير حفيظة القرّاء وفقهاء القانون الذين ما زالوا متشبّثين بالثقافة القانونيّة الإسلاميّة من استعمال مثل هذه المصطلحات ولتخوّفه من أن يرميه البعض بأنّه تخلّى عن مبادئ الشّريعة الإسلاميّة وإقتبس من القوانين الأروبيّة في مسألة لها حساسيّة خاصة ووقع كبير على مجتمعنا العربي والإسلامي.
بقي أنّه حريّ بنا الإشارة في هذا الصدد، أنّ قانون 1998 لا يتعلّق بإثبات النّسب ذلك أنّ مصطلح النّسب ينصرف إلى البنوة الشرعيّة كما سلف القول ويخضع من حيث إثباته وآثاره إلى م أ ش، وإنّما يتعلّق بإثبات البنوّة الطبيعيّة وحدّد المشرّع في هذا القانون وسائل إثباتها وبيّن الآثار المترتّبة عن ثبوتها، على اعتبار أنّ الأبناء المخاطبين بقانون 1998 هم بالضرورة أبناء غير شرعيين ولو أنّ المشرّع أسماهم في هذا القانون بالأطفال المهملين ومجهولي النسب. ويتدعّم هذا التحليل بما جاء في ردّ الوزارة على تساؤلات النوّاب أثناء مناقشة مشروع هذا القانون والمتضمّن مايلي :" إنّ الهدف من مشروع القانون هو حماية الطفل الغير الشرعي قانونا حتى لا يتنصّل الأب من فعلته ويتولّى استبعاد قيامه بواجباته كأب. ولم يكن هدف المشروع تغيير المبادئ الأساسيّة للأحوال الشخصيّة التي بات واجب احترامها مكرّسا بالدستور."
فمن الواضح إذن أنّ قانون 1998 في فصله الأوّل يتعلّق بإثبات البنوة الطبيعيّة وذلك بصفة مطلقة أي دونما تمييز من حيث نوع البنوة الطبيعيّة إذ أنّ الصياغة العامّة لهذا الفصل توحي أنّ المشرّع التونسي يخوّل إثبات جميع أنواع البنوة الطبيعيّة سواء كانت طبيعيّة بسيطة أو بنوة زنائيّة أو حتى بنوة قرابة إذ لا مجال لحصر نطاق هذا الفصل ما دامت عبارته قد وردت على إطلاقها.
وهو موقف غريب لم يعتمده المشرّع الفرنسي نفسه الذي لم يخوّل إثبات بنوة ابن القرابى تجاه أبويه معا لما قد ينجرّ عن ذلك من آثار وخيمة على نفسيّة الطفل وعلى وضعه الإجتماعي. غير أنّ هذا الموقف لا يعدو أن يكون إلاّ تواصلا مع مقتضيات م أ ش التي تخوّل لابن القرابي اكتساب صفة الابن الشرعي إذا كان ثمرة زواج فاسدا عملا بمقتضيات الفصل 22 منها.
وعموما يمكن القول أنّ قانون 1998 إذ يخوّل إثبات بنوة الطفل الطبيعي، يعدّ نقلة نوعية في القانون التونسي في اتجاه إقرار تنظيم قانوني لوضعيّة الأبناء المولودين خارج إطار الزواج وذلك من خلال تجاوز قدسيّة قرينة الفراش وحتمية العلاقات الشرعيّة لاثبات البنوة وهو ما من شأنه إخراج فقه القضاء من المأزق الذي تردّى فيه وتذبذبه عندما تطرح عليه مسألة إثبات نسب الأطفال المولودين خارج إطار الزواج وسعيه لإيجاد حلول قانونية تكفل المحافظة على حقوق هاته الشريحة من الأطفال.
ومن جهة أخرى يشكّل هذا القانون محاولة من المشرّع للإنسجام والتوافق مع مقتضيات الإتفاقيات الدّوليّة التي صادقت عليها البلاد التونسيّة في مجال حقوق الإنسان بصفة عامّة وحقوق الطفل بصفة خاصّة. فقد أوجبت اتفاقية حقوق الطفل الصادرة في 20 نوفمبر 1989 والتي دخلت حيز التنفيذ في 2 سبتمبر 1990 في المادّة الثانية منها أن تحترم الدول الأطراف الحقوق المبيّنة في هذه الاتفاقية وتضمنها لكلّ طفل يخضع لولايتها دون أي نوع من أنواع التمييز بغضّ النظر عن عنصر الطفل أو والديه أو الوصي القانوني عليه أو لونهم أو جنسهم أو لغتهم أو دينهم أو رأيهم السياسي أو غيره أو أصلهم القومي أو الإثني والاجتماعي أو ثروتهم أو عجزهم أو مولدهم أو أي وضع آخر..
كما أوجبت على الدّّول الأطراف أن تتّخذ جميع التدابير المناسبة لتكفل للطفل الحماية من جميع أشكال التمييز أو العقاب القائمة على أي سبب من الأسباب.
ولا يخفى ما لتطبيق مبدأ عدم التمييز بين الأطفال في مجال النّسب من الأهمية ذلك أنّ هذا المبدأ يفترض أن تلتزم الدول المصادقة على هذه الاتفاقيّة بعدم التمييز بين الأطفال بموجب أصل الولادة أو الوضعيّة القانونيّة للوالدين وهو ما يستوجب تبعا لذلك أن يعيد المشرّع النظر في مسألة بنوة الأطفال الطبيعيين لضمان حقوقهم تجاه الأب على غرار الطفل الشرعي ضرورة أنّ هذا المبدأ ضمّن بإتفاقية دولية مصادق عليها مما يمنحها قيمة قانونيّة تتجاوز نفوذ القوانين الوطنيّة.
وهو ما يؤدّي بالتالي إلى إقصاء أحكام القانون الداخلي التي تتعارض مع ما يقتضيه مبدأ عدم التمييز بين الأطفال من إقرار للمساواة بينهم على صعيد إثبات البنوة وعلى مستوى آثارها.
غير أنّ المشرّع التونسي تجاوز هذه الإلتزامات في مادّة النسب بما أنّه أردف مصادقته على اتفاقية حقوق الطفل بتحفّظ على بعض مقتضياتها. فعلى غرار بقية الدّول العربيّة والإسلاميّة قامت الحكومة التونسيّة بالتحفظ على بعض أحكام اتفاقية حقوق الطفل خاصّة المادّة الثانية التي سلفت الإشارة إليها وقد تضمّن هذا الإحتراز ما يلي :" تبدي الجمهورية التونسية إحترازا بشأن أحكام المادّة الثانية من الإتفاقية التي لا يمكن أن تقوم حاجزا أمام العمل بأحكام تشريعها الوطني المتعلّق بالأحوال الشخصيّة وخاصّة فيما يتّصل بالزواج والإرث"
فهذا التحفظ من شأنه إذن أن يحدّ من إمكانية اللجوء لاتّفاقية حقوق الطفل وخاصّة المادة الثانية منها لإدخال تحويرات على قانون الأسرة. إلاّ أنّ ذلك لم يمنع المشرّع من التدخّل لتطوير مجمل القوانين المتّصلة بحقوق الطفل من خلال إصدار مجلّة حماية الطفل وتنقيح أحكام القانون الجنائي المتعلّقة بالطفولة الجانحة، وكذلك بالجرائم الماسّة بحقوق الطفل الماديّة منها والمعنويّة. إضافة إلى تعديل النظام الدّاخلي الخاص بمراكز إصلاح الأحداث والمصادقة على إتّفاقيّة العمل الدولية رقم 138 بشأن السنّ الأدنى للقبول للعمل كما قام المشرّع بإدخال تنقيحات على م إ ع وعلى م أ ش حماية للمصلحة الفضلى للطّفل في جميع المسائل المتّصلة به.
ويستخلص من كلّ ذلك أن توجّه المشرّع نحو حماية حقوق الطفل في جميع المجالات من خلال مصادقته على الإتّفاقيات الدولية والتنقيحات المتعاقبة الواردة على مختلف المجلاّت القانونيّة في كلّ ما يتّصل بوضعية الطفل أصبح أمرا واقعا وقد تأكّد ذلك من خلال إصدار قانون 1998 الذي أصبح يخوّل إثبات البنوة الطبيعيّة ويحمّل الأب مسؤولياته تجاه ابن صلبه مهما كانت طبيعة بنوته، بل أكثر من ذلك فالمشرّع التونسي أصبح يحمي حقّ الطفل في إثبات بنوته مكرّسا مصلحة الطفل الفضلى في صورة تنازع القوانين في مادّة إثبات البنوة. فقد إقتضى الفصل 52 من مجلّة القانون الدّولي الخاص الصادرة بموجب القانون عدد 97 لسنة 1998 بتاريخ 27 نوفمبر 1998 ما يلي :" يطبق القاضي القانون الأفضل لإثبات بنوة الطفل من بين:
– القانون الشخص للمطلوب أو قانون مقرّه.
- القانون الشّخصي للطفل أو قانون مقرّه."
وهذا الحلّ الوارد بهذا الفصل مخالف لما كان معمولا به في ظلّ أمر 1956 وهو حلّ يؤكّد مجدّدا التوجّه الجديد للمشرّع التونسي تحو تكريس حق الطفل في الإنتساب لأبيه مهما كانت طبيعة بنوته.
ومهما يكن من أمر فإنّه رغم الجزم بأنّ قانون 1998 يعدّ تحوّلا نوعيا في القانون التونسي بتخويله إثبات البنوة الطبيعيّة وإقرار حقوق شخصيّة للطفل الغير الشرعي تجاه أبيه إلاّ أنّ المشرّع أبقى في المقابل التّفرقة قائمة بين الأبناء الشرعيين والأبناء الطبيعيين على صعيد وسائل إثبات الأبوّة وعلى صعيد آثارها أيضا لذلك فإنّ البحث في مسألة إثبات النّسب بين م أ ش وقانون 1998 يكتسي أهميّة بالغة على أكثر من مستوى.
فعلى مستوى الإصطلاح القانوني يتجه التأكيد كما سلفت الإشارة إلى ذلك، أنّ قانون 1998 يتعلّق بإثبات البنوة الطبيعيّة وليس بإثبات النّسب إعتبارا وأنّ المفهوم الشّرعي والقانوني لمصطلح النسب ينصرف إلى البنوة الشرعيّة دون سواها أما البنوة الثاّبتة بموجب هذا القانون فهي بنوة طبيعيّة بالأساس.
ومن جهة أخرى فإنّ مسألة إثبات النسب أو البنوّة بمعنى أشمل تستوجب الأخذ بعين الاعتبار لعديد المصالح والغايات المتشابكة.
فالنسب في الشّريعة من الحقوق الشرعيّة وهو في القانون التونسي من المسائل التي تهم النظام العام وهي بهذا المعنى لا يجوز أن تكون محلّ اتفاق بين الأب أو الأم على إثباته أو نفيه ذلك أنّ النّسب يتضمّن حرمة الأبوة والأمومة التي تستوجب مراعاة الحقوق والإلتزامات التي أوجبها المشرّع بموجب علاقة النسب فضلا على أنّ صلة النسب تربط أفراد الأسرة ببعضهم كما تربط المجتمع بعضه ببعض وتقي أفراده من التشرّد و الإهمال.
وتمسّ مسألة إثبات النسب بحقوق الأم إذ من حقّّها صيانة ولدها من الضّياع وتثبيت حقوقه تجاه أبيه ودفع تهمة الزّنا أو البغاء عن نفسها لذلك فقد أجمع فقهاء القانون على صفة الأم في القيام بدعوى إثبات نسب إبنها من أبيه لتأكد مصلحتها وصفتها في القيام.
وإثبات النسب أيضا من حقوق الأب إذ يترتّب عن ثبوت نسب الولد منه ثبوت سلطته الأبوية والولاية عليه ما دام صغيرا، وحقه في حضانته وإرثه إذا مات الولد قبله فضلا عن حقّّه في نفقه إبنه إذا كان محتاجا للإنفاق ومتى كان الابن قادرا على ذلك إضافة إلى حقوقه المعنوية في أن يكون له ابنا يحمل اسمه ولقبه العائلي ويرثه من بعده.
ولا جدال أنّ ثبوت النسب يلعب دورا حاسما في إكساب الطفل جملة من الحقوق لعلّ أبرزها إكتساب عناصر حالته المدنيّة التي تربطه بعائلته فيمنح إسما يختاره له والديه ويحمل اللّقب العائلي لأبيه ويتمتّع بالحق في الولاية والحضانة والنفقة ويكون له الحقّ في الميراث من والديه.
فالنّسب بالنسبة للطفل يعدّ مصدرا لاكتساب الحقوق ولضمان التمتّع بالرّعاية والحماية الأسريّة الملائمة لشخصه باعتباره في وضع تبعيّة وغير قادر على العناية بنفسه وسببا لتحقيق توازنه المادّي والمعنوي الذي يكفل له النموّّ الطبيعي وتكون شخصيته سويّة.
والجدير بالإشارة أيضا أنّ مسألة إثبات النسب أصبحت تطرح تساؤلا جديّا بخصوص الجدوى العملية من الإبقاء على وسائل الإثبات التقليديّة المعتمدة في هذا المجال خاصّة وقد أصبحت ضرورة مسايرة القانون للعلوم البيولوجيّة حاجة ملحّة. ذلك أنّ تطوّر العلوم الطبيّة المتّّصلة بمجال الإنجاب له تأثير بالغ على الأحكام المتصلة بمادّة النسب فقد أصبح في ظلّ تطوّر العلوم البيولوجيّة بالإمكان الوقوف على الحقيقة البيولوجيّة وتركيزها على معطيات علميّة صحيحة وليس على مجرّد قرائن قابلة للدّحض.
فالتطوّر الذي ما انفكت تشهده مادّة التحليل الجيني المركّز على مادّة الحمض النووي "ADN" قلّص من مجال الشك في مسألة إثبات البنوّة وأصبح من الممكن تحديد والد الطفل بصفة تكاد تكون قطعيّة. كما طرح التطوّر البيولوجي في هذا المجال عديد الإشكاليات حتى في مسألة إثبات الأمومة خاصّة مع ظهور التقنيات المساعدة على الإنجاب وأصبح التساؤل مشروعا بشأن الأم الحقيقية للمولود من بين ثلاثة أطراف الأم صاحبة البويضة أم الأم التي حملت بالمولود أم الأم التي تعهّدت باحتضانه وتربيته.
وقد عبّر المشرّع التونسي في قانون 1998 عن مواكبته لما وصلت إليه المستجدّّات العلميّة في مادّة العلوم البيولوجيّة واستفاد من تقنية التحليل الجيني ليقحمها كوسيلة لإثبات بنوّة الأطفال المهملين ومجهولي النسب عوضا عن قرينة الفراش طالما أنّ الفراش في حالتهم منعدم.
ومما لا شكّ فيه أنّ مسألة إثبات النسب في ظلّ ازدواجية الأحكام القانونيّة المنظّمة لها، فم أ ش بالنسبة لإثبات النسب الشرعي وقانون 1998 لإثبات البنوة الطبيعيّة، من شأنها أن تطرح إشكاليات جديّة على فقه القضاء من عدّة جوانب.
فالملاحظ أنّ هناك تداخلا كبيرا بين مقتضيات الفصل 68 م أ ش ومقتضيات الفصل الأوّل من قانون 1998 ذلك أنّ هذا الفصل أبقى على الإقرار وشهادة الشهود ضمن وسائل إثبات البنوة ويشترك في هذه النّاحية مع أحكام الفصل 68 م أ ش. وهو ما يستدعي من الفقه و فقه القضاء التدخّل لإبراز خصوصية كلا الوسيلتين في كلا القانونين وبيان خصوصية إثبات النسب أمام إثبات البنوة الطبيعيّة في خصوص وسائل الاثبات المعتمدة وشروط قبولها.
هذا إضافة لما تطرحه الآثار المترتبة عن ثبوت البنوة في هذا القانون من إشكاليات تستدعي حلولا فقهية وفقه قضائية. وهاته الحلول لا نرى أنّها ستخرج عن انتهاج خيارين في ظلّ اقتضاب المشرّع في قانون 1998.
فالخيار الأوّل هو الرجوع للأحكام العامّة الواردة بم أ ش فيما يتعلّق بالنفقة والحضانة والولاية ولم إ ع فيما يتعلّق بالمسؤوليّة الأبوية إضافة إلى ق ح م بالنسبة لإسناد اللّقب العائلي.
أمّا الخيار الثاني فهو ضرورة الأخذ بعين الاعتبار لطبيعة البنوة الثابتة بموجب أحكام هذا القانون وخصوصيّتها بالنظر وأنّها تتعلّق بالطفل الغير الشّرعي.
وعموما فإنّ النظام القانوني لإثبات البنوة الطبيعيّة في قانون 1998 يطرح عديد الإشكاليات خصوصا وأنّ أحكام هذا القانون جاءت مقتضبة جدّا وهو ما يستدعي حتما تدخلا للفقه وفقه القضاء لتحديد النهج المعتمد لتأويل أحكامه وبيان حقيقة موضوعه خصوصا وأنّ الفصل الأوّل منه يتعلّق بإثبات البنوة الطبيعيّة وليس بإسناد اللّقب العائلي كما أسلفنا القول.
إذن قانون 28 أكتوبر 1998 وضع أحكاما تتصل بإثبات البنوة الطبيعيّة ورتب عنها آثارا قانونيّة في المقابل نجد أنّ المشرّع التونسي نظم أحكام النسب الشرعي بم أ ش. وهذا التداخل بين م أ ش وقانون 1998 يطرح عديد الإشكاليات تتمحور بالخصوص حول أوجه التمييز بين الطفل الشرعي والطفل الطبيعي على مستوى وسائل الإثبات وعلى مستوى الآثار القانونيّة المترتبة عن ثبوت البنوة.
فما هي إذن أوجه المقاربة القانونيّة بين أحكام إثبات النّسب الواردة بم أ ش وأحكام إثبات البنوّة الطبيعيّة الواردة في قانون 1998 ؟ وما هي الإضافات التي أدخلها قانون 1998 على أحكام إثبات النسب في القانون التونسي ؟ وما هي أوجه التفاضل بين الطفل الشرعي والطفل الطبيعي في القانون التونسي من خلال الأحكام المتصلة بإثبات النّسب وبآثاره؟
إنّ الإجابة عن هذه الإشكاليات تقتضي منّا التأكيد مبدئيّا أنّ القانون عدد 75 لسنة 1998 يشكّل محاولة من المشرّع لتنظيم وضعية الطفل الطبيعي بعد أن تغاضى عن تنظيم وضعيته لحقبة زمنية طويلة إلاّ أنّه حافظ في المقابل على مبدأ عدم المساواة بين الطفل الطبيعي والطفل الشرعي على مستويين على الأقلّ: على مستوى أحكام إثبات البنوة (القسم الأوّل) وعلى مستوى الآثار القانونيّة المترتبة عن ثبوت هذه البنوة (القسم الثاني).

القسم الأوّل : أحكام إثبات البنوّة بين م أ ش والقانون عدد 75 لسنة 1998 :
يعرّف الإثبات لغة بأنّه دعم الادّعاء بالحجّة وقد عرّف فقهاء القانون الإثبات بأنّه إقامة الدليل أمام القضاء بطريقة من طرق الإقناع التي يحدّدها القانون على صحّة واقعة متنازع فيها بقصد الوصول إلى النتائج القانونيّة التي تترتّب عن صحّة الواقعة المذكورة.
ولا خلاف أنّه لا يمكن الحديث عن النّسب أو عن البنوة بصفة أعم إلاّ إذا وقع إثباتها بوسائل الإثبات القانونيّة. ومعلوم أنّ الإثبات في مادّة البنوة يأخذ طبيعة خاصّة بالنظر إلى الواقعة المراد إثباتها والمتمثلة في علاقة الطفل بأبيه، لذلك فإنّ النظرية العامّة للإثبات التي تجمع بين عبء الإثبات ووسائل الإثبات لا يمكن إعتمادها في مادّة إثبات البنوة إلاّ بعد إدخال تحويرات عليها تفرضها خصوصيّة وحساسية الواقعة المراد إثباتها باعتبارها واقعة بيولوجيّة رتّب عليها المشرّع آثارا قانونيّة هامّة سواء بالنسبة للطفل أو كذلك بالنسبة للأب.
والملاحظ أنّ المشرّع التونسي قد أقصى مبدأ حرية إثبات البنوة سواء تعلّق الأمر بإثبات النسب في م أ ش أو بإثبات البنوة الطبيعيّة في قانون 1998 وذلك من خلال التحديد الحصري لوسائل الإثبات المعتمدة في كلى القانونين.
ويلاحظ أيضا أنّ قانون 1998 حافظ على الوسائل الإرادية لاثبات البنوة المعتمدة بالفصل 68 م أ ش والمتمثّلة في الإقرار وشهادة الشهود في مقابل إقصائه لقرينة الفراش واستبدالها بتقنية التحليل الجيني كوسيلة أصليّة لإثبات البنوة الطبيعيّة وهو ما يدفعنا إلى القول أنّ الحقيقة البيولوجيّة باعتبارها إحدى الغايات من الأحكام المتعلّقة بإثبات البنوة لا ترتكز على نفس الأسس بمقارنة أحكام الفصل 68 م أ ش والفصل الأوّل من قانون 1998 على خلاف الإرادة الشخصيّة التي حافظت على دورها في إثبات البنوة سواء تعلّق الأمر بالبنوة الشرعيّة أو بالبنوة الطبيعيّة.



الفرع الأوّل : الحقيقة البيولوجيّة بين م أ ش والقانون عـــــدد 75 لســــنة 1998:
إنّ معرفة الحقيقة هاجس متأصّل لدى الإنسان وفي مادّة إثبات البنوة فإنّ الهاجس الأساسي والسؤال الذي ما انفك يطرح تساؤلات رجال القانون هو مدى تطابق الحقيقة البيولوجيّة وتوافقها مع الواقع القانوني؟
والأصل أنّ القانون التونسي يأخذ بالرابطة الدمويّة لا كحقيقة فعليّة وإنّما يعتمد على الوضع الظاهر للأشياء دون الوضع الخفيّ. ذلك أنّ القانون في مادّة النسب يغلب بعض الإعتبارات على حساب الرّابطة الدمويّة بل إنّه في بعض المواضع يعتمد على الكذب على حساب الرابطة الدمويّة مثل البنوة بالتبنّي والتي تجعل علاقة المتبنّى بالمتبنّي علاقة ابن بأبيه ويخلق بذلك وضعا ظاهرا يخالف الحقيقة الفعليّة . وقد اعتمد المشرّع التونسي في م أ ش على أسلوب قانوني ورد في صيغة قرائن تنبني على الفرضية والإحتمال لتأكيد الحقيقة البيولوجيّة والتي تأسس على قرينة الفراش التي لا تجزم قطعا بصحة القرابة الدمويّة. فالمشرّع إلتزم في م أ ش بآليات قانونيّة تحتكم إلى الوازع الديني والأخلاقي بارتباطها بمؤسسة الزواج وكان محترما من هذه النّاحية لمعطيات مبناها الإرادة والأخلاق والسّلم العائلي والوضع الظاهر والتي تكون في مجموعها فلسفة النسب.
ولمّا كان الفراش مفقودا في حالة الابن الطبيعي أصبح من غير الممكن الإستناد إلى الإفتراضات والقرائن القانونيّة المؤسسة للحقيقة الشكلية، وكان الحلّ بالنسبة للمشرّع هو البحث عن الحقيقة البيولوجيّة الفعليّة من خلال ما توفّره التقنيات البيولوجيّة الحديثة وخاصّة تقنية التحليل الجيني التي أثبتت نجاعتها لا في نفي البنوة فحسب وإنّما في إثباتها بمايترتّب عنه إقامة الرّابطة الدّمويّة الفعليّة بين الإبن وأبيه.
وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ الحقيقة البيولوجيّة لا ينظر إليها المشرّع التونسي بنفس المنظار فهي تتأسّس على قرينة الفراش في م أ ش بينما تتأسّس على التحليل الجيني في قانون 1998.


المبحث الأوّل : الحقيقة البيولوجيّة المؤسّسة على قرينة الفراش :
تعتبر كلّ القوانين سواء منها السماويّة أو الوضعيّة الزواج قرينة على أن الولد المولود فيه هو إبن شرعي ثابت النسب بالزوج المرتبط بعلاقة زوجيّة بأمه حين ولادته ضرورة أن عقد الزواج يقتضي أن تكون الزوجة مقصورة على زوجها لا يجوز لها أن تمكن غيره من الإستمتاع بها كما لا يجوز لغير زوجها الإقدام على الإستمتاع بها فمتى كانت الزوجة تقيم مع زوجها في بيت الزوجية فنسب ولدها ثابت من أبيه دون ما حاجة إلى إقرار أوبينة .
فالفراش يعتبر حقيقة بيولوجية مثبتة للنّسب إذ يفترض القانون أنّ نسب الطفل المولود بفراش الزوج يتطابق مع هذه الحقيقة التي ترتبط بقرينة البراءة التي تتمتع بها الزوجة من جريمة الزنا وبواجب المساكنة وواجب الوفاء المحمولين عليها بموجب القانون .
وعلى غرار التشاريع المقارنة وتأثرا منه بأحكام الشريعة الإسلامية أورد المشرّع التونسي الفراش كسبب رئيسي لإثبات النسب الشرعي بالفصل 68 م أ ش في حين أقصى قانون 1998 قرينة الفراش من الوسائل القانونية المثبتة للبنوة، لذا يتعيّن تحديد مفهوم هذه القرينة تمّ بيان نطاق تطبيقها.
الفقرة الأولى : مفهوم قرينة الفراش :
يطلق الفراش في اللغة على كلّ ما يفرش ويبسط وشرعا عرّفه أبو الحسن الجرجاني بقوله :" هو كون المرأة متعيّنة للولادة لشخص واحد ". وعند الشيعة الأماميّة المراد به هو إفتراش المرأة بمسوّغ شرعي أي الدخول بها بوطء صحيح أو بشبهة .
وعرّفه البعض الآخر بأنه الرابطة الزوجية القائمة فعلا بين الرجل والمرأة بناء على عقد زواج حين إبتداء حملها بمن ولدته فكل إمرأة حملت في وقت كانت فيه زوجة لمن يصحّ أن يولد له فإن نسب من تلده يكون إلى هذا الزوج دون إحتياج إلى إقرار أو بينة تثبت بها كون هذا الولد من صاحب الفراش سواء كان فراشه بموجب عقد نكاح صحيح أو فاسد أو يشبهه .
من جهته لم ير المشرع التونسي داعيا لتعريف قرينة الفراش وإكتفى بالقول صلب الفصل 71 م أ ش على أنه :" إذا ولدت الزوجة تمام ستة أشهر فأكثر من حين عقد الزواج سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا يثبت نسب المولود من الزوج." فبقراءة هذا الفصل يمكن القول أن قرينة الفراش في القانون التونسي تقتضي أن يثبت نسب المولود من الزوج صاحب الفراش سواء كان الفراش صحيحا أو فاسدا وذلك إذا ولد الطفل خلال المدّة القانونيّة للحمل.
فرغم ما يحمله مصطلح الفراش من مفهوم واسع لكلمة زواج في التشريع الإسلامي باعتباره يشمل كلّ علاقة شرعية بين الأب والأم سواء كان الزواج صحيحا أو فاسدا أو وطئا بشبهة فإن المشرّع التونسي من خلال الأحكام الواردة بم أ ش وبق ح م لم يعترف إلاّ بالزّواج الصّـحيح وبالزواج الفاسد وأهمل الوطء بشبهة .
أ – الفراش الصّحيح : يعرّف الفراش الصّحيح في الشّريعة الإسلاميّة بالزّوجيّة القائمة بين الرجل والمرأة ويثبت بمجرّد عقد النكاح مستوف لكامل أركانه وشروط إنعقاده الشرعية.
وقد إختلف الفقهاء في إشتراط الدّخول أو إمكان الدّخول لإثبات النّسب بالفراش الصّحيح فذهب الشّافعي ومالك وابن حنبل إلى أن العقد الصحيح سبب لثبوت نسب ما تأتي به المرأة في أثناء قيام الزّوجية أو خلال أقصى مدّة للحمل إذا كان الدخول ممكنا أمّا إذا ثبت أنّه غير ممكن أو ثبت أنّهما لم يلتقيا قط ولم يكن في الإمكان تلاقيهما فإن النسب لا يثبت. اْما ابن تيمية وتلميذه ابن القيّم فقد إشترط الدّخول الحقيقي بالمرأة لثبوت النسب بينما يرى أبو حنيفة أنّ العقد الصحيح وحده كافي لثبوت النسب ولو لم يلتق الرجل بالمرأة قط معتبرا أنّ اشتراط الوطء المحقق يؤدّي إلى حرمان الكثير من الأطفال في حقهم في النسب.
أمّا المشرّع التونسي فلم يعرّف الفراش الصّحيح على أنّه يمكن تعريفه بأنّه عقد الزّواج المستوفي لأركانه وشروطه الموضوعية والشكلية كيفما وردت بم أ ش وبق ح م المؤرخ في غرة أوت 1957 .
أمّا بالنسبة لإثبات النّسب بالفراش الصحيح فلا وجود بم أ ش ما يدلّ على أن المشرّع التونسي قد إشترط صراحة الدخول الفعلي أو إمكان الدخول على خلاف المشرّع المغربي الذي نصّ صراحة على وجوب توفّر شرط إمكان الدخول بالفصل 85 من المدونة المغربيّة كذلك الشأن بالنسبة للمشرّع السّوري بالفصل 129 من م أ ش السّوريّة.
فالمشرّع التونسي لم يشترط الدخول صراحة لإثبات النسب إلاّ في الزواج الفاسد عملا بأحكام الفصــل 22 م أ ش. و يبدو من خلال أحكام الفصل 71 م أ ش أنّ المشرّع التونسي قد إتّجه وجهة الإمام أبي حنيفة الذي يرى أن آثار النسب تتكوّن بمجرّد إنبرام عقد النكاح بقطع النظر عن شرط إمكان الدخول أو تحقق الوطء من عدمه وبالتالي فإنّ التطبيق السّليم للفصل المذكور يقتضي أن لا يحمل عبئ إثبات إمكان الدخول أو الدخول الفعلي على القائم بدعوى إثبات النسب وإنّما على المدّعي عليه تطبيقا لمقتضيات الفصل 69 م أ ش الذي اقتضى أنّه " لا يثبت النسب عند الإنكار لولد ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها "…
وقد تبنّت محكمة التعقيب هذا الإتجاه في أحد قراراتها الذي جاء فيه أنّ:" الزواج الصحيح يثبت به النّسب بمجرّد وجود علاقة زوجيّة تستند إلى رسم صداق ونتيجة لذلك يثبت الولد تلقائيا للزوج دون حاجة لإثبات الدخول بالزوجة لترتيب تلك النتيجة فإثبات مجرّد عقد الزواج كاف لإثبات النسب".
ولا يخف ما لهذا الإتجاه من رغبة واضحة في توسيع أسباب ثبوت النسب والحرص على عدم إهمال المولود المتأتي من علاقة شرعية كلّما أمكن ذلك فضلا عمّا يوفّره من تخفيف لعبء الإثبات المحمول على القائم بالدّعوى إذ يكفى الإدلاء بعقد الزواج الصّحيح حتى يعتبر الدخول حاصلا وعلى من يدّعي عدم إمكان الدخول أو عدم تحقق الوطء اْن يثبته.
غير أنّ محكمة التعقيب التونسية سرعان ما تراجعت عن هذا الاتّجاه وإعتبرت أنّ:" مجرّد إبرام العقد لا يمكن أن يعتبر دخولا ولا حتى قرينة على الدخول". وهو حلّ فيه إجحاف بحقوق الطفل وإثقال لكاهل القائم بالدعوى بعبء إثبات الدخول الذي قد لا يتيسّر في جميع الحالات.
والجدير بالذّكر أنّ المشرّع التونسي ورغم استعماله لمصطلح الدخول. في عدّة فصول من م أ ش إلاّ أنّه لم يعرّفه وقد عرّفته محكمة التعقيب التونسية في عديد المناسبات فاعتبرت في مرحلة أولى أنّه " يعتبر الدخول حاصلا بين الزوجين إذا اختلى زوج بزوجته وأرخى عليها الستور وبعد ذلك تستحق النفقة إلى أن يثبت نشـوزها. " وبالتالي فإنّ العلاقات الجنسيّة ليست ضرورية لتعريف الدخول وإنّما يكفي توفّر ركن الخلوة الشرعيّة. وبمناسبة قضية نفقة أضافت محكمة التعقيب إلى هذا التعريف ما يلي : " لا يشترط الدخول الفعلي لإستحقاق الزوجة للإنفاق عليها بل أن الدخول الحكمي يوجب على الزوج الإنفاق وذلك إذا طلبت الزوجة من زوجها الدخول بها بواسطة عدل منفّذ وإمتنع هذا الأخير من ذلك " فمن خلال هذا القرار سعت محكمة التعقيب إلى التمييز بين الدخول الفعلي والدخول الحكمي إلاّ أنّه من غير المنطقي إعتماد الدخول الحكمي في مادّة النّسب طالما أنّ مجرّد الدّعوة للدّخول لا تتحقق معها الخلوة الشرعية التي يفترض أن يقع خلالها الوطء المفضي للحمل.
وفي مرحلة ثانية إعتبرت محكمة التعقيب التونسية :" أن الدخول ليس مجرّد الإلتحاق بالمحل الذي يسكن فيه الزوج بصورة سرية وإنّما الدخول يتمثل في حد أدنى من الإشهار حسب العرف والعادة من إقامة الحفلات ولو كانت متواضعة. "
وقد ذهبت إلى أبعد من ذلك بأن إعتبرت أنّ " الزفاف لا يكون إلا إذا إختلى الزوج بزوجته خلوة صحيحة أي غلق الباب وأرخى الستائر وأشهر ذلك بما جرت به العادة حتى يعلم ذلك الخاص والعام والقريب والبعيد ويخرج بذلك عن نكاح السرّ المنهي عنه " وأضافت " أنّ مجرّد وجود علاقة جنسيّة بين طرفين لا يكف لإعتبار الدخول قد تمّ وذهبت إلى حدّ القول بأنّه لا يعتبر الإتّصال السابق عن البناء بين الزوجين لعدم شرعيته ولو أنجبت فيه المرأة مولودا وللزوج حق نفي نسب هذا المولود ".
والملاحظ أنّ هذه التعريفات لمصطلح الدخول تثير صعوبات كبيرة في خصوص اثبات نسب الطفل الذي يكتفي أبواه بإبرام العقد بالطريقة الرسمية دون القيام بما يقتضيه العادة والعرف من إقامة للحفلات وإشهار للزواج رغم أن الدخول الفعلي قد يكون حاصلا بينهما.
وعموما فإنّ قرارات محكمة التعقيب التي تعرّضت لإشكالية التّعريف الدخول وإثباته تتّسم بالغرابة والغموض لما تطرحه من صعوبات وعراقيل في وجه القائم بدعوى إثبات النسب إذ علاوة على أنّها تحمّله بعبء إثبات الدّخول فإنّها تشترط أيضا حصول الدخول الفعلي مقترنا بالإشهار الذي تقتضيه العادة والعرف وهو ما قد يحرم عددا كبيرا من الأطفال من حقّهم في النسب الشرعي وهو ما يستدعي اللجوء لقانون 1998 لإثبات بنوتهم طالما أن ّهذا القانون لا يشترط الفراش أصلا لإثبات البنوّة.
وذلك بالرّغم أنّ المشرّع لا يبدو أنّه يشترط الدّخول أصلا لإثبات النّسب بالزّواج الصحيح على خلاف الزواج الباطل الذي لا يترتب عليه ثبوت النسب إلاّ بإثبات حصول الدخول .
ب – الفراش بعقد باطل : يعرّف الزّواج الباطل أو ما يسمّى بالنّكاح الفاسد في الفقه الإسلامي بأنّه النكاح الذي فقد شرطا من شروط صحته كالنكاح دون شهود اوتزوّج الأختين معا.. ويترتب عن الزواج الفاسد بعض الآثار بين الزوجين من بينها ثبوت النسب إذا تم الدخول .
وعملا باحكام الفصلين 71 و 22 م أ ش فإن قرينة الفراش لا تنطبق على الطفل الناشئ عن عقد الزّواج الصّحيح فحسب وإنّما عن عقد الزواج الفاسد والزواج الباطل أيضا .
وقد عرّف المشرّع التونسي الزواج الفاسد بالفصل 21 م أ ش بأنّه : " الزواج الذي إقترن بشرط يتنافى مع جوهر العقد أو إنعقد دون مراعاة أحكام الفقرة الأولى من الفصل 3 و الفقرة الأولى من الفصل 5 والفصول 15 و 16 و 17 و 18 و 19 و 20 من هذه المجلّة وإذا وقعت تتبّعات جزائيّة تطبيقا لأحكام الفصل 18 إعلان فإنّه يقع البتّ في حكم واحد في الجريمة وفساد الزواج "
ورتب الفصل 22 م أ ش على الدخول في الزواج الفاسد ثبوت النّسب.
وهذه الصورة من الزواج الفاسد لم تثر إشكاليات تذكر على صعيد التطبيق لإنعدام فقه القضاء المجسّم لها، على خلاف صورة الزواج الباطل على معنى الفصلين 36 و 36 مكرّر من ق ح م المؤرّخ في غرّة أوت 1956 ،ذلك أنّ المشرّع التونسي رتّب بطلان الزواج لإختلال أركانه وشروطه الموضوعيّة وكذلك لعدم إحترامه للشروط الشكليّة أيضا. فالمشرّع التونسي لم يشترط إبرام عقد الزواج بحجّة رسميّة كشرط لإثبات الزواج فحسب وإنّما كشرط لصحته أيضا. فعقد الزواج في القانون التونسي هو عقد شكلي فإذا تخلّفت شروطه الشكلية يعتبر باطلا ورتب المشرّع على التصريح بالبطلان ثبوت النسب.
وقد أكّدت محكمة التعقيب التونسيّة على هذا المبدأ في العديد من قراراتها فقرّرت أنّه : " إذا نهضت الدلائل المقنعة على أن الإتّصال الجنسي إنّما كان بناء على التراضي على الزواج الذي لم يقع فيه إشهاد بحجة رسميّة طبق الفصل 4 م أ ش والفصل 31 من القانون عدد 3 لسنة 1957 فرغم أنّ ذلك الزواج يعتبر فاسدا فقد رتّب عليه الفصل 36 مكرّر م ح م، بعد تنقيحه بالمرسوم عدد 2 لسنة 1964 مؤرّخ في 20 فيفري 1964، إلحاق النسب ".
ولئن اتّفق فقهاء القانون في تونس على تعريف الزواج الباطل أو الزواج العرفي بأنّه الزواج الذي إنعقد فيه الرضا بين الزوجين وإستكمل أركانه وشروطه الشرعيّة لكنّه لم يقع تحرير رسم الصداق فيه وفق ما أوجبه الفصل 31 ق ح م. إلاّ أنّ المحاكم التونسيّة ونظرا إلى أنّ المشرّع لم ينظم وضعيّة الأطفال الطبيعيين قبل قانون 1998 فقد تباينت مواقفها في ضبط مفهوم الزواج الباطل على معنى الفصل 36 ق ح م فإعتمدته في الكثير من الأحيان كمطية لإكساء الأبناء الغير شرعيين بلباس الشرعية، لذا إتّجه تمييزه عن المراكنة من جهة وعن المخادنة من جهة أخرى .
1 – الزواج الباطل والمراكنة : تعرّف الخطبة أو المراكنة بأنّها طلب الرجل يد إمرأة معيّنة للتزوّج بها والتقدّم إليها أو إلى ذويهما ببيان حاله ومفاوضتهم في أمر العقد ومطالبهم بشأنه.
فالخطبة هي مجرّد طلب الزواج ولا تعني قيام عقد بين الخاطب والفتاة وإنّما تعني مجرّد ترشيح الفتى زوجا في المستقبل. وقد إتّفق المذهبان المالكي والحنفي على أن كلاّ من الوعد بالنكاح والمواعدة به لا يعتبر نكاحا ولا يقضى بالوفاء به فللخاطب العدول عمّن خطبها وللمخطوبة أو وليّها ردّ الخاطب ولو بعد قبول المهر كلّه أو بعد قبول هديّة الخطبة أو هدايا المواسم أو بعد مجرّد قراءة الفاتحة.
ولئن لم يورد المشرّع التونسي تعريفا للمراكنة إلاّ أنّه من الواضح تبنّيه للرأي الغالب في الفقه الإسلامي بأن نصّ صراحة على أن المراكنة لا يمكن أن تعتبر زواجا لا صـحيحا ولا باطلا بالفصـل الأول م أ ش الذي جاء فيه أنّ" كل من الوعد بالزواج والمواعدة به لا يعتبر زواجا ولا يقضي به " فالمتراكنان لا تجمع بينهما علاقة قانونية على غرار الزوجين وبالتالي لا ينتج عن المراكنة أي أثر من آثار الزواج .
غير أنّ التمييز بين الزواج الباطل والمراكنة قد يصبح أمرا عسيرا إذا ما تجاوزت علاقة الخطيبين مجرّد التعارف والإستعداد للزواج لتتحوّل إلى مساكنة وإتصال جنسي بينهما قد يفضي الى إنجاب أبناء.
ويبقى المعيار الذي يعتمده الفقهاء للتمييز بينهما هو معيار نفساني يتمثّل في مدى وجود تبادل للرضا بين الخطيبين على إبرام عقد الزواج و هل تمّ الإيجاب والقبول بينهما أم لا.
وقد كان إتّجاه محكمة التعقيب واضحا في هذا المجال إذ إشترطت إثبات ذلك بصورة واضحة وخاصّة بإقامة الدليل على وجود حفل ولو كان متواضعا تم خلاله الإحتفال بإبرام عقد الزواج.
إلاّ أنّ بعض محاكم الأصل وساندتها في ذلك محكمة التعقيب في بعض قراراتها سعت إلى إيجاد حلّ للطفل الناشئ بين العلاقة الجنسيّة التي قد تكون ربطت بين الخطيبين أثناء فترة الخطوبة وذلك باظهاره بمظهر الابن الشرعي إعتمادا على مفهوم واسع للزواج الباطل وذلك بحصره في مجرّد تبادل للرضا بين المترشحين للزواج ووجود معاشرة ومساكنة بينهما .
فبمناسبة قضية تمثلت وقائعها في أنّ إمرأة رفعت قضية لدى المحكمة الإبتدائيّة بصفاقس لإثبات نسب إبنتها لشخص إدّعت أنّها مكنته من نفسها قبل إبرام عقد الزواج بينهما بناء على أنّه عبّر لها عن نيته في التزوّج بها ووافقته على ذلك. فقضي لصالح الدعوى إبتدائيا وإستئنافيا فطعن المطلوب في القرار الاستئنافي بالتعقيب متمسكا بأنّ العلاقة التي ربطته بوالدة الطفل إنما هي علاقة خنائيّة لا يترتب عنها ثبوت النسب فجاء موقف محكمة التعقيب مؤيدا للقرار الإستئنافي وإعتبرت أن الإتصال الجنسي حصل بعد إتّفاق الطرفين وقد حصل بذلك التراضي الذي ينعقد به الزواج ونظرا إلى أنّ هذا الزواج لم يبرم بصورة رسميّة فهو زواج باطل ويترتب عليه ثبوت النسب تطبيقا لأحكام الفصل 36 مكرّر من ق ح م.
بيد أن هذا المفهوم الموسّع للزواج الباطل بحصره في مجرّد تبادل الرضا على الزواج بين الخطيبين ولئن كان يخدم مصلحة الطفل ثمرة هذه العلاقة إلاّ أنّ به خرق واضح لأحكام الفصـل 36 ق ح م ذلك أنّه لا يمكن القول بوجود زواج باطل أو ما يسمى بالزواج العرفي إلاّ إذا كان هذا الزواج حائزا على جميع أركانه وشروط صحته حسبما تقتضي ذلك م أ ش بما في ذلك من إرادة صريحة لدى الطرفين في إقامة علاقة زوجيّة يتوفر فيها حدّ أدنى من الإشهار مع إلتزامهما بالواجبات الزوجيّة حسبما تقتضيه العادة والقانون من مساكنة ونفقة وعموما لا يمكن الحديث عن زواج عرفي إلاّ إذا توفرت فيه كلّ أركان الزواج وشروطه ما عدى شرط واحد وهو الكتب الرسمي فمجرّد التواعد على الزواج ولو شفع بمساكنة ومعاشرة جنسية لا يكفيان لإعتبار الزواج الباطل قائما بين طرفيه.
وتأسيسا على ذلك فإن إبن الخطيبين أي الطفل المولود لشخصين غير مرتبطين بعلاقة زوجية تتوفّر فيها جميع مقوّمات الزواج الصحيح أو الباطل وإنّما لا تجمعهما سوى علاقة مراكنة فإن نسبه الشرعي لا يثبت تجاه الأب على معنى الفصل 36 ق ح م والفصل 68 م أ ش ذلك أنّ المراكنة لا يمكن إعتبارها لا زواجا صحيحا ولا باطلا تطبيقا لأحكام الفصل الأوّل م أ ش ضرورة أن المتراكنان لا تجمعهما علاقة زوجية شرعية وإنّما مجرّد علاقة خنائية لا تثبت نسبا ولو كان الأب معروفا، ولا يمكن بالتالي أن ينتج عن هذه العلاقة أي أثر من آثار الزواج.
أمّا إذا كانت علاقة الخطيبين تحمّل في طيّاتها جميع أركان الزّواج من تبادل للرّضا بخصوص الزّواج وإتّفاق على المعاشرة ومساكنة مستمرّة بينهما وإنفاق وظهور في المجتمع بمظهر الأزواج ووجود حدّ أدنى من الإشهار فمن الممكن إعتبار هذه العلاقة بمثابة الزّواج العرفي المبرم على خلاف الصيغ القانونية على معني الفصل 36 ق ح م .
فلا مجال إذن لاكساء ابن الخطيبين بلباس الشرعية إذ يعتبر طفلا طبيعيا في القانون التونسي تطبيقا لأحكام الفصلين 1 و 68 م أ ش وقد أكّدت محكمة التعقيب هذا المبدأ بقرارها المؤرّخ في 2 جوان 1992 الذي جاء فيه أنّ " الفصل الأّول م أ ش لم يرتّب عن الخطبة زواجا ولا يقضي به فلا يحلّ ولا يحقّ للخطيبين تجاوز حدود الخطبة، إلى الإتّصال الذي يعتبر بالنسبة لهما غير مشروع ولا يشكّل إلاّ علاقة خنائيّة لا ترتّب نسبا ".
على أنّه من الممكن إثبات بنوّة هذا الطفل إستنادا لقانون 1998 وتخويله بالحقوق المترتبة له عن ذلك بموجب هذا القانون الذي يمكن اعتباره دليلا قاطعا على ما سلف بسطه من القول بأنّه لا يمكن إعتماد إحكام م أش لإثبات نسب إبن الخطيبين إذ لو كان المشرّع يعترف به كإبن شرعيّ للخطيب لاقتصر الأمر على تنقيح م أ ش وهو ما يؤكّد تأييد المشرّع لموقف فقه القضاء الرافض لإثبات نسب ابن الخطيبين.
والجدير بالإشارة في هذا الصدد إلى أنّ المشرّع الفرنسي جعل من وجود علاقة الخطبة بين الأم والأب المزعوم إحدى الحالات الخمس التي أوردها الفصل 340 م م ف قديم والتي تخوّل القيام بدعوى البحث عن البنوة الطبيعية والتي نجد من بينها أيضا علاقة المخادنة.
2 – الزواج الباطل والمخادنة : تعرّف المخادنة بأنّها العلاقة التي تربط بين رجل وامرأة يتعاشران معاشرة الأزواج دون أن تكون لهما نيّة الزواج بحيث يبقي كل طرف على حريته في الزواج.
ويتقارب مفهوم الزواج الباطل مع المخادنة لوجود عنصر المساكنة في كلا الحالتين وعدم وجود عقد زواج صحيح مبرم بين طرفيه غير أنّهما يختلفان من الناحيتين المدنيّة والجزائيّة .
فمن الناحية الجزائية يعاقب القانون التونسي على الزواج الباطل أو ما يسمى بالزواج على خلاف الصيغ القانونية صلب الفصل 36 مكرّر ق ح م في حين لا وجود لأي نص جزائي يجرّم المخادنة إلاّ إذا تعلّق الأمر بمواقعة انثى برضاها سنها دون العشرين سنة تطبيقا لأحكام الفصل 227 مكرّر م ج.
وقد أكّدت محكمة التعقيب على هذا الإختلاف بين علاقة المخادنة والزّواج على خلاف الصيغ القانونيّة وذلك بمناسبة قضية جزائيّة تتعلق بإدانة شخصين من أجل التزوّج على خلاف الصيغ القانونية في حين أنّ العلاقة الرابطة بينهما لا تعدّ أن تكون سوى علاقة مخادنة لا يعاقب عليها القانون وقد جاء في حيثيات المحكمة أنّه : " إذا اتضح من الأبحاث أن المتّهمة قد عاشرت المتهم بمحلّ عام ( ماخور ) يرده كلّ باغ دون خيار منها فإنّه وإن عاشرها فهو لم يخصّص لها محلاّ خاصا ولم ينفق عليها ولم يمنعها من الإتصال بغيره ولذلك فان نيّة الزواج التي إعترف بها لا تفيد قطعا توفّر أركان الزواج العرفي." وأضافت أنّ " الزواج العرفي وان كان في جوهره زواجا باطلا فإنّه يجب أن تتوفّر فيه جميع الأركان القانونيّة للزواج دون عقد ولذلك فإنّ المحكمة التي قضت بثبوت الإدانة معتبرة توفّر أركان جريمة التزوّج على خلاف الصيغ القانونيّة تكون قد أخطأت تطبيق القانون."
أمّا من الناحية المدنية فلا يترتّب عن المخادنة أي أثر من الآثار القانونيّة المترتبة عن الزواج بحيث يعتبر الطفل المولود نتيجة هذه العلاقة ابن زنا ولا يمكنه إثبات نسبه تجاه الأب لانّ المخادنة تعتبر علاقة خنائية لا ترتب نسبا حسبما إستقرّ عليه فقه القضاء التونسي فقد جاء بحيثيات احد القرارات التعقبية ما يلي : "حيث ثبت من أوراق الملف أنّ العلاقة بين الطرفين كانت علاقة خنائيّة ومن أجل ذلك أدين المعقّب ضدّه وسجن.
وحيث لم تثبت المعقب ضدّها وجود علاقة زوجيّة ولو كانت غير قانونيّة في حين ثبت بالحكم الجناحي عدد 54447 أنّ العلاقة إنما هي علاقة خنائيّة.
وحيث أنّ م أ ش لم ترتّب أحكاما لنسب ابن الزنا ولا تقرّ النسب المتولّد عن علاقة سفاح لا تستند إلى علاقة زواج شرعي أو فاسد."
وجاء بقرار آخر أنّ : " المقصود من لفظ الفراش الوارد بالفصل 68 م أ ش إنما هو الزواج الشرعي كيفما كان وجه إبرامه ولا يندرج في مدلوله ومرماه رابطة الاتصال الناتج عن علاقة زنا وتأسيسا على ذلك فالولد المخلف من الاتصال الواقع على وجه الزنا لا يعتبر ابنا شرعيا للزاني ولا يثبت بذلك نسبه إليه وإنما الولد للفراش وللعاهر الحجر."
غير أنّ بعض محاكم الأصل وساندتها في ذلك محكمة التعقيب في بعض قراراتها أظهرت رغبة خاصة في إثبات نسب الطفل الناشئ عن علاقة مخادنة وذلك بإعتماد تأويل واسع لمفهوم الزواج الباطل مخالفة بذلك مقتضيات الفصل 36 ق ح م، ففي قرارها المؤرّخ في 2 أفريل 1968 ميّزت محكمة التعقيب بين ما ينعقد به الزواج وما يشترط لصحته واعتبرت أن الانعقاد يتمّ برضا الزوجين أما صحة العقد فتتوفر إذا كان العقد شكليا وحصرت بذلك الزواج الباطل في مجرّد تبادل الرضا بين الرجل والمرأة لتستخلص أن المولود ثمرة هذه العلاقة يعتبر طفلا شرعيا فقد جاء بحيثيات القرار المذكور أن :" القانون التونسي يعتبر انعقاد الزواج حاصلا بتراضي الطرفين واتفاقهما عليه ونتيجة لذلك فإن الاتصال الجنسي الواقع بعد الانعقاد والحاصل دون إشهاد لا تعتبر ثمرته حاصلة من سفاح وإنما تعتبر ناتجة عن علاقة زوجية غير صحيحة قانونا ويثبت بها نسب المولودة وهذا المعنى يتفق مع ما جاءت به أحكام الفقه الإسلامي التي إعتبرت الإشهاد شرط كمال في الانعقاد وأوجبته عند الدّخول سدّا لذريعة الزّنا." فالملاحظ أنّّ محكمة التعقيب سعت في هذا القرار إلى التوسّع في مفهوم الزّواج الباطل وذلك بحصره في مجرّد تبادل الرّضا وإقامة علاقات جنسيّة أفضت إلى الحمل في حين أنّه لا يمكن الحديث عن الزواج الباطل أو ما يسمّى بالزواج عرفي إلاّ إذا توفّرت فيه جميع مقومات الزواج من تبادل للرضا بين طرفيه بخصوص العقد وحصول حدّ أدنى من الإشهار وإلتزام كل طرف بواجباته الزوجية نحو الطرف الآخر إذ أنّ التطبيق السليم لمقتضيات الفصل 36 ق ح م يقتضي أن الزواج الباطل لا يمكن أن يترتب أثاره القانونيّة وخاصّة منها ثبوت النسب إلاّ إذا كان مستوفيا لأركانه وشروطه القانونية فإذا كانت هذه الشروط منقوصة أو منعدمة تماما فلا يترتب عن علاقة طرفيها أي أثر من آثار الزواج.
وقد سعت محكمة التعقيب التونسية إلى محاولة الإلمام بجميع هذه الأركان والشروط بقرارها المؤرّخ في 2 جوان 1992 والذي جاء فيه أنّ :" الزواج الباطل زواج تتوفّر فيه مقتضيات الزواج العادية من إشهار ومساكنة وإنفاق وتواصل معاشرة وتحت هذا العنوان تؤدي الزوجة لزوجها المفروضات التي يرتبها الزواج والزوج يؤدي من جهته ما هو محمول عليه من واجبات تجاه زوجته وتؤكّد هذا المعنى الصيغة التي حرّر بها الفصل 22 م أ ش بإعتبار أنّ الزواج الباطل يشارك الزواج الصحيح في مقوماته ومن أهمّها أنه مؤسس على عقد كما يشاركه في عدد من الآثار تترتب عن الدخول ." وأضافت أنه :" على محكمة الموضوع أنّ وراء جملة المقوّمات والوقائع الماديّة التي تحقق أنّ العلاقة تعدّ إمّا زواجا صحيحا لتوفر كل مقتضياته أو زواجا فاسدا لتخلّف بعض المقتضيات الأساسيّة للزّواج الصحيح التي حصرها الفصل 21 م أ ش أو الفصل 36 مكرّر ق ح م المبيّن للزواج الباطل والذي يرتب كالفصل 22 م أ ش على بطلان الزواج وجوب العدّة على الزّوجة وثبوت النسب وموانع الزّواج الناتجة عن المصاهرة ."
فلا يمكن إذن أن تعتبر المخادنة بأيّ حال من الأحوال زواجا عرفيا ذلك أنّ عنصر تبادل الرضا على الزواج مفقود في المخادنة التي لا تنشئ سوى علاقة حرّة بين طرفيها ولا يجمع بينهما سوى المساكنة والمعاشرة المستمرّة دون أن تكون لهما إرادة صريحة ومعلنة على إقامة رابطة شرعية بينهما.
ومهما يكن من أمر فإنّ الفراغ التشريعي الذي أوجده المشرّع التونسي حول وضعيّة الأبناء المولودين خارج اطار الزواج هو الباعث على عدم استقرار فقه القضاء على مفهوم واضح للزواج الباطل ذلك أنّ محاولة تحقيق مصلحة الطفل ومسايرة مقتضيات العدل والإنصاف دفعت بالمحاكم التونسية إلى إعتماد مفهوم واسع للزّواج الباطل أدّى بها أحيانا إلى خرق النصوص القانونية سعيا منها لإثبات نسب الطفل وإظهاره بمظهر الإبن الشرعي وحماية للأم من الآثار العائليّة و الإجتماعيّة الوخيمة المنجرّة عن الظهور بمظهر الأم الزانية .
غير أنّه مع دخول قانون 1998 حيز النفاذ أصبح التوسّع في مفهوم الزواج الباطل غير مبرّر طالما أنّ هذا القانون يخوّل إثبات البنوّة الطبيعيّة وأفردها بأحكام خاصّة بها وإنتفت بموجبه الأسباب الدّاعية للتوسّع في مفهوم الزواج الباطل، لذا فإنّه من المتّجه بيان نطاق قرينة الفراش وتحديد الطفل المستفيد من هذه القرينة حتى يتسنى التمييز بين البنوة الشرعيّة والبنوة الطبيعيّة في القانون التونسي .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:30 am

الفقرة الثانية : نطاق قرينة الفراش :
لقد أورد المشرّع التونسي بالفصل 68 م أ ش قرينة الفراش كوسيلة لإثبات النسب الشرعي وتعفي هذه القرينة المستفيد منها من عبئ إثبات النسب مباشرة إذ يستخلص القانون من واقعة معلومة وهي الفراش سواء كان صحيحا أو فاسدا وولادة الطفل من الزوجة، واقعة مجهولة وهي أنّ الزوج أب لذلك الطفل.
وقد حدّد المشرّع التونسي المستفيد من قرينة الفراش في م أ ش بإعتماد قواعد تقليديّة تهدف إلى تحقيق المعادلة بين تكريس الحقيقة البيولوجيّة من جهة وأفضليّة الزواج والعائلة الشرعيّة من جهة أخرى ،فالنسب المعتبر في م أ ش إنّما هو النّسب الشرعي المؤسس على قرينة الفراش فحسب لأنّ م أ ش لا تعترف بالبنوّة الطبيعيّة في حين أقصى قانون 1998 قرينة الفراش من وسائل إثبات البنوة الطبيعية نظرا وأنه يتعلّق أساسا بالأطفال الغير شرعيين لذا يتّجه تحديد المستفيد من قرينة الفراش ثم التطرّق إلى مسألة إقصاء قرينة الفراش في قانون 1998 .
أ – المستفيد من قرينة الفراش : لقد حدّد المشرّع التونسي المستفيد من قرينة الفراش بالفصـلين 71 و 69 م أ ش معتمدا على ربط هذه القرينة بالمدّة القانونيّة للحمل بحيث يعتبر طفلا شرعيا الطفل المولود بعد مرور أدنى مدّة للحمل من تاريخ قيام الزوجيّة أو المولود خلال أقصى مدّة للحمل من تاريخ غيبة الزوج أو وفاته أو من تاريخ الطلاق .
1 – أدنى مدّة للحمل : نصّ الفصل 71 م أ ش أنّه إذا ولدت الزوجة لتمام ستة أشهر فأكثر من حين عقد الزواج سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا يثبت نسب المولود من الزوج . فالملاحظ ان المشرّع التونسي حدّد أقلّ مدّة للحمل بستة أشهر اذ يجب لكي تكون الزوجيّة فراشا ولكي يثبت بهذا الفراش النسب أن تأتي الزوجة بالولد بعد مضي أقلّ مدّة للحمل هذه .
وغنيّ عن البيان أن المشرّع التونسي قد إستنبط هذه القاعدة مما إستقرّ عليه إجماع فقهاء المسلمين الذين يعتبرون أن ولادة الزوجة بعد ستة أشهر من تاريخ العقد أو من تاريخ الدخول أو تحقق الوطء طبقا لإختلاف الآراء في هذه المسألة يثبت نسب الولد بهذا الفراش، ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى :" وحمله وفصاله ثلاثون شهرا" وقوله عزّ وجلّ :" وفصاله في عامين " فمن هذين الآيتين أجمع جمهور الفقهاء على أنّ أقلّ مدّة للحمل هي ستة أشهر لأنّ الحمل والفصال الذي هو الفطام ثلاثون شهرا فإذا كان الفطام وحده أربعة وعشرون شهرا فإنّ الباقي ستة أشهر وهي أقلّ مدّة للحمل .
فالمشرّع التونسي لم يحدّد أدنى مدّة للحمل بستّة أشهر جزافا بل إنّه تبنّى الرأي الغالب في الفقه الإسلامي وما قرّرته لائحة الشيخ عبد العزيز جعيّط وكان منجسما من هذه الناحية مع التشاريع في البلدان الإسلامية والتشاريع الغربيّة أيضا ولو أنّ المشرّع الفرنسي بالفصل 314 م م ف والمشرّع الإيطالي بالمادّة 232 من المجلّة المدنيّة الإيطاليّة لم يحدّدا هذه المدّة بحساب الأشهر وإنّما حدّداها بحساب الايام اي مائة وثمانون يوما وهو نفس الشيء تقريبا طالما أن الشهر عندنا يساوي ثلاثون يوما تطبيقا لأحكام الفصل 141 م ا ع .
وخلاصة القول أنّ قرينة الفراش لا مجال لانطباقها إذا لم تكتمل أدنى مدّة للحمل المحدّدة بستة أشهر من تاريخ قيام العلاقة الزوجيّة بحيث يعتبر هذا الطفل طبيعيا ولا يلحق بنسب صاحب الفراش كما أنّه لا موجب للقيام بدعوى نفي نسب هذا الطفل تطبيقا لمقتضيات الفصل 75 م ا ش الذي نصّ على أنّه إذا نفى الزوج حمل زوجته أو الولد اللاّزم له فلا ينتفي عنه إلاّ بحكم الحاكم .
إذ المقصود بعبارة الولد اللازم له هو الولد المولود لصاحب الفراش وبعد مرور المدة القانونية للحمل . غير أنّ وضعيّة هذا الطفل لا تثير إشكالا إذا قام الأب بترسيمه بدفاتر الحالة المدنيّة بإسمه رغم أنّه لم يولد إثر ستة أشهر من إبرام عقد الزواج إذ لا وجود لأي نصّ في القانون التونسي يمنع ضابط الحالة المدنيّة من ترسيمه بإسم الزوج إذا طلب منه ذلك.
ونجد صدى لهذا الموقف لدى بعض الفقهاء المسلمين الذين يعتبرون أنّه إذا جاءت المرأة بولد لأقلّ من ستّة أشهر فإنّ نسبه لا يثبت لأنّ الحمل سابق عن النكاح إلاّ إذا أقرّ به الزوج اوإدعاه فإنّ نسبه يثبت منه بالدعوى بحيث يحمل على أنّ المرأة قد حملت به من فراش سابق سواء كان بعقد صحيح أو فاسد أو وطئ بشبهة مراعاة لمصلحة الولد .
أمّا إذا ولد هذا الطفل قبل إكتمال أجل ستّة أشهر وأنكره الزّّوج ورفض ترسيمه بإسمه في دفاتر الحالة المدنيّة فإنّ هذا الطفل يعتبر طفلا طبيعيا ولا يمكنه إثبات نسبه الشرعي لانعدام قرينة الفراش إلاّ إذا أثبت أنّ علاقة والديه قبل إبرام العقد كانت من قبيل الزواج الباطل على معنى الفصل 36 ق ح م على أنّه يبقى على حقّه في إثبات بنوته طبق أحكام قانون 1998 من خلال القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي .
والجدير بالذكر أنّ زواج والديه لا يكسبه صفة الطفل الشرعي ضرورة أنّ المشرّع التونسي لا يكسب صفة الشرعيّة للطّفل بالزواج اللاحق للحمل به من والديه إلاّ إذ ولد خلال المدّة القانونيّة للحمل. وهو حلّ قد لا يتماشى مع العدل والإنصاف والمنطق القانوني السليم إذ قد يخلق تفرّقة تعتمد على تاريخ الميلاد بين طفلين يعيشان تحت سقف واحد ومن أب واحد أحدهما طفل شرعي والآخر طفل طبيعي ليس له إلاّ أن يلجأ إلى قانون 1998 لإثبات بنوته.
في حين يعتبر المشرّع الفرنسي مبدئيا الطفل المولود قبل مضي أدنى مدّة للحمل طفلا شرعيا للزوج إلاّ إذا نفى الزوج بنوّته، ويؤسس الفقهاء هذا الحلّ على أنّ الزوج قد عبّر عن إرادته الضمنيّة بقبوله للطفل أنّه إبن شرعي له طالما أبرم عقد الزواج مع علمه المسبق بحمل الأم.
وقد إستقرّ فقه القضاء الفرنسي منذ الثلاثينات على إعتبار أنّ هذا الطفل طفل شرعي بصفة أصليّة وليس طفلا شرعيا بالزواج اللاحق لوالديه بحيث يعتبر هذا الطفل قد إكتسب صفة الطفل الشرعي منذ الحمل به وليس من تاريخ زواج أبويه وفي هذه الحالة فإنّ صفة الشرعيّة تختلف عن الإكساء بالشرعيّة « Légitimation » بأن لها مفعول رجعي . غير أنّ قرينة البنوة الشرعيّة في هذه الحالة لها حجيّة ضعيفة إذ يمكن للأب نفيها بمجرّد الإنكار .101” simple dénégation »
وعموما فإنّ النسب في القانون التونسي يثبت إذا جاءت الزوجة بالطفل لأكثر من ستّة أشهر لأنّه أتى في مدّة تحتمله بإعتبارها تفوق أدنى مدّة للحمل تطبيقا لأحكام الفصل 71 وهو ما أكّدته محكمة التعقيب التي قرّرت أنّه " إذا ولدت الزوجة لتمام ستّة أشهر فأكثر من حين عقد الزواج سواء كان العقد صحيحا أو فاسدا يثبت نسب المولود من الزوج." أمّا الطفل المولود قبل مضيّ أدنى مدّة للحمل سواء كان إثر إبرام عقد الزواج أو قبله فلا يعتبر مبدئيا إبنا شرعيّا للزّوج ويعتبر مقطوع النّسب من أبيه على أنّه يبقى على حقّه في القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي لاثبات بنوته الطبيعية.
ولئن كان تحديد أدنى مدّة للحمل لم يطرح اشكاليات كبيرة على فقهاء المسلمين فإنّ بيان أقصى مدّة للحمل أدّى إلى تباين في الاراء لعدم وجود نص في القرآن ولا في السنة يحدّده .
2 – أقصى مدّة للحمل : تحتسب أقصى مدّة للحمل عند فراق الزوجين بطلاق أو بوفاة ثمّ ولدت الزوجة، والأصل ان يثبت نسب الولد من الزوج ما دامت الولادة في حدود أقصى مدّة للحمل. وقد إختلف فقهاء الشريعة إختلافا كبيرا في بيان هذه المدّة لعدم وجود تحديد لها لا في القرآن ولا في السنّة النبويّة .
وحسب المذهب المالكي تصل هذه المدّة إلى خمس سنوات ويرى الحنابلة والحنفية أنّ أقصى مدّة للحمل سنتان لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت لا تزيد المرأة عن السنتين في الحمل ويرى الظاهرية أن أقصى مدّة للحمل تسعة أشهر بينما يرى ابن رشد في كتابه بداية المجتهد أنّ أقصى مدّة للحمل سنة شمسيّة ويرى أنّهذه المسألة يعتمد فيها على العادة والتجربة لاعلى النادرالذي قد يكون مستحيلا.
وعموما فإنّ أغلب الحلول التي أوردها الفقهاء المسلمون لبيان أقصى مدّة للحمل يبرز من خلالها مراعات الجانب الإنساني والرّغبة الواضحة في فيحماية الطّفل من الظهور بمظهر ابن الزّنا لما قد يسببه له ذلك من الخزي والعار والحرمان من حقوق الطفل الشرعي ورغبة أيضا في عدم إظهار الأم بمظهر الزانية فيقام عليها الحدّ.
وعلى غرار بقيّة المشاريع العربية والإسلاميّة تبنى المشرّع التونسي الحلّ المعتدل لدى فقهاء الشريعة الإسلاميّة فحدّد هذه المدّة بسنة شمسيّة بالفصلين 35 و 69 م أ ش وهو حلّ وإن كان لا يتفق مع المجرى الاعتيادي للأمور وما قرّره الأخصائيّون من أنّ مدّة الحمل لا تتجاوز تسعة أشهر إلاّ أنّه من شأنه أن يشمل جميع الحالات النّادرة ويحتاط في إثبات النسب حماية لمصلحة الأم ولحقوق الطفل . والملاحظ أنّه تطبيقا لأحكام الفصل 69 م أ ش أنّ الطفل المولود إثر عام من غيبة الزوج لوفاته أو وقوع الطلاق يعتبرمبدئيا طفلا شرعيّا إلاّ إذا وقع إنكار نسبه فقد إقتضى الفصل المذكور أنّه :" لا يثبت النسب عند الإنكار لولد ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها ولا ولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها أو من وفاته أو من تاريخ الطلاق."
وبالتالي فإنّ الولادة إذا كانت خلال مدّة سنة من تاريخ الفرقة ثبت نسب الطفل من الزوج كما يثبت نسبه أيضا إذا لم ينكره الزوج أو كل من له مصلحة في ذلك ولو ولد الطفل بعد مرور هذه المدّة. وهو ما يعبّر عن رغبة المشرّع في الحفاظ على رابطة النّسب وحماية حقوق الطفل ومصلحة العائلة الشرعية ما دام من له مصلحة شرعية في إنكار النسب قد رضي باكتساب الطفل للنسب الشرعي رغم ولادته إثر أقصى مدّة للحمل . وبالتالي فان الفصل69 صورة من صور نفي النسب على خلاف التشريع السوري الذي نصّ في المادّة 128 من قانون الأحوال الشخصيّة انّ نسب الطفل لا يثبت إذا ولد إثر أقصي مدّة للحمل، أمّا المشرّع المصري فقد تبنى نفس الحل المعتمد في القانون التونسي تقريبا بأن منع المحكمة من سماع دعوى إثبات النسب من الزواج إذا ولد الطفل إثر أقصى مدّة للحمل وأنكره الزوج.
والجدير بالذكر أنّ المشرّع التونسي لم يحدّد طبيعة حجيّة قرينة أقصى مدّة للحمل على أنّه يمكن القول أنّ هذه القرينة لا تتمتّع بحجّية مطلقة وإنّما تقبل إثبات ما يخالفها تطبيقا لأحكام الفصل 75 متن م أ ش وذلك بجميع وسائل الإثبات الشرعيّة وهو نفس الحل الذي إعتمده المشرّع الفرنسي بالفصل 311م م ف الذي يعتبر أنّ قرينة أقصى مدّة للحمل قرينة بسيطة وتقبل إثبات ما يخالفها.
وقد أكّدت محكمة التعقيب التونسيّة على هذا المبدأ إذ إعتبرت أنّ ولادة الطفل في بحر المدّة القانونيّة للحمل لا يمنع الزوج من إثبات عدم حصول التلاقي بينه وبين زوجته، فقد جاء في قرارها المؤرّخ في 25 جوان 1968 أنّ : " الولد الذي وضعته أمّه بعد الطلاق ينسب قانونا لأبيه إذا كان وضعه في مدّة الوضع الطبيعي التي ضبطها الفصل 69 م أ ش إلاّ أثبت أحد الزوجين عدم التلاقي بينهما قبل الطلاق وبعده."
وصفوة القول أنّ الطفل المستفيد من قرينة الفراش هو مبدئيا الطفل المولود بموجب عقد زواج صحيح أو باطل وولد قبل مرور سنة من إنفصال الرّابطة الزوجيّة أو بعد ذلك شرط عدم إنكاره من طرف الزوج وكذلك الطفل المولود بعد ستّة أشهر من قيام الرّابطة الزوجيّة. أمّا الطفل الذي ولد خارج هذه الآجال أو لا وجود لعقد زواج صحيح أو باطل بين والديه فلا يتمتّع بقرينة الفراش ويعتبر نسبه مقطوعا من أبيه ولا يبقي له سوى القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي طبق قانون 1998 مادام المشرّع لا يشترط قرينة الفراش في هذا القانون لإثبات البنوّة.
ب – إقصاء قرينة الفراش في قانون 1998 : حافظ المشرّع التونسي في قانون 1998 على الإقرار وشهادة الشهود كوسيلتين لإثبات البنوة الطبيعية مقصيا في المقابل قرينة الفراش من وسائل الاثبات المعتمدة به . وهو ما يوْكد أنّ قرينة الفراش لا تخصّ سوى الأطفال الشرعيين الذين ليسوا في حاجة للقيام بدعوى إسناد اللقب العائلي وإنما يثبت نسبهم بصفة آلية او إثر القيام بدعوى إثبات النسب ما دام الفراش بين الأب والأم قائما سواء كان شرعيا أو فاسدا وولد الطفل وخلال المدّة القانونية للحمل.
أمّا الأبناء المعنيين بقانون 1998 والمعبّر عنهم بالأطفال المهملين ومجهولي النسب فان الفراش في حالتهم منعدم تماما سواء كان فراشا صحيحا أو فراشا بعقد فاسد. ويتدعّم هذا الرأي بما إستقرّ عليه عمل المحاكم التونسيّة وفقه قضاء محكمة التعقيب من أنّ العلاقات الخنائية التي لا تستند إلى فراش لا ترتّب نسبا وهو نفس الامر بالنسبة للوسائل الإراديّة لإثبات النسب المجسمة في الإقرار وشهادة الشهود والتي لا تعتبرها محكمة التعقيب وسائل مستقلّة بذاتها عن قرينة الفراش وهو ما سيقع التطرق إليه لاحقا بأكثر تفصيل . ونذكر في هذا السّياق قرارين تعقيبيين جاء في القرار الأوّل أنّ :" الإقرار بالفصل 68 م أ ش هو الإقرار المبني على وجود رابطة زواج شرعي ولو كان هذا الزواج مختل الأركان القانونيّة."
وجاء في القرار الثاني أنّه " طالما أنّ الشهادة التي إستندت إليها المدّعية لا تفيد قيام فراش صحيح ولا فاسد فلا تصلح سندا للنسب ."
فالموقف الغالب في فقه القضاء التونسي يعتبر أنّ النسب الشرعي لا يمكن أن يكون الاّ مؤسسا على قرينة الفراش وعليه فإن الإقرار وشهادة الشهود لا يعتدّ بهما إذا كان موضوعهما إثبات نسب طفل ناشئ عن علاقة خنائيّة.
وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ المشرّع التونسي عندما تحاشى استعمال مصطلح النسب في قانون 1998 واقتصر على مصطلح إسناد اللقب العائلي للأطفال المهملين ومجهولي النسب في عنوان القانون وعلى مصطلح إثبات الأبوّة بفصله الأوّل فإنّه عبّر عن محافظته على المفهوم التقليدي لمصطلح النسب بما هو علاقة شرعيّة بين الطّفل و ابيه . وبما هو رابطة النسب الأبوي المستندة أساسا إلى الفراش سواء كان فراشا صحيحا أو بعقد فاسد أما العلاقات الغير الشرعيّة فلا يترتّب عنها ثبوت النّسب وإنّما ثبوت البنوّة الطبيعيّة وإسناد اللّقب العائلي مع مايترتّب عن ذلك من آثار شخصيّة كما أوردها قانون 1998.
ويستخلص مما سلف بيانه إنّ أحكام النسب في م أ ش إنّما تتعلّق بإثبات النسب الشرعي المستند على قرينة الفراش أمّا قانون 1998 فإنّه يتعلّق بتنظيم وضعية الأطفال الغير شرعيين المولودين خارج إطار الفراش وذلك بإثبات بنوّتهم تجاه الأب الطبيعي ومنحهم بعض الحقوق التي لا تضاهي في جوهرها ومضمونها الحقوق المخوّلة للطفل الشّرعي، كلّ ذلك مع سعي المشرّع إلى عدم المساس بأحكام النسب الشرعي الذي يبقى خاضعا من حيث إثباته وآثاره لم أ ش والمستمدّة أساسا من التشريع الاسلامي. فالطفل الذي لم يتمكّن من إثبات نسبه بامكانه اللّجوء لقانون 1998 لإثبات بنوته الطبيعية اذا لم يكن ثمرة علاقة شرعية.
وعليه فانّ أحكام قانون 1998 لا تصلح أن تكون سندا لدعوى إثبات النسب التي يبقى سندها الوحيد أحكام إثبات النسب الواردة بم أ ش وهو الإتجاه الذي يسير عليه على صواب التطبيق القضائي للمحاكم التونسيّة إذ يقع رفض الدّعوى أو تحويرها كلّما استند القائم بها على أحكام القانون المذكور ضرورة أنّ أحكام قانون 1998 لا تصلح إلاّ كسند لدعوى إسناد اللقب العائلي كلّما كان الفراش مفقودا.
وهو ما يجعلنا نجزم بأنّ قانون 1998 يعدّ دليلا قاطعا على أنّه لا يمكن إعتماد أحكام م أ ش لإثبات نسب الأطفال المولودين خارج إطار الفراش إذ لو كان الأمر كذلك لكان المشرّع أكثر جرأة وقام بتنقيح م أ ش فمؤسسة اللقب العائلي المحدثة بهذا القانون مكنت المحكمة المتعهّدة بدعوى إسناد اللقب من تجاوز حتميّة قرينة الفراش لإثبات البنوة وهو ما يسهّل على القضاء إيجاد لوضعيّة الأطفال المهملين ومجهولي النسب الذين لا ذنب لهم سوى أنّهم كانوا ضحية خطيئة والديهم هذا من جهة ومن جهة أخرى يؤدّي إلى حصر المستفيدين من قرينة الفراش بالتضييق في مفهوم الزواج الباطل .
وعلى هذا يمكن القول أنّ قانون 1998 يمثل نقلة نوعية في القانون التونسي بما أنّ المشرّع التونسي أصبح يعترف بالأبناء الغير شرعيين وينظم وضعيتهم بموجب هذا القانون بعد أن كان الابن الغير شرعي لا ينسب إلاّ لأمّه وقرابتها تطبيق لأحكام الفصل 152 م أ ش فأصبح بالإمكان إسناده لقب أبيه وتحميل هذا الأب بالتزاماته القانونيّة نحو إبنه والمحدّدة حصرا صلب هذا القانون .
وترتيبا على ذلك فإنّه ما من شكّ قانون 1998 بتنظيمه لوضعية الأطفال المولودين خارج إطار الزواج، قد أخرج فقه القضاء التونسي من المأزق الذي وجد فيه بين مقتضيات نصوص م أ ش وأحكام الشريعة من جهة والتي تحرم هوْلاء الأطفال من نسب الأب وبين متطلبات العدالة والإنصاف من جهة أخرى وذلك من خلال التسهيل على القضاء في إيجاد حلول لوضعيّة الأطفال الطبيعيين بأن أوجد مؤسسة قانونيّة تمكّن المحاكم من تجاوز قدسية قرينة الفراش لإثبات البنوة لكن لا يكون ذلك إلاّ في إطار دعوى إسناد لقب عائلي وليس دعوى ثبوت نسب وهو ما يؤدّي حتما إلى التضييق في مفهوم الزواج الباطل ما دامت الغاية التي دفعت بفقه القضاء إلى التوسّع في مفهومه قد تحققت وهي إثبات النسب وأصبحت في قانون 1998 إثبات بنوة وإسناد لقب عائلي للطفل مع ما يترتّب عن ذلك له من حقوق.
وبما أنّ رابطة الطفل بأبيه هنا هي رابطة بيولوجيّة بالأساس فقد حلّ التحليل الجيني محلّ الفراش كوسيلة لإثبات البنوة في قانون 1998 .












المبحث الثاني : الحقيقة البيولوجيّة المؤسسة على التّحليل الجيني :
لئن كان سعي المشرّع في البحث عن الحقيقة البيولوجيّة نسبي في م أ ش ذلك إرادة المشرّع المتّجهة نحو تكريس أفضلية العائلة الشرعية هي التي دفعته إلى تأسيس أحكام إثبات النسب على قرينة الفراش التي قد لا تجزم بصحة نسب الطفل، سيّما وأنّ علاقة النسب الشرعي في م أ ش لا تتأسّس على الرابطة البيولوجيّة بين الطفل وأبيه فحسب وإنّما على روابط إجتماعيّة وعاطفيّة تنصهر في مؤسسة الفراش التي تعبّر عن الحقيقة الشّكلية قبل الحقيقة الموضوعية الغاية من ذلك الحفاظ على وحدة الرّابطة الدّمويّة بالتوازي مع الحفاظ على مؤسّسة الزواج.
بينما إتّجه المشرّع التونسي في قانون 1998 نحو تكريس الحقيقة البيولوجية بالإعتماد على وسائل الإثبات التي وضعتها العلوم البيولوجية على ذمّته والتي قلّصت من مجال الشك في إثبات بنوة الشخص فخوّل إثبات بنوة الأطفال المهملين ومجهولي النسب بواسطة إجراء التحليل الجيني. وقد أثبتت تقنية التحليل الجيني نجاعتها وقدرتها على إكتشاف الحقيقة البيولوجية وتحديد الأب الحقيقي للطفل ممّا جعلها تحرز على ثقة المشرّع التونسي الذي أدرج الإختبار الجيني ضمن وسائل الإثبات المعتمدة لاثبات البنوة الطبيعية في قانون 1998 . وإضافة إلى ما يطرحه هذا الإجراء من تساؤلات مشروعة تتّصل بميدانه فإنّه يطرح أيضا عديد الإشكاليات العمليّة والتطبيقيّة .
الفقرة الأولى :ميدان إجراء التحليل الجيني :
لا يستبعد بعض شرّاح القانون أن يصبح التحليل الجيني سيّد الأدلّة ضمن وسائل إثبات البنوّة بالمقارنة مع وسائل الإثبات التقليديّة التي أبقى المشرّع عليها لإثبات النّسب الشرعي في م أ ش، وهو ما يدفعنا إلى التساوْل حول ما إذا كان من المتجه استبعاد الأحكام التقليدية المتّصلة بإثبات النسب وتكريس أحكام جديدة تعتمد على الحقيقة البيولوجية التي أصبحت سهلة المنال بفضل تطوّر العلوم البيولوجيّة ؟ أم الإبقاء على التّحليل الجيني كوسيلة لإثبات البنوة الغير شرعية فحسب في إطار دعوى إسناد اللّقب العائلي؟.
أ – إجراء التحليل الجيني في دعوى إسناد اللقب العائلي : جاء بالفصل الأوّل من قانون 28 أكتوبر 1998 المتعلّق بإسناد اللّقب العائلي للأطفال المهملين ومجهولي النسب في فقرتة الثانية أنّه :" يمكن للأب أو للأم أو للنيابة العمومية رفع الأمر إلى المحكمة الابتدائية المختصّة لطلب إسناد لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني أنّ هذا الشخص هو أب ذلك الطفل."
مبدئيا يمكن القول أنّه بإعتماد التأويل الضيّق لأحكام هذا الفصل يتّجه التأكيد أنّ المشرّع التونسي قد قرّر أن تحديد هوية أب الطفل المجهول النسب يتم سواء بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بالتحليل الجيني فحسب وتأسيسا على ذلك فانّ المشرّع التونسي قد أقصى بقيّة الوسائل العلمية التي من الممكن إعتمادها في هذا المجال من ذلك تقنية التحليل الدموي .
وغنيّ عن البيان أنّ تقنية التحليل الدموي تعدّ أحد الوسائل البيولوجية القديمة المعتمدة لإثبات البنوّة أو لنفيها، فقد أجمع علماء الطب على صحة نظرية "ماندال" بأنّه يوجد قانون للتناسل يفترض أن كلّ شخص يرث خصائصه الدمويّة من الأب والأم بالتناصف، بحيث أنّ الطفل الذي يندرج ضمن فصيلة ( أب ) مثلا لا يمكن أن يكون من أبوين من صنف (و) وعلّة ذلك أنّ الطفل لا يمكن أن يوجد بدمه عنصر أو عدّة عناصر إلاّ إذا كانت موجودة عند أبـويه بحيث أنّ المادّة التي يتضمّنها دم الطفل دون أن تكون لدى أمّه فمصدرها أبوه دون شك وفـي صورة فقدها عند هذا الأخير فإنّ صلة النّسب الدموية لا وجود لها بين الطفل والرجل المنسوب إليه .
والجدير بالإشارة أنّ المشرّع الفرنسي قد أدخل تقنية التحليل الدموي بموجب القانون 15 جويلية 1955 المنقّح للفصل 340 قديم م م ف المتعلّق بالبحث عن البنوة الطبيعية كوسيلة لإثبات البنوة كما أشار قانون 1972 إلى التحليل الدموي والى أي تقنية طبيّة اخرى مستثاق فيها .
وبموجب التنقيحات المتعاقبة التي أدخلها المشرّع الفرنسي على م م ف وعلى مجلّة المرافعات فإنّه لم يتحدّث إلاّ على تقنية التحليل الجيني التي أثبتت التجارب العلميّة نجاعتها في نفي البنوة و في إثباتها أيضا.
ويرتكز تحليل البصمات الوراثيّة على حقيقة علمية مفادها أنّ لكلّ شخص إذا لم يكن توأما حقيقيا تفرّد بيولوجي إذ يستقلّ بنظام وراثي فريد يوفّره كل من الأب والأم بالتساوي لحظة الإخصاب. ويكون هذا النظام الوراثي مستقلاّ في كل نواة من كلّ خلية في جسم الإنسان ويتّّخذ شكل ثلاثة وعشرون زوجا من الصبغياتChromosome حيث تتكوّن كلّ واحد من هبأة خطية « molécule linéaire » مركّبة بدورها من أ. د. ن. A.D.N ويصطلح على تسميتها بالحامض النووي « Acide désoxyribonucléique »وجميع البيانات المتعلّقة بالتكوين الجسماني الخاصّة بكل فرد وكيفية أداء كلّ وظيفة بيولوجيّة مثال طول القامة ولون العينين التي تكوّن جزءا من الحامض النووي التي يطلق عليها مصطلح العوامل الوراثيّة أو الجينات « Gènes » .
ولا يتشابه عمل المورّثات من شخص إلى آخر بحيث أنّ لكلّ "جين" القدرة على أن يكاثر نفسه منتجا مثيلا له تماما، ونادرا جدّا ما ينتج عن هذا التكاثر جينا مختلفا عن الجّين الأصلي وهكذا يحدث إستمرار التركيب الوراثي من جيل إلى الجيل التّالي ، ويطلق على هذه الظاهـرة علميّا إسم الشّكالة البـيولوجيّة" La polymorphisme génétique" .
ويتميّز إختبار الخلايا الوراثية عن تحليل فصائل الدم أنّ هذه الأخيرة تقتصر على نفي البنوّة ولا يتسنّى لها إثبات البنوة بصفة قاطعة أمّا البصمات الوراثيّة فإنّها ترتكز على عناصر مقارنة أكثر عددا وتمكّن بالتالي من التحقق من هويّة المعني بالأمر إيجابيا وتحديد هويّة الأب البيولوجي للطفل بصورة تكاد تكون قطعيّة سواء كان الأب حيّا أو إثر وفاته أيضا. ويمكن القيام بالتحليل الجيني إعتمادا على عدّة عناصر كالدّم والسائل المنوي والشّعر والأظافر وغير ذلك من خلايا الجسم البشري..
ومسايرة من المشرّع التونسي للتطوّر الذي شهده العلوم البيولوجيّة وإقتناعا منه بالحجيّة التي تكاد تكون مطلقة للتحليل الجيني كرّس هذه التقنية كوسيلة لإثبات البنوة الغير شرعيّة في القانون عدد 75 لسنة 1998. واحتراما لإرادة المشرّع وبالإعتماد على التأويل الضيّق فإنّه من المتجه القول أنّ المشرّع التونسي قد أقصى بقيّة الوسائل العلميّة الأخرى التي قد تمكّن من إثبات بنوة الشخص من ذلك تقنية التحليل الدموي والتي لم تحرز على ثقة المشرّع في هذا القانون، وهو ما يؤكّد حرص المشرّع التونسي على الحقيقة البيولوجيّة وإقناع الأب المطلوب في دعوى إسناد اللّقب العائلي بحقيقة بنوّّّّته للطفل حتى يتحمّل بمسؤولياته القانونيّة نحوه على إقتناع تام على الأقلّ بسبب وجود رابطة بيولوجيّة تجمع بينهما.
ويتجسّم هذا الموقف فيما جاء في ردّ الوزارة على تساؤلات النواب أثناء النّقاش في مشروع القانون المذكور إذ جاء على لسان الوزير ما يلي :" إنّ التحليل الجيني يثبت علميّا ودون شك إنتماء الطفل لأبيه وقد أفاد بذلك أهل الإختصاص هذا وإنّ أغلب التّشريعات الأجنبيّة المتقدّمة وكذلك فقه القضاء المقارن أصبح يعتمد هذه الوسيلة في المجال الجزائي وفي إثبات البنوة ومن ذلك إعتماد المحاكم الفرنسيّة هذه الحجّة في القضيّة الشهيرة المعروفة بقضيّة إيف مونتان وذكرت أنّ نسبة الخطأ في إثبات البنوة نسبة ضئيلة جدّ يمكن القول أنّها تؤدّى إلى الاقتناع التّام ."
بيد أنّه لا يمكن القبول بالتحليل الجيني كحقيقة مطلقة لأنّه كغيره من الحقائق العلميّة تبقى نتيجته نسبيّة زمانا ومكانا ومن الممكن أن يتطوّر العلم في إتّجاه التشكيك في مدى مطابقة نتائجه للواقع سواء من حيث الوسائل المعتمدة فيه أو طرق إجرائه، هذا فضلا عمّا يشكو منه في الوقت الرّاهن من نقائص من ذلك صورة التوأم الحقيقي وعدم الإستبعاد الكلّي لحلات التطابق في الخصائص الوراثيّة بين الأشخاص، كما أنّ التحليل الجيني يبقى في نهاية المطاف عملا بشريّا يظلّ إحتمال الخطإ فيه واردا ومن ثمّ فمن غير المستبعد أن يحصل خطأ في أخذ العيّنات أو إستخلاص النتائج أو حتّى في إعتماد عيّنات للتّحليل لا تتعلّق بالشّخص المطلوب.
ومهما يكن من أمر فإنّ التحليل الجيني يعدّ وسيلة مستقلّة لإثبات البنوة الغير شرعيّة في قانون 1998 حسبما يفهم من أحكام الفصل الأوّل منه الذي عدّد وسائل إثبات هذه البنوة بإستعمال حرف أو بحيث يكفي أن تثبت الرابطة البيولوجيّة بين الطفل والأب المطلوب بواسطة إجراء التحليل الجيني حتى تصرّح المحكمة بثبوت البنوة وتقضي بإسناد اللّقب العائلي للطفل المجهول النسب.
وقد إعتمدت محاكم الموضوع التونسيّة في العديد من الأحكام التحليل الجيني كوسيلة أصليّة ومستقلّة عن بقيّة وسائل إثبات البنوة من ذلك الحكم الصادر عن المحكمة الإبتدائيّة بالمنستير بتاريخ 25 ماي 2000 والذي جاء فيه ما يلي :" حيث إقتضت أحكام الفصل الأوّل من القانون عدد 75 لسنة 1998 المؤرّخ في 28 أكتوبر 1998 المتعلّق بإسناد اللّقب العائلي للأطفال المهملين ومجهولي النسب أنّ لقب يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني .
وحيث يتّضح بالإطّّلاع على النّسخة طبق الأصل من الإختبار الجيني المجرى على أطراف قضيّة الحال بمعهد باستور… أنّ أبوة المطلوب للبنت.. المقام في حقّها لا شكّ فيها بما تكون معه الدعوى والحالة تلك في طريقها واتجه الحكم لذلك لصالحها".
ومن جهة أخرى إعتمدت بعض المحاكم التونسيّة التحليل الجيني كوسيلة إثبات تكميليّة لتعزيز قناعة المحكمة بثبوت بنوة الطفل المقام في حقّه بدعوى إسناد اللّقب العائلي بحيث يقع الإلتجاء إلى الإختبار الجيني كلّما بقي بعض الشكّ حائما حول بنوة الأب المزعوم رغم وجود إقرار أو شهادة شهود تثبت إحتمال البنوة، ويتجلّى هذا الاتّجاه خاصّة في الحكم الابتدائي الصادر عن المحكمة الابتدائيّة بصفاقس بتاريخ 11 جوان 1999 وتتمثّل وقائعه في أنّ والدة طفلة ولدت خارج إطار الزواج قد قامت بدعوى في إثبات النسب مؤسسة دعواها على شهادة الشهود فنفى الأب أبوته للطفلة وأكّد أنّه زوج لعدّة أبناء منذ سنين عديدة فطلبت الأم الاذن بإجراء التحليل الجيني للوقوف على صحّة إدّعاءاتها وقد أذنت المحكمة تحضيريا بإجراء التحليل الجيني الذي أثبت أبوة المطلوب للبنت المقام في حقّها فقضت المحكمة بإسنادها لقب الأب مؤسسة حكمها على أنّ بنوة الطفلة ثابتة بموجب شهادة الشهود السالمين من القدح وبالتحليل الجيني المأذون به من طرف المحكمة .
ونعتقد أنّ الإذن بإجراء التحليل الجيني رغم وجود إقرار بالبنوة أو شهادة الشهود يخضع لإجتهاد المحكمة في نطاق سلطتها التقديريّة لوسائل الإثبات المقدّمة فإذا رأت المحكمة عدم كفايتها لإقناع المحكمة بأبوّة الشّخص المطلوب فلها أن تعتمد التحليل الجيني كوسيلة إثبات تكميليّة تؤدّى إلى الجزم نهائيّا بالبنوة من عدمها.
وخلاصة القول أنّ المشرّع التونسي قد إستفاد مما توصلت إليه علوم البيولوجيا ووظّف آخر إكتشافاتها المتمثلة في التحليل الجيني الذي أثبتت التجارب العلميّة نجاعته لإنتشال الأطفال المولودين خارج إطار الزواج من التشرّد والضياع بأن خوّل لهم القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي إذ ثبتت بالتحليل الجيني بصورة أساسيّة أو بالإقرار أو بشهادة الشهود بنوتهم . فمن منطلق أنّ أحكام إثبات النسب في م أ ش تقصي الأبناء الغير شرعيين وتحرمهم من حقّهم في النسب الشرعي تجاه الأب رغم أنّه قد يكون معروفا أو من الممكن معرفته فقد أصبحت الحقيقة البيولوجيّة هي هاجس المشرّع في قانون 1998 بحيث يكفي أن تثبت الرابطة البيولوجيّة بين الطفل وأبيه البيولوجي حتى يحكم له بإسناد اللّقب العائلي وتخويله بالحقوق المبيّنة بهذا القانون كل ذلك رغبة من المشرّع في تحقيق العدالة الإجتماعيّة وإنصاف هؤلاء الأطفال بعد أن كانوا محرومين من حقوقهم التي تبدو طبيعيّة تجاه الأب البيولوجي .
فمن المؤكّد إذن أنّ الأخذ بعين الاعتبار للإمكانيات التي تتيحها العلوم البيولوجيّة في مادّة الإثبات قد تجعلنا نضع وسائل إثبات البنوة التقليديّة موضع التساؤل خاصّة وأنّ تقنية التحليل الجيني بإمكانها الوصول إلى نسب مرتفعة من إحتمالات البنوة تصل إلى حدّ الاقتناع التاّم بما يساعد على الوصول إلى الحقيقة البيولوجيّة المنشودة. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هل أنّه من المتّجه واقعا وقانونا إقصاء وسائل إثبات النسب التقليديّة وتركيز أحكام جديدة للنسب ترتكز على الحقيقة البيولوجيّة بصفة موضوعيّة؟ وهل يمكن التوسيع من ميدان تطبيق تقنية التحليل الجيني وإعتمادها كوسيلة أصليّة لإثبات النسب الشرعي ؟.
ب – مدى إمكانيّة إعتماد التحليل الجيني كوسيلة لإثبات النسب الشرعي :
إنّ المتمعّن في أحكام الفصل 68 وما بعده من م أ ش يخلص إلى القول أنّ المشرّع التونسي لم يجعل من الحقيقة البيولوجيّة هي الغاية الوحيدة من أحكام النسب ،على إعتبار أنّ النسب الشرعي لا يتأسّس على رابطة بيولوجيّة بين الطفل وأبيه فحسب وإنّما على رابطة قانونيّة أيضا ذلك أنّ المشرّع قد حاول تغليف الحقيقة الشكليّة أو الظاهرة بما يخدم مصلحة الطفل والأسرة بإعتماد قرينة الفراش بحيث يفترض القانون أنّ ولادة الطفل من الزوجة في ظلّ علاقة الزوجيّة يعدّ قرينة على أنّ هذا الطفل هو إبن شرعي للزوج ، غير أنّ هذه الحقيقة الشكليّة المجسّمة في قرينة الفراش والقائمة على الإفتراض القانوني تظلّ عاجزة عن مجابهة الحقيقة البيولوجيّة التي يمكنها بواسطة التحليل الجيني الجزم قطعا بثبوت البنوة أو بنفيها .
والجدير بالإشارة أيضا في هذا السياق أنّ المشرّع التونسي لم يتعرّض إلى تقنية التحليل الدموي ولا إلى البصمات الجينيّة كوسائل قانونية لإثبات النسب الشّرعي في م أ ش ولا لنفيه. على أنّ فقه القضاء التونسي ذهب إلى القبول بإدراج الوسائل البيولوجيّة ضمن الوسائل الجائز إعتمادها لنفي النّسب بالإستناد على تأويل واسع لأحكام الفصل 75 م أ ش. وقد كانت محكمة الاستئناف بسوسة سباّقة للقبول فعليا باللّجوء إلى تحليل الدم لنفي الأبوّة عبر إثبات إختلاف الفصائل الدمويّة بين الإبن والأب المزعوم فقد جاء في قرارها المؤرّخ في 17 جانفي 1974 أنّ :" الإعتماد على التحاليل الطبيّة لنفي النّسب لا لإثباته إعتماد على وسائل إثبات شرعيّة مادام الطب الحديث في إستطاعته اليوم القطع بنفي أبوّة شخص لآخر حسب تحاليل خاصّة تؤدّي إلى نتيجتها دون شك أو جدل"
كما أكّدت محكمة التعقيب التونسيّة من جهتها على هذا الموقف في العديد من المناسبات وجاء بأحد قراراتها :" أنّ أحكام الفصلين 75 و 76 من م أ ش إقتضت إمكانيّة القيام بطلب نفي النسب إستنادا إلى كافّة وسائل الإثبات ومنها وسيلة تحليل الدم التي هي حجة قاطعة يمكن الاستناد إليها في طلب نفي النسب ".
فتحليل فصائل الدّم كما هو الشّأن أيضا بالنسبة لتقنيّة التحليل الجيني من الممكن إعتمادهما كوسائل لنفي النّسب الشرعي تطبيقا لأحكام الفصل 75 م أ ش الذي إقتضى صراحة أنّه:"إذا نفى الزّوج حمت زوجته الولد اللازم له فلا ينتفي عنه إلاّ بحكم الحاكم وتقبل في هذه الصورة جميع وسائل الإثبات الشّرعيّة." طالما أنّ هذا الفصل لم يعدّد على سبيل الحصر الوسائل الشرعيّة التي من الممكن إعتمادها لنفي النسب وكانت عبارته عمّة ومطلقة. بينما إقتضى الفصل 68 م أ ش أنّ:"ّ النسب يثبت بالفراش أو إقرار الأب أو شهادة شاهدين من أهل الثقة".
ويبدو جليّا من صياغة هذا الفصل أنّ المشرّع التونسي قد حصر صور إثبات النّسب في إقرار الأب والفراش وشهادة شاهدين فأكثر، بدليل أنّه عدّدها مستعملا حرف " الباء " الذي يفيد التخصيص وعلى هذا الأساس لا يمكن التوسّع في تأويل هذا الفّصل ولا إضافة وسائل أخرى كالتحاليل البيولوجيّة عامّة والاختبار الجيني خاصّة لإثبات النسب. لأنّ المشرّع ورغم أنّ علاقة النسب إنّما هي واقعة قانونيّة فقد أفردها عن بقيّة الوقائع القانونيّة الأخرى بعدم خضوعها لمبدأ حريّة الإثبات وجعل وسائل إثبات النسب محدّدة على وجه الحصر على خلاف نفيه حسبما يتبيّن من خلال إجراء المقارنة بين أحكام الفصلين 68 و 75 م أ ش .
وقد تبّنت محكمة التعقيب هذا الإتجاه في تأويل أحكام هذا الفصل في قرارها المبدئي المؤرّخ في 18 جويلية 1968 والذي جاء فيه : " إنّ الفصل 68 م أ ش حصر الحجج التي يسوّغ للقاضي الاسناد إليها لإثبات النّسب وتفريعا على ذلك يكون قابلا للنقض الحكم الذي إنبنى على مجرّد قرانن لإثبات النسب"
وعلى هذا الأساس فإنّ التحليل الجيني إذن ولئن كان من الممكن أن يشكّل وسيلة لنفي النسب فلا يمكن إعتماده كوسيلة أصليّة لإثباته طالما لم يورده المشرّع صراحة بالفصل 68 م أش. وقد عبّرت محكمة التعقيب عن هذا الموقف ضمنيا في العديد من قراراتها عند تعرّضها لنفي البنوة بواسطة التحليل الدموي فقد قرّرت أنّ:" مـدلول صـيغة الفصـل 75 م أ ش يغاير ما أورده المشرّع بالفصل 68 نفس المجلّة الذي عيّن لثبوت النسب طرقا مخصوصة وصورا معينة جاءت على سبيل الحصر ولا الذّكر ذلك أنّ نفي النسب في هذه الحالة يكون مع توفّر الفراش والزواج الصحيح ولكن الولادة أو الحمل الذي جاءت به الزوجة هو موضوع الطعن أو النفي بحسب ما يقدّمه الزوج من وسائل الإثبات الشرعيّة والقانونيّة والتي لا تعدّ شهادة الشهود فيها كافية بل يجب الاعتماد على الأبحاث والاختبارات الطبية التي يكون لها تأثير سواء إيجابي وسلبي ومن ذلك وسيلة تحليل دم كل من الزوج أو الزوجة والمولود المطالب بنفي نسبه وأنّه لا شيء يمنع من إعتماد تلك الوسيلة التي حقق علماء الطب الشرعي صحّتها والتي تعدّ طريقة علميّة قاطعة ."
ونعتقد أنّ هذا التأويل الضيّق لأحكام الفصل 68 م أ ش له ما يبرّره ضرورة أنّ رابطة النسب في م أ ش ترتبط أساسا بقرينة الفراش الذي تتأسّس عليه وحده رابطة البنوة الشرعيّة بينما يقتصر التحليل الجيني على إثبات الرابطة الدمويّة فحسب والتي لا تكفي وحدها لإقامة رابطة نسب شرعي بين الطفل وأبيه إذا كان الفراش مفقودا. فعلاقة النسب الشّرعي ترتكز في م أ ش على روابط بيولوجيّة وإجتماعيّة وعاطفيّة تنصهر في مؤسسة الفراش وهو ما يستشفّ من خلال أحكام إثبات النسب ومن التطبيق القضائي لها والذي بقي محافظا على المبادئ التقليديّة للنّسب كيفما وردت الفقه الإسلامي وقد أكّدت محكمة التعقيب على هذا الموقف في العديد من المناسبات وقرّرت :" أنّ مجلّة الأحوال الشخصيّة لا تقرّ النسب المتولّد عن علاقة السفاح والزّنا والتي لا تستند إلى علاقة زواج شرعي والنسب المعترف به قانونا على معنى الفصل 68 من المجلّة المذكورة إنّما هو النسب الناتج عن الإتصال الجنسي الواقع بموجب علاقة زواج وهذا مدلول قول المشرّع يثبت النّسب بالفراش إذ إنّ كلمة الفراش تطلق على الإتّصال الشرعي الذي يستند إلى عقد زواج أمّا الطفل الناتج عن علاقة خنائيّة فإنّه لا يعتبر إبنا شرعيّا للزاني ولا يثبت نسبه إليه ولا يمكن إثبات نسب إبن غير شرعي لأب غير شرعي وهو أثر لا يمنحه القانون ."
وهو ما يدفعنا إلى القول بأنّ المولود الناتج عن علاقة خنائية لا يعتبر إبنا شرعيا ولو كان معلوم الأب أو كان من الممكن التعرّف عليه بواسطة التحليل الجيني الذي لن يثبت سوى العلاقة الماديّة والبيولوجيّة بين الطفل وأبيه والتي تبقى قاصرة عن إقامة رابطة النسب الشرعي بينهما لانعدام العلاقة القانونية إذ ليس من الضروري إثبات العلاقة الدموية لكي يثبت النّسب .
وبالتّالي فإنّ الإختبار الجيني كما ورد بالقانون عدد 75 لسنة 1998 لا يمكن أن يكون وسيلة أصليّة لإثبات النسب الشرعي تطبيقا لأحكام الفصل 68 م أ ش الذي حصر الوسائل التي يسوغ الاستناد إليها لإثبات النسب الشرعي وإنّما من الممكن إعتماده كوسيلة أصليّة ومستقلّة لإثبات البنوة الغير شرعيّة في الإطار القانوني المحدّد له وهو دعوى إسناد اللقب العائلي.
والملاحظ في هذا الصدد أنّ موقف محاكم الأصل التونسيّة قد تراوح بين رفض الدعوى أو تحويرها في صورة إستناد العارض إلى التحليل الجيني لطلب الحكم بثبوت النّسب، ففي حكمها المؤرّخ في 29 فيفري 2000 قضت المحكمة الابتدائيّة بسوسة برفض الدّعوى التي قامت بها الأمّ في حقّ إبنها القاصر عارضة أنّها تعرّفت على المدّعى عليه الذي عاشرها معاشرة الأزواج وأثمرت العلاقة بينهما إبنا من جنس الذكور رفض المطلوب الإعتراف به لذا فهي تطلب الاذن بإجراء التحليل الجيني ثمّ الحكم بثبوت نسب المطلوب للمقام في حقّه وقد أوردت المحكمة في حيثيات حكمها " أنّه تطبيقا لأحكام الفصل 68 م أ ش فإنّ النسب يثبت بتلاق وسائل وردت على سبيل الحصر وهو ما أكّده القانون عدد 75 لسنة 1998 الذي حصر إمكانيّة إستعمال التحليل الجيني في إسناد اللّقب دون إثبات النسب .
وحيث أضحت الدعوى بذلك في غير طريقها وتعيّن الحكم برفضها"
أمّا المحكمة الابتدائيّة بالمنستير فقد تبنّت حلاّ نعتقد أنّه أكثر وجاهة من الحلّ الذي إعتمدته المحكمة الابتدائيّة بسوسة إذ في وقائع مماثلة طلبت الأم إجراء التحليل الجيني ثم الحكم بثبوت نسب طفلة ناشئة عن علاقة غير شرعيّة، قضت المحكمة بعد إتمام الإجراءات بالحكم لصالح الدّعوى مع إعتبارها في إسناد لقب وليس في ثبوت النّسب تطبيقا لأحكام الفصل الأوّل من قانون 28 أكتوبر 1998 والفصل 68 م أ ش.
ومهما يكن من أمر فإنّ التحليل الجيني لا يمكن إعتماده كوسيلة أصليّة ومستقلّة لإثبات النسب الشرعي بالنظر إلى الوضع الحالي للقانون التونسي وللتطبيق الفقه قضائي الصارم لأحكام لنسـب في م أ ش اللهمّ إذا أصبح المشرّع التونسي أكثر جرأة وأقحمها كوسيلة أصليّة لإثبات النسب في الفصل 68 م أ ش .
بقي أنّ التّساءل يظلّ قائما حول مدى جواز إعتماد التحليل الجيني كوسيلة تكميليّة للوسائل القانونية لإثبات النسب الواردة بالفصل 68 م أ ش ؟
لايبدو أنّه هناك أيّ نصّ قانوني يمنع المحكمة من الإذن بإجراء التحليل الجيني في إطار الأحكام المتعلّقة بالإختبار ،وذلك لاستكمال قناعتها بثبوت النسب إذا ما تراءى لها أنّ وسائل الإثبات القانونيّة المقدّمة غير كافية للفصل في النزاع.
فوسائل إثبات النسب المقرّرة بالفصل 68 م أ ش قد يتبيّن في بعض الحالات أنّها عاجزة عن إظهار الحقيقة البيولوجيّة عندما يكون لهذه الحقيقة دور حاسم للبتّ في الدعوى. فلنأخذ على سبيل المثال الزواج الباطل الذي يشترط فيه المشرّع الدّخول لإثبات النسب بالفصلين 22 م أ ش و 36مكرّر ق ح م، ففي هذه الصورة نلاحظ أنّ قرينة الفراش وحدها غير كافية لإثبات النسب إذ يجب أن تتعزّز بحصول الدّخول المفضي للوطء. ولا جدال أنّ الدخول لا يخرج عن كونه واقعة قانونيّة يمكن إثباتها بجميع وسائل الإثبات القانونيّة سواء بإقرار الأب أو شهادة الشهود أو أيضا التحليل الجيني الذي يؤدّي حتما إلى حسم النزاع .
كما أنّه قد يكون من المفيد أيضا أن تلتجئ المحكمة إلى إعتماد التحليل الجيني في إطار دعوى إثبات النسب المؤسسة على إقرار الأب وذلك إذا وجد نزاع جدّي حول صحّة هذا الإقرار فقد إقتضى الفصل 70 م أ ش أنّه :" لا عمل على الإقرار إذا ثبت قطعيا ما يخالفه ."والتحليل الجيني حسبما أكّدته الاختبارات العلميّة يفضي بصورة تكاد تكون مطلقة إلى بيان مدى صحّة هذا الإقرار من عدمه وتحديد الأب الحقيقي للطّفل الذي قد يكون المقرّ كما قد يكون غيره .
ومن المتّجه أيضا إدخال مزيد النجاعة على الشّهادة كوسيلة أصلية لإثبات النّسب بالفصل 68 م أ ش خاصّة وأنّه بالنظر إلى فقه القضاء المؤكّد إلى أنّها وسيلة غير مستقلّة وغير كافية لذاتها لإثبات النسب كما سيقع التطرّق إليه لاحقا فإنّ الأخذ بعين الإعتبار للتطوّر العلمي الذي تشهده العلوم البيولوجيّة في مادّة الإثبات من شأنه أن يخوّل للمحكمة المتعهّدة بدعوى إثبات النّسب الشرعي الإستئناس بإختبار الخلايا الوراثيّة تدعيما للشهادات الواقع سماعها والمستكملة لشروطها وذلك للتحقق من صحّة إدّعاءات الشهود خاصّة وأنّه من غير المعقول أن تتوصّل البيّنة إلى الجزم بصحّة نسب الطفل إذ غاية ما يمكن أن تتوصّل إليه هو إحتمال البنوّة على خلاف التحليل الجيني الذي أثبت نجاعته في هذا الميدان .
علاوة على ذلك يعدّ التحليل الجيني إجراءا ناجعا لفضّ نزاعات النّسب إذ من الممكن الإستناد إلى التحليل الجيني لحسم الخلاف بين فراشين، نشأ بسبب التداخل بين المدد القانونيّة للحمل.
وعموما فإنّ المشرّع التونسي قد أورد التحليل الجيني كوسيلة مستقلّة لإثبات بنوة الأطفال المهملين ومجهولي النسب وأبقى الباب مفتوحا للفقه وفقه القضاء للإجتهاد والتساؤل لا في خصوص ميدانه ونطاق إجرائه فحسب وإنّما في خصوص الإشكاليّات الإجرائية التي يطرحها هذا الإختبار في غياب نصوص قانونيّة تنظّمه من جميع جوانبه.

الفقرة الثانية : الإشكاليات الإجرائيّة المتعلّقة بالإختبار الجيني :
لقد أصبح التحليل الجيني منذ أن دخل قانون 1998 حيز النّفاذ وسيلة إثبات أصليّة ومستقلّة لإثبات بنوّّة الأطفال المولودين خارج إطار الزواج وهو أمر محمود لفاعليّة هذا الإجراء ونجاعته بما يمكن من إيجاد حلول عمليّة لهاته الشريحة من الأطفال.
لكن ما يدعو إلى التساؤل في هذا السياق هو مدى توفّر بلادنا على الوسائل الفنيّة والمعدّات التقنيّة اللاّزمة لتطبيقه على صعيد الواقع خاصّة وأنّه من المتعارف عليه أن التحليل الجيني يتطلّب وجود مخابر على مستوى عال وإطار طبّي وبيولوجي متخصّص في المادّة فضلا عمّا يستوجبه من دقّة وكفاءة فنيّة للتوصل إلى تحقيق النتائج المرجوّة منه.
في إجابته على تساؤلات النواب عند مناقشة قانون 28 أكتوبر 1998 أكّد وزير العدل أنّ البلاد التونسيّة لها وحدة التحليل الجيني متطوّرة وهي مرتكزة في معهد باستور بدأت في العمل منذ سنة 1996 . غير أنّ هذه الوحدة بقيت الوحيدة بالبلاد التونسيّة إلى غاية جويلية 1999 عندما أذنت وزارة الصحّة العموميّة لمخبر تحاليل البيولوجيا الطبيّة بالمؤسسة العموميّة للصحّة الحبيب ثامر بتونس للقيام بالتحليل الجيني. إلاّ أنّنا لا نعتقد أنّ هاتين الوحدتين بإمكانهما القيام بجميع المأموريات المكلّفين بها خلال آجال معقولة خاصّة وأنّ هاته المأموريّات لا تشمل إثبات الأبوّة فحسب وإنما أيضا بعض المسائل في المادّة الجزائيّة.
كما أنّ تركيز هاتين الوحدتين بتونس العاصمة دون بقيّة الجهات داخل البلاد لا يعدّ من العوامل الإيجابيّة المحفّزة على هذا الإجراء ذلك أن أخذ العيّنات من الأشخاص المعنيين بإجراء التحليل الجيني يستوجب علاوة على التثبت من هويتّهم الحقيقية، حضورهم شخصيّا إلى وحدة التحاليل البيولوجيّة المؤهلة لذلك وهو ما يحمّلهم مشاق السّفر لأنّه من غير المعقول أن يتمّ أخذ العينات خارج الوحدة المأذون لها بإجراء الإختبار ثم نقلها إذ يفقد في هذه الحالة هذا الإجراء الثقة التي يمنحها لأطراف النزاع .
والجدير بالذّكر أيضا أنّه رغم أنّ الإختبار الجيني أصبح يطبّق فعليا في تونس منذ سنة 1996، فإنّه بقي دون نظام قانوني متكامل ينظّمه سوى من منشور وزير الصحّة العموميّة عدد 52 لسنة 1999 والمتعلّق بإثبات الأبوّة بواسطة التحليل الجيني والذي ينظّم العمل المخبري لهذا الإجراء من حيث الشروط الواجب توفّرها في المخبر وفي الإطار الطبّي والبيولوجي المباشر للتحليل.
فالملاحظ أنّ المشرّع التونسي لمّا أدرج التحليل الجيني كوسيلة لإثبات بنوة الأطفال الغير شرعيين في قانون 1998 لم يضع نظاما قانونيا متكاملا لإحاطة هذا الإجراء بالضّمانات القانونيّة والواقعيّة التي تكفل حقوق جميع الأطراف وتزيل كلّ ما من شأنه أن يبعث الشك في الثقة التي يمنحها الاختبار الجيني للمتقاضين وللمحكمة المتعهّدة خصوصا وأنّه إختبار طبّي وبيولوجي حقّقت التجارب العلميّة قدرته على إعطاء نتائج مبهرة، لذلك فهو من النّاحية الواقعيّة من شأنه أن يقيّد من حريّة المحكمة في تقدير الاستنتاجات التي توصّل إليها الخبير وتجد نفسها مجبرة على الإقتداء برأيه دون أن تجتهد في ذلك خلافا لبقيّة الإختبارات في المادّة المدنيّة التي تبقى فيها المحكمة غير مقيّدة برأي الخبير ولها أن تستنير بما في الدعوى من العناصر التقديريّة دون رقابة عليها ما دام رأيها معلّلا بما يتّفق مع أوراق الملف من غير تحريف أو تناقض تطبيقا لأحكام الفصل 112 م م م ت. وهو ما لا تتيحه دعوى إسناد اللّقب العائلي التي يبقى فيها رأي الخبير هو الفيصل من حيث ثبوت البنوة من عدمها إلاّ إذا رأت المحكمة موجبا لإعادة الإختبار في أقصى الحالات .
بينما كان المشرّع الفرنسي أكثر جديّة وصرامة بأن سنّ نظاما قانونيا متكاملا يقنّن الإختبار الجيني من جميع جوانبه، فقد أصدر القانون المؤرّخ في 29 جويلية 1994 تحت عدد 653 والمتعلّق باحترام الجسم البشري والذي أورد بفصله الخامس أنّه يدرج بالعنوان الأوّل من الكتاب الأوّل من المجلّة المدنيّة فصل ثالث يحمل عنوان التحليل الجيني لخصائص الشخص وتحديد هويّة الشخص ببصماته الجينيّة كما أصدر المشرّع الفرنسي المرسوم عدد 97 – 109 المؤرّخ في 6 فيفري 1996 والمتعلّق شروط قبول الأشخاص المؤهّلين لإجراء تحديد هويّة الأشخاص بواسطة البصمات الجينيّة في إطار إجراءات قضائيّة .
لذا فمن المتّجه أن يتدخّل المشرّع التونسي لتقنين مسألة إجراء التحليل الجيني من حيث ظروف إجرائه وميدانه وكذلك من حيث إجراءات العرض على التحليل الجيني خصوصا في دعوى إسناد اللّقب العائلي التي تطرح عديد التساؤلات بخصوص السّلطة المختصّة بالإذن بهذا الإجراء ورفض الخضوع للتحليل الجيني .
أ – السلطة المختصّة بإصدار الإذن بإجراء التحليل الجيني : من خلال أحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 يمكن القول مبدئيّا أن الإذن بإجراء التحليل الجيني من إختصاص المحكمة الابتدائيّة المتعهّدة بدعوى إسناد اللّقب العائلي فقد أسند الفصل المذكور الاختصاص بالنظر في دعاوى إسناد اللّقب العائلي إلى المحكمة الابتدائيّة وبالتّالي فإنّ هذه المحكمة لها أن تأذن بإجراء التحليل الجيني بواسطة حكم تحضيري وذلك قبل البتّ في الدّعوى والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السّياق هل يمكن لغير المحكمة المتعهّدة بالدعوى أن تأذن بإجراء التحليل الجيني وهل أنّ الإختبار الجيني المأذون به من طرف سلطة غير قضائيّة من الممكن الإحتجاج به في دعوى إسناد اللّقب العائلي ؟.
لم يجب المشرّع صراحة على هذه الإشكاليّات أمّا المشرّع الفرنسي فقد منع بالفصل 16 – 11 م م ف إجراء التحاليل الجينيّة التي تهدف إلى تحديد هويّة الشخص ببصماته الجينيّة في المادّة المدنيّة إلاّ إذا تمّ ذلك بموجب إذن قضائي. أمّا في تونس فقد أفرز التطبيق القضائي لدعوى إسناد اللّقب العائلي أن الإذن بإثبات البنوة لا يصدر في جميع الحالات عن المحكمة المتعهّدة بدعوى إسناد اللّقب العائلي فحسب وإنّما عن بعض الهياكل الأخرى أيضا.
ففي دعوى إسناد اللّقب العائلي نظرت فيها المحكمة الابتدائيّة بالمنستير، تمثّلت وقائعها في أنّ الأم المدّعية والقائمة بحق إبنتها القاصر قد أقامت علاقة جنسيّة مع المدّعى عليه نتج عنها حمل ووضع مولودة فأجرى محضر بحث في الغرض تمّ خلاله عرض المطلوب على التحليل الجيني الذي أثبت أبويه للبنت المقام في حقّها وتمّت إحالة الأم على المجلس الجناحي لمقاضاتها من أجل البغاء السرّي وفي الأثناء قامت الأم بدعوى في إسناد اللّقب العائلي في حقّ إبنتها القاصر مؤسسة دعواها على محضر البحث وعلى التحليل الجيني الواقع إجراءه في الغرض فطغى نائب المطلوب في نتيجة الذي أذنت به الشرطة العدليّة في النتيجة التي توصّل إليها على إعتبار أنّ المدعيّة تتعاطى البغاء السرّي ولها علاقات خنائيّة مشبوهة مع عدد غير محدّد من الرجال فقضت المحكمة لصالح الدّعوى وجــاء بحيثيات الحكم ما يلي :" وحيث يتضح بالإطّلاع على النسخة طبق الأصل من الاختبار الجيني المجرى على أطراف قضيّة الحال بمعهد باستور بطلب من رئيس فرقة الشرطة العدليّة بالمنستير والتي لا ترى المحكمة أي موجب لإعادته أنّ أبوّه المطلوب للبنت.. المقام في حقّها لا شكّ فيها بما تكون معه الدّعوى والحالة تلك في طريقها واتجه الحكم لصالحها" .
و في الحقيقة فإنّ الإذن المجرى في هذه القضيّة لا يخرج عن كونه تطبيقا لمقتضيات المنشور الصادر عن وزير الصحّة تحت عدد 128 والمؤرّخ في 27 نوفمبر 1999 تطبيقا لقانون 28 أكتوبر1998 والمتعلّق بإحداث لجان خاصّة تتولّى النظر في حالات الولادات خارج الزواج.
وقد حدّد هذا المنشور تركيبة كلّ لجنة خاصّة والمتمثّلة في ممثل عن كلّ من وزارات الدّاخليّة والشؤون الاجتماعيّة والصحّة العموميّة، وتمّ تكليف هذه اللجان بإعداد ملف لكلّ إمرأة تفد إلى الهياكل الصحيّة العموميّة لإجراء الفحوصات والرقابة الأوّليّة أو للولادة دون أن تدلي بما يفيد أنّها متزوّجة .وقد حمّل هذا المنشور المسؤولين على أقسام الولادات ومراكز التوليد بالهياكل الصحيّة بواجب إعلام اللّجنة الخاصّة المعنيّة فورا بكلّ حالات الولادات خارج إطار الزواج مع الحّرص على مد اللجنة بالمعلومات والبيانات الكافية المتعلّقة بهذه الحالات .
وإثر حصول الإعلام تتولى اللجنة المعنيّة التحوّل لمعاينة الحالة وتقوّم بدورها بإعلام إدارة الشرطة العدليّة. ثمّ يتمّ إستدعاء الأم إلى مصلحة رعاية الطفولة لتدلي بمعلومات حول أب الطفل للتوسّط لديه للاعتراف ببنوة الطفل فإنّ رفض فإنّه يتم إخضاعه إلى التحليل الجيني وتصدر هذه السلطة المختصّة إذنا لمخبر التحاليل البيولوجيّة بإجراء التحليل الجيني على الأب المزعوم.
فالملاحظ أنّ هذا المنشور خوّل لرئيس مصلحة رعاية الطفولة الإذن بإجراء التحليل الجيني وبالتالي فإن الإذن في هذه الصورة لا يصدر عن المحكمة المتعهّدة بدعوى إسناد اللّقب العائلي وبالتّالي فهو لا يصدر عن هيأة قضائيّة وإنّما عن هيئة إدارية وتحديدا الشرطة العدليّة .
إلاّ أنّنا نعتقد أنّ ما جاء به هذا المنشور من تخويل للشرطة العدليّة بالإذن بإجراء التحليل الجيني ولئن كان يخدم مصلحة الطفل ويوفّر له أكثر الحظوظ لإثبات بنوته إلاّ أنّه يعدّ تعسف في حقّ الأب المزعوم وتعدّيا على حياته الخاصّة من طرف سلطة غير مؤهّلة قانونا لذلك، خاصّة وأنّ هذه السلطة قد تستغلّ ما لها من نفوذ لإخضاعه قسرا إلى التحليل الجيني هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ دعوى إسناد اللّقب العائلي هيّ في نهاية المطاف لا تتعلّق بمصلحة الطفل ووالدته فحسب وإنّما أيضا بمصلحة الأسرة والمجتمع ككلّ وهي من الدّعاوى التي تهمّ النظام العام بدليل أنّ النيابة العموميّة طرفا فيها ولتعلّقها بمسائل تمسّ بالحالة المدنيّة والعائليّة للأشخاص ولا يمكن تبعا لذلك الإعتداد بمصلحة الطفل للمساس بحرية الأشخاص وحقّهم في الحرمة الجسديّة دون أن يكون ذلك بموجب إذن قضائي تراعى فيه جميع المصالح وحقوق جميع الأطراف وتتولّى فيه المحكمة المتعهّدة تقدير جديّة المطلب الرامي إلى إجراء إختبار البصمات الوراثيّة من عدم ذلك .
ومن جهة أخرى فإنّ هذه الأذون لها حجيّة ضعيفة لمخالفتها لصريح الفصل 101 م م م ت الذي نصّ على ما يلي:"إن إقتضى الحال إجراء إختبار يتولّى الحاكم تعيين خبير ما لم يتّفق الأطراف على خبير معيّن. " ومن ثمّ يجوز للمحكمة في كلّ الأحوال عدم إعتماده ولها أن تطلب إعادته .وهو الموقف الذي أكّدت عليه محكمة التعقيب في عديد المناسبات وقد جاء بأحد قراراتها مايلي :"الإختبار المجرى من غير إذن المحكمة لا يقوم حجّة نظرا لعدم إجرائه طبق الصيغ والإجراءات القانونيّة خاصّة إذا وقعت المطالبة بإعادته."*
في المقابل أوجب المشرّع الفرنسي صراحة أن يصدر الإذن بإجراء التحليل الجيني عن سلطة قضائيّة، كما خوّل للقاضي أو للمحكمة المتعهّدة الحريّة في قبول طلب إجراء التحليل الجيني أو رفضه. ومن جهته إستقرّ فقه القضاء الفرنسي على أنّ المحاكم غير ملزمة بالإذن بإجراء التحليل الجيني إلاّ إذا تعلّق الأمر بنفي البنوة أمّا في بقيّة دعاوى البنوّة فتبقى السلطة القضائيّة المتعهّدة على حريتها في الإذن بهذا الاختبار من عدم ذلك.
والملاحظ أنّ المشرّع الفرنسي كان محدّدا للحالات التي يجوز فيها القيام بدعوى البحث عن البنوة الطبيعيّة على سبيل الحصر إلاّ أنّه وبموجب القانون عدد 22 سنة 1993 المؤرّخ في 8 جانفي 1993 قام بحذف الحالات الخمس التي تخوّل القيام بهذه الدّعوى وترك المسألة خاضعة لاجتهاد المحكمة.
بينما لم يقم المشرّع التونسي بتحديد الحالات التي تخوّل القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي مثلما هو الأمر في التشريع الفرنسي قبل تنقيح الفصل 340 م م ف. لذلك يبدو أنّه قد منح للسّلطة المخوّل لها الإذن بإجراء التحليل الجيني سلطة تقديريّة واسعة في إعطاء هذا الإذن من عدمه. لذا نعتقد أنّه من المتجه إفراد السلطة القضائيّة وحدها بإعطاء هذا الإذن خصوصا وأن دعوى إسناد اللّقب العائلي وإجراء التحليل الجيني لا يهمّ مصلحة الطفل فحسب وإنّما له مساس بالنظام العام الاجتماعي، ولا نعتقد أنّه من الممكن أن يقع الإذن في جميع الأحوال بإجراء التحليل الجيني على أي شخص تدّعي والدة الطفل أنّه أب لإبنها ما لم تتوفّر بعض الدلائل أو القرائن ولو كانت بسيطة على وجود علاقة حميمة بينها وبين الأب المزعوم أثناء المدّة القانونيّة للحمل كأنّ تثبت أنّهما على علاقة خطبة أو مخادنة أو علاقة غراميّة أو وجود حكم جناحي أدان هذا الشخص من أجل المواقعة أو المشاركة في البغاء السرّي وغير ذلك من الأدلّة والحجج التي من شأنها الإقناع بإحتمال الأبوّة. ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن نطلق العنان للأم لتطلب من شاءت إخضاعه إلى التحليل الجيني لما قد ينجرّ عن ذلك من تعسّف ومساس بسمعة الأشخاص وشرفهم ونزاهتم داخل المجتمع من جرّاء إدّعاءات هاته الأم التي قد تكون في بعض الأحيان كيديّة.
هذا فضلا عمّا يمكن أن يسبّبه هذا الإجراء من تصدّع لأركان عائلات شرعيّة أقامها الأب المزعوم من جرّاء مثل هاته الادّعاءات المشفوعة بإذن بإجراء إختبار البصمات الوراثيّة.
لذا فإنّه من المتعيّن أن تكون السلطة القضائيّة ذات إختصاص مطلق للنظر في مطالب الإذن بإجراء التحليل الجيني تطبيقا لأحكام الفصل 101 م م م ت ما لم يرد نصّ قانوني يقرّر خلاف ذلك ، خصوصا وأنّ المناشير الوزاريّة ليست لها القيمة القانونيّة للتشريع وبالتّالي ومن الضروري إعادة النظر في منشور وزير الصحّة العموميّة الذي خوّل للشرطة العدليّة الإذن بهذا الإجراء ضرورة أن القضاء هوّ وحده الكفيل بإقامة التوازن بين حقوق الطفل وحقوق بقيّة الأطراف في إطار دعوى إسناد اللّقب العائلي وخصوصا الأب المزعوم وذلك من خلال التثبت في مدى توفّر بعض الأدلّة والقرائن التي ترجح إحتمال البنوة " Vraisemblance de paternité" قبل أن تأذن بإجراء التحليل الجيني وهو الموقف الذي إعتمدته المحاكم الفرنسيّة عند تأويلها لأحكام الفصل 340 م م ف..
ومهما يكن من أمر فإنّ قبول التحليل الجيني كوسيلة لإثبات البنوة في قانون 1998 يجب إحاطته بضوابط وضمانات حتى لا تنتهك حقوق المتقاضين، وحسنا فعلت وزارة الصحّة العموميّة عندما حدّدت الأشخاص المؤهلين للقيام بإختبار البصمات الوراثيّة والشروط الواجب توفّرها في المخبر المعدّ لذلك وهو ما يفرض على المحاكم تكليف المخابر المهيأة والمرخّص لها للقيام بهذا الإجراء، إلاّ أنهّ في المقابل من غير المستساغ تخويل سلطة غير السلطة القضائيّة بإصدار الأذون بإجراء التحليل الجيني ثمّ إعتمادها كدليل للإثبات في نزاع هو بالأساس نزاع مدني فضلا على أنّه لا يمكن لغير المحكمة ترتيب الآثار القانونيّة عن رفض الأب المطلوب الخضوع إلى التحليل الجيني إلاّ إذا كانت هي نفسها التي أذنت بهذا الإجراء .
ب –الحقّ في السّلامة الجسديّة ورفض الخضوع للتحليل الجيني : إنّ إجراء التحليل الجيني في إطار دعوى إسناد اللّقب العائلي الهدف منه هو تحديد أب الطفل المجهول النسب حتى تقضي المحكمة بإسناد اللّقب العائلي إذا ثبتت علاقة البنوة وهو ما يفترض بالضرورة إجراء مقارنة بين الخاصيات الوراثيّة لذلك الطفل والأب المزعوم بما يتعيّن معه إلزام أحد الطرفين بتمكين الطّبيب من إنتزاع العينات التي ستشكّل مادّة الإختبار.
وهنا يطرح التساؤل بخصوص إمكانيّة إلزام المدّعى عليه بتمكين الطبيب من كميّة من دمه أو أي جزء من بدنه مهما كانت بساطتها، وهل يشكل ذلك إنتهاكا لمبدأ السلامة الجسديّة وما هي الآثار المترتّبة عن رفض الخضوع للتحليل الجيني في إطار دعوى إسناد اللّقب العائلي ؟.
من المهمّ الإشارة في هذا السياق إلى أن قانون 1998 لم يسنّ أيّ نصّ قانوني يجبر أطراف النّزاع على الخضوع إلى التحليل الجيني، وهو ما يجرّنا إلى القول أنّه في ظلّ غياب نصّ تشريعي صريح يفرض على الشخص الخضوع إلى التحليل الجيني لإثبات البنوّة فإنه لا يمكن غصبه وجرّه عنوة لأخذ العيّنات منه بنفس الطريقة الإلزامية للإختبارات البيولوجيّة المعمول بها في قانون 1992 المتعلّق بالأمراض السّّارية مثلا أو بمجلّة الطرقات فيما يخصّ السّياقة تحت تأثير حالة كحوليّة لأن ذلك يعدّ خرقا لمبدأ سلامة بدن الإنسان الذي يعدّ حقاّ دستوريّا لايمكن المساس به إلاّ بموجب نصّ قانوني صريح.
ويرى العميد كربونيي أن القول بأنّ أخذ العيّنات من الخلايا الوراثية لا ينتج عنه أي إنتهاك مادّي ومحسوس للسّلامة الجسديّة، لانّه يتمّ الحصول عليها عن طريق أخذ عيّنات من الشعر والأظافر أو اللّعاب، لا يعتدّ به ضرورة أنّ إنتهاك السلامة الجسديّة يندرج في إطار الحريّة المعنويّة ولا يتعلّق بجسد الإنسان بقدر ما ينصبّ على شخصيته كوحدة متكاملة (جسد و فكر) والتي يحتلّ فيها العامل المعنوي مكانة هامّة. وهذه الحريّة الأساسيّة تعتبر قاعدة جوهريّة ومبدأ أصليا فلكل فرد الحق في أن يكون بمنأى عن كلّ تطفّل من الغير.
ومن جهته أقرّ المشرّع الفرنسي هذا المبدأ صراحة صلب أحكام الفصل 16 – 11 م م ف الذي يشترط التحصيل على موافقة صريحة وسابقة لإجراء التحليل الجيني "Consentement préalable et expresse" بحيث من غير الممكن للمحكمة أو للخبير البيولوجي إخضاع الشخص للتحليل الجيني إلاّ إذا عبّر عن إستعداده لذلك. وقد إستقرّ فقه القضاء الفرنسي على إعتبار أنّ القاضي بإمكانه أن يستخلص من رفض أحد الأطراف إجراء التحليل الجيني المأذون به قرينة واقعيّة لأبوّته أو عدم أبوّته للطفل في إطار دعوى إثبات البنوة مع التأكيد دوما أنّ لقاضي الموضوع سلطة تقديريّة مطلقة في ترتيب النتائج القانونيّة عن هذا الرفض.
أمّا في النظام الأنقلوساكسوني فإنّه لا يجوز إجبار الشخص على الخضوع إلى التحليل الجّيني إحتراما لحريّته ولسلامته الجسديّة لكن رفضه يشكّل مبدئيّا رفضا للإثبات ويؤدّي إلى خسارة الدعوى، إلاّ إذا كان هذا الرفض مبرّرا بالطبيعة التعسفيّة لطلب إجراء التحليل الجيني.
في حين جعل التشريع الألماني والتشريع السويسري البحث عن الحقيقة والحقّ في الإثبات في مادّة البنوّة فوق كلّ إعتبار بحيث يمكن إلزام أطراف دعوى إثبات البنوّة بالخضوع إلى التحليل الجيني مستندين في ذلك أنّ المساس بالجسد البشري يبدو بسيطا مقارنة بالمصالح المعنيّة بهذا الإجراء .
ومهما يكن من أمر فإنّ رفض الخضوع لإجراء التحليل الجيني لا يمكن تصوّره إلاّ من طرف الأب ذلك أن الطفل هو صاحب المصلحة من دعوى إسناد اللّقب العائلي ولأنّ رفضه لإجراء التحليل الجيني يعدّ تخلّيا عن الدّعوى، مع الإشارة أنّه في جميع الأحوال لا يمكن إجراء التحليل الجيني إلاّ إذا كان الطفل حيّا ولو أنّ المشرّع لا يقرّ ذلك صراحة بقانون 1998 إلاّ أنّه يمكن الخروج بهذا الإستنتاج إعتمادا على أحكام الفصل 19 م م م ت إذ تنتفي المصلحة من القيام بالدّعوى إذا ولد الطفل ميّتا أو مات قبل القيام بالدّعوى إذ لا حاجة له بعد وفاته لنفقة أو لقب عائلي. وقد قرّر المشرّع الفرنسي هذا الحلّ صراحة صلب أحكام الفصل 725 م م ف الذي جاء فيه أنّه لا تقبل دعوى لاثبات بنوة طفل ولد ميّتا ليست لهذا الطفل الشخصيّة القانونيّة ولا يمكّنه اكتساب حقوق أو التحصّل بالتزامات ولا وجود لأيّ مصلحة من القيام بالدّعوى.
وبالرّجوع إلى فقه القضاء التونسي نلاحظ أنّ المحاكم التونسيّة لم تتّخذ موقفا واضحا بخصوص رفض الخضوع للتحليل الجيني ويتجلّى تناقض المحاكم من خلال بعض الأحكام الصادرة عن محاكم الموضوع،فمن جهتها إعتبرت المحكمة الإبتدائيّة بالمنستير أنّه لا يمكن إجبار الشّخص على الخضوع للإختبار الجيني وأكّدت أنّ رفض الخضوع لهذا الإختبار لا يشكّل قرينة قانونيّة قاطعة على البنوة، وقد جاء في حيثيات حكمها ما يلي:" وحيث أن عدم إذعان المطلوب لتنفيذ الحكم التحضيري المتعلّق بالإختبار الجيني لا يمثّل قرينة قاطعة على أنّ المطلوب والد المدعيّة.
وحيث وإعتمادا على ما سلف الإلماع إليه سابقا يتّضح وأنّ المعطيات غير كافية للبتّ في الدّعوى لهذا الطرف أو ذاك مما يتّجه معه رفض الدّعوى." والملاحظ أنّ المحكمة الإبتدائيّة بالمنستير في هذا الحكم قد إتّخذت موقفا سلبيّا بأنّ إعتبرت رفض الخضوع للتحليل الجيني ولئن أمكن إعتباره قرينة قانونيّة إلاّ أنّها لاتعدّ قرينة قاطعة ومن الضروري تعزيزها بقرائن أخرى حتى تصرّح المحكمة بثبوت البنوة .
أمّا المحكمة الإبتدائيّة بصفاقس وبمناسبة دعوى في إسناد اللّقب العائلي قامت بها الأم في حق إبنها القاصر المولود خارج إطار الزواج وبعد تعبير الأب المزعوم عن موافقته لإجراء الاختبار الجيني لم يحضر في الموعد المحدّدللغرض فأعتبرت هذه المحكمة أنّ هذا الرفض يعتبر إقرارا بالبنوة وكيّفته بأنّه إقرار حكميّ على معنى الفصل 429 م أ ع الذي ينصّ على أنّ الإقرار الحكمي ينتج من سكوت الخصم في مجلس الحكم إذا دعي للجواب عن الدعوى الموجّهة عليه وأصرّ على سكوته ولم يطلب أجلا للجواب. وهو نفس الحلّ الذي تبنّته محكمة الإستئناف بالمنستير في قرارها المؤرّخ في 12 جويلية 2000.
وهذا الحلّ الذي إنتهت إليه المحكمة الإبتدائيّة بصفاقس ومحكمة الإستئناف بالمنستير ولئن كان الهدف منه تغليب الحق في الإثبات على مبدأ السلامة الجسديّة وحريّة الشخص، والعمل على إضفاء النّجاعة المطلوبة على أحكام قانون 1998 حتّى لا يفقد الجدوى العمليّة من إقراره، إلاّ أنّ هاتين المحكمتين قد أساءتا تكييف هذا الرّفض التكييف القانوني السليم لأنّ الفصل 429 م إ ع لا ينطبق على رفض الخضوع للتحليل الجيني إذ لا يمكن إعتبار هذا الرّفض سكوتا عن الجواب عن الدّعوى لأنّ المطلوب قد أجاب عن الدّعوى عندما نفى بنوته ورفض الإعتراف بالطفل .
والملاحظ في هذا الصدد أنّه في القرار الصادر عن محكمة الإستئناف بالمنستير السّالف ذكره سعت المدّعية إلى تدعيم طلبها الرّامي إلى إجراء التحليل الجيني بتقديم ما يفيد إرتباط الأب المطلوب بعقد زواج مع والدتها عند ولادتها، وقيام هذا الأخير بدعوى في نفي النسب لولادتها خارج الآجال القانونيّة للحمل، كما عزّزت ذلك بشهادة شاهدين سلما من القدح أثبتا صدق مزاعمها .وهنا يطرح التساؤل هل كان من الأجدر على محكمة الإستئناف بالمنستير أن تعتمد هذه القرائن وشهادة الشّهود إضافة إلى رفض المطلوب الإذعان للحكم التحضيري القاضي بإجراء التحليل الجيني كبراهين متظافرة تثبت إحتمال البنوة ثم تقضى بإسناد اللّقب البنت للأب المطلوب لا أنّ تعتبر هذا الرفض بمثابة الإقرار الحكمي بالبنوة دون وجود سند قانوني سليم يبرّر هذا التكييف ؟ وهل يجوز إعتبار هذا الرفض قرينة على البنوة ؟ وهل أنّ قانون 1998 يخوّل إعتماد القرائن لإثبات هذه البنوّة ؟
لاشكّ أنّه من الصّعب القبول بمشروعيّة الإحتماء بمبدإ الحقّ في السّلامة الجسديّة وتعطيل البحث عن الحقيقة البيولجيّة المنشودة في قانون 1998 بينما لا يشكّل الإختبار الجيني أيّ خطر يذكر على جسم الإنسان، لذلك يمكن القول أنّ رفض المطلوب الخضوع لهذا الإختبار يعتبر في جلّ الأحوال تعسفيّا وتأسيسا على ذلك من الجائز إعتباره مبدئيا كما ذهب إلى ذلك الفقه وفقه القضاء الفرنسي على مشروعيّته عملا يخالف واجب التعاون المحمول على أطراف النّزاع في البحث عن الحقيقة "obligation de collaboration’ l" ويشكّل بالتّالي قرينة تؤوّل ضدّه.
هذا التّحليل يبقى رغم وجاهته من النّاحيّتين القانونيّة والواقعيّة غير قابل للتّطبيق في القانون التونسي لأنّ صياغة الفصل الأوّل من قانون 1998 كانت واضحة وصريحة في تحديد وسائل إثبات البنوّة حصرا ولا تكاد تختلف من هذه النّاحيّة مع أحكام الفصل 68 م أ ش الذي عدّد بدوره وسائل إثبات النّسب على سبيل الحصر أيضا وعلى هذا الأساس فإنّه لا يجوز إعتماد القرائن كوسيلة لإثبات للبنوّة في قانون 1998 طالما لم يبح المشرّع ذلك.
وهو الموقف الذي ساندته محكمة الإستئناف بالمنستير في قرارها المؤرّخ في 9 \ 11 \ 2000 تحت عدد13494 والذي يمكن أن تتلخّص فيه معظم الإشكاليات المتّصلة برفض الخضوع للتحليل الجيني وقد جاء فيه مايلي :"وحيث لم يتّضح من مظروفات الملفّ مايؤيّد توفّر إحدى الوسائل الإثباتيّة للقضاء وفق الدّعوى ضرورة أنّه ليس هناك شهود يؤكّدون الأبوّة كما أنّ التّحليل الجيني لم يتمّ بناء على رفض المطلوب ..كما لم يتوفّر إقرار بتلك الأ بوّة .
وحيث أنّ رفض المطلوب في الأصل الخضوع للتحليل الجيني لا يمثّل إقرارا منه بالأبوّة على معنى الفصل الأوّل من قانون 1998 ولا موجب لإعمال مقتضيات الفصل 429 م إ ع ضرورة أنّ الإقرار المقصود بقانون 1998 هوّ إقرار خاص ويجب أن يكون صريحا وواضحا ودقيقا وبعيدا عن أيّ لبس وهو مالا يمكن إستنتاجه من مجرّد الرّفض للخضوع للتحليل.
وحيث وإن لم يضع قانون 1998 آليّة تجبر المطلوب على الخضوع للتحليل الجيني فإنّ ذلك الرّفض لايشكّل بحال قرينة على ثبوت الأبوّة باعتبر أنّ القرائن مستبعدة من وسائل الإثبات الواردة حصرا بالفصل الأوّل من القانون المذكور والمتمثّلة في الإقرار وشهادة الشّهود والتحليل الجيني".
وخلاصة القول إذن، أنّ إقرار المشرّع التحليل الجيني كوسيلة لإثبات البنوة الغير شرعيّة يجب أن يقترن ببيان النظام القانوني لهذا الإجراء حتى يتسنّى إيجاد حلول قانونيّة لعديد الإشكاليات الموضوعيّة والإجرائيّة والتي تبقى محلّ إجتهاد الفقه وفقه القضاء بما قد يترتّب عن ذلك من تناقض في المواقف وتباين في الحلول والاتّجاهات.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:32 am

الفرع الثاني : الإرادة الشخصيّة وإثبات البنوّة بين م أ ش والقانون عدد 75 لسنة 1998 :
إنّ الأحكام المنظّمة لإثبات البنوّة في القانون التونسي لئن كان الهدف الأساسي منها هو إقامة الحقيقة البيولوجيّة من خلال إعتماد قرينة الفراش لإثبات النسب الشرعي والتحليل الجيني لإثبات بنوة الأطفال المهملين ومجهولي النسب إلاّ أنّ البحث عن هذه الحقيقة يبقى نسبيّا ذلك أنّ المشرّع أبقى للإرادة الشخصيّة دورا هامّا لإثبات النسب ولإثبات البنوة الطبيعيّة من خلال وسيلتي الإقرار وشهادة الشهود بحيث لا تتأسس رابطة البنوة في هذه الصورة على الحقيقة البيولوجيّة بقدر ما تتأسّس على حقيقة الإرادة الشخصيّة التي تحمل على النزاهة والصّدق.
فالإقرار والشهادة وسيلتان تعتمدان أساسا على الإرادة الشخصيّة التي تبرز بصفة جليّة ومباشرة في الإقرار )المبحث الأوّل( أو بصفة غير مباشرة في شهادة الشهود )المبحث الثاني( .
المبحث الأوّل : الإقرار :
يعرّف الإقرار لغة بأنّه إعتراف بالحق ووإذعان له، وعرّفه الشيخ إبن عرفة بأنّه خبر يوجب حكم صدقة على قائله فقط بلفظه أو لفظ نائبه.
أمّا في الإصطلاح القانوني فهو بأن يعترف الطرف المدّعي عليه بالتصرّف أو الواقعة. وينعته الفقه بسيّد الحجج وتعتبره المحاكم التونسيّة الأعلى منزلة في البناء الهرمي لطرق الإثبات.
ويعدّ الإقرار أحد الأسباب التي يثبت بها النسب الشرعي في الفقه الإسلامي إلى جانب قرينة الفراش وشهادة الشهود. والإقرار بالنسب هو ما يسميه الفقهاء بالدّعوة أي أنّه يثبت عن طريق إقرار الشّخص نفسه وإدّعائه فسمي دعوة لهذا السبب ويعرّفه الفقهاء المسلمين بأنّه إخبار المقرّ بوجود قرابة بينه وبين شخص آخر وهذا يقتضي التلفظ بعبارة تفيد ذلك وينتج عنها إلحاق نسب شخص نسب شخص آخر.
ويختلف الإقرار بالنسب عن التبنّي لأنّ الإقرار لا ينشئ النّسب وإنّما هو طريق لإثباته وظهوره أمّا التبنّي فهو تصرّف منشئ للنسب ولأنّ البنوة التي تثبت بالتبنّي تتحقّق ولو كان للمتبنّي أب معروف أمّا البنوة التي تثبت بالإقرار فلا تتحقّق إلاّ إذا لم يكن الولد أب معروف.
ويعدّ الإقرار بالنسب أحد وسائل إثبات النّسب الشرعي في م أ ش يأتي في المرتبة الثانية بعد الفراش وورد بالفصول 68 و 70 73 و 74 م أ ش دون أن يفرده المشرّع التونسي تحت عنوان خاص كما هو الشأن بالنسبة للمشرّع المغربي.
كما أورد المشرّع التونسي الإقرار أيضا كوسيلة لإثبات بنوّة الأطفال المهملين ومجهولي النسب بالفصل الأوّل من القانون عدد 75 لسنة 1998 . والملاحظ أنّ المشرّع التونسي قد جعل من الإقرار وسيلة لإثبات النسب الشرعي ولإثبات البنوة الغير شرعيّة على حدّ سواء في حين أورد المشرّع الفرنسي الإعتراف بالبنوة كوسيلة لإثبات بنوة الطفل الطبيعي فحسب.
ومهما يكن من أمر فإنّ الإقرار بالنّسب نوعان إقرار على نفس المقر وهو أن يقرّ الإبن بالوالد أو الأب بالولد وإقرار بنسب محمول على الغير.
نشير في هذا الصدد أنّه بالنسبة للقانون المتعلّق بالإسناد اللّقب للأطفال المهملين ومجهولي النّّسب لا يمكن الحديث عن الإقرار الذي به تحميل على الغير لأنّ هذا القانون لا يتعلّق إلاّ برابطة البنوة المباشرة بين الإبن والأب فحسب. كما أنّ الإقرار الذي تضمّنه هذا القانون إنما هو إقرار بالبنوة أي إقرار الأب بأنّ فلان إبنه بما يتعيّن إقصاء الإقرار بالأبوّة -وهو أن يقرّ الولد بأنّ فلان أبوه- وإقصاء الإقرار بالأمومة -وهو أن يقرّ الولد بأنّ فلانة أمّه- من نطاق هذا البحث .
وسواء تعلق الأمر بالإقرار بالنسب أو الإقرار بالبنوة الطبيعيّة في قانون 1998 فإن المشرّع لم يعط تعريفا مضبوطا للإقرار لا في م أ ش ولا في القانون المتعلّق بالأطفال المهملين ومجهولي النسب كما لم يضع شروطا يتقيّد بها القاضي عند الحكم ولم يبيّن الآثار القانونيّة المترتّبة عنه . فقد أهمل المشرّع خصائص الإقرار ومميّزاته الشيء الذي إنجرّ عنه خلاف كبير بين المحاكم التونسيّة في فهم مقتضيات الإقرار ونتائجه القانونيّة بالنسبة لإثبات النسب بصفة عامّة ولإثبات نسب إبن الزنا بصفة خاصّة فضلا عمّا يثيره إعتماد المشرّع على الإقرار كوسيلة لإثبات البنوة في قانون 1998 من إشكاليّات تتّصل بمدى تطابقه مع الإقرار بالنسب في م أ ش وبالجدوى العمليّة من ذلك لذا إتّجه بيان شروط الإقرار في فقرة أولى ثم تحديد آثاره في فقرة ثانية .
الفقرة الأولى : شروط الإقرار :
إنّ إقرار الأب بأن الطفل إبنه سواء إستند في ذلك إلى م أ ش أو إلى القانون عدد 75 لسنة 1998 لا يمضي ولا يرتّب آثاره القانونيّة إلاّ إذا كان مستكملا لشروطه الموضوعيّة والشكليّة .
أ– الشروط الموضوعيّة للإقرار :
لقد أورد المشرّع التونسي شروطا موضوعيّة لصحّة الإقرار بالنسب بالفصلين 68 و70م أ ش. ورغم أنّ القانون عدد 75 لسنة 98 لم يضع فيه المشرّع شروطا لصحّة الإقرار إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من فرض شروط عامّة لا يمكن تصوّر أي حجيّّة للإقرار في القانون المذكور دون توفّرها . على هذا الأساس يمكن القول أنّ الإقرار بالنسب في م أ ش والإقرار بالبنوة في قانون1998 يخضعان لشروط عامّة تنطبق على كليهما بقي أنّ الإقرار بالنسب يخضع لشرط خاص تفرضه طبيعة البنوّة المراد إثباتها.
1 – الشروط العامّة للإقرار : تتعلّق هذه الشروط بالمقرّ وبالمقر له وبشرط عدم ثبوت ما يخالف الإقرار.
- الشّّروط المتعلّقة بالمقرّ : سواء تعلّق الأمر بالإقرار في م أ ش أو بالإقرار في قانون 1998 فإنّ الإقرار لا يمكن أن يصدر عن غير الأب وهو ما يستشفّ ضمنيا من أحكام الفصل الأوّل من هذا القانون والفصل 68 م أ ش وتأسيسا على ذلك فإنّ إقرار الأمّ بأمومتها للطفل لا يترتّب عنه ثبوت النسب تجاه الأب أو إسناد اللّقب للطّفل إلاّ إذا كان مقترنا بإقرار صريح من الأب وفي هذه الحالة تثبت البنوة منهما سويا.
على غرار التشريع الإسلامي يعتبر المشرّع التونسي أنّ الإقرار المثبت للنّسب إنّما هو إقرار الأب إعتبارا للفكرة القائلة بحاجة الطفل لثبوت رابطة النسب بينه وبين أبيه دون أمّه وعليه فإنّ إقرار المرأة بأمومتها ليس له إلاّ إلزام نفسها دون إلزام غيرها.
كذلك الشأن بالنسبة للطفل ذلك أنّ إقرار الطفل بأنّ فلان أبوه يجب علاوة على توفر الشروط التي إقتضاها الفصل 70 م أ ش أن يصدّق الأب على إقراره أو أن يتمكّن الإبن من تعزيز إقراره بوسائل الإثبات المعتمدة أي شهادة الشّّهود أو الفراش بالنسبة النسب الشرعي أو شهادة الشهود والتحليل الجيني بالنسبة لإثبات البنوّة الطبيعيّة في قانون 1998 . ويستخلص من ذلك أنّ إقرار الأم بالأمومة أو إقرار الطفل بالأبوّة ليست له أيّة أهميّة لإثبات النسب أو لإثبات البنوّة الطبيعيّة على معنى قانون 1998 ما لم يتعزّز بتصديق الأب أو تقديم وسائل الإثبات القانونيّة المؤيّدة لهذا الإقرار . لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو ما إذا كان يشترط تصديق الأم لصحّة إقرار الأب ؟.
إنّ الإجابة على هذا الإشكال لا تكون إلاّ بالنفي ذلك أنّ إقرار الأب بالبنوة إذا كان مستكملا لشروطه القانونيّة لا يشترط فيه مصادقة الأم حتى يرتّب آثاره القانونيّة طالما أنّ مصلحة الإبن تقتضي أن تثبت رابطة البنوّة بينه وبين أبيه. على أنّه جدير بالإشارة أنّ الفقه الإسلامي يشترط لصحّة إقرار الأب أن يصادق المقرّ له على إقراره إن كان أهلا للتصديق بأن يكون بالغا عاقلا عند الجمهور ومميّزا عند الحنفيّة لأنّ الإقرار حجّة قاصرة على المقرّ لا تتعداّه إلى غيره إلاّ ببينة أو تصديق من الغير فإن كان المقرّ له صغيرا أو مجنونا فلا حاجة للتّصديق . بينما يرى المالكيّة إنّ تصديق المقرّ له على الإقرار بوجه صريح ليس شرطا لثبوت النسب من المقرّ لأنّ النسب حق الولد على الأب فيثبت بإقراره دون توقّف على تصديق منه إذا لم يقم دليل على كذب المقر.
أمّا المشرّع التونسي فلم يشترط تصديق المقرّ له صراحة بالأحكام المنظّمة للإقرار بالنّّّسب والإقرار بالبنوة غير أنّه بالرّجوع إلى الأحكام العامّة المتعلّقة بالإقرار بم إ ع نجد أنّ الفصل 439 منها نصّ صراحة على أنّه:" لا يعتمد الإقرار … إذ ردّه المقرّ له بوجه صريح" بما يجوز معه القول أنّ الإقرار بالنسب في م أ ش لا ينتج آثاره إذا ردّه المقرّ له بوجه صريح شرط أن يكون قد بلغ سن الرشد القانونيّة عملا بالأحكام العامّة للإقرار بم إ ع.
ومن جهة أخرى فإنّ الإقرار بالبنوّّة بما هو تعبير عن الإرادة المنفردة للمقرّ يجب أن يصدر عنه شخصيّا ولا يمكن أن يوكّل غيره للقيام بذلك نظرا لتعلّق الإقرار بشخص المقرّ نفسه كما يجب أن يصدر الإقرار عن الإرادة الحرّة والواعية. فالإقرار بالبنوة الشرعيّة أو الطبيعيّة يمكن أيضا له لإنعدام الرّضا أو لعيب فيه كما أضافت محكمة التعقيب التونسيّة أنّ هذا الإقرار" يجب أن يصدر عن شخص رشيد أهل للالتزام سليم العقل." فالإقرار بالنسب تنطبق عليه الأحكام العامّة المتعلّقة بالإقرار والواردة بم إ ع فضلا عن الأحكام الخاصّة به الواردة بم أ ش والتي تستوجب أن يستكمل الإقرار شروطه القانونيّة المتعلّقة بالمقرّ وكذلك بالمقرّ له .
- الشروط المتعلّقة بالمقرّ له : يشترط المشرّع التونسي لصحّة الإقرار بالنسب أن يكون المقرّ له مجهول النسب عملا بأحكام الفصل 70 م أ ش كذلك الشأن بالنسبة للإقرار بالبنوة في القانون عدد 75 لسنة 98 طالما وأنّ القانون المذكور يتعلّق بالأطفال المهملين ومجهولي النّسب .
وقد إستقرّ الفقهاء بالنسبة للإقرار بالنسب على إعتبار أنّه إذا كان نسب المقرّ له ثابت من غير المقرّ فلا يثبت نسبه من المقرّ ذلك أنّه لا يتصوّر ثبوت نسب الشخص من إثنين في وقت واحد. وتبرير هذا الموقف هو أنّ القول بجواز الإقرار بالنّسب لطفل نسبه معروف من شأنه أن يدخل الإضطراب على الحالة المدنيّة للأشخاص ويتسبّب في إدخال البلبلة والتصدّع على العائلات ولا يكون لهذا الإقرار أدنى مفعول إلاّ إذا تمّ الحكم بنفي نسبه أولا حتى يصبح مجهول النسب ومن ثم يصحّ هذا الإقرار .
وقد جاء بمبدأ أحد القرارات التعقيبيّة أنّه :" لا عمل على الإقرار بثبوت النّسب إذا ثبت قطعيا ما يخالفه وترتيبا على هذا إذا أقرّ شخص بنسبة بنوة طفل إليه والحال أنّه معلوم الأب والأم فإقراره ملغى."
فالثابت إذن حسب أحكام الفصل 70 م أ ش وممّا جاء بهذا القرار التعقيبي أنّ الإقرار بالنسب لا يجب أن يتعلّق بطفل معلوم النسب وبالتّالي فإنّه في صورة وجود أكثر من إقرار بالنسب فإن الحلّ المعتمد حسب هذا الإتّجاه هو الأخذ بالإقرار الأوّل طالما ثبتت من خلاله علاقة النسب ولا عمل على الإقرار اللاّحق إلاّ إذا تمّ نفي النسب الأوّل .
أمّا بالنسبة للقانون عدد 75 لسنة 1998 فإنّه من الممكن أن يثار هذا الإشكال في صورة وجود أكثر من إقرار ببنوة الطفل الغير الشرعي ؟ لم يحسم المشرّع هذا الإشكال على أنّه يمكن القول أنّه في صورة وجود إقرار بالبنوة وتمّ الحكم على أساسه بإسناد اللّقب فإنّه لا يمكن قبول إقرار آخر ببنوة هذا الطفل إلاّ إذا تمّت نفي البنوة الأولى على أساس أنّ هذا الإقرار كان على سبيل المجاملة مثلا أو الإلتجاء إلى التحليل الجيني لنفي علاقة البنوة الطبيعيّة بين الطفل والمقرّ الأوّل.
وقد يطرح الإشكال أيضا في صورة وجود أكثر من إقرار ببنوة الطفل المجهول النسب في إطار دعوى إسناد لقب وهي الصورة التي تكون فيها والدته قد إتّصلت جنسيّا بأكثر من شخص وكل منهم يدّعي أبوّته لهذا الطفل.
نعتقد أنّه في هذه الحالة لا يمكن للمحكمة أن تحسم النزاع وتحدّد الأب الحقيقي للطفل إلاّ بالإلتجاء لتقنية التحليل الجيني.
على أنّ المسألة قد تتعقّّد أكثر إذا أقرّ شخص بالنّسب للطفل وأسّس دعواه على أحـكام الفصـل 68 م أ ش في حين أنّه تمّ إسناد اللّقب العائلي لشخص آخر على أساس القانون عدد 75 لسنة 98، فهل أنّ إسناد اللّقب يجعل الطفل في هذه الحالة معلوم النسب والتالي فإنّ الإقرار الثاني غير جائز؟
للإجابة عن هذا الإشكال يجب أوّلا توضيح مسألة أساسيّة وهي أنّ إثبات البنوة الطبيعيّة في قانون 28 أكتوبر 1998 تخوّل للطفل حقوقا تتقارب في مضمونها والحقوق الثابتة للطفل الشرعي وخاصّة فيما يتعلّق بالحالة المدنيّة للطفل. فإذا قام شخص بدعوى في إستلحاق طفل قد تمّ إسناد اللّقب العائلي له فإنّه يجوز معارضته بالحكم القاضي بإسناد اللّقب طالما أنّ ثبوت النسب سيترتّب عليه إدخال تحوير على الحالة المدنيّة للطفل الذي يمكن إعتباره معلوم البنوة ولا يمكن الإقرار له بالنّسب إلاّ إذا تمّ نفي علاقة البنوة القائمة.
وتأسيسا على ذلك يمكن القول أنّ الحكم القاضي بإسناد اللّقب للطفل يبقي الطفل مجهول النسب الشرعي على معنى الفصل 68 وما بعده م أ ش على أنّه يبقى معلوم البنوة الطبيعيّة تجاه الأب، وهو حلّ مرتبط باتجاه المشرّع المحافظ على التمييز بين وضعيّة الطفل الشرعي والطفل الطبيعي بموجب أصل الولادة والوضعيّة القانونيّة للوالدين وتكريس أفضليّة مصلحة العائلة الشرعيّة على حساب مصلحة الطفل الطبيعي وحقوقه ويؤكّد خصوصيّة أحكام إثبات البنوّة الواردة في قانون 1998 مقارنة بالأحكام المتعلّقة بإثبات النسب الشرعي.
على أنّه وفي جميع الأحوال لا يمكن التصريح بثبوت البنوة إذا ثبت ما يخالف الإقرار .
– عدم ثبوت ما يخالف الإقرار : جاء بالفصل 70 م أ ش أنّه:" لا عمل على الإقرار إذا ثبت قطعيا ما يخالفه." وتقتضي هذه القاعدة علاوة على وجوب أن يكون الطفل مجهول النسب أن يكون من الممكن أن يكون المقرّ له إبنا للمقرّ وهو ما يستوجب أن يكون فارق السن بينهما ملائما.
و تنطبق هذه القاعدة منطقيّا على الإقرار بالبنوة الطبيعيّة إذ لا يمكن قبول الإقرار سواء كان إقرارا بالنّسب أو بالبنوة الطبيعيّة إذا كان المقرّ ببنوته أكبر من المقرّ أو مساويا أو مقاربا له في السن بحيث لا يمكن أن يكون إبنا للمقرّ عادة . فالإقرار لا يصحّ في هذه الحالة لأنّه لا يتفق مع المجرى الإعتيادي للأمور.
غير أنّ المشرّع التونسي لم يحدّد هذا الفارق في السنّ ويرى ساسي بن حليمة أنّه يمكن إعتماد الفارق في السنّ المشترط بين المتبنّي والمتبنّي في الفصل 10 من القانون عدد 27 لسنة 1958 المؤرّخ في 4 مارس 1958 المتعلّق بالولاية العموميّة والكفالة والتبنّي كمعيار ويشترط هذا الفصل أ، لا يقلّ الفارق في السنّ بينهما عن خمسة عشر سنة على الأقلّ .
وتجدر الإشارة أنّ فقه القضاء الفرنسي قد تبنّى نفس الموقف رغم عدم وجود نص تشريعي يقرّه صراحة فقد جاء بأحد القرارات الإستئنافيّة أنّه:" يبطل الإقرار إذا ثبت أنّ الفارق في السن بين المقرّ والطفل ضئيل جدّا بصورة تجعل علاقة البنوة بينهما غير ممكنة."
وعموما فإنّ هذه العلاقة لا تكون ممكنة إلاّ إذا كان الفارق في السن بين المقرّ والمقرّ له بالبنوة معقولا وأن لا توجد موانع ماديّة أو بيولوجيّة تخالف الإقرار، كأن يثبت عدم إمكان التلاقي بين الأم والأب المزعوم لبعد المسافة بينهما أو لوجود أحدهما في السّجن مثلا أو أن يثبت أنّ المقرّ عاقر. وقد إعتبرت أحد المحاكم الفرنسيّة " أنّ ثبوت إستحالة وجود علاقات جنسيّة بين الأم والمقرّ بالبنوة أثناء كامل فترة الحمل يستنتج من وجود هذا الشخص في السجن كامل تلك الفترة ومن إمتناعه عن الخضوع إلى التحليل الدموي دون سبب شرعي".
والجدير بالذكر أنّ إثبات عدم إمكان التلاقي بين الأم والأب المزعوم أو أنّ هذا الأخير عاقر لا يحمل على المقرّ وإنّما يحمل على من ينازع في صحة هذا الإقرار. ذلك أنّ الأصل في الأمور الصحّة والمطابقة للقانون ما لم يثبت خلافه.
ومهما يكن من أمر فإنّ الشروط التشريعيّة للإقرار لا تكاد تختلف بين الإقرار بالنسب الوارد بم أ ش والإقرار بالبنوة الوراد في قانون 1998 وإنّما يكمن الإختلاف الجوهريّ بينهما في الشروط التي وضعها فقه القضاء والتي لا يمكن أن تتعلّق إلاّ بالإقرار بالنسب .
2 – الشروط الفقه قضائيّة الخاصّة بالإقرار بالنّسب :
لقد أدرج المشرّع التونسي الإقرار كوسيلة لإثبات النسب في م أ ش دون تحديد صريح لطبيعة بنوة الطفل المقرّ له بالنسب الشيء الذي إنجرّ عنه خلاف كبير بين فقهاء القانون في تونس وبين المحاكم التونسيّة في فهم مقتضيات هذا الإقرار وترتيب نتائجه القانونيّة بالنسبة لإثبات النسب بصفة عامّة ولإثبات نسب إبن الزنا بصفة خاصّة.
فذهب ساسي بن حليمة في إجابته عن الإشكال المطروح وهو هل يشترط لصحّة الإقرار بالنسب إثبات علاقة الزواج ؟ أنّ الفصل 68 م أ ش يقتضي أن النسب يثبت بالإقرار ولا لزوم لإثبات العلاقة الزوجيّة إذ أنّ المشرّع متشوّق لإثبات الأنساب وأنّ هذه النزعة تتجسّم من خلال ما ذهب إليه المشرّع من وضع صور ثلاث لإثبات النسب من بينها الفراش الذي لا يمكن أن يعتبر الصورة الوحيدة لإثبات النسب فإذا إعتبر المشرّع أنّ النسب يثبت بالإقرار فلا مناص من إعتبار أنّ تلك الوسيلة هي مستقلّة مبدئيّا عن الفراش وكافية في حدّ ذاتها لإثبات النسب فيمكن أن يكون النّسب في هذه الصورة غير ناتج عن زواج شرعي وفي هذه الصّورة فإنّ الطفل الطبيعي سيتقمّص ملامح الإبن الشرعي ويتستّر ورائها بفضل إقرار والده له بالبنوة وإستخلص من ذلك أنّ الإقرار بالنسب في القانون التونسي يتطابق مع الإعتراف بالإبن الطبيعي في القانون الفرنسي مما يجعل الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الأبناء الطبيعيين يدخلون منه أفواجا زمرة الأبناء الشرعيين .
وقد تبنّت بعض المحاكم التونسيّة هذا الاتّجاه من ذلك حكم إبتدائي صادر عن المحكمة الابتدائيّة بقفصة جاء فيه أنّه :" إذا إتّصل رجل متزوّج بإمرأة وثبتت إدانتهما جزئيّا من أجل إرتكاب جريمة الزنا والمشاركة فيه إبتدائيا وإستئنافيا قام الرجل ضدّ الحق العام وتلك المرأة يذكران أنّ الإتّصال الجنسي الواقع بينهما أنتج إبنا وهو يطلب إلحاق ذلك الطفل بنسبه وقرّرت المحكمة التحرير على الطرفين فأعترف المدّعي أنّ الإبن من صلبه وأكّدت الأم ذلك طالبة بدورها إلحاق نسب والده فإنّ الإقرار المعتمد يعتبر أحد وسائل الإثبات الأساسيّة المعتمدة في مادّة النسب إذا ما توفّرت شروط إعتماده عملا بأحكام الفصل 68 م أ ش والإقرار المعتمد جاء صريحا وواضحا بما أنّه تمّ أمام القاضي المقرّر ويعبّر إقرارا حكميّا حسب الفصل 428 م إ ع ولذلك فإنّ الإقرار الصريح والناتج عن إرادة واعية يكفي لثبوت نسب الابن المذكور ويتجه والحالة تلك الحكم لصالح الدّعوى".
وقد ذهبت محكمة التعقيب في بعض قراراتها إلى القبول بهذا الإتّجاه من ذلك القرار عدد 2000 المؤرّخ في 5 ديسمبر 1963 والذي جاء فيه :" أنّ الزواج ليس ضروريا لإثبات النّسب ."
غير أنّ الإتّجاه الغالب على فقه القضاء وجانب من شّراح القانون في تونس هو الإتّجاه القائل بأنّ الإقرار ولئن ورد على إطلاقه بالفصل 68 م أ ش إلاّ أنّه لا يسمح بإثبات نسب إبن الزنا بإعتبار أنّ ذلك ممنوع شرعا وقانونا واعتبر حسين الفطناسي أنّ المشرّع التونسي قد أهمل التعرّض لابن الزنا في باب النسب عن قصد نتيجة عدم إعترافه به بدليل أنّه لا يسمح بإلحاقه بنسب أبيه وهذا يفهم من الفصل 70 م أ ش الذي نصّ على أنّ الولد لا يثبت نسبه إلاّ إذا ولد لتمام ستة أشهر فأكثر من حين عقد الزواج سواء كان الزواج صحيحا أو فاسدا فلو كان المشرّع يقرّ بنسب ابن الزنا لما إحتاج لتحديد أدني مدّة للحمل في هذا الفصل وكذلك من الفصل 75 م أ ش الذي خوّل للزوج نفي حمل زوجته أو الولد اللازم له بجميع وسائل الإثبات الشرعيّة كما أن تنصيص الفصل 152م أ ش على أنّ ابن الزنا ترثه أمّه وقرابتها دليل على أنّ المشرّع لو كان في نيته إثبات نسبه لما حرمه من إرث والده وما دام قد حرم من الإرث فمن باب أولى أن يحرم من النسب تبعا لذلك إذ الأوّل متفرّع عن الثاني كما أن، الفصل 68 م أ ش جاء لإثبات النسب الشرعي لا غير. وتأسيسا على ذلك فإنّ الإقرار بالنّسب في م أش يجب أن يكون محلّه بنوة شرعيّة والبنوّة الشرعيّة لن تكون بالتالي إلاّ في حدود قرينة الفراش سواء كان الفراش صحيحا أم باطلا وضرورة أنيتعلّق الإقرار بعلاقة شرعيّة هوّ أمر يقتضيه مصطلح النسب ذاته لأنّ النسب شرعا وتشريعا هوّ رابطة البنوّة الناشئة عن علاقة شرعيّة. يتعزّز هذا الموقف بأحكام الفصل 439 م إ ع الذي نصّ على أنّه لا عمل على الإقرار إذا كان مآله تعمير ذمّة أو إثبات أمر لا يبيح القانون القيام به أو التخلّص من حكم من أحكام القانون..
وقد تبلور هذا الإتّجاه في فقه القضاء التونسي في معظم القرارات والأحكام الصادرة في مادّة النسب سواء من طرف محاكم الموضوع أو محكمة التعقيب إذ جاء بأحد قراراتها أنّ:" الإقرار الوارد بالفصل 68 م أ ش إنّما هو الإقرار المبني على وجود رابطة زواج شرعي ولو كان هذا الزواج مختلّ الأركان مثل الزواج الفاسد حسبما إستقرّ عليه فقه قضاء محكمة التعقيب. فإذا علّلت محكمة الأصل حكمها بأنّ إعتراف المطلوب بمعاشرة الشاكية معاشرة الأزواج دون أن يكون عقد زواج شرعي بينهما يعدّ من قبيل الزواج الفاسد وترتّب عليه النتائج القانونيّة المبيّنة بالفصل 22 م أ ش والتي من بينها ثبوت النسب وتبيّن أنّ المطلوب لم يعترف إلاّ بمواقعة الشاكية وحملها منه دون أن يصرّح أنّه كان يعاشرها معاشرة الأزواج فإنّ القرار المنتقد لما إعتبر أنّ هذا الإقرار تتوفر فيه أحكام الفصل 68 م أ ش ورتب قضاءه على ثبوت نسب الابن الذي كان ثمرة هذا الإتّصال الجنسي لذلك المطلوب دون أن يبرز العناصر التي من شأنها أن توضّح هذه العلاقة كانت مبنيّة على زواج شرعي ولو كان من قبيل الزواج الذي لم تتوفّر فيه الأركان القانونيّة يكون قد أساء تقدير الوقائع وأخطأ في تطبيق الفصل 68 المشار إليه بصورة تعرّضه للنقض."
فالمحاكم التونسيّة ترفض بصورة عامّة الحكم بثبوت النسب كلّما إنعدمت العلاقة الشّرعيّة بين المقرّ ووالدة الطفل أو لأنّه إتّضح أنّ والده إعترف صراحة بأنّه ولد له من زنا.
بينما لايبدو أنّ الفصل 68 م أ ش يوجب علىالمقرّ أن يوضّح نوع العلاقة الرابطة بينه وبين والدة الطفل أو أنّه يشترط إثبات الفراش حتى يصحّ الإقرار وإنّما الأرجح أنّه يوجب على المقر أن لا يذكر بأنّ الطفل من زنا و يكف أن يقرّ بأبوته له وهو الإتّجاه الذي تبنّته محكمة الإستئناف بسوسة في أحد قراراتها الذي جاء فيه أنّه:" جاءت م أ ش بفصولها 68 و 73 و 74 بالإستلحاق كوسيلة من الوسائل التي يثبت بها النسب " وأضافت ما يلي :" إعتراف الأب ببنوة ولد مجهول النسب كاف لإلحاقه به إلاّ إذا صرّح المعترف بأنّه من الزنا أو ثبت قطعيّا ما يخالف ذلك الإعتراف والإعتراف المذكور يغني الولد عن إثبات علاقة الزوجية بين أمّه والمعترف له بالأبوّة " وإتّبعتها محكمة التعقيب في هذا الإتّجاه فجاء في إحد قراراتها أنّ :" الإستلحاق هو إعتراف الأب ببنوة ولد غير متأتّ من فراشه وقد إشترط فقهاء الإسلام عدّة شروط لصحّة الإستلحاق منها أن يكون الولد المستلحق مجهول النسب أي ليس له أب معروف وأن لا يقول المعترف بأنّه حاصل من زنا كما إعتمد فقه القضاء الإسلامي المعاصر الإقرار المجرّدة دليلا على ثبوت النسب إذا ما توفّرت فيه شروط الإستلحاق وسمّوه النّسب بالدعوة".
وخلاصة القول أنّ الفصل 68 م أ ش ولئن لم يشترط صراحة أن يكون الإقرار مبنيّا على وجود رابطة شرعيّة بين المقرّ ووالدة الطفل سواء كان زواجا شرعيا أو فاسدا فإنّه لا يخرج عن كونه إقرار بعلاقة شرعيّة بين المقرّ والمقرّ له يشترط فيه حسب الإتّجاه السائد في الفقه الإسلامي أن لا يذكر المقرّ أن الطفل من زنا وأن لا يظهر من ظروف الحال أنّه كذلك، فيكفي أن يقرّ الأب بأن فلان إبنه من صلبه وشرط أن لا يذكر في إقراره أن الطفل مولود من علاقة خنائيّة حتّى يثبت نسبه منه، دون أن يكون مطالبا بالإعلان عن طبيعة بنوّته وليس على المحكمة أن تبحث عن طبيعة العلاقة الرابطة بين المقرّ ووالدة الطفل طالما أن الأصل في الأمور الصحة والمطابقة للقانون وعلى من يدّعي خلاف ذلك الإثبات اللّهم إذا ثبت لها من مظروفات الملف أن الطفل كان نتيجة علاقة خنائيّة وتمت إدانتهما جزائيّا من أجل ذلك أو أقرّ الأب بأنّ الطفل من زنا.
إذ يعتبر هذا الإقرار حسبما إستقرّ عليه قضاء محكمة التعقيب التونسيّة في العديد من قراراتها غير جائز لأنّه يهدف إلى إثبات أمر مخالف للنظام العام والأخلاق الحميدة على معنى الـفصـل 439 م إ ع.
واعتبر ساسي بن حليمة أنّ محكمة التعقيب غير محقّة في إعتبار العلاقة بين ذكر وأنثى بلغا سن الرشد مخالفة للنظام العام والأخلاق الحميدة حال أنّه لا يوجد أي نص قانوني يعاقب عليها . إلاّ أنّ هذا الرأي لا يبدو سليما من ناحتين على الأقل. فمن جهة هذه ليست جميع هاته العلاقات غير مجرّمة ذلك أنّ القانون التونسي يعاقب على جريمة الزنا وجرائم المواقعة دون رضا المجني عليها أو إذا كان سنّها دون العشرين سنة كاملة. ومن جهة أخرى فإنّ عدم وجود أي نص قانوني يعاقب على هذه الجريمة لا يعني أنّها غير مخالفة للنّظام العام والأخلاق الحميدة ضرورة أنّ مفهوم الأخلاق أوسع نطاقا من مفهوم القانون فضلا على أنّ العلاقات الجنسيّة الحرّة الواقعة خارج إطار الزّواج لا جدال أنّها مخالفة لأحكام الشريعة الإسلاميّة التي تعتبر المصدر المادّي لم أ ش.
ولعلّ الإتّجاه المتشدّد في فقه القضاء التونسي والمضيّق في نطاق الإقرار بجعله غير كاف في حدّ ذاته لإثبات النسب ما دام المقرّ لم يكن على علاقة زواج شرعي مع والدة المقرّ له فضلا عن وجوب عدم تضمّن الإقرار ما يخالف النظام العام والأخلاق الحميدة هو الذي دفع بالمشرّع إلى إقحام الإقرار كوسيلة لإثبات البنوة في القانون عدد 75 لسنة 1998 .
ونظرا للإطار العام لهذا القانون الذي جاء منظّما لوضعيّة الأطفال المهملين ومجهولي النسب ومكرّسا لبعض الحقوق لهم تجاه الأب البيولوجي يمكن القول أنّ الإقرار في هذا القانون إنّما هو إقرار ببنوة طفل طبيعي مما يجعله كافيا لوحده لثبوت البنوة بين المقرّ والطفل المقرّ له بالبنوّة دون حاجة لإثبات الفراش الذي أقصاه المشرّع تماما من وسائل الإثبات المعتمدة ودون حاجة أيضا لإستبعاد العلاقة الخنائية . ذلك أنّ وجود الفراش بين المقرّ ووالدة الطفل يغني عن القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي بل يجعل الأب بإمكانه الإقرار بالنسب عملا بأحكام الفصل 68 م أ ش وتمكين الطفل من النّسب الشرعي الذي يحفظ له حقوقه كاملة .
وعلى خلاف ما ذهب إليه حافظ بوعصيدة من عدم وجود فرق بين الإقرار بالنسب والإقرار بالبنوة في القانون عدد 75 سنة 1998 فإنّنا نرى أنّ الفرق واضح وجوهري بينهما. فالإقرار في م أ ش يتعلّق بإثبات نسب الطفل الشرعي الذي يشترط فيه أنّ لا يصرّح المقرّ حسبما أجمع عليه الفقهاء المسلمون بأنّ الطفل من زنا أو أن يثبت المقرّ وجود علاقة شرعيّة بينه وبين والدة الطفل حسبما ذهبت إليه محكمة التعقيب في بعض قراراتها في حين إنّ الإقرار في القانون الجديد إنّما يتعلّق بالطفل المهمل أو مجهول النسب أي بعبارة أخرى بالطفل الغير شرعي وبالتّالي فإنّ العلاقة الشرعيّة مفقودة من أساسها وعليه فإنّه ليس على المقرّ في دعوى إسناد اللّقب سوى أن يصرّح بأنّ الطفل من صلبه دون حاجة لإثبات العلاقة الشرعيّة أو حتّى لإستبعاد العلاقة الخنائيّة، فالمهم هو الإقرار بالعلاقة البيولوجيّة.
بينما يتضمّن الإقرار بالنسب في م أ ش إقرارا بعلاقة بيولوجيّة وقانونيّة. وهو ما يجعل مصلحة الأب في القيام على أساس القانون الجديد لطلب إسناد لقبه للطفل القاصر قائمة ذلك أنّ قيامه بدعوى إثبات النسب بالإقرار قد تقابل بالرفض سواء لإشتراط المحكمة وجود الفراش أو لتضمّن الإقرار ما يفيد أنّ الطفل ابن زنا وهي معطيات لا يمكن التمسّك بها في دعوى إسناد اللّقب نظرا لطبيعة البنوة المراد إثباتها وهي بنوة غير شرعيّة بالأساس.
لكن هل يمكن مجابهة الإقرار في إطار دعوى إسناد اللّقب بأحكام الفصل 439 م إ ع الذي إقتضى أنّه :" لا يعتمد الإقرار في الصور الآتية … إذا كان مآله تعمير ذمة أو إثبات أمر مما هو مخالف للقوانين أو الأخلاق الحميدة أو إثبات أمر لا يبيح القانون القيام به ".؟
طبعا لا يجوز الإعتداد بأحكام هذا الفصل لأنّ القول بخلاف ذلك تفرغ قانون 1998 من محتواه وتجعله عديم الجدوى ذلك أنّ مقصد المشرّع هو إيجاد حلول لوضعيّة طفل هو بالضرورة نتيجة علاقة غير شرعيّة بالتالي فإنّ تحميل الأب البيولوجي بالتزاماته القانونيّة تجاه إبنه ثمرة سفاحه أمر يقتضيه القانون ذاته فضلا على أنّ الإقرار في هذه الصورة سوف لن يتعلّق أساسا بإثبات العلاقة الخنائيّة وإنّما بإثبات علاقة البنوة الطبيعيّة التي أصبح المشرّع يعترف بها ويرتّب عليها الآثار القانونيّة فالفصل 439 م ا ع لن يشكّل عائقا أمام إثبات البنوة في قانون 28 أكتوبر 1998 طالما أنّه بقراءة عكسيّة لهذا الفصل يجوز إعتماد الإقرار لإثبات أمر يبيح القانون القيام به ولا جدال أنّ هذا القانون يبيح القيام بدعوى إسناد اللّقب ويخوّل إثبات البنوّة الطبيعيّة.
ومهما يكن من أمر فإنّ المشرّع التونسي على خلاف التشاريع المقارنة أهمل تعريف الإقرار بالبنوّة وضبط شروطه بدقّة وهو ما من شأنه أن يفسح المجال للفقهاء والمحاكم للإجتهاد والتأويل لمقتضياته لتحديد الشروط الأصليّة للإقرار وضبط الشكل الذي يتمّ به.
ب– شكل الإقرار : على خلاف المشرّع الفرنسي الذي يشترط أن يأخذ الإعتراف بالبنوة شكل الحجّة الرسميّة، والمشرّع المغربي الذي يشترط أن يثبت الإستلحاق بحجّة رسميّة أو غير رسميّة، فإنّ المشرّع التونسي بالفصل 68 م أ ش وبالفصل الأوّل من قانون 28 أكتوبر 1998 لم يبيّن شكل الإقرار بما يرجّح القول بأنّ إرادة المشرّع تتّجه إلى إعتماد الإقرار كما ورد بالفصل 428 م إ ع الذي جاء فيه إنّ الإقرار قد يكون حكمي أو غير حكمي وهو الحلّ الذي قبلته محكمة التعقيب التونسيّة بخصوص الإقرار بالنسب ومحكمة الاستئناف بالمنسمتير في خصوص الإقرار بالبنوة في إطار دعوى إسناد اللّقب العائلي .
1-الإقرار الحكمي : عرّف المشرّع التونسي الإقرار الحكمي بأنّه الإعتراف لدى الحاكم من خصم أو من وكيله المأذون بخصوص ذلك ويطلق حكم الإقرار الحكمي على ما يصدر لدى الحاكم لا نظر له في الدّعوى أو في أثناء مرافعة أخرى.
فالإقرار التلقائي الذي يصدر عن الأب في دعوى ثبوت نسب أو دعوى إسناد لقب لا يطرح أي إشكال طالما وقع تلقّيه طبق القانون. غير أنّه من خلال دراسة تحليليّة للقرارات المنشورة في مادّة الإقرار بالبنوة فإنّه يلاحظ أنّه من النادر أن يصدر هذا الإقرار بصورة تلقائيّة عن الأب المزعوم وإنّما يؤخذ في الغالب من تصريحاته أثناء التتبّع الجزائي من أجل جريمة المواقعة طبق أحكام الفصل 227 مكرّر م ج ومبدئيا يمكن القول أنّه يجوز إعتماد هذا الإقرار إذا وقع تلقّيه لدى المحكمة المتعهّدة بالدّعوى العموميّة أو لدى حاكم التحقيق إذ أنّ الفصـل 428 م إ ع لا يشترط أن يقع تلقي الإقرار لدى الحاكم المدني المتعهّد بالدّعوى المدنيّة .
إلاّ أنّه بالنسبة للإقرار المثبت للنّسب الشرعي فإنّ تصريحات المتّهم الواقع تلقّيها أثناء التداعي الجزائي قد تبرز العلاقة الخنائيّة بين والدة الطفل والأب المزعوم وبالتالي فإنّ المحكمة المدنيّة المتعهدة بدعوى إثبات النسب سترفض في معظم الأحوال إعتماد هذا الإقرار لتعارضه مع ما استقرّ عليه فقه القضاء التونسي من أنّ الإقرار المثبت للعلاقة الخنائية لا يصلح سببا لإثبات نسب الطفل ثمرة هذه العلاقة .
أمّا بالنسبة للإقرار بالبنوّة الطبيعيّة في إطار التتبّع الجزائي وإدانة الأب المزعوم من أجل أحد جرائم المواقعة فيمكن إعتماده من طرف المحكمة المدنية المتعهّدة بغضّ النظر عن طبيعة العلاقة بين الأم والأب المزعوم ذلك أنّه على خلاف دعوى إثبات النسب فإنّ بنوة الطفل في دعوى إسناد اللقب هي بنوة غير شرعية بالأساس وعليه فإنّ هذا الإقرار يمكن إعتماده لإثبات العلاقة البيولوجية دون العلاقة القانونية .
والجدير بالذّكر أنّ محكمة الاستئناف بالمنستير وسبقتها في ذلك المحكمة الابتدائيّة في صفاقس اعتبرت أنّ إمتناع الأب المزعوم غير المبرّر واقعا وقانونا للخضوع إلى التحليل الجيني والذي طلبت إجراءه المستأنفة وفق أحكام الفصل الأوّل من قانون 28 أكتوبر 1998 رغم صدور حكمي تحضيري في نفس الغرض من لدن محكمة البداية يعدّ إقرارا غير حكميّ بصحّة ووجاهة الدّعوى تأسيسا على أحكام الفصل 429 م إ ع الذي جاء فيه أنّ:" الإقرار الحكمي ينتج من سكوت الخصم إذا دعاه الحاكم ليجيب عن الدّعوى الموجهة عليه وأصرّ سكوته ولم يطلب أجلا للجواب."
إلاّ أنّ هذا الحلّ ولئن كان من شأنه إدخال النجاعة المطلوبة على أحكام هذا القانون حتى لا يبقى حبرا على ورق كما عبّرت عن ذلك محكمة الاستئناف بالمنستير إلاّ أنّه غير مستاغ من الناحية القانونيّة إذ أنّ رفض الإذعان للحكم التحضيري القاضي بإجراء التحليل الجيني لا يمكن إعتباره إقرارا حكميّا على معنى الفصل 429 م إ ع ذلك أنّ الأب المزعوم لم يصرّ على سكوته بل أنّه أجاب عن الدّعوى بنفيه أن يكون أبا للطفل لكن من الممكن إعتبار ذلك الرفض قرينة على البنوة في مواجهة ذلك الأب وهو الحلّ الذي إعتمده المشرّع وفقه القضاء الفرنسي كما سبق التطرّق إليه آنفا.
وعموما إتّخذ فقه القضاء التونسي مفهوما واسعا للإقرار بالنسب سواء كان حكمي أو غير حكمي .
2- الإقرار غير الحكمي : عرّفه المشرّع التونسي كما يلي :" الإقرار الغير الحكمي هو الذي لم يصدر لدى الحاكم وقد يحصل من كل فعل مناف لما يدّعيه الخصم." وقد قبل فقه القضاء التونسي الإقرار الغير الحكمي لإثبات النسب وإعتبرت محكمة التعقيب أنّ الإقرار الغير حكمي يمكن إستنتاجه من كلّ تصرّف أو فعل يمكن نسبته للمقرّ.
أمّا بالنسبة للإقرار بالبنوة في إطار دعوى إسناد اللّقب يمكن أن يكون غير حكمي ما دام المشرّع قد أورد الإقرار على إطلاقه وهو الموقف الذي تبنّته محكمة الإستئناف بالمنستير في قرارها السالف الذكر.
والإقرار الغير الحكمي سواء تعلّق بإثبات النسب أو بإثبات البنوة الطبيعيّة يمكن أن يكون صريحا أو ضمنيا وهو ما أكّدته محكمة التعقيب في أحد قراراتها الذي جاء فيه أنّ:" الفصل 68 م أ ش إقتضى أنّ النسب يثبت بإقرار الأب والمقصود من ذلك الإقرار الحكمي أو غير الحكمي وأضافت أنّ الإقرار الغير حكمي قد يكون صريحا أو ضمنيا."
بحيث يمكن للمحكمة أن تستخلص وجود الإقرار من كتب بخط اليد أو من حجّة رسميّة تنسب بصفة قاطعة للأب المزعوم كأن يكون عقد هبة أو عقد وصية ذكر فيه صفة الموصى له أو الموهوب له. كما إعتبر فقه القضاء التونسي أنّ تصريح الأب لدى ضابط الحالة المدنيّة يمكن أن يستنتج منه إقرارا غير حكمي بالنسب. وتكتفي المحاكم عادة بهذا التصريح دون أن ترى داعيا للتصريح بإسم الأم ما دام النّسب يقتصر على صلة الإبن بأبيه وأنّ مصلحة الطفل الماديّة والمعنويّة تقتضي ذلك، وقد صدرت في هذا المعنى عديد القرارات التعقيبية. غير أنّ التصريح الذي يقوم به غير الأب كالجدّ والأم لا يمكن إعتماده كإقرار غير حكمي في مواجهة الأب المزعوم لأنّ الإقرار حجّة قاصرة على المقرّ فلا تتعدّاه إلى غيره إلاّ إذا صدّقه.
وتجدر الإشارة إلى أنّ بعض المحاكم قد تبنّت مفهوما واسعا للإقرار الغير حكمي المثبت للنسب بأنّ اعتبرت أنّ تصرفات الأب وسلوكه تجاه الأم ومولودها يمكن أن يؤخذ منه إقرار ضمنيا بالنّسب، كأن يتصرف الأب المزعوم تصرّف الأب تجاه إبنه نحو الطفل ووجود عدّة معطيات متواصلة في الزمن ومتبادلة بينهما ترجّح وجود علاقة بنوة، كدفع معاليم الولادة وتحمّل مصاريف الدّراسة والإنفاق على الطّفل والعيش المشترك . غير أنّ محكمة التعقيب ذهبت إلى القول بخلاف ذلك في أحد قراراتها الذي جاء فيه :" أنّ الفصل 68 م أ ش حصر الحجج التي يسوغ إلى القاضي الإستناد إليها لإثبات النسب وتفريعا على ذلك يكون قابلا للنّقض الحكم الذي إنبنى على مجرّد قرائن :"
فهذه الوقائع لا تعدّ حسب محكمة التعقيب إقرارا غير حكمي بالنسب فهل يمكن إذن قبولها كمضمون شهادة الشهود وخاصّة وأنّه كما سيقع التطرّق لاحقا لا يمكن للشهادة أن تثبت علاقة البنوة مباشرة ؟
ومهما يكن من أمر فإنّ الإقرار متى وقع صحيحا ومستوفيا لشروطه فإنّه يرتب آثاره القانونيّة.

الفقرة الثانية: آثار الإقرار وخصائصه:
يترتّب عن الإقرار بالنسب في م أ ش ثبوت رابطة النّسب الشرعي بين الأب المقرّ والابن المقرّ له بالنسب وهو ما يؤدّي إلى إعتبار الولد المعترف به شرعيّا من جميع النواحي ويترتّب عن ذلك التزامات وحقوق متبادلة بين الابن وأبيه. أمّا بالنسبة للإقرار بالبنوة في قانون 1998 فإنّه يترتّب عنه إسناد اللقب العائلي للطفل وتخويله بالحقوق الممنوحة له بموجب هذا القانون. على أنّه سواء تعلّق الأمر بالإقرار في م أ ش أو بالإقرار في قانون 1998 فإنّ للإقرار مفعول رجعي كما لا يمكن الرّجوع فيه.
أ – المفعول الرجعي للإقرار : إنّ الابن الذي يثبت نسبه من شخص بالإقرار يعتبر إبنا حقيقيّا للمقرّ فتجب له جميع حقوق الطفل الشرعي كذلك الشأن بالنسبة للإقرار بالبنوة في قانون 1998 فيعتبر الإبن المقرّ له إبنا حقيقيّا للمقرّ وتثبت له جميع الحقوق المقرّرة بهذا القانون. وفي كلا الحالتين لا يعدّ الإقرار إنشاء لعلاقة الطفل بالمقرّ وإنّما تصريح بهذه العلاقة بحيث تعتبر رابطة البنوة قائمة بينهما من تاريخ الحمل بالطفل لا من تاريخ الإقرار بالبنوة أي أنّ له مفعول رجعي .
ولا يخف ما للمفعول الرجعي من فوائد عمليّة بالنسبة للمقرّ فيما يتعلّق ببداية تمتّعه بحقوقه تجاه المقرّ له خاصّة بالنسبة للطفل الشرعي الذي يعتبر مستحقا للميراث من تاريخ الحمل به .
وقد كرّس المشرّع التونسي المفعول الرجعي للإقرار في قانون 1998 بصفة صريحة بصفة تجعله ينطبق على جميع الحالات السابقة له في الزمان حسبما يؤخذ من صريح الفصل السادس منه. فقانون 1998 له مفعول رجعي بحيث يمكن أن يتسلط الإقرار بالبنوة على طفل مولود قبل دخول هذا القانون حيز النفاذ كما يرتّب آثاره بداية من تاريخ الحمل بالطّفل والغرض من ذلك محاولة المشرّع تسوية وضعيّة الأطفال الطبيعيين وتعويضهم عن إنعدام تنظيم تشريعي لوضعيتهم قبل هذا القانون .
غير أنّ الفصل السادس من هذا القانون أورد إستثناء هاما للمفعول الرجعي ذلك أنّه إستبعد من نطاق مفعوله الرجعي الجانب المادّي من حقوق الطفل الناشئة عن ثبوت بنوته تجاه الأب. بحيث أنّ الإقرار بالبنوة لا يترتّب عنه مطالبة الأب بمبالغ النفقة السّابقة عن القيام بدعوى إسناد اللّقب وذلك تفاديا لما يمكن أن ينجرّ عن ذلك من بقاء للمدين بالنفقة مهدّدا بدفع مبالغ هامّة قد لا يتمكّن من الوفاء بها وهو ما يشكّل حافزا للأب على الإقرار بالبنوة دون خشية المطالبة بالنفقة بصفة رجعيّة .
وعموما فإنّ الحقوق المخوّلة للطفل بموجب الإقرار قد لا تكتسي أهميّة تذكر إذا كان الإقرار قابلا للرجوع فيه.
ب – عدم إمكان الرجوع في الإقرار : لم يتناول المشرّع التونسي مسألة الرجوع في الإقرار بم أ ش إلاّ من جهة الميراث فقد جاء بالفصل 74 م ا ش أنّه:" إذا إستلحق الرجل ولدائم أنكره فإن مات المستلحق قبل الولد ورثه الولد بالإقرار مات الولد قبل الأب لم يرثه الأب ووقف المال فإن مات هذا المستلحق صار هذا المال الورثة".
فرغم أنّ رابطة النسب ترتّب آثارا قانونيّة تتجاوز مجرّد الحق في الميراث لتشمل الحقوق المتعلّقة بالحالة المدنيّة والنفقة والحضانة وغير ذلك فإنّ المشرّع قد إقتصر على التعرّض إلى مسألة الميراث فحسب بالفصل 74 م ا ش معطيا في ذلك إفتراضين لحالة إستلحاق الولد ثم إنكاره فيما بعد من طرف المستلحق.
فالإفتراض الأوّل يتعلّق بوفاة المستلحق قبل الإبن ففي هذه الحالة فإنّ الابن يرثه بالإقرار الأوّل أمّا الإفتراض الثاني فيتعلّق بصورة وفاة الولد قبل المستلحق فلا يرثه الأب في هذه الحالة ووقف المال فإن مات المستلحق صار المال لورثته.
فمن خلال أحكام هذا الفصل يمكن القول أنّ المشرّع التونسي ولئن أجاز للأب الرجوع في إقراره بالنسب إلاّ أنّه حمّله تبعة ذلك فيتحمّل وحده الآثار المترتّبة عن نكوله دون الإبن الذي تبقى حقوقه محفوظة وبالتّالي فإنّه لا يبدو أنّ للأب أيّة مصلحة عمليّة من الرجوع في الإقرار الّهم إذا أمكن إعتبارها مصلحة معنويّة إذا كان مقتنعا بعدم أبوّته للطفل. فالرجوع في الإقرار إذن غير معتبر في القانون التونسي إذ لو كان معتبرا لما ورث الولد المستلحق عند موت الأب، فلا تأثير للرجوع في الإقرار على الحقوق التي إكتسبها المقرّ له بالنسب بموجبه وكأن المشرّع يفترض هنا أنّ الإقرار يتطابق مع الحقيقة التي لا يمكن أن تكون محلّ تغيير أو تبديل من طرف الإرادة المنفردة للمقرّ.
وقد أقرّ المشرّع التونسي هذه الآثار المترتبة عن الرجوع في الإقرار بالفصل 74 م ا ش كجزاء للمقرّ على نكوله بحيث يتحمّل وحده تبعة ذلك وهو ما يعكس رغبة المشرّع في ضمان وضعيّة مستقرّة للطفل المقرّ له بالنّسب حتى لا يكون عرضة لأهواء ونزوات المستلحق. وقد أكّدت محكمة التعقيب التونسيّة في مناسبات عديدة أنّ " الإقرار بالنسب غير قابل للرجوع فيه سواء كان حكمي أو غير حكمي".
أمّا بالنسبة للإقرار بالبنوة في قانون 1998 ولئن أهمل المشرّع التونسي التعرّض إلى إمكانيّة الرّجوع في هذا الإقرار من عدمه لا صراحة ولا ضمنا فإن الأرجح أنّ البنوة الثابتة بالإقرار لا يجوز الرجوع فيها بموجب الإرادة المنفردة للمقرّ. ويتأسس هذا الرأي على إعتبارين فمن جهة يعتبر الإقرار الصحيح قانونا إقرارا نهائيّا لا رجوع فيه تطبيقا لمقتضيات الفصل 458 م إ ع ، ومن جهة أخرى فإنّ إرادة المشرّع في هذا القانون كانت متّجهة نحو إثبات البنوة وتمكين الطفل من الحقوق المترتّبة عن ذلك أكثر من إستبعادها ممّا يتّجه معه القول أنّه لا يمكن إعدام آثار هذه البنوة الثابتة بموجب الإقرار بمجرّد قيام المقرّ بالرجوع في إقراره .
ولئن كان الإقرار بالبنوّة غير قابل للرّجوع فيه إلاّ أنّه بإمكان كلّ ذي مصلحة أن يقوم بدعوى في إبطاله إذا ثبت قطعا ما يخالفه تطبيقا للأحكام الفصل 70 م أ ش كأن يتّضح أنّ الولد المقرّ له معروف النسب أو أنّ شروط الإقرار كما سلف بيانها لم تتوفّر. فقرينة الصحّة والمطابقة للواقع والقانون التي ربطها المشرّع بالإقرار بالبنوة ليست قرينة مطلقة وإنّما هي قرينة بسيطة يجوز معارضتها بإثبات ما يخالفها أو إقامة الحجّة على أنّ الإقرار لم يستكمل شروطه وأركانه القانونيّة طالما أنّ الإقرار بالبنوة لا يعدو أن يكون إلاّ تصرّفا قانونيّا منشئا للإلتزامات. وعلى هذا الأساس يجوز للأب القيام بإبطال الإقرار إذا أثبت أنّ إقراره ببنوة الطفل كان نتيجة طرق إحتياليّة قامت بها الأمّ بما أقنعه بأبوّته للطفل أو كان نتيجة غلط أو إكراه
وعموما فإنّ الإقرار بالنسب والإقرار بالبنوة في قانون 1998 لا يكادان يختلفان إختلافات كبيرة من حيث خصائصهما وشروطهما القانونيّة العامّة وإنّما يكمن الإختلاف الجوهري بينهما في طبيعة العلاقة التي كانت رابطة بين الأب ووالدة الطفل. وقد يستدعي الأمر تدخّل المحكمة المتعهّدة بدعوى ثبوت النسب وذلك للتثبت من طبيعة علاقة المقرّ بوالدة الطفل المقرّ له بالنسب وذلك لتحديد القانون المنطبق بحسب ما إذا كان الفصل 68 م ا ش أو الفصل الأوّل من قانون 28 أكتوبر 1998 إذا تعلّق الأمر بإقرار بالعلاقة الخنائيّة أو تبيّن من أوراق الملف أنّ الطفل من سفاح فللمحكمة أن تحوّر الدعوى لتصبح في إسناد لقب عائلي وليس في ثبوت نسب وهو حلّ قانوني سليم ينسجم مع وضعيّة الأطفال الغير شرعيين، عوض الحلول التي سعت بعض المحاكم إلى تطبيقها رغم ما فيها من خروج عن نصوص م أ ش من جهة وعن أحكام الشريعة الإسلاميّة من جهة أخرى.
فقانون 1998 وفّر الإطار القانوني الذي يخوّل إثبات بنوة الأطفال الغير شرعيين وعمل على التوسّع في الوسائل المثبتة لهذه البنوّة بأن أبقى للإرادة الشخصيّة دورا هامّا من خلال إعتماده إضافة إلى الإقرار شهادة الشهود.



المبحث الثاني : الشّّّهادة
الشهادة لغة :المشاهدة والمعاينة كما تتضمّن معنى الحضور فيقال شهدت مجلس فلان أن حضرته. وتعرّف الشهادة في الإصطلاح القانوني بأنّها " الإخبار بلفظ الشّهادة يعني القول أشهد بإثبات حقّ واحد هوّ في ذمّة الآخر في حضور القاضي وفي مواجهة الخصمين".
وتتبوّأ الشهادة منزلة خاصّة في الإثبات في الشريعة الإسلاميّة إذ يقول تعالى"وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشّهادة لله " ويقول الرسول صلى الله عليه وسلّم " خير الشّهداء الذي يأتي الشذهادة قبل أن يسألها ".
وتعدّ الشهادة أو البيّنة الطّريق الثالث لثبوت النّسب في الفقه الإسلامي. وقد ميّز الفقهاء المسلمون بين ثبوت النّسب بالدّعوة أو الإقرار وثبوت النسب بالبينة واعتبروا أنّ الشهادة حجة متعدّية لا تقتصر على إثبات النّسب تجاه المدّعى عليه فحسب وإنّما يثبت في حقّّه وفي حقّ غيره أمّا الإقرار فهو حجة قاصرة على المقرّ لا تتعدّاه إلى غيره.
وفي نطاق تأثره بأحكام الفقه الإسلامي أورد المشرّع التونسي الشّهادة كأحد وسائل إثبات النّسب بالفصل 68 م أ ش. ورغم النقد الشّديد الموجّه لاعتماده هذه الوسيلة لإثبات النسب وتساؤل البعض عن الجدوى العمليّة من الإبقاء عليها بالفصل 68 المذكور. فإنّ المشرّع لم يبق عليها كوسيلة لإثبات النسب الشرعي فحسب وإنّما أوردها كوسيلة مستقلّة لإثبات البنوة الغير شرعيّة في قانون 1998 بفصله الأوّل أيضا بما يعكس قناعته بقدرة البيّنة وكفايتها سواء لإثبات البنوة الطبيعيّة أو لإثبات النسب رغم ما تطرحه من إشكاليّات نظريّة وعمليّة بخصوص مضمونها وشروط قبولها.

الفقرة الأولى : شروط قبول الشّهادة :
لقد إشترط الفصل 68 م ا ش لقبول الشّهادة بالنسب أن تكون من شاهدين من أهل الثقة فأكثر بينما لم يحصر المشرّع صلب القانون عدد 75 لسنة 1998 عدد الشّهود ولم يشترط صفة في ذاتهم بما يتحتّم معه تحديد الشروط الواجب توفّرها في الشاهد تم بيان الشروط الشكليّة والإجرائيّة لصحّة الشهادة.
أ-الشروط المتعلّقة بالشّاهد : يشترط الفصل 68 م ا ش لصحّة الشهادة أن تكون من شاهدين من أهل الثقة على أنّ الفصل الأوّل من قانون 1998 أورد الشّهادة على إطلاقها دون تحديد لشروط إعتمادها بما يجعل التّساؤل قائما بخصوص إمكان إعتماد شرطي النّصاب والثقة في القانون المذكور.
1 – النّصاب : البينة التي يثبت بها النسب في الفقه الإسلامي هي شهادة رجلين أو رجل وإمرأتين عند أبي حنيفة وشهادة رجلين عند المالكيّة وجميع الورثة عند الشافعيّة والحنابلة وأبي يوسف.
فالتشريع الإسلامي يعطي أهميّة كبرى لشهادة الذّكر التي تساوي شهادة إمرأتين. ومن جهته فقد إشترط المشرّع التونسي بالفصل 68 م ا ش أنّ لا يقلّ عدد الشّهود بالنّسب عن إثنين ونظرا لتأثر المشرّع التونسي بالفقه الإسلامي في مادّة النسب فقد يطرح التساؤل بخصوص جنس الشاهد وهل يجب أن يكون الشّاهد من جنس الذّكور حتّى تقبل شهادته؟
لا يبدو أنّ جنس الشّاهد يطرح إشكالا حقيقيّا إعتبارا للتّمشي التشريعي في تونس السائر نحو تحقيق المساواة بين الذّكر والأنثى سواء في إطار الأسرة أو خارجه وذلك من خلال التنقيحات المتعاقبة الواردة على م أ ش ومن خلال الاتفاقيات الدوليّة التي صادقت عليها البلاد التونسيّة في هذا المجال بما يسوغ معه القول أنّه بالإمكان أن يكون الشاهد ذكرا أو أنثى دون تفريق بسبب الجنس بحيث تقبل شهادة رجل وإمرأة أو شهادة إمرأتين دون إشتراط شهادة رجل أو إمرأتين أو جمع من النساء على غرار ما هو معمول به في بعض الاتجاهات الفقهيّة.
أمّا القانون عدد 75 لسنة 1998 فلم يشترط نصابا معينا لقبول الشّهادة وأوردها على إطلاقها مما يتّجه معه القول أنّ شهادة الشاهد الواحد مقبولة إذا كانت مستوفيّة لمقوّماتها الإجرائيّة والموضوعيّة كلّ ذلك تيسيرا لإثبات البنوة وتمكين الطفل المهمل ومجهول النسب من الحقوق المخوّلة له بموجب هذا القانون على أنّه يبقى في جميع الأحوال للمحكمة سلطة تقديريّة واسعة لتقييم هذه الشهادة من حيث عدد الشهود الواقع سماعهم ومن مدى إتصافهم بالنزاهة والثقة من عدمه.
2 – شرط الثقة : إشترط الفصل 68 م أ ش صراحة أن يكون الشّاهد المثبت للنسب من أهل الثّقة دون تحديد للمقصود من ذلك .
أمّا قانون 1998 فلم يشترط صفة الثقة في الشاهد صراحة إلاّ أنّ ذلك لا يعني تخلّي المشرّع عن هذا الشرط فلا يمكن أن يستنتج من سكوت المشرّع أنّه فتح الباب لتلقّي شهادة شهود غير ثقاة، بل تكف الشروط العامّة للشهادة كيفما وردت بالفصول 92 وما بعده من م م م ت للقول بوجوب توفر شرط الثقة في أي شاهد يدلي بشهادته في نزاع مدني .
فقد إقتضى الفصل 96 م م م ت أنّ :"التجريح في الشهود يكون بما يأتي :.. عاشرا : إذا كان الشاهد محكوما عليه من أجل جريمة مخلة بالشّرف .
فالشّاهد في دعوى إثبات الّنسب أو في دعوى إسناد اللقب محمول عليه أن يكون من أهل الثقة وهي قرينة بسيطة يمكن دحضها بإثبات أنّ الشّاهد قد إستهدف مثلا لعقوبة جزائية من أجل أفعال منافية للأخلاق كالسرقة أو التحيّل أو الزّنا أو شهادة الزّور وكلّ ما من شأنه أن يدلّ على أنّ الشّاهد فقد ثقة الغير وذّلك عبر القدح في شهادته والتجريح فيه طبقا للصّور والإجراءات الواردة بالفصول 96 و ما بعده من م م م ت، و تبقى المحكمة المتعهدة بالدّعوى سلطة ترجيح شهادة الشهود و تعييرها. مثلما هو الأمر بالنسبة لتقدير الشهادة في بقية النزاعات المدنيّة ذلك أنّ دعوى إثبات النسب أو دعوى إسناد اللّقب إنّما هي من الدعاوى المدنيّة ويقع تقدير وسائل الإثبات فيها إلى القواعد العامّة التي لا تتعارض مع الأحكام الخاصّة الواردة سواء بم أ ش أو بقانون 1998.
ومهما يكن من أمر فإنّ الشهادة لا يمكن إعتمادها لإثبات النسب أو لإثبات البنوّة الطبيعيّة في إطار دعوى إسناد اللقب إلاّ إذا كانت مستوفيّة لشروطها الموضوعيّة ولشروطها الشكليّة والإجرائيّة أيضا.
ب -الشروط الشكليّة والإجرائية للشّهادة : لم يبيّن المشرّع التونسي لا بم ا ش ولا بالقانون عدد 75 لسنة 98 شكليات الشهادة وإجراءات تلقيها وبالتالي فإنّه يتّجه الرجوع إلى م م م ت لبيان إجراءات تلقي الشهادة طالما أنّ نزاعات البنوّة تكتسي صبغة مدنيّة بحتة .
وقد إقتضى الفصل 92 م م م ت إنّه :" إذا إقتضى الحال تلقي بينة بالشهادة فإنّ القاضي المقرّر يأذن من إستند إليها بإحضارها لديه في اليوم والساعةّ والمكان المحدّد لذلك، ويتولّى القاضي المقرّر سماع الشّهود بنفسه وعند الاقتضاء ينيب لذلك أحد القضاة المنتصبين بأقرب مركز لمكان الشّاهد وكل الشهادات الواقع تلقيها على غير هاته الصورة تعدّ باطلة ولا يعتدّ بها ".
وعملا بأحكام الفصل 92 المذكور فإنّه لا يمكن بأيّة حال من الأحوال الإعتداد بالشهادات الواقع سماعها على غير هاته الصّورة المقرّرة بهذا الفصل من ذلك الشّهادات الواقع تلقّيها أثناء التداعي الجزائي لتأييد دعوى إثبات النسب أو دعوى إسناد اللقب. ضرورة أنّ هذين الدّعويين إنّما هي من الدّعاوى المدنيّة ويخضع سماع الشهود فيها إلى الإجراءات المقرّرة بم م م ت فإذا لم يقع إحترام هاته الإجراءات فإنّ الشهادة تعتبر باطلة ولا يمكن الاعتمادها لإثبات البنوة سواء كانت بنوة شرعية أو غير شرعيّة.
ويتدعّم هذا الموقف بما إستقرّت عليه محكمة التعقيب التونسية من القول بأنّ :" الفصـل 92 م م م ت إقتضى أنّ الشهادات التي لم تحرر بواسطة القاضي المدني المكلّف ببحث الدعوى أو القاضي المدني الذي أنابه لذلك تكون باطلة وتأسيسا على ذلك يكون قابلا للنقض الحكم الذي قضى في دعوى مدنيّة إلى شهادات كانت حرّرت في دعوى جزائيّة بواسطة الشرطة."
فلا يمكن إذن إعتماد شهادات وقع تلقّيها بمناسبة التتبّعات الجزائيّة من أجل الزواج على خلاف الصيغ القانونيّة أو من أجل مواقعة قاصر برضاها لإثبات النسب أو لإثبات البنوة الغير شرعيّة في إطار دعوى إسناد اللقب العائلي.
ومن جهة أخرى تجدر الإشارة إلى أنّ الشّهادات الواقع تلقيها من طرف عدلي إشهاد أو المضمّنة بكتب خطي ممضي عليه من طرف الشاهد لا يمكن إعتمادها أيضا لإثبات النّسب أو حتّى لإثبات البنوّة الطبيعيّة لعدم تلقيها طبق الإجراءات القانونيّة المنصوص عليها بالفصل92 المذكور. وعموما يمكن القول أنّ شروط قبول الشهادة تتطابق إلى حدّ ما بين م أ ش وقانون 1998 على أنّ خصوصيّة الشهادة بالنسب تتبلور على مستوى مضمونها مقارنة بالشّهادة المثبتة للبنوّة الطبيعيّة.
الفقرة الثانية : مضمون الشّهادة :
لم يقدّم المشرّع التونسي في م أ ش وفي الفصل الأوّل من قانون 1998 أي بيان بخصوص البيّنة بإعتبارها وسيلة لإثبات النّسب في م أ ش أو لإثبات البنوة الطبيعيّة لا من حيث نصّها ولا من حيث مضمونها بما يجعل فحوى الشهادة يكتنفه الغموض في كلا التشريعين.
ويمكن القول مبدئيا أنّّ الشّاهد مطالب بأن يشهد بما سمعه أو شاهده مباشرة ونشير في هذا الصّدد أنّه من المتّفق عليه لدى فقهاء المذاهب الأربعة جواز إثبات النّسب بشهادة السّماع. دليلهم في ذلك أنّ هذه الأمور لا يطّلع عليها إلاّ خواص الناس وتأسيسا على ذلك يرون أنّ عدم إجازة الشهادة بالسّماع من شأنه أن يؤدي إلى الحرج وتعطيل الأحكام المترتبة عنها كالنفقة وحرمة الزواج .
لكن يبقى الغموض مكتنفا حول مضمون الشهادة لأنّه لا يمكن من النّاحية المنطقية للبيّنة أن تثبت البنوة بصفة مباشرة وحتّى في صورة أنّها تثبت الإتّصال الجنسي بين والدة الطفل والأب المزعوم فإن ذلك لا يفيد بصورة قطعيّة أن المولود هو نتيجة ذلك الاتصال، بما يطرح التساؤل بخصوص ماذا يجب على الشّاهد إثباته ؟ فهل يجب عليه أن يثبت العلاقة البيولوجيّة وأنّ الطفل هو ابن فلان فحسب أم يجب عليه أن يثبت أنّه ناتج من علاقة شرعيّة؟
إنّ الإجابة عن هذا الإشكال تختلف بحسب ما إذا كان الغرض من الشّهادة إثبات النّسب أو إثبات البنوّة الطبيعيّة في إطار دعوى إسناد اللقب العائليّ.
أ – مضمون الشهادة المثبتة للنّسب : لم يبيّن المشرّع التونسي بالفصل 68 م أ ش ماذا على الشاهد إثباته في دعوى إثبات النسب والتساؤل الذي يطرح نفسه إن كان من الضروري أن تثبت إليه أنّ الطفل مولود من علاقة شرعيّة .؟
لقد أجاب المشرّع المغربي عن هذا التساؤل بوضوح فاقتضت المادّة 89 من المدونة المغربيّة أن:"ّ النسب يثبت بشهادة عدلين أو بنية السماع بأنّه ولد من فراشه من زوجته فلانة".
أمّا المشرّع التونسي فقد سكت عن فحوى الشهادة فاعتبر ساسي بن حليمة أنّ شهادة الشّهود وسيلة إثبات مستقلّة بذاتها عن الوسيلتين المذكورين بالفصل 68 م أ ش ذلك أنّ كلّ وسيلة من الوسائل المنصوص عليها بالفصل المذكور جاءت مستقلّة بذاتها حسبما يؤخذ من ظاهر النص الذي استعمل عبارة "أو" وبالتّالي فإنّه يكفي لقبول الشهادة المثبتة للنسب الشرعي أن يؤكّد الشاهد على أنّ الطفل من صلب الأب المزعوم دون حاجة لإثبات الفراش ما دام المشرّع لم يشترطه صراحة ويكفي أن تثبت البيّنة أنّ الطفل يتمتع بوضعية الطفل الشرعي بالنسبة للأب أو ما يسمّى بالفرنسيّة la possession d'état .
والجدير بالذكر أنّ إكتساب وضعيّة الطفل الشرعي في القانون الفرنسي تشكّل قرينة على البنوة الشرعيّة إذا اجتمع ما يكفي من الوقائع الدّالة على وجود علاقة البنوة بين الطفل والعائلة التي ينتمي إليها ويجب أن تكون هذه الوضعيّة متواصلة في الزّمن.
وتتمثل الوقائع الأساسيّة في أنّ هذا الطفل يحمل دائما لقب العائلة المزعومة وأنّهم يعاملونه معاملة الابن وأنّه يعاملهم كأنّهما أباه وأمّه وأنّهما على هاته الصّفة قاموا بتعليمه ورعايته وأنّه عرف كذلك لدى العائلة ولدى المجتمع وأنّ السلطة العموميّة تعتبره كذلك. وخلافا لإكتساب وضعيّة الطفل الطبيعي فإنّ إكتساب وضعيّة الطفل الشّرعي في القانون الفرنسي تقتضي أن تتصل هذه العلاقة بالأب والأم معا دون إمكان الفصل بينهما إذ تستلزم الإتّصال بعائلة.
وقد تبنّت محكمة الاستئناف بتونس هذا الإتّجاه بأحد قراراتها الذي قضت فيه بثبوت نسب طفلين إستنادا إلى شهادة الشّهود التي أثبتت أنّه كانت توجد علاقة متينة بين الوالدين تتجاوز مجرّد التعارف إذ أنّ الوالد المزعوم كان يدفع معيّن الكراء وينفق على الوالدة ويزورها ويتناول معها الطعام وهي كلّها أمور من شأنها أن ينجرّ عنها الحمل والإقتناع بأنّ الأبناء مولودون من صلب الأب المزعوم.
غير أنّ هذه التبريرات لم تحرز على إقتناع محكمة التعقيب التونسيّة التي اعتبرت أنّ البيّنة لم تثبت سوى سلسلة من الوقائع لا علاقة لها بالّنسب وأكّدت بالخصوص أنّ:" الفصل 68 م أ ش حصر الحجج التي يسوغ للقاضي الإستناد إليها لإثبات النسب وتفريعا على ذلك يكون قابلا للنقض الحكم الذي إنبنى على مجرّد قرائن لإثبات النسب" فمحكمة التعقيب عبّرت في هذا القرار ضمنيا عن رفضها لاعتبار إكتساب الوضعية من بين الوسائل القانونية المثبتة للنّسب مادام المشرّع لم ينصّ عليها صراحة بالفصل 68 م أ ش ولو تمّ إثباتها بشهادة الشّهود. وبإعادة النظر في هذه القضيّة إثر طعن ثاني بالتعقيب نقضت محكمة التعقيب القرار الإستئنافي القاضي بثبوت النّسب مجدّدا بعلّة أنّ البيّنة لم تثبت إلاّ مجرّد المعاشرة ولم تثبت زواجا على خلاف الصّيغ القانونيّة الذي يستوجب توفّّر الإيجاب والقبول وإقامة حفل عائلي لإشهار الزواج.
وعموما فقد إستقرّت محكمة التعقيب في العديد من قراراتها على إعتبار أنّ الشّهادة وحدها لا تكف لإثبات النسب من ذلك القرار المؤرّخ في 26 ماي 1977 الذي جاء فيه أنّه:" طالما وأن الشهادة التي إستندت إليها الطاعنة لا تفيد مطلقا وجود علاقة شرعيّة كان من نتائجها ومن ثمرتها الولد المنسوب للمعقّب عليه فإنّ علاقة الزنا ينتفي معها النسب".
وقد أكّدت محكمة التعقيب هذا المبدأ في قرار حديث نقضت بموجته قرارا إستئنافيا أثبت نسب طفلة مولودة من علاقة خنائية بين والدتها والأب المزعوم على أساس شهادة الشهود.
والجدير بالإشارة إلى أنّ محكمة التعقيب التونسيّة استقرّت على مبدأ عام في مادّة النسب ما فتئت تذكّر به كلّما أتيحت لها الفرصة لذلك إذ تعتبر أنّ " الفصل 68 م ا ش لا يقتضي بحال إثبات نسب ابن الزنا للزاني إذ للولد الفراش وللعاهر الحجر "وقد استقرّ فقه قضاء محكمة التعقيب على هذا الاتجاه المؤكّد على أنّ العلاقة الخنائيّة لا ترتّب نسبا وأنّ وسائل الإثبات الواردة بالنص المذكور إنّما يلتجؤ إليها في الابن المخلّف من علاقة زواج شرعيّة ولو كانت مختلة الأركان أو الشكليات القانونيّة سواء كان زواجا صحيحا أو فاسدا على معنى الفصل 31 من قانون الحالة المدنية المؤرّخ في غرّة أوت 1957 يثبت بها النسب.
فحسب الإتجاه السائد في فقه القضاء التونسي فإنّ شهادة الشهود على معنى الفصل 68 م ا ش لا يمكن أن تكون وسيلة مباشرة أو مستقلّة لإثبات النسب وهو الاتجاه الذي كان محلّ تأييد من بعض الفقهاء في تونس من بينهم علي الفطناسي الذي يعتبر أنّ فحوى الشهادة كما وردت بالشريعة الإسلاميّة تستوجب أن تتضمّن كل وقائع الدّعوى الرّامية لإثبات النسب بأن تشهد أن المدّعى عليه فلان رزق بالمدّعي ولدا شرعيا له من نكاح شرعي صحيح من أمّه فلاة بنت فلان وبالتالي فإنّ الشهادة قد أدرجت بالفصل 68 م ا ش بقصد إثبات البنوة الشرعيّة لا غير وأنّ البنوة الطبيعيّة قد أهملها المشرّع التونسي في مادّة إثبات النسب تماشيا مع أصول الشريعة الإسلاميّة التي هي الأساس التشريعي الوحيد لمشروع مجلّة الأحوال الشخصيّة التونسيّة.
في حين قوبل هذا الإتجاه بنقد شديد فاعتبر ساسي بن حليمة أنّه وضع إثبات النّسب بالشهادة في حلقة مفرغة فإمّا أن الشهادة تثبت النّسب بإثبات الزواج القائم بين والدي الطفل فلا تمثل في هذه الصورة وسيلة مستقلّة لإثبات النسب ويصبح حينئذ من باب لتزيّد الإشارة إليها بالفصل 68 م أ ش ويكون بالتالي من الأجدى الإستغناء عنها، أو ألاّ تتضمّن الشهادة إثباتا للزواج أي أن يكتفي الشاهد بالتأكيد على أن الطفل من صلب فلان ولكن في هذه الصورة لا مناص من التذكير بفقه قضاء محكمة التعقيب، وإعتبر أن لا جدوى من الإشارة إلى الشهادة صلب الفصل 68 م أ ش ولذلك يكون من المنطقي حذف هذه الوسيلـة، أو على الأقل التّنصـيص على فحوى الشهادة.
إلاّ أنّنا نعتقد أنّ هذا الرأي لا يستقيم لسببين على الأقل فالشهادة في م أ ش إنّما وردت لإثبات النسب الشرعي ومن المتفق عليه لدى أغلب شّراح القانون في تونس أنّ البنوة في م أ ش شرعيّة أولا تكون غير أنّ ذلك لا يمنع من أن تكون الشهادة مستقلّة عن وسيلة الفراش إذ بقراءة متأنّية للفصل المذكور يمكن القول أنّه ليس على الشاهد أن يثبت وجود العلاقة الشرعيّة وإنّما يكفي أن يشهد بأنّ الطفل من صلب فلان وعلى من يدّعي أنّ الطفل ناشئ من علاقة خنائيّة أن يثبت ذلك طالما أن الأصل في الأمور الصحة والمطابقة للقانون وأنّه على من يدّعي خلاف ذلك الإثبات ويتدعّم هذا الرّأي بالقرار المبدئي الصادر عن محكمة التّعقيب بتاريخ 15 مارس1997 والذي جاء فيه أنّه :" يؤخذ من أحكام الفصل 68 م أ ش أنّه ثمة ثلاثة أسباب لإثبات النّسب وهي وسائل جاءت معطوفة بأو والتي تفيد التنويع دون جمع بالفراش وقصد بالوسيلتين الثانية والثالثة توسيع نطاق إثبات النسب عند فقدان عقد الزواج الصحيح أو الفاسد ما لم يثبت أو يصرّح أحد الطرفين بأنّ الولد من زنا فلا نسب عندئذ أخذا بالقاعدة القائلة بأنّ نعمة النسب لا تأتّى عن طريق محرّم"
ومن جهة أخرى لا يمكن قبول الرأي الدّاعي إلى حذف الشهادة من وسائل إثبات النسب إذ لا يمكن إنكار أهميّة هذه الوسيلة في هذه المادّة. إذ علاوة على أنّ الفراش محدود الأثر حيث لا يثبت به سوى نسب الولد وفي المقابل فإنّ الأخ أو العم لا يثبت نسبه بداهة بهذه القرينة. كما أنّ الإقرار حجّة قاصرة بمعنى أن أثره مقصور على المقرّ لا يتعدّاه إلى غيره وهو ما يؤكّد حتمية إعتماد البيّنة في كثير من حالات النّسب حيث أنّ السبب الأوّل والثاني غير كاف لإثبات النسب في جميع الصّور.
هذا فضلا على أنّ الشهادة من الممكن أن تكون وسيلة ناجعة لإثبات النسب في صورة وجود تنازع بين فراشين أو إقرارين بالنّسب
ومهما يكن من أمر فإنّ إستعراض فقه القضاء التونسي المتعلّق بفحوى الشّهادة بالنسب يجعلنا نجزم بالجدوى العمليّة من إعتماد المشرّع لها كوسيلة لإثبات البنوة في قانون 1998 مادامت الشّهادة في م أ ش تتعلّق بإثبات النسب الشرعي والشهادة في القانون الجديد تعلق بإثبات البنوة الغير شرعيّة وهو ما يفضي حتما إلى الاختلاف في مضمون الشهادة بين م ا ش وقانون 1998 .
ب – مضمون الشهادة المثبتة للبنوّة في قانون 1998 : على غرار الفصل 68 م أ ش لم يقدّم الفصل الأوّل من قانون 28 أكتوبر 1998 أي بيان بشأن البيّنة لا من حيث نصّها ولا من حيث مضمونها فهل يجوز القول إذن أنّ إرادة المشرّع إنصرفت إلى الرّجوع بها إلى البيّنة الواردة بالفصل 68 م ا ش ؟.
لا تكون الإجابة عن هذا التساؤل إلاّ بالنفي باعتبار أنّ الشهادة الواردة بالفصل 68 م ا ش تتعلّق بإثبات نسب الطفل الشرعي تشترط فيها حسبما إستقرّ عليه فقه قضاء محكمة التعقيب أن تثبت وجود علاقة شرعيّة بين والدي الطفل أمّا إذا كانت مثبتة لعلاقة خنائيّة فإنّ المحاكم التونسيّة بصفة عامّة ومحكمة التعقيب بصورة خاصّة تعتبر أنّها لا تثبت نسبا.
في حين أنّ الشهادة الواردة بقانون 28 أكتوبر 1998 إنّما تتعلّق بإثبات بنوة الأطفال المهملين ومجهولي النسب هم بالضرورة أطفال غير شرعيين مولودين خارج إطار الفراش وبالتالي فإنّ فحوى البينة في إطار هذا القانون إنّما تتعلّق بإثبات العلاقة البيولوجيّة بين الطفل والأب المزعوم دون العلاقة القانونيّة ولايكون ذلك إلاّ بإقامة الدليل على وجود علاقة جنسيّة بين أم الطفل والأب المزعوم خلال الفترة القانونيّة للحمل كأن يقع إثبات الخلوة مع تلك الأم ومخالطة بينهما وتردّدها على المنزل الذي يقطن به ذلك الشخص بمفرده وكلّ ما من شأنه أن يستنتج منه وجود علاقة حميمة بينهما. ولا يمكن للمحكمة المتعهّدة بدعوى إسناد اللّقب أن ترفض قبول الشهادة بعلّة أن الشهود لم يثبتوا سوى العلاقة الخنائيّة وليس زواجا ما دامت الدعوى تهدف أساسا إلى إثبات بنوة طبيعيّة أقصى المشرّع صراحة من وسائل إثباتها الفراش حتى يخوّل لهذه الشريحة من الأطفال الحقوق المسندة لهم بموجب هذا القانون فالشهادة في قانون 1998 تقتصر على إثبات العلاقة البيولوجيّة بين الطفل والأب مهما كانت صلة الأب المزعوم بالأمّ.
لكن هل تعدّ الشهادة حجّة كافية لإثبات هذه العلاقة البيولوجيّة ؟
أجاب وزير العدل عن هذا التساؤل في مداولات مجلس النواب المتعلّقة بالقانون المذكور بالإيجاب مؤكّدا على أنّ " شهادة الشهود تعدّ وسيلة إثبات كافية لإثبات نسب الطفل المجهول النسب ولقد كرّس المشرّع التونسي هذا الإتجاه في أغلب المجلات القانونيّة كم إ ع و م إ ج و م م م ت حيث إعتبر أنّ شهادة الشهود هي وسيلة إثبات مقبولة إذا لم يكن هناك ما يدحضها من القرائن القاطعة "
إلاّ أنّ هذا الرأي لا يستقيم نظرا وأنّ البيّنة المثبتة للبنوّة لا يمكن أن تشكّل وسيلة مباشرة لإثبات العلاقة البيولوجيّة إذ أقصى ما يمكن للبينة أن تثبته هو مجموعة من الوقائع التي تؤدّي إلى إفتراض وجود علاقات جنسيّة بين أم الطّفل والأب المزعوم والتي كان من ثمرتها حمل الأم. وعلى هذا الأساس فإنّه من غير المنطقي القول بأنّ البيّنة تثبت هذه العلاقة البيولوجيّة بصفة قطعيّة إذ أنّ إثبات الخلوة أو حتى وجود علاقة جنسيّة لا يفضي حتما إلى الجزم بعلاقة البنوة إذ من الممكن أن يكون الطفل ناشئا عن هذا الشخص كما يمكن أن يكون إبنا لغيره لأنّ الفراش في قانون 1998 مفقود ولا وجود لهذه القرينة التي تقتضي أن الزّوجة متعيّنة للولادة لشخص واحد ولا يمكن الجزم بوفاء الأمّ لمن زعمت أنّه أب لإبنها .
فالواضح إذن أنّ الشّهادة لا تثبت علاقة البنوة بصورة قطعيّة وإنّما تكتفي بتحديد الأب المحتمل للطفل. لذلك نعتقد أنّ المحكمة المتعهّدة بدعوى إسناد اللّقب في نطاق سلطتها التقديريّة للشهادات المقدّمة في الدّعوى لها أنّ تلتجئ إلى وسيلة الإثبات المستحدثة بموجب هذا القانون وهي التحليل الجيني إذا لم تقتنع بكفاية الشهادة لإثبات البنوة وذلك حتى تحدّد الأب البيولوجي للطفل بصورة قطعيّة وتحميله بالالتزامات القانونيّة المترتبة عن ذلك. والإستعانة بالتحليل الجيني في هاته الصّورة من شأنه أن يبقي وضعية الطفل مستقرّة لأنّه يثبت البنوّة بصورة قطعية وهو ما يجعل نجاح الأب في نفيها صعبا إذا لم نقل مستحيلا خلافا للشّهادة التي تبقى بمفردها في ظاهرها هشّة وقابلة لإقامة الدّليل المعاكس.
ومن جهة أخرى قد يطرح الإشكال أيضا بخصوص إمكانيّة إستبعاد هذه الشهادة المثبتة لعلاقة خنائيّة بحجة أنّها منافية للنظام العام والأخلاق الحميدة لمخالفتها لأحكام الفصل 426 م إ ع الذي إقتضى أنّه لا يسوغ إثبات الالتزام إذا كان مآله إثبات وجود إلتزام غير مباح أو لا قيام به قانونا ؟.
نعتقد أنّ هذه الشهادة جائزة ولو كان موضوعها إثبات علاقة خنائيّة لأنّ الإلتزام المحمول على الأب البيولوجي تجاه الطفل المولود نتيجة هذه العلاقة إنّما هو إلتزام محمول عليه بمفعول القانون فضلا على أنّ إثبات هذه العلاقة أي كانت طبيعتها جائز بموجب أحكام هذا القانون ولا يمكن إستبعادها بحجّة أنّها علاقة خنائيّة وإن إثباتها أمر مخالف للنظام العام والأخلاق الحميدة لأنّ في ذلك تجاوز لإرادة المشرّع الساعية لحماية الطفل الناشئ عن هذه العلاقة وإفراغ للقانون المذكور من فاعليّة وجدواه.
وهو ما يجرّنا إلى القول أنّه بموجب قانون 1998 أصبح من الممكن إثبات البنوة في إطار دعوى إسناد اللقب العائلي بشهادة تثبت وجود علاقات جنسيّة بين أبوي الطفل خلال الفترة القانونيّة للحمل ولا يمكن للمحكمة المتعهّدة أن ترفض هذه الشهادات بعلّة أنّها لم تثبت سوى علاقة مخادنة أو علاقة زنا وليس زواجا إذ لا حاجة لوجود الفراش حتى تحكم المحكمة بإسناد اللقب العائلي إذ يكفي أن يثبت لديها وجود الرابطة البيولوجيّة بين الطفل والأب المزعوم وذلك بواسطة شهادة الشهود بصفتها وسيلة إثبات مستقلّة في قانون 1998 أو كذلك مع إمكانيّة تعزيز هذه الشهادات بإجراء التحليل الجيني للحسم نهائيّا في مسألة ثبوت الرابطة البيولوجيّة من عدمها في صورة وجود نزاع جدّي حول حقيقة البنوّة الثابتة بالشهادة.

خاتمة القسم الأوّل :
في خاتمة هذا القسم يمكننا أن نحوصل فنأكّد أنّ تشبّث المشرّع بالموروث الحضاري للشريعة الإسلاميّة من جهة والإختلاف في طبيعة البنوة فرض عليه خلق إزدواجيّة قانونيّة في الأحكام المنظّمة للبنوّة في التشريع التونسي.
بحيث يخضع إثبات النسب الشرعي لأحكام الفصل 68 وما بعده من م أ ش وذلك بالإعتماد على ثلاث وسائل وهي الفراش والإقرار وشهادة الشهود والتي ولئن بدت متمايزة عن بعضها فإنّها تبقى في مطلق الأحوال مرتبطة بقرينة الشرعية التي يجب أن يتمتّع بها المولود حتى يثبت نسبه أمّا المولود الناتج من علاقة خنائية فلا يعتبر مبدئيّا إبنا شرعيّا ولو كان معلوم الأب ويبقى نسبه مقطوعا من جهة الأب وعموما يمكن القول أنّ التطبيق القضائي كان في غالب الأحيان صارما وحازما في هذه الناحية.
وفي المقابل يخضع إثبات بنوة الأبناء الطبيعيين إلى قانون 1998 ويمكن إعتبار هذا القانون بمثابة الملاذ الأخير لهم إذا لم يتسنّى لهم إثبات نسبهم الشرعي وذلك بالإعتماد على وسائل إثبات البنوة الواردة بهذا القانون وهي الإقرار وشهادة الشهود والتحليل الجيني.
والملاحظ أنّ قانون 1998 أقصى قرينة الفراش من الوسائل المثبتة للبنوة وهذا الإقصاء إذ يعدّ أمرا منطقيّا ومبرّرا وتأكيدا أنّ الأمر يتعلّق بإثبات بنوة غير شرعيّة لا تتأسّس على علاقات شرعيّة بين الأب والأم فهو يوكّد عزم المشرّع على إيجاد مؤسسة قانونيّة تمكّن القضاء من تجاوز قدسيّة هذه القرينة وحتميّتها لإثبات البنوة كما يفرض على المحاكم واجب إحترام إرادة المشرّع من خلال التطبيق الضيّق لمقتضيات أحكام إثبات النسـب الواردة بم أ ش مادامت الغاية التي دفعت بفقه القضاء إلى التوسّع في مفهوم الزواج الباطل وإعتماد الإقرار والشهادة المثبتة للنسب لإضفاء صبغة المشروعيّة على الأبناء الطبيعيين قد تحقّقت بموجب قانون 1998 وذلك بتخويله لهاته الشريعة من الأطفال إثبات البنوة مع ما يترتّب عن ذلك من حقوق.
والملاحظ أيضا أنّ قانون 1998 قد توسّع في الوسائل المثبتة للبنوة الطبيعيّة فلم يكتف بإعتماد الوسائل التقليديّة المقرّرة بالفصل 68 م أ ش بل إضاف إليها التحليل الجيني كوسيلة علميّة مستحدثة لإثبات البنوة عوّضت قرينة الفراش لأنّ الأمر يتعلّق بإثبات علاقة بيولوجيّة بين الإبن وأبيه وليس بإثبات النسب الذي يعتبر علاقة قانونيّة لا بدّ أن يتوفّر إطارها القانوني والشرعي.
وإختلاف الأسس التي ينبني عليها ربط الصلة بين الابن وأبيه بين م أ ش وقانون 1998 يستتبع بالضرورة حتمية الإختلاف في وسائل الإثبات فرابطة النسب في م أ ش ترتبط بقرينة الفرا ش والمدّة القانونيّة للحمل وما يقتضيه الزواج من واجبات محمولة على الزّوجين فإذا إنعدمت هذه القرينة التي تقتضي ثبوت نسب الولد للزوج فلا مناص من البحث عن مدى توفّر الرابطة البيولوجيّة حتى نؤسس لربط صلة قانونيّة بين لابن وأبيه وهو ما سعى المشرّع إلى تحقيقه في قانون 1998.
وتأسيسا على ذلك يمكن القول أنّ إختلاف الموضوع والأشخاص المخاطبين بأحكام قانون 1998 مقارنة بم أ ش يحتّم الإختلاف في وسائل الإثبات المعتمدة لإثبات البنوة أو على الأقل في شروط قبولها مثلما هو الشأن بالنسبة للإقرار وشهادة الشهود التي بقيت قاسما مشتركا بين م أ ش وقانون 1998.
ونخلص إلى القول أيضا أنّ إقتضاب قانون 1998 وغموض أحكامه لا يمنعنا من الجزم بأنّ هذا القانون لا يتعلّق بإسناد اللّقب العائلي بقدر ما يتعلّق بإثبات البنوة الطبيعيّة لأنّ إسناد اللقب العائلي يبقى في حدّ ذاته أثرا من آثار ثبوت البنوة في هذا القانون ويتأكّد ذلك بالنظر إلى بقيّة الآثار الأخرى والتي تعكس بحق مساس هذا القانون بالمبادئ الأساسيّة الواردة بم أ ش .
فلا يمكن القبول بالرأي القائل أنّ إرادة المشرّع في هذا القانون إتّجهت نحو ضمان حق كلّ شخص مهما كانت وضعيته في هوية كاملة فحسب لأنّه رتّب عن ثبوت البنوة وعن إكتساب الطفل للقب أبيه بإكتساب الطفل للقب أبيه لآثار ماديّة وأخرى معنويّة ما كان الابن الطبيعي ليكتسبها في ظلّ الأحكام القانونيّة السارية المفعول قبل دخول هذا القانون حيز النفاذ.








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:33 am

القسم الثاني : الآثار المترتّبة عن ثبوت البنوّة بـين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998:
إنّ ثبوت النسب أو عدم ثبوته له تأثير مباشر على وجود الشخص ووضعيته من جميع النواحي، الإجتماعيّة منها والقانونية كما أن لذلك أثر بالغ على جميع فروع القانون وعلى جميع حقوق الشخص ليست المدنية منها فحسب بل السياسية أيضا وحتى من الناحية الجزائية .
فمن الناحية الجزائية هناك بعض الأفعال التي لا يمكن تجريمها إلاّ إذا كانت رابطة النّسب قائمة والتي قد تكون أحد أركان الجريمة مثل جرائم إهمال الطفل وتعريضه للخطر أو الامتناع المتعمّد من الإنفاق عليه كما أنّ هذه الصلة القانونية تعتبر ظرف تشديد في بعض الجرائم مثل جرائم المواقعة أو الاعتداء بالعنف الشديد بين الفروع والأصول أو قتل الفرع لأحد أصوله .
وفي المقابل تفقد بعض الأفعال صبغتها الإجرامية لوجود رابطة النسب مثل جرائم السرقة الواقعة من الأصول على الفروع وتأديب الأب لإبنه، كما تعدّ صلة القرابة ظرف تخفيف في بعض الجرائم مثل جرائم قتل المولود إثر الولادة وقتل الأب لولده.
أمّا من الناحية الدستورية فإنّ رابطة النسب تمسّ بالحقوق السياسية للشخص وقد يترتّب عنها في بعض الحالات المساس بمبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات المقرّر بالفصل السادس من الدستور. من ذلك أن من شروط الترشّح لعضوية مجلس النواب: أن يكون الشخص ولد لأب تونسي تطبيقا لأحكام الفصلين 21 من الدستور و 76 من المجلة الانتخابية كما أنّه من شروط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية أن يكون المترشح مولود لأب ولأم وجد لأب ولأم تونسيين وكلّهم تونسيون بدون إنقطاع طبق أحكام الفصل 40 من الدستور في فقرته الأولى وبالتالي فإنّ الشخص الذي لم يعرف له أب أو كان مجهول النسب لا يمكنه الترشّح لهذه المناصب الحسّاسة لأنّه يتعذّر التّأكد من مدى توفّر هذه الشروط فيه.
فمن نافلة القول إذن أنّ ثبوت النسب له عديد الانعكاسات على وضعية الشخص في جميع أبعادها الاجتماعية منها وحتى السّياسية ولها تأثير مباشر على إكتسابه لحقوقه الشخصية ولإتزاماته داخل الأسرة وفي إطار المجتمع ككلّ لكن تبقى الآثار المدنية المترتّبة عن ثبوت النّسب الأكثر أهميّة لما لها من مساس بالحقوق الأساسيّة للشّخص.
والملاحظ أنّ الإبن الشرعي ولو كانت بنوته ناتجة عن زواج فاسد مشترط فيه الدخول يتمتع بحقوقه كامله من إنتساب كامل للأب ولقب وحضانة ونفقة وولاية وميراث. هذا بالإضافة إلى حقّه في التغطية الاجتماعية وحقوقه المترتّبة عن الأواصر الأسرية والرّوابط العاطفية التي تجمعه بأفراد عائلته بصفة عامة وبأبيه بصفة خاصة من ذلك حقّه في التّعويض عمّا يلحقه من ضرر بسبب فقدان أبيه جرّاء فعل ضار ناشئ عن الغير.
أمّا بالنسبة للطفل الطبيعي فبعد أن كان محروما من جميع حقوقه تجاه الأب أصبح اليوم بفضل قانون 28 أكتوبر 1998 مع ما أتاحته العلوم البيولوجية من إمكانية إثبات البنوة الطبيعية بصورة تكاد تكون يقينية والقضاء على العوائق المؤسّسة على مخاطر الإثبات أصبح بالإمكان إثبات بنوته وتخويله ببعض الحقوق المقرّرة بهذا القانون لهاته الشريحة من الأطفال في إطار دعوى إسناد اللقب العائلي.
فقد إقتضى الفصل الأوّل من قانون 1998 في فقرتيه الثانية والثالثة ما يلي "ويمكن للأب أو للأم رفع الأمر إلى المحكمة الإبتدائية المختصّة لطلب إسناد لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني أنّ هذا الشخص هو أب ذلك الطفل.
وفي هذه الحالة فإنّ إسناد اللقب يخوّل للطفل الحق في النفقة والرعاية من ولاية وحضانة ما دام لم يبلغ سن الرشد أو بعده في الحالات المخوّلة قانونا…"
وتطرح صياغة هذا الفصل عديد التساؤلات فهل أن الحقوق المخوّلة للطفل الطبيعي في قانون 1998 هي أثر من آثار ثبوت البنوة أم أنّها أثر لإسناد اللقب العائلي وهل أنه من الجائز قانونا القول أنّ إسنادّ اللقب العائلي هو مصدر إكتساب هذا الطفل لحقوقه؟
إن صياغة الفصل المذكور توحي بأنّ الحقوق المخوّلة للطفل في قانون 1998 ليست أثرا من آثار ثبوت البنوة وإنّما هي أثر من آثار إسناد اللّقب العائلي، غير أنّ المنطق القانوني السليم يقتضي أن هذه الحقوق هي أثر من آثار ثبوت البنوة طالما أنّ إسناد اللقب العائلي يعدّ بدوره نتيجة لثبوت هاته الصلة بين الإبن وأبيه. وقد أيّد هذا الرأي علي المزغني الذي إعتبر " أنّ قانون 1998 يخوّل إثبات البنوة الطبيّعيّة وأن إسناد اللقب العائلي ليس إلاّ أحد آثارها."
ويبدو أنّ المشرّع التونسي من خلال قانون 1998 قد تجنّب إستعمال كلمة ثبوت نسب أو ثبوت بنوة وإستبدلها بمصطلح إسناد لقب عائلي حتى يمكنه تحديد حقوق الطفل المنتفع بإسناد اللقب على وجه الحصر وحتى لا يقع فقه القضاء في الخلط بين ما يقتضيه النسب من تمتيع الطفل الشرعي بالحقوق جميعها مقابل حرمان الطفل الطبيعي من بعض الحقوق التي لم يسندها له هذا القانون صراحة.
وقد كان على المشرّع أن يكون أكثر جرأة وصراحة بأن ينصّ صلب الفصل الأوّل من قانون 1998 على أنّ ثبوت البنوة الطبيعيّة يخوّل للطفل الحق في النفقة والرعاية من ولاية وحضانة وغيره ولا نعتقد أنّ هذه الصياغة من شأنها أن تثير أي خلط أو إلتباس عدى أنّها تسمي الأشياء بمسميّاتها وتكشف النقاب عن رغبة المتشرّع في قانون 1998 في إيجاد حلول قانونيّة لوضعية الأطفال الطبيعيين.
وعموما فإنّ الحقوق المخوّلة لهذه الشريحة من الأطفال في قانون 1998 لا تضاهي في جوهرها ومضمونها الحقوق المخوّلة للطفل الشرعي وللإبن بالتبني وهو ما يؤكّد مجدّدا فلسفة المشرّع وتوجهه نحو تفضيل الإبن الشرعي على الإبن الطبيعي رغم الاعتراف به بموجب هذا القانون. كما يؤكّد أنّه لم يكن يرمي إلاّ إلى تطوير القوانين تماشيا مع إتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل وتحديدا التزام بلادنا الواضح ببنودها وخاصّة الفصل السابع منها والقاضي بأن يكون لكلّ إنسان الحق منذ ولادته في إسم وإكتساب جنسية ويكون له قدر الإمكان الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتهما. وطبعا مع الأخذ بعين الاعتبار للإحترازات التي إتّخذها المشرّع أثناء مصادقته على مقتضيات هذه الاتفاقية فيما يتعلّق بمبدإ المساواة بين الأطفال وعدم التمييز بينهم بسبب الجنس أو العرق أو أصل الميلاد.
ومهما يكن من أمر فإنّ ثبوت البنوة طبيعية كانت أن شرعية تخوّل للطفل جملة من الحقوق تجاه الأب يمكن تقسيمها إلى حقوق معنويّة وأخرى مادية أو حقوق متعلّقة بالذمة المالية والأخرى خارجة عن الذمّة المالية.






الفرع الأوّل : الحقوق الخارجة عن الذمّة المالية .
إنّ ثبوت النسب الشرعي يخوّل للطفل جملة من الحقوق ذات الصبغة المعنوية تجاه أسرته بما يكفل له وضعا نفسيا وإجتماعيا مريحا وتتعلّق هذه الحقوق أساسا بحقّه في الرّعاية الأسريّة بما في ذلك من حضانة وولاية وحقه في الهوية الذي يشمل الحق في الاسم واللقب والجنسية كما يحمله ببعض الإلتزامات من ذلك موانع الزّواج المنصوص عليها بالفصول 14 و15 و16 و17 م أش. والملاحظ أنّه لا وجود لأي نص قانوني ينصّ على جملة ذلك بنصّ واحد إلاّ أنّه من الممكن استنتاج هذه الحقوق والإلتزامات من عديد النصوص القانونية المتفرّقة بم أ ش وغيرها من النصوص القانونية.
أمّا بالنسبة للطفل الطبيعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 فقد نصّ الفصل الأوّل من هذا القانون في فقرتيه الثالثة والرابعة على ما خوّله المشرّع لهذا الطفل من حقوق إذ جاء به ما يلي:"… وفي هذه الحالة فإنّ إسناد اللّقب يخوّل للطفل الحق في النفقة والرعاية من ولاية وحضانة ما دام لم يبلغ سن الرشد أو بعده في الحالات المخوّلة قانونا.
وتبقى مسؤوليّة الآباء قائمة نحو أبنائهم والغير طيلة المدّة القانونيّة في كل ما يتعلّق بأحكام المسؤوليّة وفق ما يقتضيه القانون."
وعلى غرار الطفل الشرعي نصّ المشرّع على إنطباق موانع الزواج وجعلها أحد الآثار القانونية لثبوت بنوة هؤلاء الأطفال وذلك حرصا من المشرّع على إحترام الموروث الحضاري للشريعة الإسلامية وتحقيق الأهداف الكامنة من وراء هذا المنع وهي أهداف فزيولوجية وأخلاقية.
فمن الناحية الفزيولوجية يعدّ الزواج بين الأقرباء مبعثا للمخاوف من ولادة أطفال غير طبيعيين في تكوينهم الجسماني والذهني، أمّا من الناحية الأخلاقية فإنّ مثل هذه الزيجات تحدث إضطرابات داخل الأسرة وتزعزع أواصر العلاقات بين أفرادها فضلا على أنّ الطبع السليم والفطرة الإنسانية ترفض مثل هاته الزيجات.
وقد نصّّ الفصل الخامس من قانون 28 أكتوبر 1998 ما يلي :" تنطبق القواعد الخاصة بموانع الزواج المنصوص عليها بالفصول 14 و 15 و 16 و 17 من م أ ش متى تم إثبات الأبوّة على الأطفال المهملين ومجهولي النسب الذين أسندت لهم ألقاب بموجب هذا القانون."
والملاحظ من خلال أحكام هذا الفصل أنّ المشرّع التونسي في قانون 1998 قد أخذ بالرأي الغالب في الفقه الإسلامي والقائل بأنّ إبن الزنا تنطبق عليه حرمة الزواج بالمصاهرة وبالنسب كما تنطبق على الإبن الناشئ عن زواج شرعي وهو نفس الحلّ المعتمد في القانون الفرنسي.
وعموما فإنّ موانع الزواج لا تثير إشكاليات كبيرة مقارنة ببقية الآثار المعنوية التي يفرزها ثبوت النسب في م أ ش أو ثبوت البنوة في قانون 1998 والمتعلّقة أساسا بالحق في الرعاية الذي يشمل الحق في الحضانة والولاية والحق في الهوية والذي يضم الحق في الاسم واللّقب والجنسية وسنركّز في هذا البحث على الحق في الرعاية والحق في اللقب العائلي ضرورة أنّ الاسم والجنسية لا يكادان يثيران إشكاليات كبيرة بالنسبة للطفل أيّا كانت طبيعة بنوته.















المبحث الأوّل : الحق في اللقب العائلي :
نصّ الإعلان العالمي لحقوق الطفل الصادر في 20نوفمبر 1959 بمبدئه الثالث على أنّه: "يجب أن يكون للطفل عند ولادته الحق في أن يعرفباسم وجنسية معينين ".
والإسم في المعنى الدقيق هو إسم الشّخص الذي يميّز أحد أحد أفراد الأسرة عن إخوته في حين يمتدّ في معنى موسّع إلى إسم الأسرة أي اللقب الذي يعرّف الأسرة داخل الخلية الاجتماعية وقد أكّدت اتفاقية حقوق الطفل بالمادة السابعة على هذا الحق وأناطت بعهدة الدول المصادقة عليها واجب إعماله.
ويشكّل اللقب العائلي عنوان شخصية الشخص الطبيعي ويأخذ أبعادا فرديّة وإجتماعية ذلك أنّ اللقب يمكّن الشخص من تمييزه عن غيره ومن التعريف به داخل المجتمع.
وقد إختار المشرّع التونسي التعريف بالمواطن لا من خلال خصائصه الذاتية وإنّما من خلال ربطه بالعائلة التي ينتمي إليها وذلك بواسطة لقبه العائلي في حين يتكفّل الاسم بتمييزه داخل العائلة. والملاحظ أنّ المشرّع التونسي ولئن جعل من اللقب وسيلة تربط الشخص بالعائلة التي ينتمي إليها فإنّه كرّس أولويّة إنتماء الطفل لعائلته الأبوية .
ولا يثير إنتماء الطفل الشرعي لأبيه لإشكاليات تذكر ضرورة أنّ إكتساب الطفل للقب الأب يعتبر أثرا مباشرا لثبوت نسبه منه وحقا مخوّلا للطفل منذ ولادته بحيث يكتفي أن يصرّح الأب بولادة الطفل لدى ضابط الحالة المدنية حتى يقع ترسيمه بلقب أبيه طبق الاجراءات المعمول بها في ق ح م.
وقد أكّد العميد كاربونيي أنّ ثبوت نسب الطفل من الزوج يترتّب عنه إكتساب الطفل للّقب الأبوي" patronymique nom "وهذا الإكتساب يتمّ بموجب القانون وصلة الدم ودون إعتبار لرسم الحالة المدنيّة .
وتعتبر هذه القاعدة ملزمة وتهم النظام العام ولا يمكن للإرادة المنفردة أن تحول دون تطبيقها ويترتب عن هذه القاعدة أن جميع الأطفال المولودين لنفس الأب مهما كان جنسهم يحملون نفس اللّقب والأطفال الذّكور فحسب يحيلون هذا اللقب إلى أبنائهم الشرعيين .
أمّا بالنسبة للأطفال الغير شرعيين فإن مسألة الحق في اللقب العائلي تطرح عديد الإشكاليات في شأنهم وقد إنتهج المشرّع التونسي تمشّيا تشريعيّا متدرّجا حاول من خلاله إيجاد حلول عملية لمسألة الهوية التي تعترض هاته الشريحة من الأطفال وقد توّجت هذه المسيرة التشريعيّة بقانون 1998 الذي كرّس حق الطفل الغير شرعي في إكتساب لقب أبيه وحدّد الآليات القانونيّة لترسيم هذا اللقب في دفاتر الحالة المدنية.
الفقرة الأولى : إكتساب اللقب العائلي الأبوي :
لمّا كان المشرّع التونسي لا يعترف بالبنوة الطبيعية فقد قرّر بالنسبة للطفل الطبيعي أن يكتسب لقب أمّه تطبيقا لأحكام الفصل 152 م أش وهو أمر منطقي ضرورة أنّ نسبه مقطوع من أبيه ولا تقوم صلته القانونيّة إلاّ مع أمّه وقرابتها . أمّا بالنسبة للأطفال مجهولي النسب مطلقا أي الذين لا علم لهم بهوية الأبوين معا فقد سعى المشرّع لإيجاد حلول لإشكاليات الهوية التي تعترض هذه الشريحة من الأطفال وذلك منذ سنة 1959.
فقد أوجب القانون عدد 53 لسنة 1959 المؤرّخ في 26 ماي 1959 أن يكون لكلّ مواطن تونسي إسما ولقبا وطلب إسنادهما لمن كان خاليا من أحدهما أو من كليهما هذا بالإضافة إلى ما جاء بالفصل 27 من قانون الحالة المدنية الذي قرّر أنّه يتمّ منح اللقب للأطفال المهملين ومجهولي النسب بطريقة إدارية تتمثّل في قيام ضابط الحالة المدنيّة عند تحريره المحضر المسجّل به العثور على الطفل والقائم مقام رسم الولادة بالنسبة لهذا الأخير بإختيار إسم ولقب للطفل وقد تأكّد حقّ هذه الشريحة من الأطفال في اللقب العائلي بصدور القانون عدد 81 المؤرّخ في 11 أوت 1981 والمتعلّق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين ومجهولي النسب والمعثور عليهم وتم بموجبه تكليف الولي العمومي لهؤلاء الأطفال بإختيار إسم ولقب عائلي لهم وذلك متى لم يتولّ أحد أفراد عائلاتهم المطالبة بهم.
وتوحيدا للنّصوص القانونيّة المذكورة جاء قانون 1998 تتويجا للمسيرة المتدرّجة نحو تكريس حق الطفل في الهوية وفي الإنتماء لأبيه الحقيقي وشعورا من المشرّع بأهميّة اللقب العائلي وأثره البالغ على نفسية الطفل وشخصيته ووضعه في المجتمع، بما ينسجم مع إتّفاقية حقوق الطفل الدّاعية إلى إلغاء جميع أشكال التمييز بين الأطفال بموجب أصل الميلاد فيما يتعلّق بالحق في الهوية باعتباره من الحقوق البديهية التي يكتسبها الفرد بمجرّد كونه إنسانا بقطع النظر عن طبيعة بنوّته.
ولئن جعل المشرّع التونسي إكتساب الطفل الشرعي للقب أبيه يتمّ بمجرّد ولادته في إطار الزوجية وذلك بمفعول القانون فإن إكتساب الطفل الغير الشرعي للقب أبيه يمرّ حتما عبر القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي تطبيقا لقانون 28 أكتوبر 1998 على أنّ الأولويّة تبقى في كلا الحالتين للّقب العائلي الأبوي .
أ – القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي : مبدئيا يكتسب الطفل المهمل ومجهول النسب لقب أمّه بمفعول القانون وهو واجب محمول على الأم الحاضنة ودون حاجة للقيام بدعوى قضائيّة في الغرض وذلك بصريح الفصل 152 م أش والفصل الأوّل من قانون 28 أكتوبر 1998 الذي إقتضى أنّه :" على الأم الحاضنة لإبنها القاصر ومجهول النسب أن تسند له إسما ولقبها العائلي أو أن تطلب الإذن بذلك طبق أحكام مجلة الحالة المدنية."
بينما يبقى إكتساب هذا الطفل للقب أبيه مجرّد إمكانيّة بإعتباره رهين قيام الأشخاص المخوّل لهم قانونا بدعوى إسناد اللقب العائلي إذ جاء بالفصل الأوّل من قانون 1998 بقفرته الثانية ما يلي :" ويمكن للأب وللأم وللنيابة العمومية رفع الأمر إلى المحكمة الابتدائيّة المختصّة لطلب إسناد لقب الأب للطفل الذي يثبت بالإقرار أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني أن هذا الشخص هو أب ذلك الطفل."
فبمقارنة أحكام الفقرة الأولى والفقرة الثانية من الفصل الأوّل من قانون 1998 نخلص إلى القول أنّ إكتساب الطفل المهمل ومجهول النسب للقب أمّه حق لهذا الطفل وواجب محمول على الأم إلاّ أنّ إكتسابه للقب أبيه يبقى مجرّد إمكانية لم ترق بعد إلى صيغة الوجوب من جهة أنّها تخضع لإرادة الأب أو الأم أو للنيابة العمومية إذا ما تراءى لأحدهم القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي للطفل المهمل أو مجهول النسب وإكتساب اللقب يبقى أيضا رهين الحكم لصالح هذه الدّعوى.
ولقد حدّد المشرّع التونسي صلب قانون 1998 المحكمة المختصّة بالنظر في هذه الدعوى وهي المحكمة الابتدائيّة أمّا بالنسبة للإختصاص الترابي فيبقى خاضعا للأحكام العامّة الواردة بم م م ت ويمكن القول أنّ المحكمة المختصة ترابيّا بالنظر في مثل هذه الدّعاوى هي المحكمة الابتدائيّة التي بدائرتها مقر المطلوب تطبيقا لأحكام الفصل 30 م م م ت .بقي أنّ هذه الدّعوى تثير عديد الإشكاليات بخصوص أطراف الدعوى ومدى خضوعها للسقوط بالتقادم .
1 – أطراف الدّعوى : يتعلّق الأمر هنا بالتساؤل حول الأشخاص الذين لهم صفة القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي والأشخاص الذين يأخذون مركز المدّعى عليه في هذه الدّعوى.
خلافا لدعوى إثبات النسب حدّد المشرّع التونسي صراحة الأشخاص المخوّل لهم القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي صلب أحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 لكنّه أهمل في المقابل بيان المدّعى عليه.
*المدّعي في دعوى إسناد اللقب العائلي : خوّل المشرّع صراحة بالفصل الأوّل من قانون 1998 للأب والأم والنيابة العمومية القيام بدعوى اسناد اللقب العائلي. والقراءة الحرفية لهذا الفصل تبعث على الاعتقاد أنّ هذه الامكانية مخوّلة لهؤلاء الأشخاص حصرا،غير أنّ التأويل الصحيح لهذا الفصل يقتضي القول بجواز قيام الطفل المجهول النسب بهذه الدّعوى بنفسه إذا بلغ سن الرّشد القانونيّة.
-الأب : خوّل قانون 1998 للأب إمكانيّة اللجوء للقضاء لطلب إسناد لقبه العائلي للطفل المهمل ومجهول النسب. والواضح أنّ هذه الامكانية تحمل في طيّاتها إقرارا حكميا بالبنوة . وقد كان من الأجدى بالنسبة لهذا الأب التوجه مباشرة إلى ضابط الحالة المدنيّة لترسيم هذا الطفل بإسمه إذ كما سلف الالماع إليه فإنّه لا شئ يجبر ضابط الحالة المدنيّة على المطالبة برسم الزواج حتى يرّسم لقب الأب بمضمون ولادة الطفل إذا ما أقرّ بذلك صراحة لديه وليس لضابط الحالة المدنيّة التأكّد من صحّة البيانات المطالب بترسيمها.
وقد قبل فقه القضاء التونسي ترسيم الطفل المولود خارج إطار الزواج من طرف الأب في دفاتر الحالة المدنيّة على أنّه ابن له وإعتبر أنّ هذا الترسيم يشكّل إقرارا غير حكمي بالنسب وفي هذه الصورة فإنّ الطفل لا يكتسب لقب الأب فحسب وإنّما يكتسب صفة الطفل الشرعي مع كل ما يترتّب عن ذلك من آثار قانونيّة.
على أنّه لا يمكن إنكار الأهمية العملية من إقرار صفة للأب في القيام بهذه الدّعوى خاصّة إذا تم ترسيم الطفل بدفاتر الحالة المدنية خاليا من إسم الأب ولقبه، إذ لا يمكن في هذه الحالة إسناد اللقب العائلي بمجرّد قيام هذا الأخير بالتصريح بأبوّته للطفل لدى ضابط الحالة المدنية بل يجب عليه القيام بدعوى في ثبوت النسب على أساس الفصل 68 م أ ش فإذا طالبته المحكمة بالإدلاء بما يفيد ثبوت العلاقة الزوجية أو تبيّن من إقراره أنّه يروم إثبات نسب طفل ناشئ عن علاقة خنائية فان له طلب تحوير الدعوى إلى دعوى إسناد اللقب العائلي طبق قانون 28 أكتوبر 1998 . على أنّ التطبيق أفرز أنّ الأم هي التي تقوم بمعظم هاته الدعاوى.
-الأم : نصّ قانون 1998 صراحة على صفة الأم في القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي لإبنها القاصر. ويعدّ هذا الحلّ منطقيا بالنظر للدّور الفاعل الذي أصبحت تلعبه الأم في رعاية أبنائها القصّر والإشراف على مصالحهم من جهة وإعتبارا لمصلحتها المباشرة في أن يحمل إبنها القاصر لقب أبيه وهو ما يجنّبها إلى حدّ ما الظهور بمظهر الأم الزانية .
فترسيم الطفل دون الاشارة إلى اللقب العائلي لأبيه يفتح الباب أمام الأم كي تقوم بدعوى إسناد اللقب العائلي حتى يقع التنصيص على لقب الأب بدقاتر الحالة المدنيّة وهي الصورة الأكثر واقعية وتواترا على صعيد التطبيق من صورة قيام الأب بهذه الدعوى.
وبإقراره لهذا الحل يكون المشرّع التونسي قد وضع حدّا لكلّ نقاش حول هذه المسألة ذلك أنّ الاشكال المتعلّق بصفة الأم في القيام بمثل هذه الدعاوى قد طرح في فقه القضاء التونسي بعد أن تراءى لمحكمة الاستئناف بسوسة أن تثيره من تلقاء نفسها بمناسبة قضيتين نظرت فيهما سنة 1971 وإتّبعتها في ذلك محكمة الاستئناف بصفاقس والتي أنكرت على الأم صفتها في القيام في حق ابنها القاصر بحجة أن لا صفة لها في القيام وان مصالحها تختلف ومصلحة الطفل المقام في حقّّّـه.
وقد تجاوز المشرّع في قانون 1998 ما يمكن أن يثار من إشكاليات وصعوبات إجرائيّة إذا ما أثارت المحكمة المتعهّدة مسألة صفة الأم في القيام وما قد يؤدّي إلى تعطيل النظر في النزاع إلى حين تعيين مقدّم وقتي. وهذا الحلّ تشريعي الوارد في قانون 1998 من شأنه أن يخدم مصلحة الأم والطفل على حدّ السواء، وفي جميع الحالات التي تكون فيها الأم متوفية أو فاقدة للأهلية أوتقاعست عن القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي فإنّه يمكن للنيابة العموميّة أن تكون طرفا أصليا في الدعوى بأن تأخذ مركز المدّعي.
-النيابة العمومية : لقد أضاف المشرّع التونسي إلى قائمة الأشخاص الذين يمكنهم المطالبة بإسناد لقب عائلي للطفل المهمل ومجهول النسب إضافة إلى الأب والأم، النيابة العموميّة .
ويعدّ هذا الحلّ التّشريعي تكريسا لما سبق أن أكّده فقه القضاء التونسي بخصوص الدّور الذي تلعبه النيابة العمومية في قضايا الأسرة عموما وقضايا النّسب خصوصا فقد إعتبرت محكمة التعقيب التونسية "أنّ مسألة النسب تهم النظام العام ويسوغ للنيابة العمومية القيام بها من تلقاء نفسها" وجاء بمبدأ أحد القرارات التعقيبية أيضا أنّ :" القانون يخوّل للنيابة العمومية القيام بالدّعاوي المتعلّقة بحقوق الأسرة لأنّها راجعة للنظام العام ."
ويستخلص من الإتّجاه الغالب في فقه القضاء ومن أحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 أنّ النيابة العمومية لها الحق في القيام بدعاوى إثبات النسب أو كذلك دعاوى إسناد اللقب العائلي باعتبارها الساهرة على إحترام النظام العام العائلي والإجتماعي وتكريسا للدّور الذي أسنده لها المشرّع بالفصل 251 م م م ت في حماية حقوق القصّر وعديمي الأهلية وفي القيام بالقضايا المدنية كلّما كانت هناك مصلحة شرعية تهم النظام وهو ما يؤكّد أيضا أنّ حق الطفل في إكتساب لقب أبيه يعدّ مصلحة شرعية تهم النظام العام وهو أمر طبيعي باعتبار أنّ هذا الحق تكفله الإتّفاقيات الدوليّة المتعلّقة بحقوق الطفل والتي صادقت عليها البلاد التونسية وكرّسته م ح ط في فصلها الخامس بما أنّه من الحقوق اللّصيقة بشخص الإنسان .
ولا يخفى ما للفائدة العملية من الإقرار بصفة النيابة العمومية في القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي في حق الأطفال المهملين ومجهولي النسب ذلك أنّ صفتها كطرف أصلي في القضايا الجزائية وكجهة مختصّة بقبول الشكايات وتقرير مآلها قد يجعلها تكتشف حالات لأطفال مجهولي النسب وهو ما يمكّنها من التدخّل للسعي في إثبات بنوة الطفل وتحديد أبيه الحقيقي في مرحلة أولى وطلب إسناده للّقب العائلي لأبيه في مرحلة ثانية. علاوة على ذلك فقد تتعهّد النيابة العموميّة بالقيام بدعوى إسناد اللقب العائلي بناء على طلب من مديري المؤسسات العمومية المختصّة بإحتضان هاته الشريحة من الأطفال أو كذلك من المستشفيات أو الأشخاص الذين إلتقطوا الطفل.
بيد أنّ العمل اليومي للمحاكم يؤكّد أنّ النيابة العموميّة لا يتعدى دورها في القضايا المدنيّة التي تكون طرفا فيها سوى طلب تطبيق القانون دون الإطلاع على الملفّات وإيلائها ما تستحقه من الدّراسة والاهتمام وذلك بسبب ما لها من أعمال وصلاحيات كثيرة، وهو ما يتعارض مع طبيعة دعوى إسناد اللقب العائلي التي تسوجب متابعة خاصة من القائم بالدّعوى وذلك لخصوصيّة وسائل الاثبات فيها ولأهمية الحقوق المترتّبة عن الدّعوى بالنسبة للطفل المقام في حقّه.
ويبقى في نهاية المطاف إكتساب الطفل المهمل ومجهول النسب للقب أبيه مجرّد إمكانية بصريح الفصل الأوّل 28 من قانون 1998 أي رهين تقدّم النيابة العمومية أو الأب أو الأم بدعوى إسناد اللقب العائلي وهو ما قد يبقي هذا الطفل محروما من حقّه في حمل لقب أبيه إلى حين بلوغه سنّ الرشد وهو ما يطرح التساؤل حول إمكانية قيامه بنفسه بهذه الدّعوى .؟
-الإبن المهمل ومجهول النسب : لم يخوّل قانون 1998 صراحة للإبن المهمل ومجهول النسب القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي إذا بلغ سنّ الرّشد. وإنّما إقتضى الفصل الرابع من نفس القانون ما يلي:" لكلّ شخص تجاوز سنّه العشرين عاما أن يطلب الإذن بإسناد إسم ولقب عائلي إذا كان خاليا من ذلك وفق أحكام القانون عدد 53 لسنة 1959 المؤرّخ في 26 ماي 1959 المتعلّق باللقب العائلي.
ويقع إتمام رسوم ولادته بالاسم العائلي طبق الاجراءات المنصوص عليها بالقانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرّخ في غرّة أوت 1957 والنصوص المنقحة له".
ويبدو ظاهريا من مقتضيات هذا الفصل أنّ هذا الإبن الرّاشد على غرار الإبن القاصر له الحقّ في أن يسند له لقبا عائليا إلاّ أنّ هذا الإسناد ليس أثرا من آثار ثبوت البنوّة على غرار الطفل القاصر المبيّن بالفصل الأول من قانون 1998. ضرورة أنّ هذا الاسناد يتم بالطريقة الإدارية ويبقى لهذا الشخص الرّشيد الخالي من اللقب العائلي الحق في إختيار لقب له مع إحترام الشروط القانونية التي إقتضاها الفصل الرابع من القانون المؤرّخ في 26 ماي 1959 القاضي بأن يكون لكلّ تونسي لقب عائلي.
ويرى حافظ بوعصيدة أنّ هذه الأحكام لم تمكّن الشخص الرشيد والخالي من اللقب العائلي من الالتجاء إلى المحكمة المختصّة لطلب إسناد لقب من يعتقد أنّه والده سواء بإقرار هذا الأخير أو بشهادة الشهود أو بواسطة التحليل الجيني.
فلقد مكّن المشرّع الأب والأم أو النيابة العمومية من ذلك في حق الطفل ما دام قاصرا فإذا بلغ سنّ الرّشد لم تعد للأب ولا للأم ولا للنيابة العمومية إمكانيّة التقاضي في حقّه كما لم يمكّنه المشرّع من التقاضي بنفسه رغم أنّه أكثر المعنيين بالأمر، وتتوفّّر فيه جميع الشروط القانونيّة اللازمة للقيام بالدّعوى على معنى الفصل 19 م م م ت بإعتبار أنّ له صفة القيام لخلوه من لقب عائلي وتضرّره من ذلك وأنّ له أهلية التقاضي وله مصلحة معنوية تتمثل في الإنتساب لأبيه الحقيقي من خلال حمل لقبه العائلي، وله مصلحة مادية إذا توفّرت فيه شروط إستحقاق النفقة بعد بلوغ سنّ الرّشد على معنى الفصل 46 م أ ش إضافة إلى المصلحة الأخلاقية من إسناد اللقب والتي تهمّ النظام العام والمتمثلة في موانع الزواج.
إلا أنّ هذا الحلّ لا يبدو متفقا مع مقتضيات العدل والإنصاف من جهة ومع مقتضيات المنطق القانوني السّليم من جهة أخرى لأنّ القول بحرمان الطفل المجهول النسب من حقّه في حمل لقب أبيه بمجرّد بلوغه سنّ الرّشد يضع الأهداف المرسومة من قانون 1998 موضع التساؤل. فكيف يخوّل المشرّع لهذا الطفل الحقّ في حمل لقب أبيه عندما يكون قاصرا بقيام الأب أو الأم أو النيابة العمومية بدعوى إسناد اللقب العائلي في حقّه ويحرم من هذا الحق إذا ما بلغ سن الرّشد ولم يقع القيام في حقه بهذه الدّعوى ؟ إذ و كأنّنا نعتبر أنّ المشرّع يحمّله خطأ لم يرتكبه ويحرمه من حقّه في إكتساب لقب أبيه الحقيقي لمجرّد تقاعس الأشخاص المذكورين عن القيام بالدعوى.
والملاحظ أنّ محكمة الاستئناف بالمنستير في قرارها عدد 13936 المؤرّخ في 12 جويلية 2000 قد نظرت في دعوى إسناد اللقب العائلي قامت بها فتاة رشيدة وقضت لصالح الدعوى دون أن يثير نائب المطلوب مسألة عدم جواز القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي لبلوغ القائمة بها سنّ الرّشد أو لإنعدام صفتها في القيام بالدعوى .كما أنّ المحكمة لم تثر هذه المسألة من تلقاء نفسها وكأنهاّ قد إعتبرت ضمنا أنّ صفة القائمة بالدّعوى متوفّرة .
فرغم أنّ الفصل الأوّل من قانون 1998 لا ينصّ صراحة على صفة الشخص المجهول النسب في القيام بالدّعوى إلا أنّ شروط القيام كما وردت بالفصل 19 م م م ت متوفّرة في جانب هاته الفتاة القائمة بالدّعوى والمتمثلة في أهلية التقاضي والصّفة والمصلحة باعتبارها مجهولة النسب وترغب في إثبات بنوتها وإسنادها لقب أبيها كما أنّ لها مصلحة معنوية من قيامها تتمثل أساسا في حمل لقب الأب والظهور أمام المجتمع معلومة الأب مع كل ما يترتّب عن ذلك من الآثار القانونية.
ونعتقد أنّ هذا الاتجاه وجيه لعدة إعتبارات إذ لا يمكن إنكار صفة الشخص الرشيد ومصلحته من القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي تأسيسا على مقتضيات الفصل 19 م م م ت .كما أنّه ليس من المنطق في شيء ولا من جهة العدل والإنصاف أن يحرم الشّخص من حمل لقب أبيه لمجرّد بلوغه سن الرشد وتقاعس من له صفة القيام بالدّعوى أثناء عدم أهليته من المطالبة بذلك .
وعلى هذا الأساس يمكن القول أنّ أحكام الفصل الرابع من قانون 28 أكتوبر 1998 السّالف الذّكر إنّما تتعلّق بالشخص المجهول النسب مطلقا والذي لم يتمكّن من التعرّف على أبيه أو قوبلت دعوى إسناد اللقب العائلي التي قد يكون قام بها بالرفض ففي هذه الصورة وتطبيقا لهذا الفصل يقوم هذا الشخص بطلب إسناده لقبا عائلي بالطريقة الاداريّة على معنى القانون عدد 3 لسنة 1957 .
*المدّعى عليه في دعوى إسناد اللقب العائلي : لئن بيّن المشرّع الأشخاص الذين يأخذون مركز المدّعي في دعوى إسناد اللقب العائلي صلب أحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 فإنّه أهمل في المقابل تحديد قائمة الأشخاص المقام ضدّهم بهذه الدّعوى .على أنّه يمكن القول أنّه في أغلب الحالات يقع القيام بهذه الدّعوى ضدّ الأب المزعوم الذي ينكر في معظم الأحوال بنوته للطفل ويرفض أن يسند له لقبه العائلي أما إذا كان الأب فاقدا لأهليته فيجوز القيام ضدّ ممثله القانوني أو ضدّ ورثته في صورة وفاته.
كما يمكن أن تأخذ الأم مركز المدّعى عليه في دعوى إسناد اللقب العائلي وذلك إذا قام الأب بهذه الدّعوى وطلب إسناد لقبه العائلي للطفل، أو كذلك النيابة العمومية ذلك أن تخويلها صفة القيام بالدّعوى يجعلها في المقابل طرفا أصليا قد تأخذ مركز المدّعى عليه إذا كان الأب هو القائم بالدّعوى وذلك باعتبارها الساهرة على إحترام القانون ولمساس هذه الدّعاوى بالنظام العام.
2- سقوط الدّعوى بمرور الزمن : لم تتعرّض م أ ش إلى مسألة انقضاء دعوى إثبات النسب بالتقادم من عدم ذلك كذلك الشأن بالنسبة لقانون 1998 الذي لم يببّن موقف المشرّع من مدى خضوع دعوى إسناد اللقب العائلي للتقادم من عدم ذلك.
وبالرجوع إلى م إ ع نجد أنّ الفصل 391 منها قد نصّ صراحة على أنّه:" لا سقوط للدّعوى بمرور الزمان في الصور الآتية:
الأولى : فيما بين الزوجين ما لم ينحلّ عقد النكاح بينهما.
الثانية : فيما بين الوالدين وأولادهما "..
ولئن كانت أحكام هذا الفصل لا تتعلّق بدعاوى الأحوال الشخصيّة بصورة عامّة وبدعوى إسناد اللقب العائلي بصورة خاصة-وإنّما هو نصّ تضمنته م إ ع وبالتالي فهو لا يتعلّق إلاّ بالالتزامات فضلا على أنّ الفصل 384 من نفس المجلة يقتضي أنّ:" مرور الزمان الذي حدّده القانون يسقط المطالبة الناشئة عن العقد." -غير أنّ هذا الفصل من الممكن إعتماده للقول بعدم قابلية دعوى إسناد اللقب العائلي للسقوط بمرور الزمان ذلك أنّ أحكام الفصل 391 م إ ع وردت بصيغة عامّة وإذا كانت عبارة القانون مطلقة جرّت على إطلاقها. كما أنّ هذا الفصل أقرّ بعدم سريان آجال التقادم في الدّعاوى الناشئة عن تعمير الذمة بين الآباء والأبناء فمن باب أولى وأحرى في دعاوى الأحوال الشخصية والحالة المدنية.
ومن جهة أخرى فإنّ إعمال قاعدة القياس الواردة بالفصل 535 م إ ع تجرّنا إلى إعتماد الحلّ المقرّر بالفصل 391 على دعاوى إسناد اللقب العائلي إذ أنّ جميع شروط القياس متوفّرة وذلك بالنظر إلى سكوت النص التشريعي ووجود حكم قانوني في مسألة مماثلة.
ومن جهة أخرى من الممـكن التوصّل إلى نفس الحلّ إذا إعتـمدنا تأويلا عكسيا لمقتضيات الفصـل 402 م إ ع الذي نصّ على ما يلي :" كلّ دعوى ناشئة عن تعمير الذمّة لا تسمع بعد مضي 15 سنة عدى ما إستثنى بعد وما قرّره القانون في صور مخصوصة"
و بما أنّ دعوى إسناد اللقب العائلي تعتبر من الدعاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية وبالحالة المدنيّة للشّخص وبالتالي فإن آجال التقادم المقرّرة بالفصل المذكور لا تسري عليها. وهذا الحلّ يمكّن الشخص من المطالبة بإثبات نسبه أو بإثبات بنوّته الطبيعيّة على معنى قانون 1998 دون تحديد أجل لذلك.
وبقدر ما يخدم هذا الحلّ مصلحة الطفل المجهول النسب بقدر ماله من إنعكاسات سلبية على الأب المزعوم الذي قد يفاجئ في آخر حياته بوجود شخص يدّعي بنوته له ويطالب بحمل لقبه أو ثبوت نسبه منه لقيام الأب المزعوم بربط علاقة حميمة مع والدة الطفل منذ عدّة سنين خلت وهو ما قد يفاجئ الورثة أيضا في صورة وفاة الأب أثناء القيام بالدّعاوى، كما قد تنعدم وسائل الإثبات بعد مرور مدّة زمنية طويلة عن الولادة أو تفقد حجيتها خصوصا بالنسبة لوسائل الإثبات الإرادية كالإقرار وشهادة الشهود .
وهو ما جعل أصحاب الرأي المعارض لعدم قابلية هذه الدّعاوى للتقادم يرون أنّه من الأجدر لضمان إستقرار الوضعيات القانونية للأشخاص تحديد أجل للقيام بمثل هذه الدّعوى حتى لا يبقى الأب مهدّد طيلة حياته بقيام شخص يدّعي أنّه إبنه نتيجة علاقة غير شرعية ربطت بين هذا الأب المزعوم ووالدة الطفل ويطالب بإسناد لقب عائلي له دون أن يكون مقيّدا بأي أجل ولا يشكّل ذلك تهديد الوضعية الأب الاجتماعية والأسرية فحسب وإنّما أيضا تهديد للعائلة الشرعية التي قد يكون رئيسا لها بما قد ينجرّ عن ذلك من تفكك لهذه العائلة وإنعدام الثقة بين أفرادها.
فالقول بعدم قابلية دعوى إسناد اللقب العائلي للتقادم بمرور الزمن من شأنه أن يؤدّي إلى عديد المشاكل المعلّقة أساسا بإثبات البنوة الطبيعية ذلك أنّ مرور الزمان قد يؤدّي إلى إنعدام وسائل الإثبات خاصة شهادة الشهود أو كذلك الإقرار في صورة وفاة الأب أو أيضا عدم إمكان إجراء التحليل الجيني بسبب وفاة الأب المزعوم خاصّة وان حرمة الموتى وحق الشخص في سلامته الجسدية مضمون في القانون التونسي ولا نعتقد أنّ المحاكم التونسية ستجازف بقبول الإذن بإجراء التحليل الجيني إثر وفاة الشخص في إطار دعوى إسناد اللقب العائلي.
ومن جهة أخرى فإنّ القول بعدم إنقضاء هذه الدعوى بمرور الزمن من شأنه أن يخلق حالة من عدم إستقرار الحالة المدنية للأشخاص . ولعلّ هذا ما يبرّر ضرورة تدخّل المشرّع التونسي لضبط آجال سقوط هذه الدّعوى حفاظا على إستقرار الوضعيات وحماية للسّلم الاجتماعي.
والجدير بالإشارة في هذا الصدد أنّ فقه القضاء الفرنسي قبل تنقيح 1972 قد تبنّى مبدأ عدم قابلية دعوى إثبات البنوة للتقادم باستثناء الصّور التي تكون فيها الدّعوى لها مساس بمصلحة مالية إلاّ أنّ المشرّع الفرنسي وبموجب التّنقيح المذكور كرّس مبدأ إنقضاء دعاوى البنوة بمرور الزمن وقد خصّ المشرّع دعوى إثبات البنوة الطبيعية بأجل قصير تنقضي بإنقضائه هذه الدعوى وهو أجل سنتين إذا تمّ القيام بالدّعوى قبل بلوغ الطفل المقام في حقّه سن الرشد، ويحتسب هذا الأجل بداية من تاريخ الميلاد. أمّا إذا بلغ الطفل سنّ الرّشد فإنّ أجل العامين يحتسب بداية من ترشّد الطفل
ومهما يكن من أمر فإنّه من الضّروري أن يتدخّل المشرّع التونسي لوضع ضوابط وحدود لدعوى إسناد اللقب العائلي خصوصا فيما يتعلّق بآجال القيام بالدّعوى وذلك لتحقيق المعادلة بين مصلحة الطفل في إكتساب لقب عائلي يعتبر عن إنتمائه لأبيه ومصلحة الأب والأسرة الشرعية في أن لا يبقى الأب مهدّد طيلة حياته بظهور طفل يدعي أمام القضاء أبوّته.
ب – أولوية اللقب العائلي الأبوي : إنّ إكتساب الطفل للقب العائلي يحكمه مبدأ هام كرّسته جلّ التشاريع المعاصرة وهو مبدأ أولوية اللقب الأبوي "Le principe patronymique" والذي يقتضي أن يكون لكلّ شخص لقب عائلي وان ينتقل له هذا اللقب من أبيه.
ورغم أنّه لا وجود في القانون التونسي لأي قاعدة صريحة تقتضي أنّ لقب الأشخاص يعدّ أثرا من آثار ثبوت النسب بالنسبة للطفل الشرعي إلاّ أنّ هذه القاعدة مكرّسة ضمنيا في أحكام الفصل 6 من قانون 4 مارس 1958 المتعلّق بالولاية العمومية والكفالة والتبنّي والذي إقتضي ما يلي :" يحتفظ المكفول له بجميع حقوقه الناتجة عن نسبه وبالأخص لقبه وحقوقه في الإرث " كما أنّها قاعدة تكرّسها أيضا العادات والأعراف الجاري بها العمل، فالقانون التونسي يكرّس أولوية إكتساب الطفل الشرعي للقب أبيه رغم أن نسب الطفل في هذه الحالة ثابت تجاه أبيه وأمّه على حدّ السّواء وطبعا فإنّ إكتساب الإبن للقب أبيه في هذه الصّورة يرتبط بثبوت نسبه منه .
أمّا بالنسبة للطفل الغير الشرعي فيمكن القول أنّ المشرّع التونسي عبّر عن رغبته في تكريس أولوية إكتسابه للقب أبيه من خلال أحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 الذي خوّل لهذا الطفل إكتساب لقب أبيه بمجرّد أنّ تثبت بنوته بينما يرتبط إكتسابه للّقبه العائلي لأمّه بتعذّر إثبات بنوته. وهو ما يبعث على القول أنّ المشرّع التونسي يعطي الأولويّة لحق إكتساب الطفل للقب أبيه سواء كان نتيجة علاقة شرعية أو حتّى علاقة غير شرعية مثلما هو الشأن بالنسبة للبنوة الثابتة بموجب قانون 1998 وإذا كانت هذه القاعدة تستند أساسا على قواعد عرفية وجريان عمل بالنسبة للطفل الشرعي فإنّها أصبحت تستند إلى أساس تشريعي بالنسبة للطّفل الغير الشّرعي الذي تمكّن من إثبات بنوّته على معنى قانون 1998 . ولا شكّ أانّ هذا التوجّه تمليه عديد المبرّرات الإجتماعية والثقافية والسيكولوجية أيضا.
فغنيّ عن البيان أنّ المجتمعات العربية والإسلامية تقوم على هيمنة الرجل في علاقته مع المرأة وفي مكانته داخل الأسرة ويعتبر الأب حجر الزّاوية في العائلة المسلمة. ويعدّ إنتقال لقب الأب لأبنائه تأكيدا على قيام الرّوابط الأسرية على أسس شرعية كما تعبّر وحدة اللقب في نظر المجتمع على تأصل العائلة وتماسك أفرادها أمّا إذا لم يكن للطفل لقب أبوي أو حمل لقب أمّه فإنّه يظهر في المجتمع بمظهر إبن الزنا وهو ما ينزّله منزلة إجتماعية حقيرة ويجعله محلّ سخرية واحتقار.
أمّا عن المبرّرات السيكولوجية فإنّ إكتساب الطفل للقب أبيه يفضي إلى تبديد الشكوك حول طبيعة بنوته وإلى التعريف بها ويصبغ عليها اللقب الأبوي صفة الشرعية، بينما لا يبدو في المقابل أنّ للطفل مصلحة معنويّة لإكتساب لقب أمّه بإعتبار أنّ رابطة الأمومة ثابتة في جميع الأحوال ولا حاجة لإبرازها.
وإذا كان إنتماء الطفل لأبيه الشرعي وإكتسابه للقبه العائلي نتيجة حتمية لولادته في إطار العائلة الشرعية بحيث يصبح الواقع متطابق مع القانون ويتحقّق فعليا إنتماء الطفل لعائلة أبيه غير أنّ هذا الإنتماء في ظلّ العلاقة الغير شرعية الثابتة بموجب قانون 1998 يبقى قانونيا فحسب ضرورة أنّه لا وجود لروابط أسريّة حقيقيّة بين الطفل والأب فضلا على أنّ هذا الطفل لا تربطه أيّة روابط قانونية بعائلة أبيه ولا يمكن أن تنشأ بينه وبين جدّه للأب مثلا أو أعمامه أو غيرهم من قرابة أبيه أيّة إلتزامات أو حقوق متبادلة ويقتصر قانون 1998 على منحه اللقب العائلي لأبيه مع ما يترتب عن ذلك من حقوق دون أن يتجاوز ذلك إلى إدماجه بعائلة الأب وقرابته.
ومن جهة أخرى فإنّ أولوية إكتساب الطفل المهمل ومجهول النسب للقب أبيه على معنى قانون 1998 يبقى نسبيا لأنّه ليس إلاّ مجرّد إمكانية خوّلها القانون للأب والأم والنيابة العمومية للقيام بالدّعوى في حقّه، خلافا لاكتساب هذا الطفل للقب أمّه الذي يعتبر واجبا محمول عليها إذا لم تتمكّن من حصول على لقب أبوي لابنها و خلافا لاكتساب الإبن الشّرعي للقب أبيه والذي يعدّ من المسائل التي تهمّ النّظام العام.
وفي كلّ الأحوال فإنّه لا يمكن الحديث عن إكتساب الطفل للّقب العائلي إلاّ إذا تمّ ترسيمه بدفاتر الحالة المدنية وبمضمون ولادته.
الفقرة الثانية: ترسيم اللقب العائلي:
لا جدال أنّ اللقب العائلي يكتسي صيغة وجوبية لكلّ فرد باعتباره من متعلقات هويّته وذلك بقطع النّظر عن ثبوت نسبه من عدمه. لذا فإنّ لكلّ مواطن تونسي الحقّ في الإكتساب مبدئيا للقب عائلي منذ ولادته ومباشرة عند التصريح بتلك الولادة لدى ضابط الحالة الذي أوجب عليه الفصل الثالث من قانون الحالة المدنية تحرير رسم الولادة طبق ما يصرّح به الأشخاص الحاضرون لديه .
غير أنّ الأمر على غاية من الإختلاف بالنسبة للطفل الذي حكم لفائدته بإسناد لقب عائلي طبق أحكام قانون 1998 ذلك أنّ هذا الطفل لم يكتسب لقب أبيه إلاّ بعد صدور حكم قضائي خوّل له هذا الحق لذا فإنّ إدراج هذا اللقب بدفاتر الحالة المدنية وبمضمون ولادة المحكوم له يستوجب إتباع إجراءات خاصة تختلف حتما عن مجرّد التصريح بالولادة. لذا يتّجه التطرّق إلى إجراءات ترسيم هذا اللقب العائلي ثمّ النظر إلى ما يطرحه هذا الترسيم من إشكاليات عمليّة.
أ – إجراءات ترسيم اللقب العائلي : إنّ الأحكام القاضية بإسناد لقب عائلي عائلي للأطفال المهملين ومجهولي هي من الأحكام القضائية التي تمسّ بالحالة المدنية للأشخاص لذا فإنّها ليست كبقيّة الأحكام المدنية التي تستوجب حرص المحكوم له لتنفيذ الحكم الصادر لفائدته وإتّّّباع الوسائل العادية للتنفيذ وإنّما أقرّ لها المشرّع إجراءات خاصّة لتنفيذها جاء بها قانون الحالة المدنية.
فقد إقتضى الفصل الرابع من قانون 28 أكتوبر1998 في فقرته الثانية ما يلي:" يقع إتمام رسوم الولادة وترسيم الألقاب طبقا للإجراءات المنصوص عليها بالقانون عدد 3 لسنة1957 المؤرّخ في غرّة أوت 1957."
وبما أنّ الحكم بإسناد لقب عائلي يترتب عليه إدخال تعديلات وإضافات على رسم ولادة المعني بالأمر فإنّه يتّجه إعتبار الإجراءات التي يقصدها المشرّع في قانون 1998 من خلال إحالته على ق ح م هي الإجراءات المنصوص عليها في الباب السابع من هذا القانون تحت عنوان في إصلاح رسم الحالة المدنية وتحديدا أحكام الفصلين 63 و 64 منه. غير أنّه من المهمّ أن نؤكّد في هذا الصّدد ضرورة إعتماد هذه الإجراءات فيما لا يتعارض مع طبيعة الحكم بإسناد لقب عائلي الذي يختلف كليّا عن الإجراءات العاديّة المتّبعة في إصلاح رسوم الحالة المدنية.
فالإصلاح تقنية قانونية يتمّ بمقتضاها إضافة أو حذف أو تغيير بعض البيانات الجزئية في الرسم دون أن يكون لذلك تأثير على جوهر الحالة وبصفة خاصة على رابطة النسب التي يجب أن لا يكون لمطلب الإصلاح أي مساس بها باعتبار أنّ الغاية من الإصلاح هي جعل رسم الولادة مطابقا لحالة الشخص الثابتة قانونا دون أن يؤدّي ذلك إلى تحوير في جوهر هاته الحالة.
وتخضع مطالب الإصلاح إلى إجراءات سريعة ومبسّطة ويختصّ رئيس المحكمة الابتدائية في مراقبة صحّة الرّسوم والإذن بإصلاحها ويأذن بذلك بمقتضى حكم طبقا لأحكام الفصل 63 من قانون الحالة المدنية
بينما لا يمكن إعتبار الحكم القاضي بإسناد لقب عائلي على معنى قانون 1998 من قبيل أحكام الإصلاح إذ يعتبر من الأحكام المتعلّقة بالحالة "Les actions d'états" لأنّها تخضع لشروط إجرائيّة أكثر صرامة فيما يتعلّق بالآجال وبنظام الإثبات وبالأشخاص الذين يتمتّعون بحق القيام بالدّعوى كما أنّها تستهدف فضّ نزاع أصلي حول الهويّة الحقيقيّة للشّخص من جهة إنتمائه لأبيه من عدمه فلا يتعلّق الأمر بمجرّد إصلاح رسم الحالة المدنيّة.
وإذا كانت دعاوى إصلاح رسوم الحالة المدنية يكفي للقيام بها تقديم مجرّد مطلب من طرف النيابة العمومية أو ممّن يهمّه الأمر إلى رئيس المحكمة وفق إجراءات مبسّطة نصّ عليها الفصل 63 ق ح م فإنّ القيام بدعوى إسناد اللقب العائلي تستوجب القيام بدعوى أصلية لدى المحكمة الابتدائيّة بتركيبتها المجلسيّة وإتباع الإجراءات المنصوص عليها ب م م م ت وشروط شكليّة وموضوعية أكثر صرامة.
وتأسيسا على ذلك يتّجه إقصاء أحكام الفصل 63 ق ح م من الإجراءات المعتمدة لترسيم اللّقب العائلي المحكوم به في دعوى إسناد اللقب على أنّه من الممكن اللجوء إلى أحكام الفصل 64 من نفس القانون الذي إقتضى أنّه:" يقع توجيه أحكام وقرارات الإصلاح حالا من طرف وكيل الدولة لضابط الحالة المدنية بالمنطقة التي رسّم فيها الرسم المصلّح ويقع ترسيم نصوص الأحكام بالدفاتر ويلاحظ على ذلك بطرّة الرسم المصلّح."
وإستنادا لأحكام هذا الفصل يمكن القول أنّ النيابة العمومية هي التي تسهر على تنفيذ الأحكام القاضية بإسناد اللقب العائلي بقطع النظر إن كانت هي القائمة بالدّعوى أو غيرها ممن خوّل له القانون ذلك، وقد أوجب عليها القانون بصفتها تلك وبمجرّد أن يصبح الحكم باتا أن توجه نسخة من الحكم القاضي بإسناد لقب عائلي لضابط الحالة المدنية التي صدر عنها رسم الولادة الأوّل.
وبمجرّد إتّصاله بهذا الحكم يقوم ضابط الحالة المدنية تبعا لذلك بترسيم ما أذن له به برسم المحكوم له والتنصيص على ذلك ببقيّة دفاتر الحالة المدنية ويضمّن منطوق الحكم بطرة الرسم بإعتباره من الملاحظات التي أوجب القانون تضمينها برسم الولادة وبدفاتر الحالة المدنية فقد إقتضى الفصل 15 ق ح م :" في جميع الصور التي يلزم فيها الملاحظة على رسم من رسوم الحالة المدنية بطرة رسم الترسيم فإنّ ذلك يقع وجوبا ويتولّى ضابط الحالة المدنية الذي حرّر الرسم الواجب الملاحظة عليه وضع هذه الملاحظة في ظرف خمسة أيام بالدفترين الذين بيده."
وتكمن أهمية التنصيص على منطوق الحكم بطرّة الرسم في التعرّف على طبيعة ما عرفه الرسم من تغييرات وتنصيصات جديدة وتلافي ما قد يحصل من خلط بين الأبناء الشرعيين والأبناء الطبيعيين ذلك أنّ إدراج نص الحكم من شأنه الكشف عن طبيعة بنوة الشخص وهو ما قد يمنع حاكم الناحية عند تحريره حجّة وفاة الأب من ترسيم هذا الإبن ضمن الورثة باعتباره ممنوعا من الإرث لانتفاء رابطة النسب الشرعي بينه وبين أبيه تطبيقا لأحكام الفصل 152 م ا ش.
لذا نعتقد أنّ هذا الإجراء يعتبر وجوبيا بالنسبة لضابط الحالة المدنية في غياب أي نص قانوني يقرّر خلاف ذلك واحتراما لإرادة المشرّع الذي لا يزال يصرّ على إقصاء الأبناء الطبيعيين من الميراث كما سيقع التطرّق إلى ذلك لاحقا.
هذا وفي غياب تنظيم قانوني صريح وواضح لإجراءات ترسيم اللقب العائلي في قانون 1998 فإنّ الأمر قد يستدعي إجتهادا من المحاكم لفضّ الإشكاليات التي قد تطرأ عند الترسيم.
ب –الإشكاليات المتصلة بترسيم اللقب العائلي : مع دخول قانون 28 أكتوبر 1998 حيّز النفاذ أصبح ثبوت البنوة الطبيعية على غرار ثبوت النسب الشرعي يخوّل للطفل المهمل أو مجهول النسب إكتساب لقب أبيه شأنه في ذلك شأن الإبن الشرعي ويقع تبعا لذلك ترسيم هذا اللّقب العائلي برسم ولادة المعني بالأمر وبدفاتر الحالة المدنية لإستكمال ما نقص من عناصر هويته أو إصلاحا لها.
ومن المعلوم أنّ مضمون الولادة وثيقة رسمية تتضمّن عناصر تعريف هوية الشخص وهي وسيلة إثبات قانونية لهذه الهوية وقد نصّ الفصل 26 ق ح م على البيانات الوجوبية التي يتضمّنها رسم الولادة وهي إسم المولود ولقبه وتاريخ ولادته ومكانها وجنسيته وجنسية وإسم ولقب وحرفة وجنسية الأم والأب والمعلم إنّ إقتضى الحال.
وهنا يطرح الإشكال بالنسبة لمن حكم له بإسناد لقب عائلي على معنى قانون 1998 بخصوص ما سيقع تضمينه برسم ولادة المحكوم له فهل أنّ الحكم بإسناد اللقب العائلي يقصد به تضمين لقب الأب فحسب بالخانة المعدّة لاسم الإبن ولقبه وذلك إعتمادا على التأويل الضيّق لمقتضيات الفصل الأوّل من القانون السّالف الذكر أم أنّه من المتّجه إعتماد التأويل الواسع والقول أنّ عبارة اللقب العائلي تستوجب التنصيص أيضا على إسم الأب كاملا بالخانة المخصّصة له أي إسمه ولقبه كما هو الشأن بالنسبة للابن الشرعي ؟
للإجابة عن هذا الإشكال يتّجه التذكير أنّ الأحكام الصّادرة بإسناد لقب عائلي كغيرها من الأحكام التي تمسّ بالحالة المدنيّة للأشخاص كأحكام ثبوت النسب أو أحكام الطلاق يتضمّن منطوقها الإذن لضابط الحالة المدنية بالتنصيص على ما سيحدثه الحكم من تغييرات أو إضافات برسم ولادة المعنى بالأمر.
وإذا كانت الأحكام القاضية بثبوت النسب لا تثير إشكالا بخصوص ما سيضمّنه ضابط الحالة المدنية من تنصيصات برسم المعني بالأمر لأنّ هذه المسألة حسمت بق ح م، فان الأمر قد يستدعي بعض الإجتهاد بالنسبة للأحكام القاضية بإسناد اللقب العائلي خصوصا وأنّ المشرّع لم يضع إجابة واضحة وصريحة عن الإشكال السّالف بسطه وكانت عبارة النصّ عامة ويكتنفها بعض الغموض .
و بالرجوع إلى الأحكام الصّادرة عن محاكم الموضوع نلاحظ أنّ المحاكم التونسية قد تبنّت مفهوما واسعا لمصطلح "لقب عائلي" الوارد بقانون 1998 .
فقد ذهبت المحكمة الابتدائية بين عروس صلب منطوق أحكامها القاضية بإسناد لقب عائلي إلى الحكم: بإسناد اللّقب العائلي وإلى إدراج إسم الأب ولقبه بالخانة المخصصة لذلك. وهو نفس الاتجاه الذي إعتمدته المحكمة الابتدائية بالمنستير والمحكمة الابتدائية بصفاقس ولو أنّ منطوق الحكم يختلف من حيث الصياغة من محكمة إلى أخرى .
والجدير بالإشارة أنّ هذا الحلّ المعتمد من طرف محاكم الموضوع يعدّ أكثر وجاهة وإنصافا من مجرّد الإكتفاء بتضمين لقب الأب فحسب للمحكوم له، لأنّ الغاية من أحكام قانون 1998 هيّ أن يكون هؤلاء الأطفال معلومي الأب وأن لا يتضمّن رسم ولادتهم وبقية الوثائق المثبتة لهويّاتهم كبطاقات التعريف وجوزات السفر أن الأب مجهول أو أن يقع إبقاء الخانة المعدّة لذلك فارغة مع ما يترتّب عن ذلك من شعور بالنّقص والدّونيّة علاوة على ظهور صاحب هذه الوثائق بوضوح بمظهر إبن الزنا.
ولا شكّ أيضا أنّ القول بأنّ الحكم بإسناد لقب عائلي يكسب هذا الطفل لقب الأب فحسب دون إسمه كاملا يفقد هذا الحكم من كل معنى إذا علمنا أنّ هذا الطفل سيكتسب لقبا عائليا في جميع الأحوال سواء لقب أمّه أو أي لقب آخر يقع الإختيار عليه بموجب القوانين السّارية المفعول قبل قانون 1998. هذا فضلا على أنّ إدراج إسم الأب ولقبه بوثائق تعريف المحكوم له من شأنه عدم الكشف عن طبيعة بنوته ولو ظاهريا.
إضافة إلى أنّ مثل هذا التنصيص من شأنه التّسهيل على المحكوم للقيام ببقية الدعاوي المتصلة بإكتساب اللقب العائلي خاصّة دعوى النفقة.
ومهما يكن من أمر فإنّ بقية الإشكاليات التي قد يطرحها ترسيم اللقب العائلي في قانون 1998 تستوجب لإيجاد حلول لها الرجوع إلى قانون الحالة المدنية كذلك الأمر بالنسبة لما يطرحه حقّ الأبناء الذين ثبتت بنوتهم بموجب هذا القانون في الرعاية والذي يتطلب حتما الرجوع أيضا إلى م أ ش لبيان النظام القانوني لهذا الحق باعتبارها الشريعة العامة في المسائل المتعلّقة بالأحوال الشّخصيّة.















المبحث الثاني : الحق في الرّعاية :
لقد إهتمّت القوانين والمواثيق الدولية بتكريس مسؤولية الأولياء والوالدين في تنشئة الطّفل ورعايته من ذلك ما جاء بالمبدأ السادس من إعلان حقوق الطفل الصّادر سنة 1959 والذي نصّ على ما يلي:" لكي تكون للطفل شخصيّة كاملة ومتناسقة يجب أن يحضى قدر الإمكان بالمحبّة والتفهّم كما يجب أن ينمو تحت رعاية والديه ومسؤوليتهما وعلى كلّ حال في جوّ من الحنان يكفل له الأمن من الناحية المّاديّة والأدبيّة"
ومن جهته سعى المشرّع التونسي إلى إيجاد المؤسسات القانونية الكفيلة بحماية الطّفل ورعايته مؤكّدا على الدّور الرّيادي الذي تضطلع به الأسرة في حماية حقوق الطّّّفل ورعاية مصالحه.
وعلى غرار الطفل الشرعي مكّن المشرّع التونسي الأطفال المهملين ومجهولي النسب من الحق في الرعاية تجاه الشخص الذي تثبت أبوته وتشمل الرّعاية حق الطفل في الحضانة والولاية غير أنّ المشرّع لم يبيّن النظام القانوني لهاته الحقوق في قانون 1998 و لم يعط حلولا خاصّة تتلاءم مع وضعية هؤلاء الأطفال الذين يعيشون حتما خارج أسرة منظّمة ومتكاملة كما أنّه لم يقم بالإحالة الصريحة على أحكام م أ ش المنظّمة للحضانة والولاية وهو ما قد يطرح عديد الإشكاليات في التطبيق تفرضها طبيعة بنوة هؤلاء الأطفال وخصوصية وضعيتهم الأسريّة والعائليّة. لذا من المتجه التطرّق إلى الحضانة في فقرة أولى والولاية في فقرة ثانية .

الفقرة الأولى : الحق في الحضانة :
إعترف المشرّع التونسي بموجب قانون 28 أكتوبر 1998 للطفل الطبيعي إذا ما ثبتت بنوته بحقّه في حضانة أبيه على غرار الطفل الشرعي.
وتعرّف الحضانة في الاصطلاح القانوني بأنّها رعاية الصغير والقيام بأمر طعامه ولباسه ونظافته في المرحلة الأولى من عمره . وقد حاول المشرّع التونسي تعريفها من خلال تحديد مشولاتها وذلك صلب أحكام الفصل 54 م أ ش الذي اقتضى أنّ :" الحضانة حفظ الولد في مبيته والقيام بتربيته." أمّا محكمة التعقيب التونسية فقد عرفتها بالقول بأنّها:…" عبارة عن القيام بحفظ الصغير والتعهّد بما يصلحه ووقايته مما يؤذيه ويضرّه وتربيته نفسيّا وعقليّا."
ومهما يكن تعريفها فإنّه لا جدال أنّ الحضانة مؤسسة قانونية شرّعت بغاية توفير العناية اللازمة للطّفل من حيث مأكله وملبسه ومسكنه في بداية حياته وهو في حالة عجز عن القيام بذلك بنفسه.
وعموما فإنّ حضانة الطفل الشرعي لا تطرح إشكاليات قانونية هامّة مثل التي تطرحها حضانة الطفل الطبيعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 وذلك من حيث طبيعتها القانونية ومن حيث نظامها القانوني.
أ-الطبيعة القانونية للحضانة: إنّ تخويل الطفل الذي ثبتت بنوته بموجب قانون 1998 لحقّه في الحضانة يطرح التساؤل حول الطبيعة القانونية للحضانة في هذا القانون فهل هي حق أم واجب أم لها صفة مزدوجة؟
يجب التذكير في هذا الصدد بالغاية الأساسية من إقرار المشرّع لحقّ الطفل المعني بقانون 1998 في حضانة أبيه هي طبعا الحماية الفعلية لهذا الطفل بالنظر إلى ما توفره الحضانة من رعاية وحنان واهتمام بشؤون المحضون وحاجاته الأساسية بما يؤثّر إيجابا على صحة الطفل ونمائه متوازنا وسط مجتمعه.
فإذا نظرنا إلى مصلحة هذا الطفل وجعلناها الغاية والهدف من إقرار حقه في الحضانة فإنّ النتيجة الطبيعية لهذا الإختيار تفضي حتما إلى القول أنّ الحضانة حق من حقوق الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 وواجبا محمول على الأب البيولوجي للطفل.
ويتعزّز هذا الرأي بما ذهب إليه فقهاء الشّيعة بخصوص حضانة الطفل الشّرعي والذين يرون أنّ الأم لها الحق في رفض الحضانة دون قيد أو شرط بينما لا يتمتّع الأب بهذا الحق إلاّ إذا وجد حاضن غيره اعتبارا إلى أنّ الحضانة جزء من الولاية على النفس وهي ملقاة على عاتق الأب الذي يجبر على الحضانة على خلاف الأم التي لا تجبر عليها.
ويرى "لويس مييو" أنه يقع إجبار كل حاضن على الحضانة إذا لم يوجد بعده شخص آخر يرغب في حضانة الصّغير فهذا الفراغ يجعل المطالب بالحضانة مجبرا على قبولها.
وعلى ذلك نخلص إلى القول أنّ اعتبار الحضانة واجبا محمولا على الأب المطالب بها ليس إلاّ أمرا استثنائيا يلتجئ إليه في الحالات التي يكون فيها الصغير مهدّدا بالبقاء دون حاضن ونعتقد أنّ هذا الحلّ يتلاءم أكثر مع وضعية الطفل الغير الشّرعي ذلك أنّ من يعتني بهذا الطفل يجب أن يقوم بمهمته بصفة إرادية دون أن يحسّ بأنّه مكره فإذا كان الأب المطالب بحضانة هذا الطفل غير مقتنع بأبوته أو أنّه لا يكن مشاعر وأحاسيس خاصّة تجاه الطفل لولادته نتيجة علاقة مخادنة أو علاقة جنسية عابرة فلا يمكن إلزامه بحضانته لأنّ ذلك قد يؤدّي إلى نتائج عكسية قد لا تخدم مصلحة الطفل وتجعله معرّضا للتشرّد والإهمال.
وفي المقابل لا يمكن القول بأنّ الحضانة حقّ من حقوق الحاضن يمكن أن يقبله أو يتخلّى عنه أو أن ينقله للغير بمقابل أو بدونه لأنّ هذا الرأي يتناقض، مع الغاية الأساسية لاقرار حق الطفل في الحضانة وهي حمايته والعناية، بشؤونه وتوفير أقصى ما يمكن من الضمانات له.
والرأي الأرجح إذن هو أنّ الحضانة حق وواجب بالنسبة للحاضن فلا يمكن للحضانة أن تكون موضوع مبادلة أو تخلّي لمصلحة الغير أو الأب الحاضن ويمكن للمحكمة أن تجبره على حضانة الطفل إن إقتضت مصلحة الصغير ذلك. وإضفاء صفة الحق على الحضانة يجعل نزعها من الأب الحاضن أو حرمانه منها عند الترشّح لها لا يكون إلاّ لأسباب شرعية.
ويتميّز هذا الرأي بالوجاهة والمنطقية نظرا وأنّه لا يتّصف بالتعسف لا في حق الصغير ولا في حق الأب الحاضن الذي تجمعه بالطفل علاقة بيولوجية في حالة الطفل الغير الشرعي قد تولّد لديه عواطف الأبوّة وشعورا بواجباته ومسؤولياته نحو إبنه وبالتالي يكون من حقّه إحتضانه والعناية به إذا ما توفرت لديه شروط الحضانة، ويحفظ حقوق الصغير بإيجاد شخص يتكفّل برعايته ويتعهّده بالعناية والمراقبة.
فالحضانة حق من حقوق الحاضن وهي في نفس الوقت حق من حقوق المحضون ومن واجب المحكمة تحقيق المعادلة بين الحقّين عند إسناد الحضانة أو إسقاطها ويبقى المعيار الحاسم في هذا الإطار هو مصلحة المحضون.
ب – النظام القانوني للحضانة : يثير النظام القانوني لحضانة الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 عديد الاشكاليات مقارنة بالابن الشرعي إعتبارا وأنّ أبويه لا تجمعهما في العادة حياة مشتركة والرابطة الزوجية في حالته غير قائمة أصلا وهو ما يطرح عديد الصعوبات تتعلّق خصوصا بإسناد الحضانة ومسؤولية الأب الحاضن.
1 – إسناد الحضانة : في غياب الرابطة الزوجية بين أبوي الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 يطرح إسناد حضانة هذا الطفل عديد الإشكاليات التي لم يسع المشرّع التونسي أن يخصّها بحلول تشريعية خاصة تتّفق مع طبيعة هذه البنوة .
ومبدئيا يمكن القول أنّ إسناد الحضانة يخضع إلى الأحكام العامّة الواردة بم أ ش الواردة بالفصول من 54 إلى 67 م ا ش فيما لا يتعارض مع طبيعة البنوة الثابتة بموجب قانون 1998 والتي من الممكن إخضاعها للأحكام المتّصلة بحضانة الطفل الشرعي الذي إنفصمت الرابطة الزوجية بين أبويه بموجب الطلاق أو أيضا بموجب الوفاة طالما أنّه في كلا الحالتين لا وجود لروابط زوجية ولو أنّ بنوة الطفل في قانون 1998 ثابتة تجاه أبيه وأمّه.
وإعتمادا على الأحكام العامّة للحضانة فإنّه حريّ بنا التأكيد على أنّ أبوي الطفل يجوز لهما الإتّفاق حول مسألة إسناد حضانة الطفل وهو إتّفاق صحيح ما دام لا يتعارض مع مصلحة الطفل وهو الحلّ الذي أكّدته محكمة التعقيب في عديد المناسبات وقد جاء بأحد قراراتها أن :" أحكام الحضانة لها مساس بالنظام العام لتعلّقها بالأسرة وتأسيسا على ذلك فكل تعاقد بشأنها يتجافى مع مصلحة المحضون يعدّ لاغيا."
وعموما فإنّ فقه القضاء التونسي يعتبر أنّ الإتفاق حول الحضانة جائز لكن التراجع في هذا الاتفاق جائز أيضا إذا إقتضت مصلحة المحضون ذلك سواء كان الاتفاق قد تمّ خارج المحكمة أو لدى المحكمة.
وفي غياب إتّفاق الأبوين حول حضانة الطفل فإنّه وكما سلفت الإشارة إلى ذلك فإنّه من الممكن القياس على مسألة إسناد الحضانة في صورة إنفصام الرابطة الزوجية بطلاق أو وفاة نظرا لانعدام حلول خاصّة بوضعية الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998.
وبالرجوع إلى أحكام الفصل 67 م أ ش الذي إقتضى أنّه :" إذا إنفصم الزواج بموت عهدت الحضانة إلى من بقي حيّا من الأبوين." يمكن القول أنّه في حالة الطفل الغير شرعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 فإنّ حضانته تنتقل إلى من بقي حيّا من الأبوين في صورة وفاة المطالب بحضانة الطفل بيد أنّه في هذه الصورة لامناص من التذكير بموقف محكمة التعقيب في هذا الإطار والتي تؤكّد أنّ إسناد الحضانة في هذه الصورة ليس آليا أو حتميا وإنّما من الممكن لأحد أقرباء الطفل غير الوالد الذي بقي على قيد الحياة أن ينازع في إسناد الحضانة وأن يطالب بها لنفسه. فقد جاء في حيثيات قرارها المؤرّخ في 12 ماي 1975 ما يلي:" إذا إنفصمت الرابطة الزوجية بموت فقد وضع القانون قرينة الصلاحية للحضانة على عاتق من بقي حيا من الأبوين تحت مراقبة القاضي الذي له أن يدحض تلك القرينة بسائر وسائل الإثبات متى تبيّن له أن مصلحة المحضون تقتضي إسناد حضانته للغير الذي تتحقق عنده تلك المصلحة."
أمّا إذا كان أبويّ الطفل على قيد الحياة فإنّ إسناد الحضانة لا يعهد آليا للأب الذي ثبتت أبوته وأسند تبعا لذلك العائلي للطفل وإنّما تبقى موكولة لاجتهاد المحكمة المتعهّدة التي لها سلطة تقديرية واسعة لإسناد الحضانة لمن تتوفّر فيه الشروط العامّة في مستحقّ الحضانة كيفما نصّ عليها الفصل 58 م أ ش وإعتمادا على المعيار الحاسم في هذه المسألة وهو مصلحة المحضون وهو المعيار الذي أوجب المشرّع على المحكمة مراعاته قبل البتّ في مسألة إسناد الحضانة تطبيقا لأحكام الفصل 67 م أ ش وهو ما أقرّه أيضا فقه القضاء التونسي والذي ما إنفكّ يؤكّد على أنّ :" مصلحة المحضون هي الأساس في إسناد الحضانة."
فالمشرّع التونسي وخلافا للتّشريع الفرنسي الذي حدّد مستحقي حضانة الطفل الطبيعي بالنصّ فإنّه وعلى ما يبدو من خلال أحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 قد أوكل مهمة إسناد الحضانة في غياب إتفاق بين أبوي الطفل إذا كانا على قيد الحياة إلى حكم القضاء باعتماد مصلحة المحضون كعامل حاسم لتحدّد من هو الشخص المؤهّل لحضانة هذا الطفل إن كان الأب أو الأم، فإسناد الحضانة إذن في حالة الطفل الطبيعي على غرار إسناد حضانة الطفل الشرعي الذي إنفصم أبواه بطلاق هو إسناد قضائي يخوّل للمحكمة حيّزا هاما لتقدير مصلحة الطفل في جميع أبعادها المادية والنفسية وهو المبدأ الذي ما فتئت محكمة التعقيب التّذكير به كلّما تعرّضت إلى هذه المسألة بالتأكيد على أنّ :" الحضانة وإسنادها يراعى فيهما مصلحة المحضون تماشيا مع فكرة التشريع والإعتبارات التي شرّعت من أجلها الحضانة وهي جميعها ترمي إلى حفظ المحضون ورعايته بما يتوجّب من عناية وما يضفي عليه من السكينة والاطمئنان وعلى الحاكم عند البت في ذلك أن يراعي مصلحة المحضون ."
والجدير بالإشارة في هذا الصدد أنّ تقدير هذه المصلحة يستوجب أن تستوعب المحكمة جميع العناصر المادية والأدبية التي تتجمّع لديها لتقدير صفة الأصلحية حرصا على حماية المحضون وقد أكّدت محكمة التعقيب على ضرورة تعليل هذه المصلحة فقد جاء بقرارها المؤرّخ في 8 ماي 1990 أنّه :" على محكمة الموضوع أن تعلّل هذه المصلحة عند إسنادها للحضانة لأحد الأبوين باعتبارها مسألة موضوعية تخضع لاجتهاد قضاة الموضوع حسبما توفّر لديها من معطيات تتعلّق بالوضعية المادية والعائلية والأدبية لكلّ واحد من الأبوين" ولمحكمة الموضوع في جميع الأحوال أن تستعين ببحث إجتماعي في الغرض لتكوين قناعتها ويبقى هذا البحث كمعطى من المعطيات التي تضاف إلى ملف القضية دون أن تكون له الصبغة الإلزامية.
وفي غياب أي نزاع حول إسناد الحضانة فإنّ الواقع الاجتماعي يظهر أن الأم في أغلب الحالات هي التي تقوم بمهام الحضانة سواء كان الطفل شرعيا أو طبيعيا وما أضافه قانون 1998 بالنسبة للطفل الغير الشرعي هو إشراف الأب وإعانته على حضانة الطفل من خلال تمتّعه بحقّه في الزيارة بصورة تكاد تكون آلية إذا أسندت الحضانة للأم تطبيقا لأحكام الفصل 66 م أ ش وواجبه في الإنفاق على المحضون وقد تقتضي مصلحة الطفل أن يقع إسناد الحضانة للأب.
ومهما يكن من أمر فإنّ إسناد الحضانة للأب أو للأم لا يمنع الطرف المقابل المطالبة بإسقاط الحضانة إذا توفرت بعض الشروط القانونية التي إقتضاها الفصل 61 م أ ش ولا يكون ذلك إلاّ بمقتضى حكم قضائي.
وإلى جانب إسقاط القانوني والقضائي للحضانة هناك الإسقاط الإرادي الناتج عن قرار الحاضن الذي له أن يسقط حقه فيها ويتولى الحاكم في هذه الصورة تكليف غيره بها وقد قيّد فقه القضاء هذا الحق في الإسقاط بضرورة توفر شخص غير المسقط يمكن أن تسند له الحضانة فقد جاء في أحد القرارات الصادرة عن محكمة الاستئناف بتونس ما يلي:" لمستحق الحضانة إسقاط حقه فيها وينتقل الحق عندئذ لمن يليه في الرتبة لكن بشرط وجود هذا الأخير وعدم إمتناعه من قبول الحضانة وإلاّ فلا يقبل الإسقاط."
وفي جميع الصور فإنّ إسناد حضانة الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 إلى الأب يخوّل له ممارسة جميع صلاحيات الحضانة والتي تجعله لا يحرص على الحفاظ على مصلحة الطفل فحسب وإنّما إحترام مصالح الغير من خلال حسن رعاية الطفل وتربيته حتى لا يحدث ضررا للغير يرتب مسؤوليّته المدنية.
2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:33 am

– مسؤولية الأب الحاضن : الأصل في المسؤولية التقصيرية أن لا يكون الإنسان مسؤولا إلاّ عن الأفعال الضّارة التي تصدر عنه مباشرة وشخصيا وهو ما يعبّر عنه بالمسؤوليّة عن الفعل الشخصي.
وإذا كان مبدأ شخصية المسؤولية في المادّة الجزائية مبدأ دستوريا لا يخضع لأي إستثناء فإنّه في مادّة المسؤولية التقصيرية أقرّت التشاريع الحديثة مجموعة من الاستثناءات لعلّ أهمّها مسؤولية الأباء عن فعل الأبناء ويبرّر الفقهاء هذه المسؤولية بأنّها نوع من العقاب الذي يسلّط على الآباء بسبب إعطائهم قدوة سيئة لأبنائهم، كما أنّ مبدأ التضامن العائلي يستوجب أن يتحمّل الآباء تبعة الأفعال الصادرة عن أطفالهم نظرا وأنّ العائلة مجموعة موحّدة تربط بينها صلة القرابة والعاطفة لذا فمن واجب أفرادها التضامن والتعاون لتعويض الضرر الذي أحدثه أحدهم بالغير.
وقد حمّل المشرّع التونسي على غرار بقية التشاريع المقارنة الآباء والأمّهات المسؤولية عن فعل أبنائهم القصّر مؤسسا هذه المسؤولية على الخطأ في ممارسة الرقابة والتقصير في الحفظ وذلك بموجب الفصل 93 مـكرّر م إ ع.
وبموجب الفصل الأوّل من قانون 1998 في فقرته الرابعة وسّع المشرّع التونسي من نطاق هذه المسؤولية بالنسبة للأب بأن جعلها لا تشمل أبناءه الشرعيين فحسب وإنّما تشمل أيضا الأبناء الطبيعيين الذين أسند لهم لقب عائلي بموجب القانون المذكور وذلك تحقيقا لحماية هؤلاء الأبناء من المسؤولية المباشرة من جهة وحفظا لحقوق المتضرّرين من تصرّفات هؤلاء الأبناء من جهة أخرى، وجاء بهذا الفصل ما يلي :" وتبقى مسؤولية هؤلاء الآباء قائمة نحو أبنائهم والغير طيلة المدة القانونية في كل ما يتعلّق بأحكام المسؤولية وفق ما يقتضيه القانون."
والملاحظ أنّ هذا الفصل يحيلنا على مقتضيات الفصل 93 مكرّر م إ ع المتعلّق بالمسؤولية الآباء عن أفعال أبنائهم وذلك فيما يخصّ النظام القانوني لهذه المسؤولية وقد جاء بهذا الفصل بعد تنقيحه في موجب القانون عدد 95 لسنة 1995 والمؤرّخ في 9 نوفمبر 1995 ما يلي :" الأب والأم مسؤولان بالتضامن عن الفعل الصادر عن الطفل بشرط أن يكون ساكنا معهما ويجوز دفع هذه المسؤولية إذا أثبت أحدهما أنّه راقب الطفل كل المراقبة اللازمة أو أنّ الضرر نتج عن الخطأ من المتضرّر نفسه.
وفي صورة تجزئة مشمولات الولاية فإنّ أحكام هذا الفصل تنطبق على الحاضن."
وانطلاقا من مقتضيات هذين الفصلين يتّجه القول أنّ الأب يتحمّل المسؤولية عن الأفعال المضرّة بالغير والصادرة عن أبنائه بصفته أبا بقطع النظر إن كانت أبوته شرعية أو غير شرعية ،على أنّه بالنسبة للأبوّة الثّابتة على معنى قانون 1998 فإنّه لا يمكن الحديث عن مسؤولية بالتضامن بين الأب والأم لانعدام المساكنة القانونية بينهما تبعا لانعدام الإطار الشرعي للمساكنة وهو الزواج فضلا على أنّ الإنفراد بالحضانة في جميع الأحوال سواء بالنسبة للإبن الشّرعي الذي إنفصل أبواه بموجب الطلاق أو الوفاة أو بالنسبة للإبن الطبيعي يترتّب عنه الإنفراد بالمسؤوليّة.
فلا يمكن أن تكون المسؤولية مشتركة بينهما وإنّما يتحمّلها من عهدت إليه حضانة الطفل والتي تعتبر أساس المسؤولية عن أفعال هذه الأخير لأنّها تحمّل الحاضن واجب رعاية الطفل وحفظه وحسن تربيته وعليه فإنّ إسناد الحضانة للأب هو الذي يرتّب مسؤوليته تجاه الغير نتيجة تصرّفات إبنه التي تحدث ضررا بهذا الغير لأنّ الحضانة هي التي ترتّب مساكنة الطفل للأب والتي تعدّ أحد أركان المسؤولية على معنى الفصل 93 مكرّر م إ ع . وهو ما يجرّنا إلى تعريف المساكنة،والتي إستقرّ الفقه على أنّ لها مفهومين أحدهما ضيّق والآخر واسع.
فبالنسبة للمفهوم الضيق فتعرّف بأنّها الاقامة بصفة إعتيادية ومتواصلة بحيث أنّ عدم توفّر أحد هذين الشرطين يؤدّى إلى الاعفاء من المسؤولية.
أمّا المفهوم الواسع للمساكنة فيعرّفها الفقه بأنّها كل إقامة بقطع النظر عن وجود التعوّد من عدمه ودون إشتراط للاستمرارية بحيث أنّ إسناد الحضانة للأم لا يمنع من قيام مسؤولية الأب إذا إرتكب الطفل الفعل الضّار أثناء ممارسة الأب لحقه في زيارة المحضون واستصحابه له في مسكنه باعتبار أنّ واجب الرقابة والحفظ قد إنتقل بموجب الزيارة المذكورة للأب مما يحمّله مسؤولية الفعل الضار الصادر عن إبنه والحال أنّه إذا إعتمدنا المفهوم الضيّق تكون الأم مسؤولة مدنيا عن فعل إبنها.
وبالرجوع إلى أحكام الفصل 93 مكرّر م إ ع نلاحظ أنّ عبارة المساكنة قد جاءت مطلقة لذا فإنّها تجري على إطلاقها واتّجه إعتماد المفهوم الواسع للمساكنة على ذلك جاز القول إنّ إسناد الحضانة للأب بموجب حكم قضائي أو تعهّده بحضانة الطفل فعليّا بما يترتّب عن ذلك من قيام واجبه في حفظ الطفل ورعايته والالتزام برقابته يجعله مسؤولا عما يرتكبه الطفل من أفعال ضارّة بالغير.
وعموما فإنّ الأب الحاضن يعدّ مسؤولا بصفة آلية كلما توفّر شرطي المساكنة والسن إذ يعتبر الفعل الضّار الصّادر عن الإبن دليلا على تقصير الأب في القيام بالرّقابة اللازمة ولا يمكنه أن يتفصّى من هذه المسؤولية إلاّ إذا أثبت أنّه راقب الطفل المراقبة اللازمة أو أنّ الخطأ نتج عن المتضرّر نفسه عملا بأحكام الفصل 93 مـكرّر م إ ع.
ويرى البعض أنّ مسؤولية الأب عن الأفعال الصادرة عن إبنه القاصر والتي تسبّب ضررا بالغير تعتبر أثرا من آثار ولاية التربية مستندين في ذلك إلى أنّ القانون حمّل الولي التزاما بتوفير الحماية الضرورية للقّاصر وجعله المسؤول عن توفير السلامة الجسدية والسلوكية للمولي عليه وهو التزام يبذل عناية تنتج عنه مسؤولية الولي كلّما أخلّ بواجبه.

الفقرة الثّانية : الحقّ في الولاية :
عرّف الفقهاء المسلمون الولاية بأنّها تنفيذ القول على الغير شاء أم أبى**ويعرّّفها بعض الفقهاء المحدثين بأنها سلطة شرعية تجعل لصاحبها التصرّف في شؤون غيره جبرا عنه سواء كان في شؤون العامّة كالحكام والقضاة أو في الشؤون الخاصة كما هو شأن الأب والوصي بالنسبة للصغير
ويعرّف الفقهاء الولاية على الطفل القاصر بأنّها حقوق ممنوحة للأب أو وصيه أو للحاكم محدود في التشريع الإسلامي على شخصية الولد وعلى أملاكه بمعاونته وحمايته حتى يصل إلى سن معيّن ويسير بنفسه في الحياة. فرعاية الولي للطفل لا يقتصر على الإلتزام محلّه بل يشمل كل مظاهر الحماية والمساعدة والتوجيه.
وتعدّ ولاية الأب على إبنه القاصر إمتيازا وسلطة خوّلها له المشرّع إضافة إلى أنّها تشكّل تكليفا للأب بواجب السهر على رعاية الطفل وحمايته في نفسه وفي ماله إلى أن يكتمل وعيه ويصبح قادرا على حماية مصالحه بنفسه وقد جاء بالفصل 155 م أ ش :" للأب ثمّ للأم ثم للوصي الولاية على القاصر أصالة ولا تبطل إلاّ بإذن من الحاكم لأسباب شرعية ."
وبمقتضى قانون 1998 أصبح من الجائز القول أنّ عبارة الأب الواردة بالفصل 155 المذكور لا تنسحب على الأب الشرعي فحسب وإنّما على الأب الطبيعي أيضا والذي ثبتت بنوته وتمّ إسناد اللقب العائلي للابن المولى عليه. فأصبح هذا الأب من حقه ومن واجبه أيضا أن يضطلع بصلاحيات الولاية نحو إبنه بقطع النظر عن طبيعة بنوته .
ورغم إقرار المشرّع بحق الطفل الغير الشرعي في الولاية بموجب أحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 إلاّ أنّه لم يفرزه بأحكام خاصّة تنسجم مع طبيعة وضعه العائلي والأسري وأبقاه خاضعا للأحكام العّامة خلافا للمشرّع الفرنسي الذي قرّر أحكام تخصّ الطّفل الطبيعي في المجلّة المدنيّة الفرنسيّة تلافيا لما قد يطرح من إشكاليات تتّصل أساسا بممارسة الأب لصلاحيات الولاية وانتهاء الولاية وإسقاطها.
أ – ممارسة الأب لصلاحيات الولاية : غنيّ عن البيان أنّ صلاحيات الولاية بالنسبة للطفل الشرعي لا يمارسها الأب وحده بالنظر لما أدخله المشرّع التونسي من تغيير في موقع الأم سواء عند قيام الرابطة الزوجية أو بعد إنفصامها وذلك بموجب تنقيح م أ ش بقانون 12 جويلية 1993 الذي سعى من خلاله المشرّع التونسي إلى تشريك الأمّ في الإشراف على شؤون الأبناء وإدارة الشؤون العائليّة .
فقد أشار الفصل 23 م أ ش في صيغته الجديدة إلى واجب التعاون على تسيير شؤون الأسرة بين الزوجين والعناية بالأبناء على قدم المساواة وقد نصّ على أنّه :" يقوم الزوجان بالواجبات الزوجية حسبما يقتضيه العرف والعادة ويتعاونان على تسيير شؤون الأسرة وحسن تربية الأبناء وتصريف شؤونهم بما في ذلك التّعليم والسفر والمعاملات الماليّة."
أمّا الفصل 6 م أ ش فقد أبقى بموجب تنقيح 1993 على موافقة الولي على زواج إبنه القاصر إلاّ أنّه إشترط أيضا موافقة الأم بعد أن كان حق التزويج من حقّ الوليّالذكر العاصب بالنّسب فحسب كما نصّ على ذلك الفصل 8 م أ ش. وتماشيا مع فلسفة المشرّع الهادفة إلى تشريك الأم في إدارة شؤون العائلة والعناية بالطفل المحضون قرّر الفصل 60 جديد م أ ش إسناد حقّ النظر في شؤون المحضون وتأديبه وتربيته وإرساله إلى الدّراسة إلى الأب بوصفه وليّا وغيره من الأولياء وللأم أيضا.
ففي ظلّ العائلة الشرعية توزّع إذن صلاحيات الولاية على الأبناء القصّر بين الأب والأم فمن حق كل واحد منهما أن يطلب من الطرف الآخر القيام بواجبه المتمثل في المساندة والتعاون كما له أن يطالبه بإتاحة الفرصة ليشرف على تربية الأبناء وتصريف شؤونهم وهو ما قد ينشأ عنه عديد الإشكاليات لم يضع لها المشرّع التونسي حلولا لها .
على أنّه تجدر الإشارة في هذا الصّدد أنّه وإثر تدخل المشرّع بموجب م ح ط التي وسّعت في إختصاص قاضي الأسرة يمكن القول أنّ المشاكل التي قد تنشأ بين أبوي الطفل فيما يتعلّق بالقرارات المزمع إتّخاذها بشأن الطفل أصبحت من إختصاص قاضي الأسرة الذي أصبح بمقتضى هذه المجلّة مختصا بالنظر في الحالات التي تهدّد مصالح الطفل سواء كان داخل الأسرة أو خارجها.
أمّا المشرّع الفرنسي فقد أقرّ مبدأ المساواة بين الوالدين في ممارسة صلاحيات الولاية على الأبناء الشرعيين وتعرّض إلى الجوانب الشكلية والأصلية لفضّ النزاعات التي قد تنشأ بسبب الإزدواجية في أصحاب الولاية فجعل من مصلحة الطفل الأساس الوحيد الذي يجب إعتماده من طرف الوالدين في تحديد الاختيارات الخاصّة به، وفي صورة الاختلاف يجب الرجوع إلى الحلول المعتمدة سابقا في الحالات المماثلة.
وفي خصوص الغير أقرّ المشرّع الفرنسي قرينة مفادها إتّفاق الطرفين على إجراء التصرّف الذي قام به أحدهما. وفي صورة تعقّد الإختلاف واستحالة الوصول إلى إتّفاق خوّل المشرّع الفرنسي بموجب تنقيح 8 جانفي 1993 رفع الأمر إلى قاضي الشؤون العائلية .
وعموما فإنّ ممارسة صلاحيات الولاية في ظلّ العائلة الشرعية ليست من إختصاص الأب وحده وإنّما تعتبر مسؤولية مشتركة موزّعة بين الأب والأم تطبيقا لمبدأ التعاون الذي أدخله المشرّع التونسي في قانون الأحوال الشخصية بموجب تنقيح 12 جويلية 1993.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتعلّق بمدى إمكانية إعتماد الحلول المقرّرة للطفل الشرعي على الطفل الطبيعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 ؟
للإجابة على هذا التساؤل يتجه التذكير في هذا الصدد أنّ المشرّع التونسي قد ضمّ بالفصل الأوّل من قانون 1998 مصطلحي الحضانة والولاية في مصطلح واحد وهو مصطلح الرعاية بما يتجه معه القول أنّه بالنسبة للأب يرتبط ممارسته لصلاحيات الولاية بإسناد الحضانة له ففي هذه الصورة له أن يتخذ جميع القرارات المتعلّقة بمصالح الطفل الماليّة منها وغير المالية من تربية وتأديب وإرساله إلى أماكن التعليم وسفره وزواجه عند الاقتضاء. إلاّ أنّه في المقابل لا يملك سلطة مطلقة في ذلك إذ أنّ إعتباره الولي الشرعي للطفل لا يمنع من التأكيد على إبقاء دور فاعل للأم من خلال ممارستها لحقّها في المتابعة والتعرّف على كيفية إدارة الأب لشؤون الصغير ولها أن تلجأ إلى قاضي الأسرة إذا تراءى لها أن مصالح إبنها مهدّدة وبات من الضروري التدخّل لحمايته تطبيقا لأحكام الفصل 20 وبما بعده من م ح ط .
أمّا إذا أسندت الحضانة للأم فلها أن تمارس بعض صلاحيات الولاية المتعلّقة أساسا بسفر المحضون ودراسته والمعاملات المالية وتبعا لذلك بإمكانها قضاء حوائجه المتصلة بالترخيص له في الترسيم بالمؤسسات التربوية وفي الإحراز على جواز سفر إلى الخارج وفي سحب المبالغ المالية الضرورية لقضاء شؤونه والتصرّف فيها على أن تبقى للأب بصفته وليا لإبنه واجب الإشراف على تنشئة المحضون والنظر في شؤونه وتأديبه وممارسة بقية الصلاحيات التي لم تسند للأم صراحة بموجب أحكام الفصل 67 م أ ش.
والجدير بالإشارة أنّه أصبح من الممكن للمحكمة أن تسند مشمولات الولاية إلى الأم الحاضنة في أربعة حالات نصّ عليها المشرّع بالفصل 67 في فقرته الرابعة م أ ش وذلك إذا تعذّر على الولي ممارستها أو تعسّف فيها أو إذا تهاون في القيام بالواجبات المنجرّة عنها على الوجه الاعتيادي أو تغيّب عن مقرّه وأصبح مجهول المقرّ ولأي سبب يضرّ بمصلحة المحضون.
وعلى كلّ فإنّ ولاية الأب على إبنه القاصر يقسّمها الفقهاء إلى ولاية على المال وولاية على النفس.
وقد قيّد المشرّع التونسي تصرّفات الولي وحدّدها بأعمال الإدارة فحسب كما تعرّض الفصل 15 م إ ع الذي يصف الولي بالمدير إلى مجموعة من الأعمال أوردها على سبيل الذكر لا الحصر وهي أعمال التصرّف وجعل القيام بها يخضع إلى رخصة مسبقة من القاضي المختص.
ولا يفوتنا أن نشير في هذا الصدد أنّ أحكام الولاية على المال في القانون التونسي لا تؤدّى إلى إعدام إرادة الطفل المولى عليه تماما خاصّة إذا كان يتمتّع بحدّ أدنى من التمييز بل تمكّنه في العديد من الحالات إلى المساهمة في تعمير ذمته المالية بقبول هبة أو وصية أو حتى المبادرة بإجراء التصرّف القانوني مع توقّف العمل المراد إنجازه على إرادة الولي.
أمّا بالنسبة للولاية على النفس فتتعلّق بالواجب المحمول على الأب بصفته وليا على أبنائه القصّر على أن يحرص على حسن تربيتهم وتصريف شؤونهم اليوميّة المتعلّقة خصوصا بالتكوين الجسماني والعقلي السليم وذلك بإرسالهم إلى أماكن التعليم وتلقينهم التعاليم الأخلاقية والدينية وتربيتهم التربية الإجتماعية التي تؤلهم لأن يكونوا من العناصر الفاعلة في المجتمع.
فالولاية على النفس تمسّ بالحقوق المتّصلة بالشخصية والتي تخضع إلى مجموعة من المؤثّرات الاجتماعية والعقائدية والثقافية بما يجعل تحديد مصلحة الطفل في هذا المجال نسبي بخلاف المصلحة المالية التي يمكن الجزم بتحققها وهو ما يستوجب بالضرورة تعاون الأب والأم لرعايتها.
وإذا كان المشرّع قد كرّس واجب التعاون بين الزوجين صراحة لتصريف شؤون الطفل ورعايته في ظلّ العائلة الشرعية فإنّه لا شيء يمنع من التأكيد على ضرورة تكريس هذا الواجب بين الأمّ والأب الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 بحيث يتعاونان ويتكاملان في ممارسة صلاحيات الولاية على إبنهم القاصر وهو حلّ من السّهل إستنباطه من الأحكام العامّة المتعلّقة بالولاية الواردة في م أ ش، أمّا في حالة التنازع بين الأبوين في إتّخاذ قرار يتعلّق بالطفل فإنّ قاضي الأسرة هو المختصّ بفضّ هذا الإشكال اعتبارا وأنّ هذه الحالة يمكن تكييفها بأحد الحالات التي تهدّد مصلحة الطفل على معنى الفصل 20 م ح ط.
وفي الختام نخلص إلى القول أنّ تكريس قانون 1998 لحق الطفل في أن يضطلع الشخص الذي ثبتت أبوّته له في أن يمارس صلاحيات الولاية عليه الهدف الأساسي منه هو رعاية مصالح هذا الطفل وحمايته في نفسه وفي ماله ،وتبقى هذه الصلاحية المخوّلة للأب ليست مطلقة بل إنّها ظرفية تنتهي بانتهاء موجبها كما أنّه يجوز إسقاطها في الحالات المبيّنة بالقانون.
ب – إنتهاء الولاية وإسقاطها: لا جدال أن مصلحة الطفل هي الغاية من إقرار المشرّع لمؤسسة الولاية باعتبارها تكليفا للأب وحقا مخوّلا للطفل في وجود شخص توفّرت فيه الشروط القانونية لأن يشرف على تربيته وحماية مصالحه المادية والمعنوية بقطع النظر عن طبيعة بنوته شرعية كانت أم طبيعية على معنى قانون 1998، على أنّه قد تحصل عوارض أثناء قيام الولاية تستدعي زوالها لانقضاء موجبها أو لإسقاطها.
1-إسقاط الولاية : إنّ مؤسسة الولاية هدفها الأساسي تحقيق مصلحة الطفل الفضلى في أمنه وصحّته وأخلاقه وتربيته وإدارة مكاسبه فإذا تعرّضت هذه المصلحة للخطر بسبب تقصير الوليّ أو عجزه عن أداء واجباته لأي ّسبب من الأسباب فإنّ إسقاط الولاية أي نزعها ممن أسندت إليه سيكون أمرا حتميا سواء بحكم القانون أو بحكم قضائي.
والإسقاط القانوني للولاية هو الذي يكون مبنيا مباشرة على أحكام القانون، أي أنّ المشرّع ينصّ على أنّه في صورة تحقّق أمر معيّن تسقط ولاية الولي من ذلك أنّ ولاية الأب تسقط في صورة وفاته تطبيقا لأحكام الفصل 155 م أ ش بعد تنقيحه في 18 فيفري 1981 والذي جاء فيه :" للأب ثمّ للأم ثمّ للوصي الولاية على القاصر أصالة …" . فبمجرّد وفاة الأب تصبح الأم الوليّة الشرعيّة لابنها القاصر وهو ما يؤكّد على الدّور الذي أصبحت تضطلع به الأمّ في رعاية أبنائها القصّر والإشراف على مصالحهم بعد أن كانت صلاحيات الولاية من علائق العاصب بالنفس فحسب إلاّ إذا أسندت لها الولاية عن طريق وصية الولي أو بحكم من القاضي.
أمّا الإسقاط القضائي للولاية فنلاحظ في هذا الصدد أنّ المشرّع التونسي لم يبيّن الحالات التي تسقط فيها الولاية بحكم القضاء حصرا بل إكتفى باعتماد مصلحة الطفل عند إتّخاذ هذا القرار فقد إقتضى الفصل 67 م أ ش في فقرته الأخيرة على ما يلي :" ويمكن للقاضي أن يسند مشمولات الولاية إلى الأم الحاضنة إذا تعذّر على الولي ممارستها أو تعسّف فيها أو تهاون في القيام بالواجبات المنجرّة عنها على الوجه الاعتيادي. أو تغيّب عن مقرّه وأصبح مجهول المقرّ أو لأي سبب يضرّ بمصلحة المحضون…"
فما يمكن إستخلاصه من هذا الفصل هو أنّ أحكام الولاية لها مساس بالنظام العام بحيث يمكن للأم أو لأي شخص آخر إذا تبيّن له أنّ الأب المتعهّد بسلطة الولاية على إبنه قد أساء إدارة أموال الصغير وأساء الحفاظ عليه ورعايته بما يعرّض مصلحته للخطر أن يطلب من القاضي المختصّ إسقاط ولاية هذا الأب عن ولده ويبقى المعيار المعتمد في إسقاط الولاية هو حسن التصرّف وعدم الإضرار بمصالح المولى عليه.
والملاحظ أنّ هذا الفصل يخوّل للأم في صورة إسقاط ولاية الأب أن تجمع صلاحيات الحضانة والولاية في آن واحد إذا توفّر أحد أسباب إسقاط ولاية الأب الواردة بالفصل 67 م أ ش في فقرته الأخيرة وذلك لتحقيق هدف أساسي وهو حماية مصلحة المحضون ويخضع تقدير هذه المسألة إلى قضاة الأصل إستنادا إلى الوقائع الثابتة بمظروفات الملف ولهم أن يأذنوا بإجراء بحث إجتماعي للوقوف على مدى جديّة طلب إسقاط ولاية الأب.
نشير في هذا السياق إلى أنّ هذه الفقرة من الفصل 67 تذكّرنا بمضمون الفصل 373 م م ف الذي جاء به أنّ الأب يفقد السّلطة الأبويّة بصفة نهائيّة أو وقتيّة إذا كان في حالة لا يستطيع معها ممارسة تلك السّلطة بسبب قصوره « incapacité » أو غيابه وأصبح مجهول المقرّ إلاّ أنّ المشرّع الفرنسي أضاف أسبابا أخرى لإنقضاء الولاية وهي إذا فوّض ممارسة تلك السّلطة للغير أو إذا حوكم من أجل إهمال عيال ولم يستأنف تحمّل واجباته في مدّة ستّة أشهر أو إذا صدر حكم في سحب أو حرمانه من ممارسة تلك السّلطة أو بعضها .
وبمقارنة هذا الفصل بالفصل 67 م أ ش في فقرته الأخيرة يتّضح أنّ هذا الفصل يتعلّق بإسناد الولاية للأم الحاضنة بينما تضمّن النصّ الفرنسي فقدان الولاية وأورد حالات فقدان الولي لمشمولات الولاية لم ينصّ عليها الفصل 67 المذكور ولعلّ المشرّع التونسي ترك ذلك خاضعا لإجتهاد المحكمة كما هوّ الشأن بالنّسبة لبعض حالات إنتهاء الولاية .
2 – إنتهاء الولاية : إنّ ولاية الأب على أبنائه القصّر ليست أزلية بل قد تحصل عوارض تكون سببا في زوالها. من ذلك أنّ صلاحيات الولاية تنقضي ببلوغ المولى عليه سن الرشد أو بالترشيد القانوني.
وقد حدّد المشرّع التونسي سنّ الرّشد القانوني بالفصل 7 م إ ع الذي جاء فيه أنّه كل إنسان:" ذكرا كان أم أنثى تجاوز عمره عشرون سنة كاملة يعتبر رشيدا بمقتضى هذا القانون." وجاء بالفصل 157 م أ ش ما يلي :" إذا أتمّ الصغير المولى عليه العشرين عاما كاملة ولم يسبق صدور حكم بالتحجير عليه لسبب من الأسباب غير الصغر فإنّه يصبح وجوبا رشيدا له كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنيّة وتكون جميع تصرّفاته نافذة."
والملاحظ أنّ المشرّع التونسي قد إعتمد في الرّشد المؤهّل لمباشرة الحقوق المدنيّة بصفة مطلقة مجرّد السنّ فقط كقرينة قانونية، بينما يعتمد التشريع الإسلامي على البلوغ الطبيعي.
كما قرّر المشرّع التونسي إستمرار الولاية إذا بلغ الصغير سنّ الرّشد وقرّرت المحكمة التحجير عليه بسبب الجنون أو ضعف العقل.
وتنقضي الولاية أيضا بالترشيد القانوني فقد إقتضى الفصل 153 م أ ش بعد تنقيحه بموجب القانون المؤرّخ في 12 جويلية 1993 أنّ :" زواج القاصر يرشّده إذا تجاوز السّابعة عشرة من عمره فيما يتعلّق بحالته الشخصية ومعاملاته المدنية والتجارية ".
وقد جعل المشرّع الترشيد عملا قضائيا أيضا بأن أعطى للقاضي سلطة تقديرية واسعة في التصريح بترشيد الطفل بداية من سنّ الخامسة عشرة بناء على طلب ترشيد مقدّم من الطفل نفسه أو من وليّه. وفي صورة إقرار الترشيد، له أن يحدّد مداه أي هل هو مطلق أو مقيّد . ويجوز الرجوع في هذا الإذن متى قامت أسباب كشفت عن عدم حسن تصرّف الصغير في إدارة أمواله والتصرّف فيها.
وأخيرا ورغم عدم وجود نصّ في التشريع التونسي يدلّ على ذلك صراحة فإنّه تتّجه الإشارة إلى أنّ الولاية تزول بموت الصغير المولى عليه لانعدام موضوعها.
وعموما فإنّه من الجلي إذن أن الأحكام المتعلّقة بالولاية تنطبق بصفة تكاد تكون متطابقة على الطفل الشرعي كما هو الشأن على الطفل الطبيعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998. على أنّ هذه الأحكام لا تتعلّق طبعا إلاّ بمن ثبتت بنوّته وهو لا يزال قاصرا أو كان محجورا عليه بسبب الجنون أو ضعف العقل.
والجدير بالملاحظة في هذا الصّدد أنّ التشريع الحالي المتعلّق بالولاية يتّسم في مجمله بغياب مبادئ عامة تحكمه وبتشتّت النّصوص وتفرّقها بين عديد المصادر هذا بالإضافة إلى غموض أحكامه وهو ماقد يشكّل عائقا أمام المحاكم لإستنباط حلول لمختلف الإشكاليات العمليّة المتّصلة بالولاية على الإبن الذي ثبتت بنوّته على معنى قانون 1998 في ظلّ غياب النصوص التشريعيّة الخاصّة به.
ومهما يكن من أمر فإنّ الولاية قد لا تطرح إشكاليات كبيرة على مستوى التّطبيق ضرورة أنّها ترتبط في أهمّ مشمولاتها بحضانة هذا الطفل والتي ستسند في غالب الأحوال إلى الأم نظرا وأنّها عادة ما تكون الأحرص على رعاية إبنها وحماية مصالحه مقارنة بالأب الذي قد لا يكون حريصا على المطالبة بحضانة هذا الطفل وبممارسة صلاحيات الولاية عليه نظرا لطبيعة بنوته ولضعف الروابط العاطفية التي تجمعهما ضرورة أن إنعدام الزواج والرّوابط الأسرية المنظّمة من شأنها أن تحد ّمن متانة علاقة هذا الطّفل بأبيه.
لذلك يمكن القول أنّه من النّاحية العملية تعدّ الحقوق المالية المترتبة عن ثبوت البنوة أكثر جدوى بالنسبة للطّّفل الذي ثبتت بنوّته باعتبارها تكفل له العيش الكريم وتضمن له الحدّ الأدنى من حاجاته المعيشية.














الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:34 am

الفرع الثاني : الحقوق المتعلّقة بالذمة المالية:
لقد رتّبت جميع التشاريع السماويّة والوضعيّة على ثبوت رابطة النّسب الشرعي آثارا ذات صبغة ماليّة أهمّها التوارث بين الإبن وأبيه وأقاربه للأب حسبما تقتضيه أحكام المواريث، وإستحقاق الابن للنفقة بجميع مشمولاتها وهو ما قرّره المشرّع التونسي بم أ ش .
إضافة إلى ذلك يستحق الطفل الشرعي كما هو الشأن بالنسبة للإبن بالتبنّي للمنح العائلية المقرّرة بالفصل 52 من القانون عدد 30 المؤرّخ في 14 ديسمبر 1960 المنقّح بموجب القانون عدد 83 المؤرّخ في 6 ماي 1988 ويرتبط الانتفاع بهذه المنح بأصل ولادة الطفل إذ يشترط هذا القانون أن يكون إبنا شرعيا كما يقتضي الإنتفاع بخدمات التغطية الاجتماعية على الأبناء الشرعيين دون غيرهم.
ومحاولة منه لتحقيق قدر أكبر من المساواة بين الأطفال الشرعيين والأطفال الطبيعيين رتّب المشرّع التونسي على ثبوت بنوة الأطفال الغير شرعيين إستحقاق النفقة إلى حين بلوغ سنّ الرشد أو حتى بعد ذلك في الصور المقرّرة بالفصل 46 م أ ش مع الإشارة إلى أنّ الفصل 6 من قانون 28 أكتوبر 1998 قد أقصى النّفقة من المفعول الرّجعي لهذا القانون فقد نصّ على ما يلي:" يكون لأحكام هذا القانون مفعول رجعي على الوضعيّات السابقة لتاريخ نفاذه على أنّ النفقة لا تستحق إلاّ من تاريخ جريان العمل بهذا القانون."
وهو إستثناء يبرّره تشجيع الآباء على الإعتراف بالبنوة وحمايتهم مما قد يترتّب عن عدم دفع مبالغ النفقة المحكوم بها والتي قد تتضخّم إلى حدّ يعسر معه دفعها.
على أنّه وفي المقابل تغافل المشرّع في قانون 1998 عن التعرّض إلى مسألة إستحقاق هذا الطفل للميراث من عدمه. إلاّ أنّه من الثابت أن ثبوت البنوة في قانون 1998 يرتب الطفل حقه في النفقة على غرار الطفل الشرعي على أن الحق في الميراث يبقى حقّا مطلقا للأبناء الشرعيين مبدئيا في الوضع الراهن للقانون التونسي.




المبحث الأوّل : الحقّ في النّفقة :
تعرّف النّفقة في الإصطلاح القانوني بأنّها الشيء الذي يبذله الإنسان فيما يحتاجه هو أو غيره من الطعام أو الشراب والمسكن ونحوها وكل ما يحتاج إليه الإنسان لعيش عيشة لائقة وتشمل حتما الطعام والكسوة والمسكن بالنسبة لجميع مستحقيها والخدمة للعاجز والتعليم والتربية للصّغار.
والملاحظ أنّ المشرّع التونسي ولئن تعرّض إلى أحكام النفقة بالفصول من 37 إلى 53 م أ ش إلاّ أنّه لم ير داعيا لتعريفها وإنّما إقتصر على ضبط مشمولاتها وبيان مستحقّيها.
وتطبيقا لمقتضيات م أش فإنّ إستحقاق الابن للنفقة يرتبط بثبوت رابطة النسب بين الإبن وأبيه المطالب بالإنفاق فإذا إنتفت هذه الرابطة لم يعد للإبن مقطوع النسب من أبيه إلاّ أن يطالب أمّه وقرابتها بالإنفاق عليه. وبموجب قانون 28 أكتوبر 1998 خوّل المشرّع التونسي للأطفال الطبيعيين الذين ثبتت بنوتهم على معنى هذا القانون الحق في مطالبة الأب بالنفقة وأتاح لهم الضمانات القانونية لاستخلاصها.
الفقرة الأولى : إستحقاق الابن للنّفقة .
يتوقّف إستحقاق الابن لنفقة أبيه توفّر جملة من الشروط القانونية إلاّ أنّه من المتّجه قبل بيان هذه الشروط إستعراض الأسس القانونية التي ينبني عليها إستحقاق الإبن للنفقة.
أ – الأسس القانونية لاستحقاق الإبن للنّفقة بين القرابة والإلزام : نصّ الفصل 37 م إ ش على ما يلي:" أسباب النفقة ثلاثة الزوجية والقرابة والإلزام".
ويعدّ الأبناء من بين المستحقين للنفقة بمـوجب القرابة تطبيقا لأحكام الفصل 43 م أ ش واعتبـارا إلـى أنّ م أ ش لا تعترف بالبنوة الطبيعية فإنّ إستحقاق الطفل للنفقة من أبيه يتأسس على ثبوت رابطة النسب الشرعي بين المنفق والمنفق عليه سواء نشأ النّّسب على زواج صحيح تطبيقا لأحكام الفصل 3 و 20 م أ ش وأحكام قانون الحالة المدنيّّة أو عن زواج فاسد عملا بأحكام الفصلين 21 و 22 م أ ش أو زواج باطل عملا بأحكام الفصل 36 ق ح م . وهو الاتجاه الذي سار عليه فقه القضاء التونسي ذلك أنّ الطفل الطبيعي ليس له سوى مطالبة أمّه وأصولها بالانفاق عليه تطبيقا لأحكام الفصل 152 م أ ش.
كما أنّ المشرّع التونسي وكذلك فقه القضاء لا يسمح بالقيام بدعوى النفقة دون ثبوت النسب خلافا لما هو عليه الأمر في القانون الفرنسي من خلال ما يسمّى بدعوى الإنفاق "Action à fin de subsides" وهي دعوى هدفها إسناد نفقة للطفل الطبيعي إذا ما ثبت أنّ أمّّه قد ربطت علاقات جنسية في الفترة السابقة للحمل مع المطالب بالإنفاق وهي دعوى أساسها المسؤولية فالشخص الذي يتّصل بامرأة وهو يعلم أنّه من الممكن أن يتسبب في حملها يعتبره المشرّع الفرنسي مسؤولا عمّا يمكن أن يترتّب عن تلك العلاقة ويجعله مطالبا بالإنفاق في صورة وضع تلك المرأة لطفل قد يكون ناتجا عن هذا الإتّصال.
فدعوى المطالبة بنفقة الطفل الطبيعي تختلف في القانون الفرنسي عن دعوى إثبات البنوّة الطبيعيّة من حيث الموضوع والسبب.
فإذا كانت دعوى إثبات البنوة الطبيعية هدفها إقامة رابطة البنوّة بين الطفل والأب المزعوم فإنّ دعوى المطالبة بالإنفاق لا تهدف سوى إلى تمكين الطفل من النفقة تدفع له في شكل جراية معاشيّة ويحكم بها ضدّ كلّ شخص ثبت أنّه كان على علاقة حميمة بالأم أثناء الفترة القانونية للحمل دون حاجة لثبوت الأبوّة.
وقد إعتبر أحد الفقهاء أنّ هذه الدّعوى بمثابة الملاذ الأخير في صورة إستحالة أو فشل دعوى إثبات البنوة الطبيعية ويمكن للمحكمة أن ترفض دعوى إثبات البنوة دون أن يمنع ذلك من الحكم باستحقاق هذا الطفل للنفقة.
ولئن إعترف المشرّع التونسي باستحقاق الأطفال الغير شرعيين للنّفقة تطبيقا لأحكام الفصل الأوّل من قانون 1998 فإنّه قام بدمج هذين الدّعويين بحيث لا يمكن للطّفل القيام بدعوى مطالبة الأب الطبيعي بالإنفاق عليه إلا إذا ثبتت علاقة البنوة وقضت المحكمة بإسناده اللقب العائلي للأب المطلوب وهو ما يدفعنا إلى القول أنّ نجاح الطفل الطبيعي في الإحراز على حكم بالنفقة في القانون التونسي يرتبط بالحكم لصالحه في دعوى إسناد اللقب العائلي.
والملاحظ أنّ الحقّ في النفقة يعدّ من أهمّ الآثار العملية لقانون 28 أكتوبر 1998 باعتبار أنّه يكفل لهاته الشريعة من الأطفال العيش الكريم ويضمن لهم الحدّ الأدنى من الحاجيات المعيشية بعد أن كان الطفل المجهول النسب لا يمكنه المطالبة بنفقته إلاّ من أمّه وقرابتها تطبيقا لأحكام الفصــل 152 م أ ش وهو ما يؤكّد سعي المشرّع التونسي المتواصل إلى التوسيع من دائرة الأطفال المستحقين النفقة. فقد حمل الفصل 77 م أ ش الملتقط واجب الاتفاق على الطفل اللّقيط كما حمّل الدّولة مسؤولية الانفاق على الأطفال المهملين وذلك عن طريق هيآتها الادارية التي تمارس الولاية عليهم والمنصوص عليها بالفصل الأوّل من قانون 4 مارس 1958 فضلا عن الدّور الذي تلعبه الدّولة في مساعدة الأسر على الانفاق على الأطفال عن طريق المنح العائلية التي أوجدها المشرّع بموجب القانون عدد 30 المؤرّخ في 14 ديسمبر 1960 المنقح بموجب القانون عدد 83 المؤرّخ في 6 ماي 1988 وقد توّج قانون 1998 هذه المسيرة التشريعية المتدرّجة إلى توسعة في دائرة الأطفال المستحقين للنفقة بأن رتّب على ثبوت رابطة البنوة بين الطفل وأبيه حق الابن في النفقة على غرار حق الطفل الشرعي.
بيد أنّه من المفيد التأكيد في هذا الصدد أنّ الأساس القانوني لواجب الأب في الإنفاق على إبنه الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 إنّما هو الإلزام القانوني وليست صلة القرابة مثلما هو الشأن بالنّسبة للطفل الشرعي ضرورة أنّ القرابة المنصوص عليها بالفصل 37 م أ ش كسبب من أسباب الإنفاق إنّما هي القرابة الشّرعية القائمة على أساس النّسب الشّرعي على إعتبار أنّ م أ ش لا تعترف بالبنوّة الطبيعية ولا ترتب عليها أيّة آثار قانونية بيد أنّ صلة القرابة التي تجمع بين الأب وإبنه الذي ثبتت بنوته بموجب قانون 1998 لا تعد أن تكون سوى قرابة دموية رتّب عليها المشرّع بعض الآثار القانونية المبيّنة حصرا من ذلك إلزام من ثبتت أبوّته بالإنفاق على إبنه.
وإذا كانت علاقة النسب الشرعي لا ترتب حقوقا فحسب لفائدة الطفل الشرعي وإنّما تحمّله ببعض الالتزامات تجاه الأب من ذلك واجبه بالإنفاق على أبيه حال عسره عملا بأحكام الفصل 49 م أ ش، فإنّنا لا نجد أثرا صريحا لهذا التبادل للإلتزامات في قانون 1998 وهو ما يطرح التساؤل حول جواز مطالبة هذا الأب لإبنه قضائيا بالإنفاق عليه في صورة عسره ؟
الإجابة عن هذا التساؤل لا تكون إلاّ بالنفي إذا اعتبرنا أنّ الأساس القانوني للإنفاق في قانون 1998 إنّما هو الإلزام القانوني وليست القرابة كما هو الشأن بالنسبة للطفل الشرعي اعتبارا إلى أنّ القرابة المقصودة في قانون 1998 إنّما هي قرابة دموية فحسب حدّد المشرّع آثارها على سبيل الحصر بموجب هذا القانون ولا يمكن التوسّع فيها ، إضافة إلى أنّ واجب الإنفاق هوّ واجب إستثنائي ولايجوز تبعا لذلك توسيع نطاقه خارج الحالات المنصوص عليها في القانون . وهو ما يجعل تأويل أحكام هذا القانون تسير باتجاه واحد وهي مصلحة الابن وتكريس حقوقه تجاه أبيه دون تحميله بالتزامات تقابل ما إكتسبه من حقوق .
وأيّا كان الأساس القانوني لحق الإبن في النفقة فإنّ مطالبة الأب بالإنفاق على أبنائه تستوجب توفر بعض الشروط القانونية.
ب – شروط إستحقاق الابن للنفقة : إنّ حقّّ الطفل في النفقة ينشئ علاقة دائنية بين الإبن وأبيه على أنّ هذه العلاقة لا تقوم إلاّ إذا توفّرت شروطها القانونية وهي شروط مشتركة ولا تكاد تختلف بين م أ ش وقانون 1998 سواء تعلّقت بالابن الدائن بالنفقة أو بالأب المطالب بها.
1 – الشروط المتعلّقة بالإبن : إنّ إستحقاق الابن لنفقة أبيه يرتبط أوّلا وبالأساس بثبوت رابطة النسب بينه وبين أبيه بالنسبة للإبن الشّرعي وثبوت رابطة البنوة الطبيعية طبق قانون 1998 من خلال القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي بالنسبة للطفل الطبيعي . فقد نصّ الفصل الأوّل من قانون 28 أكبوبر 1998 على ما يلي :" وفي هذه الحالة فإنّ إسناد اللقب العائلي يخوّل للطفل الحق في النفقة والرعاية من ولاية وحضانة ما دام لم يبلغ سن الرشد أو بعده في الحالات المخوّلة قانونا."
والملاحظ من خلال صياغة هذا الفصل أنّه يتضمّن إحالة ضمنية على أحكام النفقة الواردة بم أ ش وتحديدا الفصل 46 منها والذي نصّ صراحة على أنّه :" يستمرّ الإنفاق على الأبناء حتى بلوغ سن الرشد أو بعده إلى نهاية مراحل تعلّمهم على ألاّ يتجاوزوا الخامسة والعشرين من عمرهم وتبقى البنت مستحقة للنفقة إذا لم يتوفّر لها كسب أو لم تجب نفقتها على زوجها كما يستمرّ الإنفاق على الأبناء المعوقين العاجزين عن الكسب بقطع النظر عن سنهم ."
إنّ عبارة هذا النصّ واضحة في خصوص حق الإبن في التمتّع بالنفقة بقطع النظر عن الجنس أو بقطع النظر عن قدرته على التكسّب من عدمه إلى حدود إنتهاء فترة الطفولة التي تنقضي في القانون التونسي ببلوغ الطفل عشرين سنة كاملة . كما تضمّن هذا الفصل إمكانية تواصل النفقة إلى أن يبلغ الطفل الخامسة والعشرين من عمره إذا كان بصدد مزاولة دراسته وهو أمر منطقي باعتبار أنّ من يزاول التعليم في الغالب ليست له موارد ماليّة تخوّل له قضاء حاجياته المادية. ونعتقد أنّ تحديد سن الإنفاق بالنسبة للإبن الذي لا يزال على مقاعد الدراسة قد لا يتّفق مع واقع الأمور اعتبارا و أنّ الدّراسة في التعليم العالي في مراحلها المتقدّمة قد يتجاوز فيها الطّالب هذه السنّ وتبقى حاجته مع ذلك للّنفقة أكيدة.
أمّا بالنسبة للبنت فإنّ واجب الإنفاق عليها يبقى ساريا إذا لم يتوفّر لها كسب أو لم تجب نفقتها على زوجها وطبعا فإنّ إنقضاء واجب الأب في الإنفاق على إبنته يرتبط بانتقال هذا الواجب إلى زوجها والذي يبدأ من تاريخ الدخول الفعلي أو الحكمي تطبيقا لأحكام الفصل 38 م أ ش.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:34 am

كما أورد المشرّع إستثناء آخر بالنسبة لسنّ الرشد كحدّ لواجب الإنفاق وذلك بخصوص الأبناء المعاقين العاجزين عن الكسب الذين يستحقّون النفقة بقطع النظر عن سنّهم وذلك بتوفّر شرطين أساسيين وهو شرط الإعاقة وشرط عدم القدرة على التكسّب.
وعلاوة على شرط السنّ فإنّه يشترط في مستحق النفقة أن يكون محتاجا للإنفاق عليه فقد إقتضى الفصل 56 م أ ش ما يلي :" مصاريف شؤون المحضون تقام من ماله إن كان له مال وإلاّ فمن مال أبيه."
فإذا كان للطفل أموال خاصّة به كأن تكون قد تأتت له من هبة أو ميراث فلا يمكنه مطالبة الأب بالإنفاق عليه ، وهو الموقف الذي أكّدته محكمة التعقيب التونسيّة في عديد المناسبات.
وعموما لا يمكن مطالبة الأب بالنفقة إلاّ إذا توفّرت بعض الشروط المتعلّقة به بصفته مدينا.
2 – الشروط المتعلقّة بالأب المدين بالنّفقة : الأصل أن يتحمّل الأب واجب الإنفاق على أبنائه ويوفّر لهم جميع مستلزمات العيش الكريم من مأكل وملبس وسكنى وكل ما يعدّ من الضروريات في العرف والعادة.
غير أنّ ذلك قد لا يتيسّر في جميع الأحوال إذ لا يمكن إجبار الأب على الإنفاق على إبنه حال أنه معسر ويمكن أن نستنتج هذا الشرط بقراءة متأنيّة لأحكام الفصلين 47 و 52 م أ ش فقد جاء بالفصل 47م أ ش ما يلي :" الأم حال عسر الأب مقدّمة على الجدّ في الإنفاق على ولدها." ونصّ الفصل 52 م أ ش أنّه :" تقدّر النفقة بقدر وسع المنفق وحال المتفق عليه وحال الوقت والأسعار."
فلا يمكن إذن مطالبة الأب بالإنفاق على أبنائه إذا تبيّن أنّه معسر ولا يملك موارد مالية تخوّل له الاضطلاع بهذا الواجب بقي أن نشير أنّ دفع الأب بالعسر للتفصّي من واجبه في الإنفاق يستوجب بالضرورة على القاضي البحث والنظر في جدّية هذا الدّفع من عدمه وذلك عن طريق الإستعانة بالإختبارات والأبحاث الإجتماعيّة و المكتبية من سماع للأم والابن والشهود عند الاقتضاء.
ولا يفوتنا أن نشير في هذا السياق إلى أن عسر الأب يترتّب عنه إنتقال واجب الإنفاق على الابن إلى الأم ثمّ إلى الجد.
ولا يثير إنتقال هذا الواجب إلى الأم أي إشكال ذلك أن صفتها كأم وواجباتها نحو أبنائها لا تختلف سواء تعلق الأمر بابن شرعي أو إبن طبيعي غير أنّ إنتقال هذا الواجب إلى الجدّ قد يرتّب بعض الإشكاليات إذا تعلّق الأمر بطفل ثبتت بنوته بموجب قانون 1998 فهل يمكن لهذا الطفل مطالبة جدّه للأب بالإنفاق عليه إذا تعذّر عليه مطالبة أبيه و أمّه ؟
لا يبد أنّ ذلك ممكن في ظلّ التشريع الحالي على إعتبار أنّ قانون 1998 لا ينشئ سوى رابطة دموية وبعض الالتزامات المحمولة على الأب المعدّدة حصرا ولايرتّب عن ثبوت البنوّة إندماج الطفل في عائلة أبيه مثلما هوّ معمول به في التشريع الفرنسي، فالبنوّة الثّابتة بموجب هذا القانون لا ترتقي إلى رابطة نسب شرعي والتي وحدها من شأنها ترتيب حقوق والتزامات لا بين الطفل وأبيه فحسب وإنّما تجاه قرابته من أبيه أيضا تطبيقا لمقتضيات م أ ش .
هذا ونشير إلى أنّ المشرّّع التونسي قرّر أنّه في صورة تعدّد المستحقين للنفقة فإنّ الزوجة مقدّمة على الابناء تطبيقا لأحكام الفصل 53 م أ ش، والسؤال الذي يطرح في هذا السياق هو إذا كان للأب أبناء ثبتت بنوتهم على معنى قانون 1998 وأبناء شرعيين فلمن تكون الأفضلية في استحقاق النفقة ؟
في غياب نص تشريعي صريح يفضّ هذا الإشكال يمكن القول أنّه طالما لم يفرّق المشرّع بين الأبناء صلب أحكام الفصلين 43 و 53 م أ ش الّذين يتحدّثان عن الأولاد في المطلق وبالتالي فإنّهم يعاملون على قدم المساواة ولا مجال إذن لإعطاء الأفضلية للطفل الشرعي على حساب الطفل الطبيعي في خصوص النفقة وإنّما يبقى الأمر خاضعا لاجتهاد المحكمة للحكم بالإنفاق على الطفل الأكثر إستحقاقا للنفقة إذا كانت موارد الأب محدودة وذلك حسبما يتوفّر لها من معطيات تتعلّق بوضعه المادّي وحاجاته المعيشية.
وعموما فإنّ تقدير النفقة يخضع لاجتهاد محاكم الموضوع وذلك عملا بمقتضيات الفصل 52 م أ ش الذي إقتضى أنّ :" النفقة تقدّّر بقدر وسع المنفق وحال المنفق عليه وحال الوقت والأسعار." وهي عناصر أساسية تعتمدها المحاكم في نطاق الواضع المادي والاجتماعي المبسوط لديها بأوراق القضية وقد خوّل لها القانون فحص الأدلّة المستند إليها وإستخلاص النتائج القانونية منها ومن الضروري أن تبحث المحكمة عن مدى قدرة الأب على الإنفاق حتى لا يتعذّر إستخلاص مبالغ النفقة المحكوم بها.



الفقرة الثانية : إستخلاص الإبن للنفقة :
الأصل أن يستخلص الأبناء معيّنات النفقة بصفة ودّية وغير مباشرة ولا يقع الإلتجاء إلى التقاضي إذا كان الابن في حضانة الأب المدين بالنفقة ذلك أنّه يتقاضاها بصفة طبيعيّة من خلال سكناه معه بنفس المحلّ والأكل معه وتعهّد الأب بحضانته مع كل ما تقتضيه الحضانة من إلتزامات بالنسبة للأب الحاضن.
ونشير في هذا الصدد أنّ محكمة التعقيب التونسية أكّدت أنّه لا يجوز للأم مطالبة الأب بنفقة الأبناء إذا أسندت له الحضانة بحكم قضائي ولو كانت الأم تمارس الحضانة بصفة فعلية إذ تعتبر أنّ مطالبة الأب بالنفقة في حق الأبناء القصّر هي من مهام الحاضن لأنّه هو الذي يتولّى الإنفاق عليهم مباشرة ومن مصلحته أن تكون مبالغ النفقة تتماشى وحاجيات المحضون. وهو موقف يدفعنا إلى القول أنّه في صورة إسناد الحضانة للأب فلا يمكن للأم أو غيرها مطالبة الأب بالإنفاق على المحضون ويبقى الحق في القيام بهذه الدّعوى من صلاحيات الإبن نفسه الذي له طلب تعيين مقدّم وقتي أو القيام بها أصالة إذا توفّرت فيه الشّروط القانونيّة على أن ذلك لا نعتقد أنّه يمنع الأم من طلب إسقاط حضانة الأب بسبب تقصيره في الإنفاق على المحضون وإهماله له.
ونشير أيضا أنّه وحتى في صورة إسناد الحضانة للأم فإنّه يجوز أن يتّفق الأب والأم على مسألة نفقة الأبناء ما لم يتعارض هذا الاتّفاق مع مصلحة الأبناء وهو الموقف الذي إستقرّ عليه فقه القضاء التونسي.
فإذا لم يقع التوصّل إلى حلّ اتفاقي أو صلحي يقوم بمقتضاه الأب بدفع معينات النفقة من تلقاء نفسه فإنّه لا مناص من اللجوء إلى التقاضي لاستخلاص النفقة فإن تلدّد الأب في دفع ما تخلّد بذمته فقد أجاز القانون اللجوء إلى صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق في صور معيّنة.
أ – إستخلاص النّفقة بالتقاضي : عند إمتناع الأب من دفع نفقة أبنائه بصفة إراديّة فللإبن إذا كانت له أهلية التقاضي أو للأم أو من أسندت له الحضانة القيام في حقّه بدعوى النفقة لدى محكمة الناحية التي لها إختصاص مطلق للحكم في قضايا النفقات تطبيقا لأحكام الفصل 39 م م م ت .
أمّا بالنسبة للإختصاص الترابي فيمكن القيام بالدّعوى لدى المحكمة التي بدائرتها مقر الدائن بالنفقة أو التي بدائرتها مقرّ المطلوب ويخضع ذلك لاختيار القائم بالدعوى تطبيقا لأحكام الفصل 30 أو 36 م م م ت وذلك تسهيلا عليه لإجراءات القيام بالدّعوى وتخفيفا عليه من أعباء التقاضي.
وعموما فإنّ التدخّل القضائي يكفل إلزام الأب بالإنفاق على أبنائه وذلك من خلال الحكم عليه بدفع معينات النفقة التي يخضع تقديرها لاجتهاد المحكمة المختصّة عملا بأحكام الفصلين 50 و 52 م أ ش ويجوز للمحكمة الإذن بالتنفيذ الوقتي لأحكام النفقة بالنظر للصبغة المعاشيّة لهذه الأحكام ولتأكّد حاجة الابن للنّفقة تطـبيقا لأحكام الفصـل 126 م م م ت . كما يجوز للأب المحكوم عليه بالنفقة كما هو الشأن بالنسبة للإبن المدين بالنفقة المطالبة قضائيا بمراجعة حكم النفقة وتعديله بما يتلاءم مع حاجيات الابن المنفق عليه وقدرة المنفق ووسعه في الإنفاق.
وقد أكّدت محكمة التعقيب التونسية على مبدأ قابلية أحكام النفقة للمراجعة تطبيقا لأحكام الفصل 52 م أ ش الذي جاء فيه أنّه :" تقدّر النفقة بقدر وسع المنفق وحال المنفق عليه وحال الوقت والأسعار."
كما جرى عمل المحاكم على قبول مطالب مراجعة أحكام النفقة كلّما تمّ تقديم المطلب إثر ثلاث سنوات من صدور الحكم، غير أنّ هذا الأجل لا يعدّ ملزما بالنسبة للقاضي ويجوز مراجعة حكم النفقة ولو قبل إنقضاء هذا الأجل إذا وجدت أسباب جدية تبرّر المراجعة ويبقى ذلك من مسائل الموضوعية الخاضعة لاجتهاد محاكم الأصل شرط التعليل طبعا.
والملاحظ أنّه بالنسبة للطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 كما هو الشأن بالنسبة للطفل الذي إنفصمت الرابطة الزوجية بين أبويه بطلاق لا يمكن مطالبة الأم بالمساهمة في الإنفاق ذلك أنّ انفصام الرابطة الزوجية أو إنعدامها في حالة الطفل الطبيعي يجعل الأم في حلّ من هذا الواجب لأنّ الفصـل 23 م أ ش الذي حمّلها بهذا الواجب قرنه بقيام الرابطة الزوجية فقد جاء بهذا الفصل في فقرته الأخيرة :" وعلى الزوجة أن تساهم في الإنفاق على الأسرة إن كان لها مال." وعليه فإنّ إنقضاء صفتها كزوجة يعدم إمكانية مطالبتها بالمساهمة في الإنفاق، إلاّ أن ذلك لا يمنع من التأكيد على أنّها مدينة أصلية بالنفقة على أبنائها في صورة إعسار الأب تطبيقا لأحكام الفصل 47 م أ ش .
ومن ناحية أخرى فإنّ صدور حكم يقضي بإلزام الأب بالإنفاق على إبنه قد لا يجدي نفعا إذا أصرّ الأب على عدم الإذعان له.
وقد حاول المشرّع التدخّل لصيانة حق الأبناء في إستخلاص معاليم النفقة فعلاوة على حقهم في اللجوء إلى طرق التنفيذ العادية أي العقل لتتبّع خلاص النفقة فقد جرّم المشرّع عدم الإمتثال لأحكام النفقة وقرّر لهذه الجريمة عقوبات جزائية رغم أنّ الأمر يتعلّق بدين مدني فقد إقتضى الفصل 53 مكرّر م أ ش ما يلي :" كلّ من حكم عليه بالنفقة أو بجراية الطلاق فقضى عمدا شهرا دون دفع ما حكم عليه بإدانته يعاقب بالسجن مدّة تتراوح بين 3 أشهر وعام وبخطية من مائة دينار إلى ألف دينار. والأداء يوقف التتبعات وآثار المحاكمة".
ويستخلص من أحكام هذا الفصل أنّ المشرّع التونسي لا يفرّق لا بين أحكام النفقة ولا بين صفة الدائن بالنفقة وعلى هذا الأساس فإنّه يمكن القول أنّ العقوبة المقرّرة به لا تتعلّق بالأب الشّرعي فحسب في صورة تقاعسه عن دفع معينات النفقة وإنّما تتعلّق أيضا بالأب المدين بالنفقة على معنى قانون 1998 طالما صدر ضدّه حكم بالنفقة بقطع النظر عن طبيعة أبوته. كما أنّ التتبّع الجزائي قد يطال الأم أو الجدّ أيضا في صورة إنتقال واجب أحدهما الإنفاق إذا كان الأب معسـرا عملا بأحكام الفصـل 47 م أ ش.
بقي أن نشير أنّ إدانة الأب من أجل جريمة عدم دفع نفقة محكوم بها يستوجب توفّر الأركان القانونية لهذه الجريمة وذلك بركنها المادّي المتمثل في عدم دفع النفقة صدر في شأنها حكم رغم مرور شهر من تاريخ وجوب الدّفع، يضاف إلى ذلك الركن القصدي إذ تعدّ هذه الجريمة من الجرائم القصدية التي يتعيّن فيها على المحكمة أن تبرز ركن سوء النية وإلاّ أعتبر قضاءها قاصر التسبيب وموجبا للنقض. وهو الموقف الذي تبنّته محكمة التعقيب التي اعتبرت أنّه إذا إنتفى الركن القصدي إنتفت الجريمة من ذلك أنّ وجود قوّة قاهرة حالت دون الخلاص ينزع عن هذا الفعل صفة التجريم ، كالعجز أو الإعسار أو حتى الخطأ الغير متعمّد في إرسال الحوّالة البريدية المضمّن بها مبالغ النفقة وغير ذلك من الأعذار المبرئة.
وقد اعتبرت محكمة التعقيب أيضا أنّ الأب المدين بالنفقة بإمكانه التفصّي من العقاب إذا أثبت أنّه معسر فقد جاء بأحد القرارات التعقيبية ما يلي :" إنّ جريمة إهمال عيال توجب العقاب طبق الأمر المؤرّخ في 13 سبتمبر 1928 لكن الاعتذار بعسر الزوج يكون عذرا يبرئ المتهم من العقوبة. وإذا أدلى المتهم بشهادة تفيد عسره وجب على المحكمة إعتبار هذه الشهادة ما لم يقع ردّها بأمور يشملها الملف".
والملاحظ أنّ المشرّع التونسي بموجب تنقيح 12 جويلية 1993 لم أ ش أدخل على الفصل 53 مكرّر من هذه المجلة نظرية إيقاف التتبعات أو المحاكمة أو تنفيذ العقاب في صورة أداء دين النفقة، وذلك حفاظا منه على الرّوابط العائلية وتكريس الصّفح والتسامح بين أفراد الأسرة ولمزيد تشجيع المدين بالنفقة على الخلاص حتى يتفصّى من التتبّعات.
وخلاصة القول أنّ الطفل الطبيعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 على غرار الطفل الشرعي أصبح بموجب القانون المذكور على حقه في المطالبة قضائيا بإلزام الأب بالإنفاق عليه مع تمتّعه تبعا لذلك بضمانات إستخلاص معينات النفقة من تتبّع مكاسب الأب المدين بالنفقة في صورة تقاعسه عن الأداء وملاحقته جزائيا من أجل جريمة عدم دفع نفقة محكوم بها عملا بأحكام الفصل 53 مكرّر م أ ش لكن تبقى إمكانية تمتّع هذا الطفل بخدمات صندوق ضمان النفقة وجرايات الطلاق محلّ نقاش.
ب – إستخلاص النفقة من صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق :
لقد أحدث المشرّع التونسي بمقتضى القانون المؤرّخ في 12 جويلية 1993 صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق والذي تمّ إقراره بقانون 5 جويلية 1993 والمنظم بأمر 9 أوت 1993 .
وقد أناط المشرّع بعهدة هذا الصندوق مهمّة الحلول محلّ المدين بالنفقة أو بالجراية المحكوم بها إذا تلدّد في الوفاء بما عليه وذلك بغرض توفير ضمانات إضافية للأم والأبناء في إستخلاص أموال النفقة أو الجراية.
فقد نصّ الفصل 53 مكرّر م أ ش في فقرته الأخيرة على ما يلي:" يتولّى صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق دفع مبالغ النفقة أو جراية الطلاق الصادرة بها أحكام باتة تعذّر تنفيذها لفائدة المطلقات وأولادهن من المحكوم عليه بسبب تكرّره وذلك وفقا للشروط المنصوص عليها بالقانون المحدث للصندوق .
ويحلّ هذا الأخير محلّ المحكوم لهم في إستخلاص المبالغ التي دفعها."
وقد عهد المشرّع التونسي إلى الصندوق القومي للضمان الاجتماعي للتصرّف في صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق، وحدّد وظيفته الأساسية في دفع معاليم النفقة أو الجراية لمن حكم له بها بعد أن توفّرت فيه الشروط القانونية.
والملاحظ أنّ المشرّع قد خصّ المطلقات وأبنائهن فحسب بالتمتّع بخدمات الصندوق فقد إقتضى الفصل الثاني من القانون المتعلّق بإحداثه أنّه :" يمكن للمطلقات وأولادهن الصادرة لفائدتهم أحكام باتة متعلّقة بالنفقة وبجراية الطلاق أن يتقدّموا لصندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق بمطلب للحصول على المبالغ المستحقة. ويثبت تلدّد المدين إذا تعلّقت به قضية إهمال عيال طبقا لمقتضيات الفصل 53 مكرّر من م أ ش.
ويتولّى الصندوق صرف مبالغ النفقة أو الجراية لمستحقيها مشاهرة في أجل لا يتجاوز الخمسة عشر يوما من تاريخ تقديم المطلب المستوفي للشروط القانونية ."
كما عدّد الفصل الأوّل من الأمر عدد 1655 لسنة 1993 المؤرّخ في 19 أوت 1993 والمتعلّق بإجراءات تدخّل الصّندوق نفس الأشخاص المذكورين كمنتفعين بتدخّل هذا الصّندوق وهم الأشخاص المحدّدين أيضا بالفصل 53 مكرّر م أ ش.
فمن خلال الأحكام القانونية المذكورة- إضافة إلى ما جرى عليه عمل الصندوق القومي للضمان الاجتماعي- فإنّه يتبيّن جليا أنّ موقف المشرّع واضح في إعتبار أنّ المستفيدين من خدمات صندوق ضمان النفقة هم المطلقات وأبنائهن فحسب وهو ما يدفعنا إلى إقصاء الطفل الشرعي إذا حكم لفائدته بالنفقة حال أنّ الرابطة الزوجية بين أبويه لم تنفصم بعد. وهنا يطرح التساؤل حول إمكانية إنتفاع الأطفال الذين ثبتت بنوتهم على معنى قانون 1998 بخدمات هذا الصندوق وذلك قياسا على أبناء المطلقات باعتبار أنّ هؤلاء الأطفال يقاسمونهم نفس الوضعية تقريبا نظرا وأنّ الأب في كلا الحالتين موجود ولكنّه منفصل عن الأم ويعيش الإبن مع أحد الأبوين فحسب ؟
إنّ الإجابة عن هذا التساؤل لا تكون إلاّ بالنفي لعدّة إعتبارات . فمن جهة لا يمكن إعتماد القياس في هذه الحالة نظرا وأنّ المشرّع كان صريحا في بيان المستفيدين من خدمات الصندوق وحصره على المطلقات وأبنائهن فحسب وقد إقتضى الفصل 532 م إ ع أنّ:" نصّ القانون لا يحتمل إلاّ المعنى الذي تقتضيه عبارته بحسب وضع اللغة وعرف الاستعمال ومراد واضع القانون ." ولمّا كانت عبارة الفصل 53 م أ ش والقانون المتعلّق بإحداث صندوق ضمان النفقة صريحا وواضحا فلا مجال إذن لتأويله أو التوسّع في أحكامه.
ومن جهة أخرى نشير إلى أنّه عندما طرح النقاش حول قائمة المستفيدين من خدمات الصندوق أثناء التصويت على مشروع القانون أجابت وزارة الشؤون الاجتماعية على تساؤلات النوّاب إجابة واضحة ومعلّلة في التأكيد على أنّه يقتصر مجال تطبيق النصّ على النّساء المطلقات وأولادهن الصادرة لفائدتهم أحكام باتة بالنفقة أو بجراية الطلاق. وقد علّلت الوزارة هذا الموقف بأن الهدف من إحداث هذا الصندوق هو ضمان موارد العيش وحفظ كرامة المطلقات وأولادهنّ من الخصاصة والمهانة مؤكّدة على أنّ التوسيع في مجال تدخّل الصندوق من شأنه إثقال كاهله ماديا وهو ما يتطلّب موارد مالية إضافية.
غير أنّه وبالنظر إلى رغبة المشرّع إلى تعزيز حقوق الطفل وتحسين وضعيته الاجتماعية والمادية خصوصا الأطفال الذين يعيشون وضعية إجتماعية خاصّة من ذلك الأطفال المهملين ومجهولي النسب الذين أسند لهم لقب عائلي بموجب قانون 1998 فإنّه من المتجه تدعيم ما حقّقته هاته الشريعة من الأطفال من مكاسب وذلك بإدراجهم ضمن قائمة المستفيدين بخدمات صندوق ضمان النفقة طالما أنّ الغاية من إحداث هذا الصندوق هي إجتماعية بالأساس وبالتالي فإنّه من الضروري أن يتّخذ المشرّع الإجراءات الكفيلة باستخلاص هؤلاء الأطفال للنفقة المحكوم لهم بها ،لا من خلال تجريم عدم دفع النفقة فحسب وإنّما أيضا بوضع الآليات القانونية التي تخوّل لصندوق الضمان مال النفقة الحلول محلّ المدين بالأداء وتحميله واجبا إحتياطيا في الإنفاق.
وهو المبدأ الذي أكّدت عليه إتفاقية حقوق الطفل التي إعتبرت أنّ إحداث صندوق لضمان النفقة يحتّمه الواجب المحمول على الدولة بصفتها مدينا إحتياطيا في أداء أموال النفقة فقد نصّ الفصل الرابع من هذه الاتفاقية على ما يلي :" تتخذ الدول الأطراف كل التدابير التشريعية والإدارية وغيرها من التدابير الملائمة لإعمال الحقوق المعترف بها في هذه الاتفاقية. وفيما يتعلّق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تتخذ الدول الأطراف هذه التدابير إلى أقصى حدود مواردها المتاحة."
كما أكّدت الاتفاقية على هذا الواجب بالفصل 27 منها الذي نصّ على أنّه :" تتخذ الدول الأطراف كل التدابير المناسبة لكفالة تحصيل نفقة الطفل." والملاحظ من أحكام إتفاقية حقوق الطفل أنّها تحمّل الدولة واجب إتخاذ التدابير المناسبة ليتحصل الأطفال على النفقة دون تمييز بينهم بسبب طبيعة البنوة وعلى هذا الأساس فإنّ صندوق ضمان النفقة يجب أن يتدخل لفائدة جميع الأطفال أيا كانت طبيعة بنوتهم طالما توفرت فيهم الشروط القانونية لتدخّل هذا الصندوق ، وهو الموقف الذي إتّخذه المشرّع الفرنسي عندما أحدث صندوق المنح العائلية بموجب القانون المؤرّخ في 22 ديسمبر 1984.
ومهما يكن من أمر فإنّه يمكن القول أنّ حق الطفل في النفقة أصبح من الحقوق التي يكرّسها القانون التونسي ويحميها لجميع الأطفال سواء للأبناء الشرعيين أو للأبناء بالتبني أو كذلك للأبناء الذين ثبتت بنوتهم على معنى قانون 1998 غير أنّ الحق في الميراث لا يبدو أنّه يشمل هاته الشريحة من الأبناء في ظل الوضع الراهن للقانون التونسي.

المبحث الثاني : الحق في الميراث وتكريس أفضليّة الإبن الشّرعي :
تقتضي أحكام المواريث أن ينتقل ما خلّف المورّث من الأموال بعد موته إلى من يثبت له إستحقاقها.
وتعدّ القرابة في القانون التونسي أحد أسباب الميراث على أنّ القرابة المعتبرة،هي أساسا القرابة النسبيّة أي الرابطة التي ترتكز على النسب القائم بين الوارث والمورث وهي السبب الرئيسي للميراث.
أمّا الزنا فيعتبر مانعا من موانع الإرث في التشريع التونسي فابن الزنا نسبه مقطوع من أبيه فلا يرثه تماشيا ومقتضيات الشريعة الإسلامية إلاّ أنّ هذا الحرمان لا ينسحب على علاقة ابن الزنا بأمّه ذلك أنّ الفصل 152 م أ ش إقتضى ما يلي :" يرث ولد الزنا من الأم وقرابتها وترثه الأم وقرابتها".
فموقف المشرّع التونسي في م أ ش واضح وصريح في حرمان الأطفال الغير شرعيين من الحق في ميراث الأب وجعل هذا الحق من علائق الطفل الشرعي المولود في إطار العائلة الشرعية فحسب.
ومع دخول قانون 28 أكتوبر 1998 حيّز النفاذ أصبح ممن الممكن للطفل المولود خارج إطار الفراش إثبات بنوته بما يجعل رابطة القرابة الدموية بينه وبين أبيه قائمة إذ يصبح تبعا لذلك أحدهما إبنا والآخر أبا وأصبح بالتالي التساؤل حول مدى أحقية هذا الابن لميراث أبيه مشروعا ما دام الميراث أثرا مباشرا لثبوت البنوّة ؟
تتّجه الإشارة في هذا الصدد أنّ المشرّع قد تغافل عن ذكر الإرث كأثر من آثار ثبوت البنوة في قانون 1998 خلافا لبقيّة الآثار الأخرى التي تترتّب عن ثبوت الرابطة الدموية بين الإبن وأبيه لكن هذا الصّمت التشريعي لا يمنعنا من الجزم أنّ المشرّع قد إتّجه نحو إقصاء هذا الابن من الحق في الميراث رغم تباين المواقف الفقهية حول أحقيّته في الميراث من عدم ذلك .
الفقرة الأولى : إقصاء الطفل الطبيعي من حقه في الميراث :
رغم أنّه لا جدال أنّ قانون 1998 يخوّل للأطفال الغير شرعيين إثبات بنوتهم بالإعتماد على وسائل الإثبات المبيّنة بهذا القانون ويخوّل لمن ثبتت بنوته الحقّ في حمل لقب أبيه مع ما يتبع ذلك من نفقة ورعاية ومسؤولية الآباء إلاّ أنّ هذا الإبن يبقى مع ذلك محروما من الحق في ميراث أبيه وهو حلّ له أسس قانونية وأخرى شرعية ما دامت الشريعة الإسلامية تعدّ مصدرا ماديّا لم أ ش.
أ – الأسس التشريعية : إنّه بقراءة قانون 28 أكتوبر 1998 يتضح أنّ المشرّع التونسي لم يتخذ موقفا صريحا وواضحا حول مدى إستحقاق الأطفال الذين ثبتت بنوتهم لميراث الأب من عدم ذلك غير أنّ هذا الصمت التشريعي على حق هؤلاء الأطفال الطبيعيين في الميراث لا يمكن تأويلهم في إتجاه توريثهم وذلك لعدّة إعتبارات:
فمن ناحية أولى يتجه التذكير أنّ قانون 1998 هو قانون خاص بالنظر إلى م أ ش التي تعتبر الشريعة العامّة في أحكام العائلة والمواريث وبالتالي فإنّ ما نصّ عليه هذا القانون صراحة أعتمد وما سكت عنه إستبعد وهو ما يدفعنا إلى القول أنّ المشرّع لو أراد توريث هؤلاء الأطفال لنصّ على ذلك صراحة كما نصّ على بقية الآثار المترتبة عن ثبوت البنوة على غرار إسناد اللقب العائلي والنفقة والرعاية ومسؤولية الآباء.
هذا إضافة إلى أنّ الفصل 152 م أ ش الذي إستبعد إبن الزنا من الإرث في والده وجعله لا يرث إلاّ أمّه وقرابتها لا يزال قائما ولا يمكن القول أنّ قانون 1998 قد قام بنسخه لأنّ نسخ القوانين يفترض توفّر الشروط المبيّنة بالفصل 542 م إ ع والذي إقتضى صراحة أنّه:" لا تنسخ القوانين إلاّ بقوانين بعدها إذا نصّت المتأخرة على ذلك نصاّ صريحا أو كانت منافية لها أو إستوعبت جميع فصولها." وهي شروط لا يبدو أنّها متوفّرة في قانون 1998.
ومن ناحية أخرى فإنّه وبالرجوع إلى الأعمال التحضيرية لقانون 1998 يمكن الجزم أنّ إرادة المشرّع إتّجهت إلى عدم توريث الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى هذا القانون ويتجلّى ذلك من خلال إجابة الوزارة على تساؤلات النواب بخصوص مآل حق الطفل المهمل ومجهول النسب في الميراث في غياب التنصيص على ذلك صراحة بمشروع القانون ؟ وقد أجابت عن ذلك الوزارة بالقول أنّ:" الوزارة تلاحظ كما سبق بيانه في شرح الأسباب أن الهدف من مشروع القانون هو حماية الطفل الغير الشرعي قانونا حتى لا يتنصّل الأب من فعلته ويتولّى استبعاد القيام بواجبه كأب ولم يكن هدف المشروع تغيير المبادئ الأساسية للأحوال الشخصية التونسية التي بات واجب إحترامها مكرّسا بالدستور." وأضافت أنّ:" الإرث موجود في إستثناء الفصول ويدخل فيها أنّه لا يتمتع بالإرث."
وإضافة إلى ذلك تتجه الإشارة أنّه ولئن كان إقصاء الابن الطبيعي من الحق في ميراث الأب يشكّل خرقا لمبدأ المساواة بين الأطفال وعدم التفرقة بينهم بسبب طبيعة البنوة تطبيقا لأحكام الفصل الثاني من إتفاقية حقوق الطفل فإنّ المشرّع التونسي قد تقدّم باحتراز على أحكام الفصل المذكور إعتبارا وأنّه لا يتلاءم وأحكام الأحوال الشخصية المتعلّقة أساسا بالزواج وأحكام المواريث.
من جهته إستقرّ فقه القضاء التونسي على إعتبار الزّنا أحد موانع الإرث واتجه إلى حرمان الأطفال الطبيعيين من الحق في الميراث.
ونخلص من كلّ ذلك إلى القول أنّ إرادة المشرّع إتّجهت إلى عدم توريث الابن غير الشرعي من أبيه ولو ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 وذلك تماشيا مع أحكام الفصل 152 م أ ش الذي إعتبر الزّنا مانعا من موانع الإرث وهو ما يعبّر عن إنتهاج المشرّع لنظام عدم المساواة بين الابن الطبيعي والإبن الشرعي لا من حيث وسائل الإثبات فحسب وإنّما من حيث الحقوق وذلك تكريسا منه لأفضلية النسب الشرعي القائم على مؤسسة الزواج وعلى الروابط الأسرية المنظمة وهو إتّجاه يستمد جذوره من أحكام الشريعة الإسلامية التي لا تعترف أيضا بحقّ أبناء الزنا في الميراث.
ب – الأسس الشّرعية : غني عن البيان أنّ الطفل المولود من علاقة غير شرعية يعتبر في الفقه الإسلامي إبن سفاح ونسبه مقطوع من صاحب الماء الذي تسبب في وجوده ما لم يستلحقه إستلحاقا يجيزه الشّرع.
وقد أجمع الائمة والفقهاء على أنّه لا توارث بين ولد الزنا ومن تسبّب في حمل أمّه لانقطاع النسب بينهما الذي هو سبب الإرث. ويؤكّد فقهاء الشريعة أنّه لا يمكن لجريمة الزنا أن تكون سببا للتمتّع بنعمة النسب ومن ثمّ للتوارث بين الزّاني وإبن الزنا .
وقد جرى الفقه على اعتبار إبن الزّنا ملحقا بأمّه وقرابتها لما رواه البخاري وأبو داود أنّ الرسول صلى الله عليه وسلّم جعل ميراث إبن الزّنا لأمّه ولورثتها من بعدها. فإذا مات مجهول النسب فلأمه ولإخوته للأم وجدّته للأم الحق في الإرث فيه بالفرض والباقي بالردّ أن لم يكن له ولد من ذكر أو أنثى وله في المقابل الحق في إرث أمّه واخوته للأم وقرابة الرحم من الأم كما نصّت عليها الشريعة وذلك كما لو كان إبنا شرعيا.
ويلحق بابن الزّنا في هذه الأحكام ولد اللّعان والفرق بينهما هو أن ابن الزنا جاء من سفاح وولد اللعان ولد على فراش الزوجية وأنكره الزوج فإذا تمّ اللعان كان حكمه حكم ولد الزنا في إنقطاع النّسب وعدم التوارث ووجوب التفريق بين الزوجين وتتأبّد الحرمة بينهما غير أنّه إذا إستلحقه الملاعن لحق به وترتبت حقوق الأبوّة والبنوة والواجبات، وثبت التوارث بينهما .
ولمّا كانت الشّريعة الإسلاميّة مصدرا ماديّا لم أ ش فلا يخفى مالها من تأثير على أحكام المجلة خصوصا فيما يتعلّق بإثبات النسب وبأحكام المواريث المستمدّة أساسا من أحكام القرآن والسنة واجتهاد الصحابة والتابعين. لذلك فقد أكّد المشرّع التونسي على إقصاء الأطفال الغير شرعيين من الحق في ميراث الأب بالفصلين 150 و 152 م أ ش استئناسا بحديث الرسول السالف ذكره وبما أجمع عليه فقهاء الشريعة .
ولا جدال أنّ الإبن الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 هو إبن زنا باعتباره مولودا من علاقة غير شرعية لا تستند إلى عقد زواج صحيح أو باطل ولو كان إبنا شرعيا لقام بدعوى في ثبوت نسب لا في إسناد لقب عائلي أو لاستلحقه الأب المزعوم إستلحاقا يجيزه القانون. هذا كما أنّ قانون 28 أكتوبر 1998 إذ خوّل لهذا الطفل إثبات بنوته وإكتساب الحقوق المقررة به فان ذلك لا يعني توريثه لأنّ في ذلك تعارض مع أحكام م أ ش ومع مقتضيات الشريعة الإسلامية كما سلف بسطه.
إلاّ أنّ هذا الإتجاه الذي يقضي بإقصاء الأطفال الذي ثبتت بنوتهم على معنى قانون 1998 من الحق في ميراث الأب على وجاهته من النّاحية القانونية لا يلقى إجماعا كبيرا لدى شرّاح القانون في تونس.

الفقرة الثانية : المواقف الفقهية من أحقيّة الطّفل الطّبيعي في الميراث :
لقد تباينت المواقف الفقهية في تونس حول مدى إستحقاق الطفل الطبيعي في الميراث. فذهب البعض إلى القول بأنّ ثبوت البنوة في قانون 1998 يجعل علاقة القرابة كسبب للميراث قائمة وهو ما يجعل الابن مستحقا للإرث من أبيه بينما يرى البعض الآخر أنّ الحق في الميراث إنّما هو حق للابن الشرعي فحسب وذهب إتجاه ثالث إلى القول أنّ الطفل الطبيعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 ليس له الحق في الميراث في الوقت الرّاهن على أنّ هذا الوضع مرحلي وأنّ المشرّع متّجه تحو تكريس هذا الحق في المستقبل.
أ – الموقف الفقهي المؤيّد لحق الطفل الطبيعي في الميراث : يرى الأستاذ على المزغني إنّ سكوت المشرّع عن حق الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 في الميراث لا يمنعنا من الإعتراف له بهذا الحقّ ذلك أنّ الحق في الميراث إنّما هو اثر مباشر لثبوت البنوة وبالتّالي فهو يعتبر أنّه لسنا في حاجة لنصّ يعترف صراحة لهذا الطفل بحقه في الإرث لأنّ الإعتراف له بجواز إثبات بنوته يشكّل في حدّ ذاته إعترافا بحقّه في الإرث.
هذا فضلا على أنّه ليس من العدالة والإنصاف في شيء أن يحرم هذا الإبن من الحقّ في الميراث بسبب خطيئة لم يكن طرفا فيها وإنّما كان ثمرة لها، وليس من المستساغ المحافظة على التفرقة بين الإبن الشرعي والإبن الطبيعي الذي لا يمكن أن ينسب له أيّ خطأ يبرّر هذه التمييز. ومن غير المنطقي أيضا أن يخوّل المشرّع للإبن بالتبنّي الحقّ في الميراث حال أنّه لا تجمعه رابطة دمويّة حقيقيّة بالأب المتبنّي ويحرم الإبن الطبيعي رغم ثبوت العلاقة البيولوجيّة بينه وبين أبيه.
غير أنّ هذا الرأي ليست له أسس قانونية ثابتة ذلك أنّه وكـما أسلفنا القول فإنّ ثبوت النسـب وحده هوّ الذي يعدّ سببا من أسباب الميراث إعتبارا إلى أنّ القرابة كسبب للميراث في القانون التونسي هي القرابة النسبيّة أي القائمة على رابطة النّسب الشّرعي فحسب في حين أنّ ثبوت البنوة الغير شرعية في قانون 1998 لا يعني ثبوت النسب إذ النسب كما سلف وأن أشرنا إنّما هو علاقة شرعية بين الطفل وأبيه قبل أن تكون علاقة قرابة دموية.
ومن جهة أخرى فإنّه وخلافا لما ذهب إليه علي المزغني فإنّ سكوت المشرّع لا يمكن تأويله في إتّجاه أحقيّة هذا الطفل للميراث ضرورة أنّ ما خوّله قانون 1998 من حقوق لمن ثبتت بنوته هي حقوق معدّدة حصرا ولا يمكن التوسّع فيها لتشمل الإرث الذي يبقى خاضعا من حيث شروطه وأسـباب إستحقاقه لم أ ش وهذا الحلّ واضح بالنظر لما جاء في شرح الأسباب وفي الأعمال التحضيرية لقانون 28 أكتوبر 1998 .
ثمّ إنّ هذا القانون يعدّ قانونا خاصّا بالنسبة لأحكام م أ ش التي تعتبر الشريعة العامّة في مادّة النّسب والميراث ولا يمكن تبعا لذلك التوسع في أحكامه ولا إقرار حقوق للمعنيين به لم يرد نصّ صريح من المشرّع.
وصفوة القول أنّ دعوى إسناد اللّقب العائلي التي جاء بها قانون 28 أكتوبر 1998 ولئن خوّلت للأطفال الغير شرعيين إثبات بنوتهم تجاه الأب إلاّ أنّ آثارها تقتصر على الحقوق المبينة حصرا بهذا القانون خلافا لثبوت النسب أو كذلك لصدور حكم بالتبنّي الذي يرتّب للابن جميع الحقوق التي أقرّها القانون لفائدته تجاه الأب بما في ذلك الارث لذا فإنّ الموقف الرافض لحق الابن الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 يبدو أكثر وجاهة على الأقلّ من الناحية القانونية.
ب – الموقف الفقهي الرّافض لحق الطفل الطبيعي في الميراث : يرى حافظ بوعصيدة أنّ سكوت المشرّع في قانون 1998 عن حقّ الطفل المهمل ومجهول النسب في الميراث لا يمكن أن يؤوّل إلاّ في إتجاه نفي هذا الحق عن هذا الطفل ما دام المشرّع لم ينصّ على ذلك صراحة وإنّما يبقى هذا الطفل خاضعا لأحكام الفصل 152 م أ ش الذي جعل إبن الزنا لا يرث إلاّ أمّه وقرابتها.
ومن جهته يرى ناجح بن عائشة والطيب العبيدي أنّ إستعمال المشرّع للفظة إسناد لقب عائلي وتجنّب كلمة إثبات نسب الهدف منه عدم الوقوع عند النظر في حقوق من إنتفع بإسناد اللّقب في تعارض مع ما يقتضيه النسب من تمتّع بالحقوق جميعها من ذلك الحق في الميراث.
فالمشرّع عندما إستعمل مصطلح إسناد لقب ومصطلح إثبات أبوّة في قانون 1998 كان يؤكّد على الوضعيّة الخاصّة بهذه الشّريحة من الأطفال ولم يكن يعني إدخالها في زمرة الأطفال الشرعيين أو جعلهم ينتفعون بأكثر مما خوّل لهم من الحقوق تتعلّق خاصّة بالرعاية ونتائجها والمسؤولية المحمولة على المحكوم بأبوتهم لهم دون الميراث الذي يعتبر من الحقوق المقصورة على الأطفال الشرعيين والمولودين داخل إطار العائلة المنظّمة والمعترف بها كخلية إجتماعية تتكوّن من علاقات شرعية.
والواضح أنّ هذا الموقف الفقهي يستمدّ جذوره من مقتضيات الشريعة الإسلامية التي تقصي الأطفال الغير شرعيين من حقّهم في الميراث لانقطاع نسبهم من جهة الأب ولو كان الأب معروفا أو من الممكن معرفته كما هو الشأن بالنسبة للطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 .
وفي المقابل فإنّ هذا الموقف ولئن كان وجيها من الناحية القانونية لاحترامه مقتضيات م أ ش وقانون 1998 ولإرادة المشرّع كيفما تبرز من خلال الأعمال التحضيرية لمشروع القانون المذكور وللإحتراز الذي كان قد تقدّم به على أحكام الفصل الثاني من اتفاقية حقوق الطفل، إلاّ أنّه من شأنه أن يخلق نوعا من التّفرقة بسبب طبيعة البنوّة بين طفلين لهما نفس الأب ويحملان نفس اللّقب العائلي وتحمّل الأب نحوهما نفس الإلتزامات من نفقة وحضانة وولاية ومسؤولية عن أفعالهم بيد أنّ أحدهما له الحق في الميراث والآخر ممنوع من الإرث. وكأنّ المشرّع قد سوّى بينهما في أهمّ الحقوق المترتّبة عن ثبوت البنوّة وفرّق بينهما في الحق في الميراث الذي بقي خاضعا لأحكام الشريعة الإسلامية ولم تكن للمشرّع الجرأة الكافية لتجاوزها. فضلا على أنّه يؤدّي إلى إعتبار وضعية الابن بالتبنّي أفضل من وضعية الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 إذ يكتسب الإبن بالتبنّي بمجرّد صدور الحكم النهائي بالتبنّي جميع الحقوق المخوّلة للطفل الشرّعي دون إستثناء بما في ذلك الحق في الميراث رغم أنّ هذا الطفل لا تجمعه بالأب سوى الرابطة القانونية دون الرابطة الدمويّة.
لذلك يعتقد البعض أنّ وضعية الأطفال الذين ثبتت بنوتهم على معنى قانون 1998 لن تبقى على حالها وإنّما هذا القانون ليس إلاّ عملا مرحليا في إتّجاه تسوية نهائية لوضعية الأطفال الطبيعيين قد تكرّس فعليّا حقّهم في الميراث.
ج – الموقف الفقهي القائل بمرحلية إقصاء الطفل الطبيعي من الميراث :
جاء في ردّ الوزارة على تساؤلات النواب أثناء المداولات حول قانون 28 أكتوبر 1998 وذلك بخصوص إقصاء الطفل الذي ثبتت بنوته على معنى هذا القانون من الميراث ما يلي:" السؤال القائل لماذا يحرم الإبن من الإرث ؟ أعيد السؤال لماذا لا يتمتّع كذلك بالإرث ؟ فهو كان محروما من كلّ شيء حتّى من إمكانية النموّ بصفة طبيعية بكافة ملكاته العقلية والعضوية … فقلنا علينا أن نتوخّى دائما المرحليّة … كان لنا طفل غير معترف به يعني مقضي عليه من طرف المجتمع فأصبح له الحق في إسم ولقب وتبعا لذلك فإن الأب سينفق عليه … إذن أين كنّا وأين أصبحنا ." وأضافت ما يلي :" لم أقل إنّه ليس له الحق بل قلت إنّ الموضوع مرحلي يعني تسير بالمرحلة ونفكّر مع الاحتياط "
فالملاحظ من خلال هذه الردود على تساؤلات النواب أنّه ولئن يستشفّ منها التأكيد على إقصاء الأبناء الغير شرعيين من الميراث رغم ثبوت بنوتهم طبق أحكام قانون 1998 إلاّ أنّ الوزارة تؤكّد أنّ هذا الإقصاء ليس إلاّ إجراء مرحليا ووقتيا بحيث يشكّل هذا القانون مرحلة أولى اعترف فيها المشرّع بحق هؤلاء الأبناء في إثبات البنوة وفي إكتساب اللّقب العائلي الأبوي وتبعا لذلك النفقة والرّعاية والمسؤولية الأبويّة على أن تعقبها مراحل أخرى إلى حين الوصول إلى تحقيق مساواة فعلية بين الأبناء الطبيعيين والأبناء الشرعيين على غرار التشاريع الغربية ومن ثمّ الإعتراف لهم بالحق في الميراث.
وأبرز مثال على ذلك التّشريع الفرنسي الذي شهد مراحل عديدة قبل الوصول إلى تحقيق هذه المساواة على صعيد الحقوق دون وسائل الإثبات طبعا. فقد تدرّج في تحسين وضعية الطفل الطبيعي من خلال التنقيحات المتعاقبة التي أدخلها على المجلة المدنية لسنة 1804 .
ففي مرحلة إعترف المشرّع الفرنسي بحق الطفل الطبيعي البسيط في البحث القضائي عن الأبوّة بموجب قانون 16 نوفمبر 1912 "Action en recherche de parenté" ثمّ وبموجب القانون المؤرّخ في 15 جويلية 1955 إعترف لهم بالحق في مطالبة الأب بالنفقة.
وفي مرحلة ثانية وضع المشرّع الفرنسي مبدأ حرية إثبات البنوة سواء كانت طبيعية بسيطة أو بنوة زنا أو بنوة قرابى بموجب قانون 3 جانفي 1972 وأخيرا وبموجب القانون المؤرّخ في 8 جانفي 1993 أقرّ المشرّع الفرنسي المساواة بين الطفل الطبيعي والطفل الشرعي على مستوى آثار البنوة فقد نصّ بالفصل 334 م م ف على أنّ :" الطّفل الطبيعي يتمتّع بصفة عامّة بجميع الحقوق وله نفس الالتزامات التي للطفل الشرعي في علاقاته بأبيه وأمّه.
ويدخل في عائلة أبيه وأمّه."
كما أنّ سياسة المرحلية في الاعتراف بحقوق الطفل الطبيعي تجاه أبيه عرفتها عديد التشاريع الغربية المقارنة كالتشريع الألماني والإيطالي والسويسري.
ويرى ساسي بن حليمة أنّ المشرّع التونسي لو أراد توريث الطفل الطبيعي لنصّ على ذلك صراحة بقانون 1998 حتى يمنع تطبيق الفصل 152 م أ ش وأضاف أنّه لا وجود لأي مبرّرات لهذه التفرقة بين الطفل الشرعي والطفل الطبيعي غير أنّ معطيات التطوّر التشريعي في عديد البلدان تؤكّد أنّ الطفل الطبيعي لم يكتسب نفس حقوق الطفل الشرعي إلاّ بصفة تدريجية كما هو الحال في التشريع الفرنسي.
بيد أنّه ما تتّجه ملاحظته في هذا السياق أنّه حتى بالنسبة للمشرّع الفرنسي الذي أقرّ المساواة بين الطفل الشرعي والطفل الطبيعي فيما يتعلّق بالحق في الميراث إلاّ أنّه أورد عديد الإستثناءات لهذا المبدأ من ذلك أنّ إبن الزنا لا يستحقّ سوى النّصف من المناب الذي يستحقّه الطفل الشرعي الذي يرث معه.. لذلك وحتّى وإن ساندنا الرّأي القائل أنّ قانون 1998 ليس إلاّ قانونا ظرفيّا ستعقبه قوانين أو تنقيحات أخرى في إتّجاه توريث الأبناء الطبيعيين فإنّه من الصّعب القبول بالرّأي القائل بأنّ المشرّع سيكرّس مساواة فعليّة بين الطّفل الشرعي والطّفل الطبيعي وذلك لعدّة إعتبارات تمليها الجذور الثقافيّة والفكريّة إضافة للمعطيات العائليّة و الإجتماعيّة .
من جهة أخرى فإنّه ولئن كان تحقيق هذه المساواة ينسجم إلى حدّ ما مع التشاريع الغربية والإتفاقيّات الدّولية المتعلّقة بحقوق الطفل فإنّه يتنافى كليّا مع أحكام الشّريعة الإسلامية وما أجمع عليه الفقهاء المسلمون المحافظين منهم وحتى المستحدثين على إقصاء إبن الزنا من الحق في الميراث.
ولا يبدو أنّ ذلك يشكّل إحتقارا وتهميشا لهاته الشريحة من الأطفال وإستنقاصا لحقوقهم بقدر ما يمثل تشجيعا على الزواج وعلى العلاقات الأسرية المنظّمة وتكريسا لأفضلية الإبن الشرعي، بينما القول بضرورة تكريس مساواة تامّة بين هذين النوعين من البنوّة من شأنه التشجيع على العلاقات الحرّة وتهميش مؤسسة الزواج والعائلة الشرعيّة، لكن كلّ ذلك لا يمنع من التأكيد على وجاهة تحميل الأب لمسؤولياته تجاه أبناء صلبه ثمرة سفاحه كما هو مقرّر في قانون 1998 في الحدود التي لا تتعارض مع م أ ش ومقتضيات الشريعة الاسلامية .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:35 am

خاتمة القسم الثاني :
في خاتمة هذا القسم ومن خلال إجراء المقاربة القانونيّة بين الآثار المترتّبة عن ثبوت النسب الشرعي والآثار المترتبة عن ثبوت البنوة الطبيعيّة في قانون 1998 تتجه سياقة بعض الملاحظات.
فأوّل ما يمكن ملاحظته هو أنّ ما يكتسبه الإبن الطبيعي الذي ثبتت بنوته على معنى قانون 1998 من حقوق لا تضاهي الحقوق المخوّلة للابن الشرعي لأنّ المشرّع حدّدها حصرا ولا يمكن التوسّع فيها ولا تمتيعه بحقوق أخرى سكت عنها نصّ القانون، في المقابل يخوّل ثبوت النسب للابن الشرعي -كذلك الشأن بالنسبة لصدور حكم في التبنّي- التمتّع بحقوق الابن جميعها ولو أنّ المشرّع لم ينصّ على ذلك صراحة ولم يلمّ بجميع هذه الحقوق في نص قانوني واحد مثلما هو الشأن في قانون 1998. لذلك فإنّ مصلحة الطفل تقتضي أن يثبت نسبه تجاه أبيه أو أن يقوم هذا الأب بتبنّيه أكثر من أن تثبت بنوّته الطبيعيّة منه على معنى القانون المذكور .
ومن جهة أخرى يلاحظ أنّه خلافا لثبوت البنوة في قانون 1998 التي تقتصر آثارها على تمتيع الابن بحقوق تجاه أبيه فحسب فإنّ ثبوت النسب ينشأ عنه حقوق والتزامات متبادلة ليس بين الإبن وأبيه فحسب بل بين الابن وقرابته للأب أيضا وهي الحلقة المفقودة في قانون 1998 الذي يقتصر على ربط الصلة بين الابن والأب فحسب ويكتفي بتمتيع الابن بحقوق دون تحميله بالتزامات.
هذا ونشير أنّ إنعدام الإطار العائلي والعلاقات الأسريّة المنظمة قد تخلق نوعا من التفرقة والتمييز بين الابن الشرعي والابن الطبيعي على مستوى أوجه إكتساب الحقوق وممارستها فعليا وهي تفرقة تفرضها طبيعة البنوة والوضع العائلي والاجتماعي.
والجدير بالملاحظة أيضا أنّ الحقوق المعنويّة التي إعترف بها المشرّع في قانون 1998 لفائدة الابن الطبيعي لا تكاد تـختلف كثيرا عن الحقوق المخوّلة للإبن الشرعي ويبقى مكمن الاختلاف بالنسبة للحقوق ذات الصّبغة الماليّة والتي ولئن اعترف فيها المشرّع بحق الابن الطبيعي في النفقة فإنّه أقصاه من حقّه في ميراث أبيه وذلك ليؤكّد مجدّدا سعيه لاحترام المبادئ الأساسيّة للأحوال الشخصيّة وتشبّثه بمقتضيات الشريعة الاسلاميّة.
إلاّ أنّه في مطلق الأحوال يبقى المساس بهذه المبادئ قائم وثابت ولم يقع إحترامها إلاّ من جهة الحق في الميراث لأنّه قبل دخول قانون 1998 لم يكن ليتسنّى للأبناء الغير شرعيين مطالبة الأب بأيّ حق ناشئ عن صفته تلك من نفقة وحضانة وغير ذلك من الحقوق لانتفاء الروابط القانونيّة بينهما وإنقطاع نسب الابن من الأب.
الخاتمة :
وفي الختام حريّ بنا التأكيد أنّ المشرّع بإصداره لقانون 1998 يكون قد إتّجه نحو الإعتراف بالبنوة الطبيـعيّة وخوّل للابن الطبيعي بعض الحقوق تجاه أبيه إلاّ أنّه في المقابل أبقى على مبدأ عدم المساواة بين الابن الشّرعي والابن الطبيعي على مستوى القانون المنطبق لإثبات البنوة ووسائل الاثبات المعتمدة والآثار المترتبة عن ذلك. وعلى هذا الأساس فإنّ مصلحة الأبناء الطبيعيين تقتضي أن يثبت نسبهم الشّرعي تجاه الأب أو حتّى أن يستصدر هذا الأب حكما في التبنّي لما يترتّب عن ذلك من التمتّع بحقوق الأبناء جميعها دون إستثناء وهو ما لا يمنحه قانون 1998 لمن ثبتت بنوّته.
إلاّ أنّ ذلك لا يمنع من إعتبار هذا القانون بمثابة النّقلة النوعيّة في القانون التونسي بما أنّ المشرّع أصبح يعترف بمختلف أنواع البنوة ويقرّر أحكام خاصّة لكلّ نوع منها فالنسب الشـّرعي تحكمه م أ ش والتبنّي يخضـع لقانـون 4 مارس 1958 المتعلّق بالكفالة والولاية العموميّة والتبنّي وقانون 1998 ينظّم البنوة الطبيعيّة. وذلك خلافا للتشاريع العربية والإسلامية المقارنة التي لا تعترف إلاّ بالنسب الشرعي فقد جاء بالفصل 83 من المدونة المغربية مثلا أنّ :" البنوة الغير شرعية ملغاة بالنسبة للأب فلا يترتّب عليها شيء من ذلك إطلاق وهي بالنسبة للأم كالشّرعية لأنّه ولدها." إذ بصدور قانون 28 أكتوبر 1998 إلتحق المشرّع التونسي بنظيره الفرنسي فيما يتعلّق بحق الأبناء الطبيعيين في إثبات بنوتهم وهو ما يمكنهم من المطالبة القضائية بحقهم في اللقب العائلي والمطالبة بالنفقة وغير ذلك من الحقوق المبينة حصرا بهذا القانون.
على أنّ ما تضمّنه هذا القانون من تجديد واهتمام بوضعية هذه الشريحة من الأطفال لا يخفي ما حفلت به نصوصه المقتضبة من غموض ونقائص قد يسعى المشرّع إلى تداركها في المستقبل وإستحداث نظام قانوني منسجم ومتكامل ينظم وضعيّة الأطفال المولودين خارج إطار الزّواج من جميع جوانبها.

تمّت بعون اللّه وتوفيقه.


قائمة المراجع
المراجع باللّغة العربيّة :
المراجع العامّة:
• محمّد الشرفي وعلي المزغنّي، مدخل لدراسة القانون، المركز القومي والبيداغوجي، تونس 1993.
• عبد الرزّاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، دار النهضة العربيّة القاهرة.
• أبو الحسن الجرجاني، التعريفات الدار التونسيّة للنشر.
المراجع الخاصّة :
• عبد العزيز عامر، الأحوال الشخصيّة في الشريعة الإسلاميّة فقها وقضاء، دار الفكر الفربي .1976
• يوسف قاسم، حقوق الأسرة في الفقه الإسلامي، دار النهضة العربيّة للنشر.
• وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلّته، الجزء السابع : الأحوال الشخصيّة.
• عبد الرّّحمان الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة، قسم الأحوال الشخصيّة الجزء الرابع دار الإحياء التراث العربي.
• محمّد أبو زهرة، الأحوال الشخصيّة دار الفكر العربي.
• علي حسين الفطناسي، من أحكام العائلة، التعاضديّة العمّاليّة للطباعة والنشر.
• علي حسين الفطناسي، دراسات في النسب، التعاضديّة العمّاليّة للطباعة والنشر، صفاقس 1986.
• عبد العزيز جعيّط، لائحة الأحكام الشرعيّة، مطبعة دار الإدارة تونس 1948.
• محمّد الحبيب الشريف، مجلّة الأحوال الشخصيّة معلّق عليها، دار الميزان للنشر 1997.
• رضا خماخم،أحكام النفقة بعد تنقيح 12 جويلية 1993، شركة فنون الرّسم والنشر والصحافة ماي 1995.
• أحمد فرّاج حسين، نظام الإرث في التشريع الإسلامي، دار المطبوعات الجامعيّة الإسكندريّة 1997.
• يوسف بن الحاج فرج بن يوسف، دار الميزان للنشر سوسة 1996.
• فرج القصيّر، أحكام المواريث في القانون التونسي، المغاربيّة للطباعة والنشر.
• صالح بوسطعة، الحالة المدنيّة في القانون التونسي، المدرسة القوميّة للإدارة، مركز البحوث والدراسات الإداريّة 1995.
• عبد الوهاب بوحديبة، سلسلة تونس وحقوق الإنسان،تونس1992.
• محمّد الحبيب الشريف، صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق سلسلة، دار الميزان للنشر بسوسة، 1994.
المذكّرات الجامعيّة :
• محمّد المنصف بوقرّة، إثبات نسب إبن الخطيبين في فقه القضاء التونسي، مذكّرة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في القانون الخاص تونس 1979.
• عبد الرؤوف بن الشيخ، الوضعيّة القانونيّة للبنوة غير الشرعيّة في القانون التونسي، مذكّرة في القانون الخاص تونس 1979.
• الناصر الشعلالي، وضعيّة اللّقيط في القانون التونسي، مذكّرة لنيل شهادة الدّراسات المعمّقة في العلوم القانونيّة، تونس 1998.
• يوسف بالعيوني، دراسة نقديّة للإثبات في القانون المدني، مذكرة في القانون الخاص تونس 1994.
• محمّد فيصل بن جعفر، الزواج الباطل، مذكّرة في القانون الخاص تونس 1978.
• توفيق شبشوب، دور النيابة العموميّة في المادّة المدنيّة، مذكّرة في القانون الخاص تونس 1981.
• سعيد غبّوش، نفقة اللإجناء، مذكّرة في القانون الخاص، تونس 1986.
• هادية عبيد، الولادة، مذكّرة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في القانون الخاص، تونس 1997.
• ليلى عاشور، مضمون الولادة، مذكّرة في القانون الخاص، تونس 1997.
رسائل التخرّخ من المعهد الأعلى للقضاء :
• روضة العبيدي إثبات النسب، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، 1990.
• الهادي مشعب، البيولوجيّة والقانون، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، 1995.
• المهدي صالح، القانون وجسد الإنسان، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، 1992.
• نزار الشوك، المراكنة في التشريع التونسي والفقه الإسلامي، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، 1999.
• رؤوف ملكي، الأسرة من خلال القانون المنقح لم أ ش لسنة 1993، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، 1994.
• كمال البجاوي، نفي النسب، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء 1999.
• نادرة اللّومي، الحضانة، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، 1990.
• كمال اللواتي : موانع الإرث في القانون التنونسي، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى لقضاء 1999.
المقالات والبحوث :
• ساسي بن حليمة، وضعيّة الطفولة الطبيعيّة أو الغير شرعيّة في تونس. ق. ت. عدد 2 / 1966.
• محمّد الرافعي، الطفولة الطبيعيّة في القانون التونسي، ق.ت. عدد 2 / 1966.
• عبد الفتّاح الزاراتي، الوضعيّة القانونيّة للطفولة فاقدة السند، ق. ت .عدد 10 / 1995 ص 73.
• الأمين الشابي، البنوة الشرعيّة في القانون المقارن، ق ت عدد 6/1967.
• الهادي كرّو، الولد للفراش، ق .ت. عدد 2/1972 ص 11.
• علي الفطناسي، إثبات النسب بالبيّنة، ق. ت. عدد 10/1975 ص 19.
• علي الفطناسي، ثبوت النسب بالإقرار، ق. ت .عدد 1/1976 ص 19.
• علي الفطناسي، ثبوت النسب بالفراش، ق. ت. عدد 6/1978 ص 11.
• رشيد الصبّاغ، صفة الأم في رفع الدّعوى بإثبات نسب إبنها من أبيه ودعوى الزامه بالإنفاق عليه، م. ق. ت / 1979 ج 1 ص 51.
• الهاشمي دحيدح، نفي النسب عن طريق تحليل الدّم، ق ت عدد 5 و 6.
• الهادي سعيّد، التشريع التونسي وحقوق الطفل، ق ت عدد 5/ 1985 ص 51.
• جمال شهلول، الحق في الهويّة، ق ت عدد 1. ص 113.
• حافظ بوعصيدة، إثبات الأبوّة، ق ت عدد 6/ 1999 ص 11.
• الصادق بوفادن، الحق في الهويّة ،ق .ت عدد10/1999 ص239.
• البشير الفرشيشي، خواطر حول الحضانة في فقه القضاء التونسي، م ق ت 1978 ج 1 ص 9.
• رشيد الصبّاغ، الحضانة ق ت عدد 10/1968.
• رشيد الصبّاغ، الطفل وولاية التربية، ق ت عدد 8/1966 ص 7.
• سامي عبادة، حقوق الطفل في القانون التونسي، ق ت عدد 8/1995 ص 193.
• المنصف البكلي، وضع الطفل في القانون التونسي، ق ت 10/1989.
• الطيّب العنّابي، من الخطيبة إلى الخليلة، ق ت 1/1981 ص 27.
• علي ااشورابي، الحماية القانونيّة لمصالح الطفل الفضلى، ق ت جانفي 1999 عدد خاص بحقوق الطفل.
• حاتم قطران مجلّة حماية الطفل، المبادئ العامّة وآليات الحماية المجلّة العربيّة لحقوق الإنسان عدد 4 لسنة 1997 ص 164.
• ساسي بن حليمة :
-تعليق على قرار تعقيبي مدني عدد 27777 مؤرّخ في 26 جانفي 1993 م ق ت 1998.
-تعليق على قرار إستئنافي مدني صادر عن محكمة الإستئناف بسوسة تحت عدد 4211 بتاريخ 24 جويلية 1975 م. ق .ت الجزء الأوّل لسنة 1976.
-تعليق على قرار إستئنافي مدني عدد 93680 مؤرّخ في 8 جوان 1992 محكمة الإستئناف بتونس م. ق ت لسنة 1993.
-تعليق على حكم إبتدائي مدني صادر عن المحكمة الإبتدائيّة بقفصة بتاريخ 21 فيفري 1994 ق ت عدد 6/1992 ص 136.
-تعليق على قرار تعقيبي مدني عدد 11005 مؤرّخ في 27 جويلية 1976 م ق ت لسنة 1977 ج 1 ص 21.
-تعليق على قرار تعقيبي مدني عدد 23480 بتاريخ 13 جوان 1989 ق ت عدد 4/1993 ص 97.
النصوص القانونيّة :
• مجلّة الأحوال الشخصيّة .
• مجلّة الالتزامات والعقود.
• المجلّة الجنائيّة.
• دستور الجمهوريّة التونسيّة .
• القانون عدد 3 لسنة 1957 مؤرّخ في غرّة أوت 1977 والمتعلّق بتنظيم الحالة المدنيّة، الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة عدد 2 و 3 المؤرّخ في 30 جويلية و2 أوت 1997.
• القانون عدد 27 لسنة 1958 مؤرّخ في 4 مارس 1958 يتعلّق بالولاية العموميّة والكفالة والتبنّي، الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة عدد 19 بتاريخ 7 مارس 1958.
• القانون عدد 53 لسنة 1959 مؤرّخ في 26 ماي 1959 يقتضي أن يكون لكلّ تونسي لقب عائلي وجوبا، الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة الصادرة في 19 و 22 و 26 ماي 1959.
• القانون عدد 20 لسنة 1964 المؤرّخ في 28 ماي 1964 يتعلّق بالسماح لبعض التونسيين بتغيير اللّقب أو الإسم، الرائد الرسمي عدد 26 بتاريخ 26 و 29 ماي 1964.
• القانون عدد 31 لسنة 1985 مؤرّخ في 11 أوت 1985 يتعلّق بإسناد لقب عائلي للأطفال مجهولي النسب أو المهملين، الرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة عدد 59 بتاريخ 16 و 20 أوت 1985.
• القانون عدد 92 لسنة 1991 مؤرّخ في 29 نوفمبر 1991، يتعلّق بالمصادقة على إتّفاقيّة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، الرائد الرسمي عدد 82 بتاريخ 3 ديسمبر 1991.
• الأمر عدد 1865 لسنة 1991 مؤرّخ في 10 ديسمبر 1991 يتعلّق بنشر إتّفاقيّة الأمم المتحدة لحقوق الطفل، ق ت عدد 4/1994 ص 65.
• الرائد الرسمي عدد 82 بتاريخ 3 ديسمبر 1991.
• القانون عدد 65 لسنة 1993 مؤرّخ في 5 جويلية 1993 يتعلّق بإحداث صندوق صمان النفقة وجراية الطلاق، الرائد الرسمي عدد 50 بتاريخ 6 جويلية 1993.
• القانون عدد 92 لسنة 1995 مؤرّخ في 9 نوفمبر 1995 يتعلّق بإصدار مجلّة حماية الطفل، الرائد الرسمي عدد 90 بتاريخ 10 نوفمبر 1995.
• أمر عدد 2423 لسنة 1995 مؤرّخ في 11 ديسمبر 1995 يتعلّق بالنظام الدّاخلي الخاص بمراكز إصلاح الأحداث المنحرفين ق ت عدد3/1997 ص 65.
• القانون عدد 75 لسنة 12998 مؤرّخ في 28 أكتوبر 1998 يتعلّق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين ومجهولي النسب، الرائد الرسمي عدد 37 بتاريخ 30 أكتوبر 1998.
• القانون عدد 31 لسنة 2001 مؤرّخ في 29 مارس 2001 يتعلّق بإحداث شهادة تطابق بين اللّقب الأصلي واللّقب المسند، الرائد الرسمي عدد 26 بتاريخ 30 مارس 2001.
الصحافة :
- -جريدة "le monde " 3 ديسمبر 1985 ص 18.
- -جريدة الصباح، الأربعاء 1 نوفمبر 2000.
- -جريدة الصباح، الخميس 11 أفريل 1999.
المعاجم :
- لاروس، المعجم العربي الحديث، مكتبة لاروس 1973.
- المعجم الوسيط، مجمع اللّغة العربيّة، دار الدّعوة إسطنبول 1989.
المراجع باللّغة الفرنسيّة :
Les ouvrages généraux :
- -carbonnier (J) : droit civil, la famille, tome 2, paris éd. PUF, 20ème éd., 2000.
- -Cornu, (6), droit civil, la famille, Paris Montchrestion, 6ème éd. 2000.
- -Hauser (J), Huet-Weiller (D), traité de droit civil la famille, fondation et vie de la famille, L.G.DJ 2ème éd. 1993.
- -Claude Colombet, droit civil, la famille, éd. PUF, 1ère éd. 1985.
- -Carbonnier (J), les personnes, paris ed PUF, 21ème éd. 2000.
Les ouvrages spéciaux :
-Angé Marc, les domaines de parenté, filiation alliance, éd presidance, paris 1975.
-Hauser (J), la filiation, Paris, Dalloz 1996.
-Kotrane (H), la Tunisie et le droit de l'enfant, fonds des nations unis pour l'enfance, UNICEF Tunis 1992.
-C. Neirinck, de la bioéthique au biodroit, LGD 1994.
-C. Neirinck, le droit de l'enfance après la convention des nations unis, Paris, Delmas 1ère ed 1992.
-Mezghani (A), commentaires du code du droit international privé, Tunis CPU, 1999.
Thèses et mémoires :
-Sassi Benhlima, la filiation paternelle lègitime en droit tunisien, thèse université de Tunis 1976.
-Azeiz (E), de quelques aspects de droit de l'enfance face à la carvention des nations unis du 20 Novembre 1989 Mémoire, farife de droit Tunis 1994
-Meddeb (S), lattribution du nom, mémoire faculté de droit de Tunis 1996.
Ben osmen (D), le droit de l'enfant à la protection, mémoire faculté de droit de Tunis 1998.
-Romdhane (N), le droit de la filiation à l'epreuve du progrès de la biologie, mémoire faculté de droit de Tunis 1998.
-Abdelkader (A), la filiation paternelle après la loi du 28 octobre 1998, mémoire, faculté de science juridiques, politiques et sociale de Tunis.
-Pruvost (L), l'établissement de la filiation en droit Tunisien, thèse, paris II 1977.
-Ferchichi (B)la responsabilité des pères et mères du fait de leurs enfants mineurs, mémoire, faculté de droit de Tunis 1973.
- -Ferchichi (B), la tutelle des pères et mères sur leurs enfants mineurs, thèse par le doctorat d'état, Tunis 1983
Articles, notes et chroniques :
-Galloux ©, l'empreinte génétique la preuve parfaite, JCP. Ed (G). I. 1991.
-Ben Attar ®, la filiation dans le code du statut personnel tunisien, RTD 1963-1965 p 25.
-Bendhia (A) et farhat (M), les conflits de filiation en droit tunisien ,RTD 1969, 1970 p 39.
-Ait Zai (N), l'enfant illigitime dans la société musulmanne RTD 1990 p 11.
-Méderni (M), les empreintes génétiques, verité sireirtifique et droit de filiation, RJL 1996.n° 2 p 14.
• -Ladjili (J), prissances des agnats, puissances des pères. De la famille musulmane à la famille Tunisienne, RTD 1972 p 25.
• -Baittian (A), empreintes génétiques et droit de filiation D 1989, chron p 171.
• -Méulders kleirn (MT), le droit de l'enfant face au droit à l'enfant, RTD civ 1988 p 645.
• -Hirsoux (E), l'attribution du nom, JCP fase 20, n° 5 ed 2000
• -Monéger (F), la loi du 8 janvier 1993 et les droits de l'enfant, RV droit sanitaire et soc 1993 p 223.
• -Ladjili (J), Recherche d'une responsabilité égale des pères et mères dans la garde de l'enfant mineur en droit Tunisien, RTD 1980 p 235.
• -De la grange, note sous:
- Cass civ, 18 juillet 1968, n° 6143, RTD 1969-1970 p 200
- Cass civ, 21 ant 1968, n° 6112, RTD 1969-1970 p 194.
- Cass civ, 21 aout 1968 n° 5913, RTD 1969-1970 p 197.
- Cass civ 16 Mars 1965, n° 3224, RTD 1968 P 87.
-Ben hlima (S) la filiation naturelle en droit Tunisien Actes du colloque sur le droit de la famille à la fin du 20ème siècle, faculté de droit et des sciences politiques Tunis, le 25, 26 et 27 Novembre 1999. inédit.




الفهرس
المقدمة : .....................................................................................3
القسم الأوّل : أحكام إثبات البنوة بين م أ ش والقانون عدد 75 لسنة 1998..................17
الفرع الأوّل : الحقيقة البيولوجيّة بين م أ ش والقانون عدد 75 لسنة 1998:.................19
المبحث الأوّل الحقيقة مؤسسة على قرينة الفراش في م أ ش:................................20
الفقرة الأولى : مفهوم قرينة الفراش :.........................................................20
أ- الفراش الصحيح:.................................................................21
ب -الفراش بعقد باطل:...............................................................24 1- الزواج الباطل والمراكنة:......................................................25
2-الزواج الباطل والمخادنة:.........................................................27
الفقرة الثانية : نطاق قرينة الفراش:...........................................................30
أ‌- المستفيد من قرينة الفراش:.........................................................31
1- أدنى مدّة الحمل:.........................................................................31
2- أقصى مدّة الحمل:..........................................................................33
ب- قانون 1998 وإقصاء قرينة الفراش من وسائل إثبات البنوة:.......................35
المبحث الثاني : الحقيقة البيولوجيّة مؤسسة على التحليل الجيني في قانون 1998:...........38
الفقرة الأولى : ميدان إجراء التحليل الجيني :..................................................38
أ-التحليل الجيني في دعوى إسناد اللّقب العائلي.............................................38
ب-مدى إمكانيّة إعتماد التحليل الجيني كوسيلة لإثبات النسب الشرعي:................43
الفقرة الثانية : الإشكاليات المتصلة بالاختبار الجيني:......................................48
أ-السلطة المختصّة بإصدار الاذن بإجراء التحليل الجيني .................................50
ب-الحق في السلامة الجسديّة ورفض الخضوع للتحليل الجيني.............................53
الفرع الثاني : دور الإرادة الشخصيّة في إثبات البنوة بين م أ ش وقانون 1998:..........58
المبحث الأوّل : الإقرار:......................................................................58
الفقرة الأولى : شروط الإقرار:...............................................................60
أ- الشروط الموضوعيّة: ................................................................60
1- الشروط العامّة للإقرار:...................................................................60
- المتعلّقة بالمقر:......................................................................60
- المتعلّقة بالمقر له:................................................................... 62
2- الشروط الخاصّة بالإقرار بالنسب:........................................................64
ب-شكل الإقرار :....................................................................70
1- الإقرار الحكمي.......................................................................70
2-الإقرار الغير حكمي...................................................................71
الفقرة الثانية : آثار الإقرار..................................................................73
أ -المفعول الرجعي:……………………………………………………….....…73
ب-عدم إمكان الرجوع فيه: ………………………………………………....…74
المبحث الثاني : الشهادة:…………………………………………………….....…76
الفقرة الأولى : شروط قبول الشهادة المثبتة للبنوة :……………………………….…76
أ‌- الشروط المتعلّقة بالشّاهد:.......................................................77
1- النصاب.........................................................................77
2- الثقة:............................................................................77
ب-الشروط الشكليّة والاجرائيّة:......................................................78
الفقرة الثانية : مضمون الشهادة:............................................................79
أ-الشهادة المثبتة للنسب الشرعي :..........................................................80
ب-الشهادة المثبتة للبنوّة في قانون 1998:..................................................83
خاتمة القسم الأوّل:.................................................................86
القسم الثاني : الآثار المترتّبة عن ثبوت البنوة بين م أ ش وقانون 1998:..................88
الفرع الأوّل : الحقوق الخارجة عن الذمّة الماليّة :...........................................91
المبحث الأوّل : الحق في اللّقب العائلي الأبوي:..............................................93
الفقرة الأولى : إكتساب اللّقب العائلي الأبوي:................................................94
أ-القيام بدعوى إسناد اللّقب العائلي:.......................................................95
1-أطراف الدّعوى :..............................................................................95
• المدّعي ..........................................................................96
• المدّعى عليه......................................................................100
2-سقوط الدّعوى بمرور الزّمن:..............................................................101
ب-أولويّة اللّقب العائلي الأبوي:.................. ........................................103
الفقرة الثانية : ترسيم اللّقب العائلي: ........................................................105
أ-إجراءات الترسيم:.....................................................................105
ب-الإشكاليات المتصلة بترسيم اللّقب العائلي:............................................107
المبحث الثاني : الحق في الرعاية :..........................................................110
الفقرة الأولى : الحق في الحضانة:...........................................................110
أ-الطبيعة القانونيّة للحضانة:............................................................ 111
ب-النظام القانوني للحضانة:.............................................................112
1-إسناد الحضانة:..........................................................................112
2-مسؤوليّة الأب الحاضن:.................................................................115
الفقرة الثانية : الحق في الولاية :...........................................................118
أ-ممارسة الأب لصلاحيات الولاية:...........................................................119
ب-إنتهاء الولاية وإسقاطها:..................................................................122
1-إسقاط الولاية:........................................................................122
2-إنتهاء الولاية:........................................................................123
الفرع الثاني : الحقوق المتعلّقة بالذمّة الماليّة: ............................................126
المبحث الأوّل : الحق في النفقة: ..........................................................127
الفقرة الأولى : إستحقاق الابن للنفقة: ....................................................127
أ-الأسس القانونيّة لإستحقاق الابن للنفقة بين القرابة والالزام :.......................127
ب-شروط استحقاق الابن للنفقة .................................................... 130
1-الشروط المتعلّقة بالإبن:.................................................................130
2-الشروط المتعلّقة بالأب:.................................................................131
الفقرة الثانية : إستخلاص الابن للنفقة:....................................................133
أ-إستخلاص النفقة بالتقاضي: .......................................................133
ب-إستخلاص النفقة من صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق .......................136
المبحث الثاني : الحق في الميراث وتكريس أفضلية النسب الشرعي على البنوة الطبيعيّة :.139
الفقرة الأولى : إقصاء الطفل الطبيعي من حقّه في الميراث :..............................139
أ – الأسس التشريعيّة:................................................................140
ب- الأسس الشرعيّة:................................................................141
الفقرة الثانية : المواقف الفقهية من أحقية الطفل الطبيعي في الميراث:.....................142
أ-الموقف المؤيّد لحق الطفل الطبيعي في الميراث...........................................142
ب-الموقف المعارض لحق الطفل في الميراث ..............................................144
ج- الموقف القائل بمرحلية إقصاء الطفل الطبيعي من حقّه في الميراث.......................145
خاتمة القسم الثّاني:..........................................................................147
الخاتمة:......................................................................................148
قائمة المراجع ..............................................................................149
الملاحق......................................................................................156

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل: 4984
الإسم و اللقب: رجال القانون
نقاط: 5044
تاريخ التسجيل: 19/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة    الثلاثاء أبريل 19, 2011 11:35 am

Beauvoir (S.De) ,La femme rompue.Gallimard, ":Qu’est ce qu’un adulte ? un enfant gonflé d’age".
يوسف قاسم ، حقوق الأسرة في الفقه الإسلامي ، دار النهضة العربية ص 373.
لاروس المعجم العربي الحديث ، مكتبة لاروس ص 1202.
عبد الرؤوف بالشيخ الوضعية القانونية للبنوة غير الشرعية في القانون التونسي ، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في القانون ، تونس 1979.
الفصول من 68 إلى 76 من مجلة الأحوال الشخصية.
6 انظر الباب الخامس من لائحة الأحكام الشرعية الشيخ عبد العزيز جعيّط :" في ثبوت النسب " فصل 541 وما بعده
ساسي بن حليمة، وضعية الطفولة الطبيعية أو غير الشرعية في تونس، ق. ت عدد 2 / 1966.
8 Sassi Benhlima, la filiation paternelle légitime en droit tunisien, thèse de doctorat en droit, faculté de droit de Tunis 1976 p 10 et s.
ساسي بن حليمة ، أطروحة الدكتوراه ،ص 13.
عبد العزيز عامر ، الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية فقها وقضاء. ص 4.
يوسف قاسم، المرجع السابق، ص 374.
العاهر هو الزاني يقال عهر أي زنى ومعنى الحديث أنّ من يجيء من الأولاد ثمرة لفراش صحيح قائم على عقد زواج أو على ملك يمين ينسب لأبيه وأنّ الزنا لا يصلح أن يكون سببا للنسب ومعنى أنّ الزاني له الحجر قيل : المراد الخيبة والخسران أي لا شيء له في الولد وقيل أنّ المراد بالحجر أنّه يرجم بالحجارة إذا زنى غير أنّ هذا القول لا يستقيم لأنّه لا يرجم بالحجارة كلّ زان وإنّما يرجم المحصن فقط)عبد العزيز عامر، المرجع السابق، ص 4(
الفرقان ، الآية 52.
الإسراء ، الآية 32.
*يعرّف الفقه الإبن الطبيعي بأنّه الطفل المولود لشخصين غير مرتبطين بزواج خلال الفترة القانونيّة للحمل .وتعدّ البنوّة الطبيعيّة إستثناء مقارنة بالبنوّة الشرعيّة سواء من الناحية الواقعيّة لأنّ الأبناء الطبيعيين أقلّيّة داخل المجتمع أو من الناحية القانونيّة لأنّ وسائل إثبات هذه البنوّة وآثارها تعدّ إستثناء للأحكام المتعلّقة بالبنوّة الشّرعيّة . ( Carbonnier(J),op.cit p263 )
ساسي بن حليمة ، وضعية الطفولة الطبيعية أو الغير شرعية في تونس ، المرجع السابق ص 92.
نصّ الفصل 334 م م ف بعد تنقيحه بموجب القانون المؤرّخ في 3 جانفي 1972 على ما يلي :
" L'enfant naturel a en général les mèmes droits et les mêmes dévoirs que l'enfant légitime dans ses rapports avec ses père et mère…"

ساسي بن حليمة وضعية، الطفولة الطبيعية أو غير الشرعية في تونس، المرجع السابق ص 7 .
قرار تعقيبي مدني عدد 9108 مؤرّخ في 11 ديسمبر 1973 ن 1973 ج 1 .ص 144.
قرار تعقيبي مدني عدد 4339 مؤرّخ في 6 جانفي 1981 ق ت عدد 2 لعام 1981 ص 61.
على الفطناسي ، دراسات في النسب، المطبعة العمالية صفاقس 1986 ص 80 .
أنظر في هذا المعنى بالقرار التعقيبي المدني عدد 9853 مؤرّخ في 29 أفريل 1975 ن 1975 ق م ج 1 ص 231
القرار التعقيبي المدني عدد 760 مؤرّخ في 26 أفريل 1977 ن 1977 ق م ج 1 ص 243.
Voir: Abdelaziz Bendhia et Moncef Farhat :" les conflits de filiation en droit tunisien" R T D 1973 p 43.
أنظر في هذا المعنى القرار التعقيبي المدني عدد 6030 مؤرّخ في 2 أفريل 1968 ن 1968 ق م ص 33 وكذلك : الحكم الابتدائي المدني الصادر عن المحكمة الابتدائية بقفصة بتاريخ 21 فيفري 1994 ق ت عدد 6 لعام 1994 ص 136 مع تعليق ساسي بن حليمة .
ساسي بن حليمة ، حكم الطفل المولود قبل إبرام عقد الزواج ، ق. ت ديسمبر 1975.
ساسي بن حليمة ،أطروحة الدكتوراه ص 118 .
ساسي بن حليمة، حكم الطفل المولود قبل إبرام عقد الزواج، المرجع السابق ص 24
الفصلين 227 و 227 مكرّر من المجلّة الجنائيّة.
بلغت نسبة الأبناء الطبيعيين في فرنسا من جملة الولادات 7،6 %سنة 1936 وقد أخذت هذه النسبة في الإرتفاع فبلغت%28,2 سنة 1989 و39% سنة 1997 وقد تمّ إحصاء 200000 طفل غير شرعي سنويا وبين ما يناهز 2000 و 3000 قضيّة منشورة لدى المحاكم تتصل بهذا النوع من البنوة. Jean Carbanier, droit civil, la famille, tom2 , l'enfant le couple, 20ème éd refondue, éd PUF p 264 : V:
أنظر : محمّد الشرفي ، المجلّة القانونيّة والسياسيّة ،عدد 4 شهر سبتمبر وأكتوبر لعام 1974.
: روضة العبيدي : إثبات النسب ، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء ، 1990.
المعجم الوسيط، مجمع اللّغة العربيّة، دار الدّعوة إسطنبول 1989 ص 995.
الناصر الشّعلالي، وضعية اللقيط في القانون التونسي،مذكرة للإحراز على شهادة الدراسات المعمّقة في العلوم القانونيّة ، كليّة الحقوق بتونس 1998 ص10.
جمال شهلول، الحق في الهوية، ق. ت عدد 1 / 1999، ص 122.
الفصل الأوّل فقرة أولى.
الفصل الثاني.
الفصل الأوّل فقرة ثانية.
الفصل الرّابع .
حافظ بوعصيدة، إثبات الأبوّة، ق. ت عدد 6 / 1999، ص 45
Awatef Abdelkader, la filiation paternelle après la loi du 28 octobre 1998 , memoire DEA, faculté de sciences juridiques politique et sociale de tunis p 10.
Mezghani Ali, Commentaires du code de droit international privé, Tunis, CPU 1999 p 24, note n° 38.
Sassi Benhlima : La filiation naturelle en droit tunisien, In mélange Mohamed Charfi, CPU, 2000.
مداولات مجلس النواب عدد 2 جلسة يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 1998 ص 85.
صادقت البلاد التونسيّة على هذه الاتفاقيّة في 29 نوفمبر 1991 .
الفصل 32 من الدستور.
الكويت ، الأردن وإيران وغيرها، أنظر جريدة " le monde " ليومي 28 و 29 جانفي 1990.
أنظر القانون عدد 93 لسنة 1995 مؤرّخ في 9 نوفمبر 1995 المتعلّق بتنقيح وإتمام بعض فصول المجلّة الجنائيّة، والقانون عدد 94 لسنة 1995 مؤرّخ في 9 نوفمبر 1995 المتعلّق بإتمام القانون عدد 52 لسنة 1992 المؤرّخ في 18 ماي 1992 المتعلّق بالمخدّرات .
أمر عدد 2423 لسنة 1995 مؤرّخ في 11 ديسمبر 1995 يتعلّق بالنظام الدّاخلي الخاص بمراكز إصلاح الأحداث المنحرفين.
أنظر القانون عدد 62 لسنة 1995 مؤرّخ في 10 جويلية 1995 يتعلّق بالمصادقة على اتفاقية العمل الدّولية رقم 138 بشأن السن الأدنى للقبول في العمل.
القانون عدد 95 لسنة 1995 المؤرّخ في 9 نوفمبر 1995 المتعلّق بتنقيح وإتمام بعض فصول م إ ع.
القانون عدد 74 لسنة 1993 المؤرّخ في 12 جويلية 1993 المتعلّق بتنقيح بعض فصول م أ ش.
Ali mezghani, op.cit p24.
انظر مقالة رشيد الصبّاغ، صفة الأم في رفع الدّعوى بإثبات نسب إبنها من أبيه ودعوى الزامه بالانفاق عليه، م ق ت 1979 ج 1 ص 51.
CF, le droit saisi par la biologie, sur la drection de L larousse rione, paris LGDJ 1996.
Medeni (M) : Les empreintes génétique : vérité scientifique et droit de filiation " R. J. L, 1996 n°2 , p 14.
Romdhane (N), Le droit de la filiation à l'épreuve du progrès de les biologie, mémoire DEA, faculté des sciences juridiques politiques et sociales,Tunis 1998 p13.
لاروس المعجم العربي الحديث، المرجع السابق ص 18.
سمير السعودي، الرابطة الدمويّة والقانون المدني، رسالة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في الحقوق، كليّة الحقوق بتونس 1998 ص 44 وما بعدها.
علي الفطناسي : ثبوت النسب بالفراش . ق ت 6 / 1978 ص 11.
علي الفطناسي : ثبوت النسب بالفراش . ق ت 6 / 1978 ص 11
الفصل 23 م أش.
انظر الأمين الشابي : البنوة الشرعية في القانون المقارن . ق . ت عدد 2 / 1966
يقول الله عز وجل " وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا." ( الآية 54 سورة الفرقان(
نصّت المادة 231 من القانون الإيطالي المؤرخ في 26 / 1 1942 على ما يلي :" الزوج هو والد المولود خلال الزواج ."
وجاء بالفصل 312 م م ف ." الطفل المولود خلال الزواج يعتبر إبنا للزوج."
علي الفطناسي المرجع السابق، ص24.
يوسف قاسم : حقوق الأسرة في الفقه الإسلامي : دار النهضة العربية للنشر ،ص 375 .
الوطء بشبهة هو نكاح اختلف في صحته ووقع الدخول فيه وأو وجد شبهة في الحلّ تكفي لاعتمادها في إسقاط الحدّ ومحو وصف الزنا وثبوت النسب، ويقسّم أبو حنيفة الشّبهة إلى ثلاثة أقسام شبهة المحل وشبهة الملك وشبهة العقد. وعلى خلاف المشرّع التونسي فقد نص المشرّع المغربي بالمادتين 87 و 88 من المدونة المغربية على الآثار الشرعيّة للوطء بشبهة :" الخالية من الزواج إذا وطئت بشبهة وجاءت بولد ما بين أقل مدّة للحمل وأكثرها يثبت نسبه من الواطئ ."
انظر : وهبة الزحيلي : الفقه الإسلامي وأدلّته . الجزء السابع : الأحوال الشخصية. ص 682 .
نصّ الفصل 85 من المدونة المغربيّة على ما يلي :" الولد للفراش إن مضى على الزواج أقل مدّة الحمل وأمكن الاتصال وإلاّ فالولد المستند لهذا العقد غير لاحق به . ونصّ الفصل 129 م أ ش السوريّة على ما يلي :" ولد كل زوجة في النكاح الصحيح ينسب إلى زوجها بالشرطين التاليين :
أ – أن يمضي على عقد الزواج أقل مدّة الحمل .
ب – إذا ثبت عدم التلاقي بين الزوجين بصورة محسوسة كما لو كان أحد الزوجين سجينا أو غائبا في بلد بعيد أكثر من مدّة الحمل.
إذا انتفى أحد هذين الشرطين لا يثبت نسب الولد من الزوج إلاّ إذا أقرّ به أو إدّعاه.
انظر علي الفطناسي المرجع السابق ص 23 .
قرار تعقيبي مدني عدد 2692 مؤرّخ في 7 جانفي 1964 ق ت عدد 7 لسنة 1965
قرار تعقيبي مدني عدد 2300 مؤرخ في 21 مارس 1964 م ق ت 1964 ص 591
Voir : Slaheddine Messoudi : La consommation du mariage droit tunisien : mémoire droit privé : faculté de droit de Tunis 1979
قرار تعقيبي مدني عدد 9294 مؤرّخ في 20 فيفري 1973 : ن 1973 ق. م .ج 1 ص 129
قرار تعقيبي مدني عدد 1229 مؤرّخ في 15 جويلية 1977 ق. ت عدد 10 / 1982 ص 65 مع تعليق لصالح الطريفي .
قرار تعقيبي مدني عدد 10838 مؤرّخ في 4 ديسمبر 1984 ن 1984 ق. م. ج 2 ص 109.
قرار تعقيبي مدني عدد 21240 مؤرّخ في 13 ديسمبر 1988 ن 1988 ق. م. ص 196 .
قرار تعقيبي مدني عدد 11609 مؤرّخ في 15 جويلية 1975.ن 1975 ق. م. ج 2 ص 182
بدران أبو العينين بدران : الأحوال الشخصية في الشريعة الإسلامية فقها وقضاء، ص 74 .
قرار تعقيبي مدني عدد 21419 مؤرّخ في 13 جوان 1989 ن 1989 ق. م .ص 292 .
الهادي كرو الولد للفراش ،ق ت .عدد 2 / 1972 ،ص 11
ساسي بن حليمة : أطروحة الدكتوراه ص 61 . أنظر أيضا محمّد فيصل بن جعفر : الزواج الباطل : مذكّرة في القانون الخاص كليّة الحقوق بتونس 1978.
علي الفطناسي : من أحكام العائلة: التعاضدية العمالية للطباعة والنشر صفاقس ، ص 43.
المادّة الأولى من لائحة الأحكام الشرعيّة للشيخ عبد العزيز جعيّط .
وهو نفس الحل المعتمد تقريبا في التشاريع العربية : فقد نصت المدونة المغربية في فصلها الأوّل على أن :" الخطبة وعد بالزواج وليست بزواج ويدخل في حكمها قراءة الفاتحة ولما جرت به العادة والعرف من تبادل للهدايا". ونصّ الفصل 3 م أ ش العراقية أنّ:"الوعد بالزواج وقراءة الفاتحة والخطبة لا تعتبر عقدا."
أنظر الطيّب العنابي : من الخطيبة إلى الخليلة، ق ت عدد 1 / لسنة 1981. ص 27.
ساسي بن حليمة أطروحة الدكتوراه .ص 64 .
قرار تعقيبي مدني عدد 7116 مؤرّخ في 20 جوان 1972 ، ذكر في أطروحة دكتوراه ساسي بن حليمة ص 64 .
قرار تعقيبي مدني عدد 7900 مؤرّخ في 14 نوفمبر 1972 ن 1972 ق م ص 54 .
قرار تعقيبي مدني عدد 26431 مؤرّخ في 2 جوان 1992 ن 1992 ق م ص 183
وذلك في الصياغة القديمة للفصل 340 م م ف بموجب القانون عدد 3 لسنة 1973 المؤرّخ في 3 جانفي 1973 وقد تمّ تنقيح هذا الفصل بموجب القانون عدد 22 لسنة 1993 المؤرّخ في 8 جانفي 1993 فأصبح ينصّ على ما يلي :
"la paternité hors mariage peut être judiciairement déclarée, la preuve ne peut être rapportée que s'il existe des présomptions ou indices graves."
G. cornu : droit civil ; la famille ; 2è édition p 72
قرار تعقيبي جزائي عدد37104 مؤرّخ في 4 جويلية 1991 ن 1991 ق ج 1 ص 116.
قرار تعقيبي مدني عدد 5485 مؤرّخ في 25 مارس 1997ن 1997 ق ج 2 ص 270 .
قرار تعقيبي مدني عدد 4339 مؤرّخ في 6 جانفي 1981 ، ق. ت عدد 2 / 1981 ص 11 .
قرار تعقيبي مدني عدد 26431 مؤرّخ في 2 جوان 1992 ن. 1992 ق. م .ص 183 .
Voir ; Abdelaziz Bendhia et Moncef Farhat, op. cit. P 43 .
سورة الأحقاف الآية 15 .
سورة لقمان الآية 14 .
عبد العزيز عامر: حقوق الأولاد في التشريع والقانون، ص 376 .
وقد روي أنّ رجلا تزوّج إمرأة فولدت ولدا لستة أشهر من الزواج فهم عثمان رضي الله عنه بإقامة الحدّ عليها فقال له ابن عباس :" لو خاصمتكم بكتاب الله لخاصمتكم فإنّ الله تعالى يقول :" وحمله وفصاله ثلاثون شهرا." ويقول أيضا :" والوالدات يرضعن أولادهنّ حولين كاملين ." فبقي لمدّة الحمل ستة أشهر، فدرأ عثمان عنها الحدّ وأثبت النسب من الزوج.
وجاء بالفصل 128م ا ش السورية أنّ :" أقلّ مدّة أكمل مائة وثمانون يوما وأكثرها ستّة شمسية"ونص الفصل 84 من المدونة المغربيّة على أنّ :" أقلّ مدّة للحمل ستة أشهر وأكثرها سنة" .
روضة العبيدي : إثبات النسب : رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، السنة القضائية 1989 – 1990 ص 17.
بدران أبو العينين بدران، المرجع السابق، ص 13 .
G. cornu : opcit p 288
L'enfant est réputé avoir été légitime dès sa conception non légitimé par le mariage subséquent, la légitimité rétroagit au jour de la concèption. وهذا الوصف له أهميّة بالنسبة للطفل الذي يعتبر مستحقا للميراث منذ ذلك التاريخ ولحقه في التعويض في صورة وفاة الأب
جاء في المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون عدد 25 لسنة 1929 المصري في فصله 15 ما يلي :" ولما كان رأي الفقهاء في ثبوت النسب ممليا على رأيهم في أقصى مدّة للحمل لم يبن أغلبهم رأيه في ذلك إلاّ على أخبار بعض النساء بأنّ الحمل مكث كذا سنين والبعض الآخر كأبي حنيفة بني رأيه في ذلك على أثر ورد عن السيدة عائشة يتضمن أنّ أقصى مدّة الحمل سنتان وليس في أقصى مدّة الحمل كتاب ولا سنة . فلم تر الوزارة مانعا من أخذ رأي الأطباء في المدّة التي بمكثها فأفاد الطبيب الشرعي بأنّه يرى عند التّشريع أن يعتبر أقصى مدّة الحمل 365 يوما حتى يشمل جميع الأحوال النادرة. وبهذا عدلت المحاكم عن العمل بمذهب أبي حنيفة في تحديد أقصى مدّة الحمل وأخذت بما جاء في المادّة السابقة. ولم تسمع دعوى الإنكار لولد الزوجة إذا جاءت به بعد سنة من غيبة الزوج أو من وقت الطلاق أو الوفاة في المطلقة والمتوفى عنها زوجها."
نصّت المادّة 15 من القانون المصري عدد 25 لسنة 1929 على أنّه " لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقي بينها وبين زوجها من حين العقد ولا ولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها ولا لولد المطلّقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة."
Art 311 CCF :" La loi présume que l'enfant à été conçu pendant la période qui s'étend du troix centième jour au cent quatre vingtième jour inclusivement avant la date de naissance.
La conception est présumée avoir eu lieu à un moment quelconque de cette période suivant ce qui est demandé dans l'intérêt de l'enfant.
La preuve contraire est récevable pour combattre ces présomptions".
قرار تعقيبي مدني عدد 5990 مؤرّخ في 25 جوان 1968
.RTD 1969 – 1970 Note : DeLagrange. P 162;
قرار تعقيبي مدني عدد 9976 مؤرّخ في 15 ماي 1984، ن 1984 ق.م.ج 1ص 198.
قرار تعقيبي مدني عدد 26431 مؤرّخ في 2 جوان 1992 ،ن 1992 ق. م. ص 183.
Voir Nadar Romdhane : le droit de la filiation à l‘épreuve du progrès de la biologie. mémoire droit privé : faculté de droit et des sciences politiques de Tunis 1998 .
Jean Hausser ; filiation, identification génétique, procréation médicalement assisté, J.C.P.éd 1997 art 311 – 19 et 311 –
تستند التفرقة بين فصائل الدم إلى حقيقة علميّة مفادها وجود بعض المواد بالدم تعمل على تجميع كرياته إذا إختلط بنوع آخر من دم الإنسان ويعتبر وجود هذه المواد في دماء بعض الأشخاص أساس علم تصنيف الدم كما أدّى فحص آلاف العينات من الدم إلى معرفة أنّ بعضها تحتوي على مولد مضاد Antigène في الكرات الحمراء في حين تحتوي بعض العينات الأخرى على مولدات مضادة في مصل الدم والتفرقة بين هذين العاملين يصطلح الباحثون على تسميتها ب " Agglutinine " Agglutinogène" واستعمل المصطلح الأوّل لتعريف العامل المضاد الموجود في الكرات الدم ورمز له بالحرفين " أ ب " أمّا إذا وجد العامل في مصل الدم فيسمى إجلوتونين ويرمز بالحرفين "أ" و"ب" وبتقدّم البحث في هذا الموقع وجدت بعض الدماء التي لا تحتوي على أي من العاملين سواء في الكرات الحمراء أو في المصل بينما يوجد أحد الأنواع المشار إليها في الدماء الأخرى وبذلك أمكن إيجاد معادلة بعينات الدم الأربعة .
-0 إذا وجد العامل أي المولد المضاد ( أب) في كرات الدم فانه ينتمي إلى فئة (أب)
-1 - إذا وجد العامل "أ" في الكرات فإنّ الدم ينتمي إلى فئة "أ"
-2 إذا وجد العامل "ب " في الكرات فإنّ الدم ينتمي إلى فئة "ب"
-3 إذا لم يوجد العامل "أ"أو "ب" فإنّ الدم ينتمي إلى فئة "و"
ففصائل الدم هي إذن "أ" و"ب" و"و" ويمكن إضافة مضل الدم "و" إلى الأنواع الأخرى دون أن تتراحم كراته لأنّ دم هذه الفئة لا يحتوي على مولدات مضادّة ويمكن نقل دم من صنف "أ" و"ب" إلى أب في حين لا ينتقل دم "أ" إلى شخص ينتمي إلى جنين "ب".
يوسف بالعيوني : دراسة نقدية للإثبات في القانون المدني .مذكرة الإحراز على شهادة الدراسات المعمّقة في القانون الخاص، تونس 1994 .
ظهرت تقنية البصمات الوراثية لأوّل مرّة على يد العلماء البريطانيين:
.A Jeffreys J. Brockfield, Le monde, 3 décembre 1985 .
Voir : Baittian, (A )empreintes génétique et droit de filiation" D , 1989 ch. X L III P 271
Voir : Jean Christophe Galloux, l'empreinte génétique : la preuve parfaite; J C P ( e d. G .) 1991, I , n° 3497 .
أنظر أيضا : يوسف بالعيوني :المرجع السّابق ص 153.
في فرنسا وفي القضيّة الشهيرة للممثّل المعروف إيف مونتان أذن القاضي الفرنسي بإخراج جثّة المتوفّى منذ بعض السنوات لإجراء التحليل الجيني والتأكّد من صحة دعوى إثبات البنوة الطبيعيّة التي رفعتها امرأة في حقّ ابنها في مواجهة ورثة الممثل المذكور,
C A Paris. 1ère ch, 6 Nov 1997 D, 1997, 1RP262
الأعمال التحضيريّة، مداولات مجلس النواب عدد 2 لجلسة يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 1998 ص 87 .
كما أورد وزير العدل في جوابه على تساؤلات النواب ملحوظة وزير الصحّة جاء فيها :
: "Voici quelques informations sur le test de paternité par empreinte génétique pratiqué à l'institut Pasteur de Tunis, : ce test à été introduit à l'institut en 1996 il fait appel à la technique l'hybridation moléculaire utilisant une séquence micro-satellite . La lecture du test ressemble à une analyse de code à barres et permet de
retenir an de rejeter la filiation avec un risque d'erreur inférieur à 1/10.000.000.000 ce qui à l'échelle de la population humaine équivaut à une certitude absolue."
أنظر النسخة من الإ ختبار الجيني المضافة بالملحق.
حكم إبتدائي مدني- المحكمة الابتدائية بالمنستير بتاريخ 25 ماي 2000 تحت عدد 12973 . ( انظر الملحق ). انظر أيضا المحكمة الابتدائيّة بالكاف الحكم تحت عدد 32851 بتاريخ 2 نوفمبر 1999 (انظر الملحق(.
المحكمة الابتدائيّة بصفاقس ، حكم إبتدائي مدني عدد 1164 بتاريخ 11 جوان 1999 ( انظر الملحق)
الطيّب العبيدي وناجح بن عائشة : مقارنة قانونيّة بين أحكام النسب وأحكام قانون إسناد اللّقب العائلي للأطفال المهملين ومجهولي النسب، ملتقى وزارة العدل . المحكمة الابتدائيّة بالمهدية السنة القضائيّة 1999 – 2000 .
V: Mohamed medeni : les empreintes génétiques : vérité scientifique et droit de la filiation : R J L , Février 1996 p 7 et 5.
ساسي بن حليمة، أطروحة الدكتوراه ،ص 13 .
قرار إستئنافي مدني- سوسة عدد 3411 مؤرّخ في 17 جانفي 1974 ق ت 4/1974 ص 66.
قرار تعقيبي مدني عدد 11005 مؤرّخ في 27 جويلية 1976 م .ق. ت 1977 ج 1 ص 21 ، مع تعليق ساسي بن حليمة.
انظر أيضا القرار التعقيبي المدني عدد 27777 بتاريخ 26 جانفي 1993 ن 1993 ق. م. ص 283.
انظر محمد الهاشمي دحيدح" نقي النسب عن طريق تحليل اعدم " ق ت عدد 5و6 /1974
الهادي مشعب ،البيولوجيا والقانون رسالة لنيل شهادة التخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، السنة القضائيّة 1994 – 1995 ص 28 .
الهادي مشعب،المرجع السّابق، ص 28 .
قرار تعقيبي مدني عدد 6143 يؤرّخ في 18 جويلية 1968 .
R. T. D 1969 / 1970 P 200, Note De lagrange.
قرار تعقيبي مدني عدد 5332 مؤرّخ في 2 نوفمبر 1978 ق. ت 1979 ص 184 .
حكم إبتدائي مدني عدد 40376 صادر عن المحكمة الابتدائيّة بسوسة بتاريخ 29 فيفري 2000 ( انظر الملحق ).
حكم إبتدائي مدني عدد 121973 صادر عن المحكمة الابتدائيّة بالمنستير بتاريخ 25 ماي 2000 ( انظر الملحق ) .
يوسف بالعيوني . المرجع السابق ص 260 .
Nadra Romdhane op.cit p. 37 .
Jean Hauser : Daniele Huet weiller : Droit civil et vie de la famille ; 2 é d , L G D J p 532et 5 : les conflits de filiation.
Voir : Galloux ( C ) : "L'empreinte génétique, la preuve parfaite " op.cit. P 104 et S .
أنظر الملحق .
أنظر في هذا المعني القرار التعقيببي المدني عدد 4444 مؤرّخ في 20 ديسمبر 1966 م م م ت معلّق عليها ، بلقاسم القروي الشابّي، المطبعة الرسميّة للجمهوريّة التونسيّة 1990 ص 72 .

Art 16 – 11 code civil :" l'identification d'une personne par ses empreintes génétiques ne peut être recherchée que dans le cadre de mesure d'enquête ou d'instruction diligentés lors d'une procédure judiciaire ou à des fins médicales ou de recherches scientifiques .
En matière civile cette identification ne peut être recherchée qu'en exécution d'une mesure d'instruction ordonnée par le juge saisi tendant soit à l'établissement ou la contestation d'un lien de filiation soit à l'obtention ou la suppression de subides, le consentement de l'intéressé doit être préalablement et expressément recueilli…".
حكم مؤرّخ في 25 ماي 2000 مذكور أعلاه .
منشور وزير الصحّة العموميّة تحت عدد 128 مؤرّخ في 27 نوفمبر 1998 يتعلّق بالعناية بالأطفال المولودين خارج إطار الزواج .
عواطف عبد القادر، المرجع السابق، ص 39.
.
عواطف عبد القادر، المرجع السابق، ص 40.
Florence Bellifier, Laurence Brunet, Catheriune Labrusse –Rion, La filiation, la génétique et le juge ou est passé la là ; R T D civ juill – sept 19999 p 531 .
Voir V.J Hauser .R T D civ, 1998 p 357 n° 15 , obs 55 cass 1ère civ, 11 Février 1997
Jean Christophe Galloux, op cit. JCP édition G, 1999 I n° 3497.
الفصل الخامس من الدستور .
Jean Carbonnier, op.cit p 293 .
على أنّ المشرّع الفرنسي لا يشترط أن تكون هذه الموافقة كتابيّة خلافا للاختبارات التي يتمّ إجراءها لأغراض طبيّة وعلميّة طبق أحكام الفصل 145 – 15 من مجلّة الصحّة العموميّة الفرنسية .
Jacque Massip, Dalloz 1999 n° 41 , J P commentaire 5 p 652 .
G . Cormu , op.cit p 279 :" la manifestation de la vérité pourrait avoir un intérêt moral à la perspective d'un trouble inutile, le législateur a estimé qu'en la circonstance cette vérité n'était pas bonne à dire."
المحكمة الابتدائيّة بصفاقس. حكم عدد 42123 مؤرّخ في 25 جوان 1999 غير منشور أنظر الملحق .
محكمة الاستئناف بالمنستير قرار عدد 13936 بتاريخ 12 جويلية 2000 جريدة الصباح الاربعاء 1 نوفمبر 2000 مع تعليق ساسي بن حليمة .
Jean Carbonnier. op., cit. p 195.
شرح عبد الله التاودي : على هامش البهجة في شرح التحفة .
محمد الشرفي وعلي المزغنّي، أحكام الحقوق، دار الجنوب للنشر بتونس، ص 302.
المحكمة الإبتدائيّة بالمهديّة 5 جوان 1961 م .ق. ت ص 576 .
يوسف قاسم، المرجع السابق، ص 378 .
وهبة الزحيلي، المرجع السابق، ص 465 .
المدونة المغربيّة أوردته تحت عنوان الإستلحاق بالباب الثاني من المدونة وخصصت له الفصول 92 و 93 و 94 و 95 .
خصّّّص المشرّع الفرنسي الإعتراف بالبنوة للأطفال الطبيعيين الفصول من 335 إلى 339 من المجلّة المدنيّة الفرنسيّة وأورده بالفرع الثاني من الفصل الثالث المتعلّق بالأطفال الطبيعيين.
كأن يعترف شخص بأن فلانا أخوه فيجعله بذلك إبنا لأبيه وأخا للمقرّ ولا يعد هذا الإقرار إستلحاقا ولا يثبت به النّسب إنّما يصدق في إلحاق الولد بفراشه لا بفراش غيره.
الفصل 70 م أ ش.
حافظ بوعصيدة، المرجع السّابق، ص 21 .
والعكس صحيح وهو ما قرّره المشرّع الفرنسي بالفصلين 336 و 337 م م ف المتعلّق بالإعتراف بالبنوة الطبيعيّة .
Art 336 : " La réconnaissance du père sans indication et l'aveu de la mère n’a d’effet qu'à légard du père." Art 337 :" l'acte de réconnaissance porter indication de la mère vaut réconnaissance lorsqu'il est corroboré par la posséssion d'état".
وهبة الزحيلي المرجع السابق ص 396 .
وهبة الزحيلي. المرجع السابق. ص 691 .
G.Cornu.op.cit.p328.
قرار تعقيبي مدني عدد 1780 مؤرّخ في 14 مارس 1978 .ن. م .ت 1978 القسم المدني ص 118 .
وهو الحلّ الذي إعتمده المشرّع الفرنسي بالنسبة للإعتراف بالبنوة الطبيعيّة بحيث أنّ الإعتراف بالبنوة يحتجّ به على الجميع opposable érga - omnes ولا يمكن للغير أن يتجاهله.
art 338 C C F :" Tant qu'elle n'a pas été contestée en justice, une reconnaissance rend irrévocable l'établissement d'une autre filiation naturelle qui la contredirait".
عبّر المشرّع التونسي عن هذا الإتّجاه بتقديمه لإحتراز على تطبيق بعض أحكام إتّفاقيّة حقوق الطفل على غرار بقيّة الدول الإسلاميّة خاصّة المادّة الثانية منها التي نصّت على مبدأ عدم التمييز بين الأطفال وإلزام الدول الأطراف بإتّخاذ جميع التدابير التي تكفل للطفل الحمايّة من جميع إشكال التمييز. وتضمّن الإحتراز ما يلي:" تبدي الحكومة التونسية إحترازا بشأن أحكام المادّة الثانية من الإتّفاقيّة التي لا يمكن أن تقوم حاجزا أمام العمل بتشريعها الوطني المتعلّق بالأحوال الشخصيّة فيما يتعلّق بالزواج والإرث."
وردت هذه القاعدة أيضا بالفصل 587 من لائحة الشيخ جعيط في تحريرها حسب المذهب المالكي وكذلك في تحريرها حسب المذهب الحنفي.
علي الفطناسي : ثبوت النسب بالإقرار .ق ت عدد1/1976 ص19
ساسي بن حليمة : وضعية الطفولة الطبيعيّة أو الغير شرعيّة في تونس ، ق ت عدد 2 / 1966
حكم إبتدائي مدني صادر عن المحكمة الإبتدائيّة بقفصة بتاريخ 21 فيفري 1994 م ق 6 / 1994 ص 136 مع تعليق للإستاذ ساسي بن حليمة .
قرار تعقيبي مدني عدد 2000 مؤرّخ في 5 ديسمبر 1963 ذكر في مقالة رؤول بن عطار:" النسب في مجلّة الأحوال الشخصيّة."م ق ت 63 / 65 ص 28 .
حسين الفطناسي، المرجع السابق ، ص 23 .
قرار تعقيبي مدني عدد 9976 بتاريخ 5 أفريل 1984 ق ت 2 / 92 ص 29 مع تعليق لللأستاذ ساسي بن حليمة .
انظر في نفس هذا الاتجاه قرار تعقيبي مدني عدد 9853 مؤرّخ في 29 / 4 .1975 .ن 1975 ق. م. ج 1 ص 231 ،
قرار تعقيبي مدني عدد 1352 مؤرّخ في 2 جانفي 1979 ن 979 ق م ج 1 ص 11،
قرار تعقيبي مدني عدد 51346 مؤرّخ في 26 نوفمبر 1996 ن 1996 ق م ج 2 ص 228.
قرار إستئنافي مدني سوسة عدد 5332 مؤرّخ في 2 نوفمبر 1978 ق ت 5 / 1979 ص 124.
قرار تعقيبي مدني عدد 4339 مؤرّخ في 6 جانفي 1981 ق ت 2 / 1981 ص 61 .
انظر أيضا: قرار تعقيبي مدني عدد 3712 مؤرّخ في 12 مارس 1981 ن 1981 ق م ج 1 ص 99.
عبد العزيز عامر :المرجع السّابق ص 45 .
قرار تعقيبي مدني عدد 9853 مؤرّخ في 29 أفريل 1975 ،ن 1975 ق .م. ج1 ص231
قرار تعقيبي مدني عدد 13551 مؤرّخ في 2 جانفي 1975 ن 1975 ص 11
قرار تعقيبي مدني عدد 25274 مؤرّخ في 12 فيفري 1991 ،م ق ت 1992
أطروحة الدكتوراه ص 139 .
المقصود بالزنا في القانون الوضعي أي الإتّصال الجنسي الواقع بين إمرأة ورجل إحدهما أو كلاهما مرتبط بزواج مع شخص آخر بينما يعتبر زنا في الفقه الاسلامي كل إتّصال جنسي بين رجل وإمرأة لا تجمعهما رابطة زوجيّة.
حافظ بوعصيدة :المرجع السابق، ص 19 .
Art 335 :" La réconnaissance d'un enfant naturel sera faite par acte authentique lorsqu'elle ne l'aura pas été dans l'acte de naissance".
الفصل 95 المدونة الغربيّة :" الإستلحاق يثبت بإشهاد رسمي أو بخط يد المستلحق الذي لا شك فيه."
قررار تعقيبي مدني 29 أكتوبر 1968 م ق ت 1969 ص 503 .
قرار تعقيبي مدني بتاريخ 13 جوان 1989 م ق ت 1993 ص 97 مع تعليق ساسي بن حليمة .
قرار إستئنافي مدني 13936 صادر بتاريخ 12 جويلية 2000 جريدة الصباح، الاربعاء 1 نوفمبر 2000 ،مع تعليق ساسي بن حليمة .
الفصل 429 م ا ع
حكم إبتدائي مدني عدد 42121 صادر بتاريخ 25 جوان 1999
قرار استئنافي مدني عدد 13936 صادر بتاريخ 12 جويلية 2000
تمّ ذكرهما في تعليق ساسي بن حليمة على قرار محكمة الاستئناف بالمنستير : رفض إجراء التحليل الجيني وإثبات البنوة جريدة الصباح 1 نوفمبر 2000.
قرار تعقيبي مدني عدد 3187 مؤرّخ في 25 جوان 1974 ن 1974 الهشم المدني ص 27.
قرار تعقيبي مدني عدد 6143 مؤرّخ في 18 جويلية 1968 ن 1968 القسم المدني ص 24.
انظر قرار تعقيبي مدني عدد 7329 مؤرّخ في 15 مارس 1983 ن 1983 ق .م .ج 1 ص 172 .
قرار تعقيبي مدني عدد 3674 مؤرّخ في 25 جوان 1964. ن 1964 ق .م. ص 27 .
قرار استئنافي مدني صادر عن محكمة الاستئناف بصفاقس تحت عدد 659 بتاريخ 15 نوفمبر 1973،ذكر في أطروحة دكتوراه ساسي بن حليمة، ص149.
قرار تعقيبي مدني مؤرّخ في 21 أوت 1968 ،ن 1968 ق. م .ص 82.
جمال شهلول .المرجع السّابق .ص 139 .
ساسي بن حليمة، أطروحة الدكتوراه ص 295 .
علي الفطناسي، ثبوت النسب بالإقرار، ق ت عدد 1/1976 ص 26 .
Voir: Jean Carbonnier op.cit p 272 .
ورد هذا التعريف بالفصل 1684 من مجلّة الأحكام العدليّة .
سورة الطلاق الآية 2.
عبد العزيز عامر المرجع السابق ص 42 .
ساسي بن حليمة، أطروحة الدكتوراة ص 176 .
وهبة الزحيلي : الفقه الاسلامي وأدلّته، الجزء السابع الأحوال الشخصيّة ص 695 .
أهمّ تنقيح تم بموجب القانون عدد 74 لسنة 1993 المؤرّخ في 12 جويلية 1993 والمتعلّق بتنقيح بعض فصول م ا ش ،إضافة إلى المصادقة على اتفاقية نيويورك المتعلّقة بنبذ كل أشكال التمييز ضد المرأة والمؤرّخة في سنة 1979.
يوسف قاسم المرجع السابق ص 384 .
قرار تعقيبي مدني عدده 14950 مؤرّخ في 28 جانفي 1986.
قرار تعقيبي مدني عدد 4540 مؤرّخ في 7 سبتمبر 1966 .
قرار تعقيبي مدني عدد 7234 مؤرّخ في 14 ماي 1970 .
مذكورين في تعليق بلقاسم القروي الشابي على مجلّة المرافعات المدنية والتجارية.
التسامع هو استفاضة الخبر وإشهاده بين الناس وقد أخذه أبو حنيفة بهذا المعنى أما أبو يوسف ومحمّد ( صاحبا أبي حنيفة ) فقد توسّعا في مدلول التسامع بهذا الشأن وقالا إذا أخبره عدلان أنّ نسب فلان من فلان جاز له أن يشهد بذلك ويعبّر عن هذه الشهادة بالتسامع عندهما .
وهبة الزحيلي، المرجع السابق ص 696
ساسي بن حليمة ، اطروحة الدكتوراه ص 170.

الفصلين 311 – 1 و 311 – 2 م م ف
Gerard cornu ; op.cit. p 294 .
قرار إستئنافي مدني مؤرّخ في 11 ديسمبر 1967مذكور في أطروحة دكتوراه ساسي بن حليمة ص 164 .
قرار تعقيبي مدني عدد 6143 مؤرّخ في 18 جويلية 1968 ق ت 1و 2 / 1969 ص 25
R T D 1969 / 1970 p 200 Note de la grange
قرار تعقيبي مدني عدد 6112 مؤرّخ في 21 أوت 1968 ق ت 1969 ص 275 .
قرار تعقيبي مدني عدد 7116 مؤرّخ في 20 جوان 1972 ،مذكور في أطروحة دكتوراه ساسي بن حليمة ص 166 .
قرار تعقيبي مدني عدد 790 مؤرّخ في 26 ماي 1977 .
انظر أيضا: قرار تعقيبي مدني عدد 6119 مؤرّخ في 21 أوت 1968 ق. ت 1969 ص 275 .
قرار تعقيبي مدني عدد 9210مؤرّخ في 06 مارس 1973 ،ن 1973 ص 142.
قرار تعقيبي مدني عدد 9108 مؤرّخ في 11 ديسمبر 1973 ،ن 1973 ص 144.
قرارا تعقيبي مدني عدد 4339 مؤرّخ في 06 جانفي 1981 ،ن 1981 ص 92.
قرار تعقيبي مدني عدد 51346 مؤرّخ في 26 نوفمبر 1996 ن 1996 الجزء 11 ص 225 .
قرار تعقيبي مدني عدد 56315 مؤرّخ في 13 ماي 1997 ن 1997 الجزء 11 ص 265.
انظر أيضا قرار تعقيبي مدني عدد 54585 مؤرّخ في 25 مارس 1997 ن 1997 الجزء 11 ص 270.
علي حسين الفطناسي ، إثبات النسب بالبينة، ق .ت عدد 9 لسنة 1975 .
ساسي بن حليمة، أطروحة الدكتوراه، ص 177 و 178.
روضة العبيدي، المرجع السّابق ص 77 .
قرار تعقيبي مدني مؤرّخ في 25 مارس 1997 ن 1997 الجزء 11 ص 272 .

Ben Dhia (A) et Farhat (M) op.cit , p 39 .
ويقتضي التنازع بين فراشين أن يكون الطفل متمتعا بقرينة الفراش تجاه زوجين لأمّه ورغم أنّ هذه الفرضية نادرة إلاّ أنّها ممكنة في التطبيق كأن تتزوّج المرأة دون احترام آجال العدّة أو أن تتداخل آجال أدنى مدّة للحمل وأقصاها بصورة تجعل من غير الممكن نسبة الطفل المولود إلى هذا الزوج أو ذاك .
الأعمال التحضيريّة : مداولات مجلس النواب عدد 2 جلسة يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 1998 .
ساسي بن حليمة، أطروحة الدكتوراه، ص 167 .
:op.cit.p 26 Awatef Abdelkader
أنظر الفصول 212 و 213 و 53 مكرّر م ج .

أنظر الفصول 229 و 218 و 203 م ج .
Mezghani (a) : commentaires du code de droit international privé, Tunis C PU , 1999 p 24 notre n° 38.
Awatef Abdelkader op.cit p 73.
نص الفصل 15 من قانون 4 مارس 1958 المتعلّق بالدلاية العمومية والكفالة والتبني على ما يلي للمتبني نفس الحقوق التي للإبن الشرعي وعليه ما عليه من الواجبات وللمتبني إزاء المتبني نفس الحقوق التي يقرها القانون للأبوين الشرعيين وعليه ما يفرضه من الواجبات عليهما.إلاّ أنّه في الصورة التي يكون فيها أقارب المتبني معروفين تبقى موانع الزواج المنصوص عليها بالفصول 14 و15 و16 و17 من مجلة الأحوال الشخصية قائمة."
محمد أبو زهرة المرجع السابق ص 73.
يوسف قاسم ،المرجع السابق
انظر الفصول من 161 إلى 164 م م ف والفصل 342-7 من نفس المجلّة
Hirsoux (E) , JCP, annexes 111, v. nom détermination, fasc. 20 .
محمد الشرفي وعلي المزغني أحكام الحقوق، دار الجنوب لنشر تونس ص 202. وما بعدها.
Jean Carbonnier, droit civil, tom 1 édition Thémis1977 p 241.
فلا يمكن للأم المطلقة مثلا والتي تزوجت ثانية إسناد لقب زوجها الثاني لابنها من زوجها الأوّل انظر في هذا المعنى: . C A paris 19 mars 1954, D 1954 jurisprudences p 424

جمال شهلول، المرجع السابق، ص 132.
تعرّف الصفة بأنّها صلاحية قانونيّة إجرائيّة يجب أن تتوفّر فيمن يرفع الدّعوى وفيمن ترفع الدّعوى ضدّه وهي لا تثبت إلاّ لصاحب الحق أو للممثله القانوني وتعدّ الصفة شرط من شروط قبول الدعوى نص عليها الفصل 19 م م م ت .
voir : Henry Solus et Rogar Perrot : droit judiciaire privé, sirey, 1961 . T 1 n° 262.
نصّ الفصل الثالث ق ح م :" لا يجوز لضابط الحالة المدنيّة التنصيص بالرسوم التي يتلقاها إلاّ على ما يصرّح به الأشخاص الحاضرون لديه ويحجر عليه الترسيمات التي تخصّه شخصيا كطرف أو كشاهد".
المنصف بوقرّة، المرجع السابق، ص 74 .
انظر : رشيد الصبّاغ : صفة الأم في رفع دعوى في إثبات نسب إبنها من أبيه ودعوى بإلزامه في الإنفاق عليه" م .ق. ت 1979 ج 1 ص 51 .
قرار استئنافي مدني عدد 2790 مؤرّخ في 26 فيفري 1971 م ق ت لسنة 1971 ص 646.
قرار استئنافي مدني عدد 2641 مؤرّخ في 28 جانفي 1971 م ق ت سنة 1971 ص 480 .
قرار استئنافي مدني عدد 2601 بتاريخ 28 جانفي 1971.
جاء بقرار محكمة الاستئناف بسوسة المؤرّخ في 28 جانفي 1971 ما يلي :" إنّ المقصود من الصفة المنصوص عليها بالفصل 19 م م م ت هي المصلحة الشخصية والمباشرة من رفع الدعوى وعليه إذا قامت إمرأة بطلب إلحاق نسب ابنتها القاصرة برجل تدّعي أنّه والد تلك البنت فان هذه الدّعوى لا تقبل لان البنت تعتبر مستقلة تماما عن أمّها القائمة بالدّعوى رغم ما لهذه الأخيرة من المصلحة الواضحة في القيام بدعواها وكان من الوجيه بالنظر إلى أنّ البنت قاصرة عن سن الرشد ولا سبيل لأن يقوم الأب بالدّعوى بناء على أنّه الخصيم المنكر للأبوّة أن يقع السعي في إقامة مقدّم على البنت بواسطة النيابة العموميّة ومهما يكن من أمر فإنّ على المحكمة أن تحكم عفويا برفض الدّعوى الطالبة لثبوت نسب إبنتها نظرا لفقد الصقة" .
قرار تعقيبي مدني عدد 5575 مؤرّخ في 29 أكتوبر 1968 ن 1968 ق. م .ص 96 .
قرار تعقيبي مدني عدد 319 مؤرّخ في 17 جانفي 1961 ن 1968 ق .م. ص 10 .
انظر توفيق شبشوب دور النيابة العمومية في المادة المدنية : رسالة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في الحقوق، كلية الحقوق بتونس 1981 .
صادقت تونس على اتفاقية حقوق الطفل المؤرّخة في 20 نوفمبر 1989 بمقتضى القانون عدد 92 المؤرّخ في 20 نوفمبر 1991 .
نصّ الفصل 5 م ح ط :" لكلّ طفل الحق في الهوية منذ ولادته وتشمل الهوية الإسم واللقب العائلي وتاريخ الولادة والجنسية."
الفصل 20 م إ ج .
حافظ بوعصيدة. المرجع السابق ص 34 .
Awatef Abdelkader, op.cit p 48
محكمة الاستئناف بالمنستير قرار عدد 13936 مؤرّخ في 12 جويلية 2000 جريدة الصباح الاربعاء 1 نوفمبر 2000 مع تعليق لساسي بن حليمة.
قرار تعقيبي مدني عدد 5575 بتاريخ 20 أكتوبر 1968 مذكور أعلاه .
الفصل 533 م إ ع.
V.Huet Weiler ; réflexion sur l'indisponibilité des actions relatives à la filiation. D, 78 chron p 233.
Cass. 1ère CV 2 Mars 1999 Juisclasseur, filiation, fasc. 45 p 215468
cass. 1ère civ. 3 juin 1998, recueil Dalloz 1998, 39er cahier sommaires commentés
Claude Colombet, la famille, éd .PUF p121.
Meddeb Soraya, "l'attribution du nom" mémoire D E A, faculté droit de Tunis 1996 p 48
محمد الشرفي وعلي المزغني المرجع السابق ص 204 .
M Grimaldi : patronyme et famille, l'attribution du nom, Défrénois 1987, article 34117
Lindon : La transmission du nom du père légitime à ses enfants, Dalloz 1985 p 113.
« A la différence de l'enfant légitime qui appartient à une groupe auquel la loi peut toujours supposer une unité nominale l'enfant naturel est dans une rélation inter-individuelle avec chacun de ses auteurs » ; J.Carbonnier : droit civil : les personnes, paris éd P.U.F 21ème édition 2000


ليلى عاشور، مضمون الولادة، مذكّرة للأحراز على شهادة الدراسات المعمقة في القانون الخاص. كلية الحقوق بتونس 1997.
وقد بيّنت محكمة التعقيب التونسية الحالات التي يجوز فيها الإذن بإصلاح رسوم الحالة المدنية بقرارها عدد 2611 مؤرّخ في 10 أكتوبر 1963 منشور ب م ق ت 1963 – 1965 ص 41 مع تعليق دي لاقرانج والذي جاء فيه :" إصلاح بطاقات الحالة المدنية بأحكام عدلية لا يلتجأ إليه إلاّ لتدارك ما وقع السّهو عن ترسيمه في الأجل من البيانات المفروضة في الموضوع أو لإصلاح الأغلاط المادية الواقعة في الترسيم أو غير ذلك مما يؤدّي لتعديل الحالة والرّجوع بها لصوابها الثّابت في نفس تاريخ الترسيم."
انظر صالح بوسطعة : الحالة المدنية في القانون التونسي، المدرسة القومية للإدارة، مركز البحوث والدراسات الإدارية.
هادية عبيد، "الولادة" ،مذكرة إحراز على شهادة الدراسات المعمقة في القانون الخاص كلية الحقوق بتونس، 1997 .
المحكمة الابتدائية بين عروس، حكم عدد 9506 بتاريخ 14 جانفي 2000 جاء بمنطوق الحكم ما يلي :" قضت المحكمة ابتدائيا بإسناد لقب المطلوب فلان إبن … إلى إبنه … وإبن المرأة …. والإذن للسيد ضابط الحالة المدنية بإدراج ذلك برسم ولادته ودفاتر الحالة المدنية وذلك بعد شطب لقبه السابق كالإذن بإدراج إسم الأب ولقبه بالخانة المخصّصة لذلك."
المحكمة الابتدائية بالمنستير حكم عدد 12333 مؤرّخ في 9 مارس 2000 .
المحكمة الابتدائية بصفاقس حكم عدد 1164 مؤرّخ في 11 جوان 1999.
مريم البكوش. حقوق الطفل في القانون التونسي، رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء السنة القضائية 1996 – 1997 ص 101 .
زكرياء أحمد البشري : أحكام الأولاد في الإسلام، الدار القومية للطباعة والنشر القاهرة مصر ص 99 .
قرار تعقيبي مدني عدد 36815 بتاريخ 8 مارس 1993 ن 1993 ق م ص 294 .
انظر البشير الفرشيشي" خواطر حول الحضانة في فقه القضاء التونسي" م. ق. ت 1978 ج ص 9.
جمال شهلول المرجع السابق ص 135 .
H.saferi, la protection des incapables, étude comparative du droit musulman classique et des législations modernes des pays islamiques, thèse pour le doctorat d'état en droit, p97 .
Louis milliot: Introduction à l'étude du droit musulman, Sirey. 1971 p 405.
انظر في هذا المعنى القرار التعقيبي عدد 36815 مؤرّخ في 8 مارس 1993 ن 1993 ق. م. ص 294 .
قرارا تعقيبي مدني عدد 1773 مؤرّخ في 7 مارس 1978 ن 1978 ق م. ج 1 ص 80.
انظر أيضا القرار التعقيبي المدني عدد 2651 مؤرّخ في 9 مارس 1978 ن 1978 ق م. ج2 ص 54.
محكمة الاستئناف بتونس قرار عدد 17044 م ق ت لسنة 1959 ص 496.
انظر نادرة اللّومي:" الحضانة" رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء 1990.
قرار تعقيبي مدني عدد 10473 مؤرّخ في 12 ماي 1975 ن 1975 قم. ج2 ص 87 .
انظر أيضا قرار تعقيبي مدني عدد 8603 مؤرّخ في 3 جويلية 1973 ن 1973 ق م. ج.1ص 131.
قرارا تعقيبي مدني عدد 4875 مؤرّخ في 24 أوت 1966 ق ت 1966 عدد 8 ص 27
قرارا تعقيبي مدني عدد 36815 مؤرّخ في 8 مارس 1993 ن 1993 ق م ص 294
انظر أيضا: القرار التعقيبي المدني عدد 38775 مؤرّخ في 8 ماي 1994 ن 1994 ق م ص 282 .
القرار التعقيبي المدني عدد 20431 مؤرّخ في 2 فيفري 1989 ق ت عدد 7 لسنة 1991 ص 94 .
قرار تعقيبي مدني عدد 25913 مؤرّخ في 8 ماي 1990 ن 1990 ق م ص 259
قرار تعقيبي عدد 38775 مؤرّخ في 8 مارس 1994 ن 1994 ق م ص 282 .
نص الفصل 61 م ا ش :" إذا سافرت الحاضنة سفر نقلة مسافة يعسر معها على الولي القيام بواجباته تحو منظوره سقطت حضانتها".
الفصل 64 م أ ش .
محكمة الاستئناف بتونس، قرار عدد 55681 بتاريخ 10 جانفي 1963 ،ق. ت عدد 8 لسنة 1963 ص 48 .
الفصل 13 من الدستور .
Boris starck, obligations, Responsabilité délictuelle, 4ème éd, éd Litec. p 452 et s.
محمّد الزين : المسؤولية التقصيرية.محاضرات مرقونة القيت على طلبة النسبة الثانية من الاستاذية في الحقوق بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس السنة الجامعية 94 – 95
Béchir Ferchichi, la tutelle des pères et mères sur leurs enfant mineurs dans le droit marocain et Tunisien comparées, thèse pour le doctorat d'état en droit, université de Tunis faculté de droit de Tunis .p 26
حدّد الفصل 93 م إ ع شرط السن ب 18 سنة كاملة وهو إختيار تشريعي يتناقض وأحكام الفصلين 7 م إ ع و153 م أ ش الذين حدّدا سنّ الرّشد المدني ب 20 سنة كاملة
عمّار الدّاودي،" الولاية على نفس الصغير"، مذكرة الإحراز على شهادة الدراسات المعمّقة في القانون الخاص، كلية الحقوق بتونس 1995 ص 254 .
محمّد يوسف موسى ، أحكام الأحوال الشخصيّة، ص 145.
انظر رشيد الصباغ : الطفل ولاية وتربية ق ت عدد 8 لسنة 1966 ص 13 .
يرى بعض الفقهاء أنّ هذا الفصل يتعارض مع القاعدة الأصولية المانعة لولاية المرأة في الزواج إستنادا لقوله صلى الله عليه وسلّم " لا تزوّج المرأة المرأة ولا المرأة نفسها فإنّ الزانية هي التي تزؤّج نفسها."
إقتضى الفصل 60 م أ ش :" للأب وغيره من الأولياء وللأم النظر في شؤون المحضون وتأديبه وإرساله إلى أماكن التعليم لكنّه لا يبيت إلاّ عند حاضنه. كل ذلك ما لم ير القاضي خلافه لمصلحة المحضون."
الفصل 213 م م ف .
الفصل 376 م م ف.
الفصل 389 م م ف .
الولاية على المال هي سلطة التصرّف في أموال المولي عليه ضمن الحدود المعيّنة في النصوص القانونية.
الولاية على الشّخص هي مجمل الحقوق والواجبات المترتبة للولي وعليه فيما يتعلّق بشخص الطفل وبحقوقه الشخصيّة.
أنظر الهادي الكناني "الأوصياء والمقدّمون" رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء 1992.
انظر الفصول 8 و9 و 10 م إ ع.
تمّ تنقيح الفصل 155 م أ ش بموجب القانون عدد 7 لسنة 1981 المؤرّخ في 18 فيفري 1981 وقد كان ينصّ في صيانته الأصلية على أنّ :" للأب أو لوصيّه الولاية على الصغير أصالة ولا تبطل إلاّ بإذن من الحاكم لأسباب شرعيّة."
انظر الهادي الكناني:" الأوصياء والمقدّمون " رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء السنة القضائيّة 1991 – 1992.
انظر عبد الباسط الخالدي" الترشيد بالزواج"، ق ت عدد8 / 1995 ص 175.
Mohamed Medeni, les empreintes génétiques et droit de filiation, R. J. L, février 1996 p 18
انظر رضا خماخم : أحكام النفقة حسب تنقيح م أ ش في 11 جويلية 1993منشورات مركز الدراسات القانونية والقضائيّة 1995.
سعيد عبّوج ، نفقة الأبناء ، مذكرة لنيل شهادة الدراسات المعمّقة في القانون الخاص، كلية الحقوق بتونس 1986.
انظر ساسي بن حليمة م ق ت لسنة 1998 تعليق على قرار تعقيبي مدني عدد27777 مؤرّخ في 26 جانفي 1993 ص 179.
Hausser et D Huet-weiller, traité de droit civil, la famille fondation et vie de la famille, L G D J , 2ème éd 1993 p 467.
Claudine Gonan, le rapprochement de l'action à fins de subsides et de l'action en recherche de paternité naturelle, J C P, semaine juridique, éd générale, n° 36, 2 septembre 1998 p 1477.
Art 342 C C F :" Tout enfant naturel dont la filiation n'est pas légalement établie peut réclamer des subsides a celui qui a eu des relations avec sa mère pendant la période légale de la conception."
. Claudine Gonon . op.cit p 1480.
حافظ بوعصيدة، المرجع السابق، ص 38 .
محمد شمام ، وجوب نفقة الزوجة بالدخول، ق ت 7 لعام 1985. ص 9 .
قرار تعقيبي مدني عدد 6641 مؤرّخ في 11 ماي 1981 ن 1981 ق م.ج 3 ص 149.
قرار تعقيبي مدني عدد 5338 مؤرّخ في 9 جوان 1981 .ن 1981 ق. م. ج 2 ص 143.
وقد أكّدت محكمة التعقيب على هذا المبدأ إلاّ أنّها إشترطت الإعسار التام فقد جاء بحيثيات قرارها التعقيبي الجزائي المؤرّخ في 3 جوان 1992 تحت عدد 38906 .ن 1992 ق ج. ص 48 ما يلي :" إنّ أداء النفقة من الأمور المعاشية التي لا يمكن إعفاء المطالب بأدائها منها إلاّ في صورة الإعسار التام الذي يمكن أن يتّضح حسب الظروف والأحوال. وإن إكتفاء محكمة الموضوع بإثبات جانب إعسار المدّعي عليه دون مناقشة ما يشكّل
حجة لفائدة المنتفع بالنفقة والمرور عليها مرّ الكرام يجعل الحكم قد تغافى عن الردّ بصورة مقنعة في وسائل الإثبات المظروفة بالملف بما يجعله ضعيف التعليل."

قرار تعقيبي مدني عدد 11477 مؤرّخ في 28 أفريل 1975 ن 1975 ق .م .ج 1 ص 228 .
قرار تعقيبي مدني عدد 5398 مؤرّخ في 10 مارس 1981 ن 1981 ق. م ج 2 ص 299.
قرار تعقيبي مدني عدد 3613 مؤرّخ في 10 مارس 1981 ن 1981 ق. م ج 1 ص 95 .
قرار تعقيبي مدني عدد 3224 مؤرّخ في 16 مارس 1965 ق. ت عدد 7/1965 ص 33.
R T D 1968 p 87, note de lagrange.
قرار تعقيبي مدني عدد 26654 مؤرّخ في 30 أفريل 1991 ن 1991 ق م. ص 135 .
قرار تعقيبي جزائي عدد 5955 مؤرّخ في 28 أفريل 1971 ن 1971 ق ج. ص 158
قرار تعقيبي جزائي 24108 مؤرّخ في 28 جوان 1989 ق ت عدد 7/1991 ص 109.
قرار تعقيبي جزائي عدد 9382 مؤرّخ في 14 مارس 1973ن 1973 ق ج. ص 203
فقد كانت الصياغة القديمة للفصل 53 مكرّر لا تنصّ على أنّ الأداء يوقف التتبّعات أو تنفيذ العقاب وقد كانت المحاكم التونسية تقضي بالإدانة ولو قام المتهم بخلاص معيّنات النفقة . أنظر في هذا المعنى القرار التعقيبي الجزائي عدد 188 مؤرّخ في 31 أوت 1977 ن 1977 ق ج. ج 1 ص 151.
V: M Abdelhamid Saidane " commentaire de l'article 53 bis du C S P" mémoire droit privé, faculté de droit de Tunis 1981
محمد الحبيب الشريف، صندوق ضمان النفقة وجراية الطلاق، سلسلة دراسات الميزان، ص 10.
الحبيب الشريف المرجع السابق ص 33.
الصادق بوفادن الحق في الهوية . ق ت أكتوبر 1999 ص 252 .
مداولات مجلس النواب الرائد الرسمي للجمهورية التونسية عدد 40 بتاريخ 15 جوان 1993 ص 43 .
فرج القصير، أحكام المواريث في القانون التونسي، المغاربية الطباعة والنشر والإشهار ص 5.
كمال اللواتي، موانع الإرث في القانون التونسي : رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء، السنة القضائية 1998 - 1999
محمد شاكر وزير العدل سابقا، مذكرة صادرة عن وزارة العدل في 3 أوت 1956 بمناسبة إصدار مجلة الأحوال الشخصية، مذكورة في قوانين الأحوال الشخصية والمدنية في تونس. لمحمد االحبيب الشريف، المجموعة القانونية ص 293. جاء بهذه المذكرة :" لا عجـب ولا غرابـة في ذلك لأننا أخذنا نصـوصـها (م أ ش ) من مناهل الشريعة الفياضة ومختلف مصادرها دون تقيّد بمذهب دونه مذهب وبرأي طائفة من الفقهاء دون أخرى."
انظر أيضا: البشير التكاري، مكانة الشريعة الإسلامية في دساتير الدول الإسلامية، م. ق. ت 1982 ص 20 وما بعدها.

مداولات مجلس النواب عدد 2 جلسة يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 1998
تمّت المصادقة على إتّفاقية حقوق الطفل بمقتضى القانون عدد 92 لسنة 1991 المؤرّخ في 29 نوفمبر 1991 ونشرت بالرائد الرسمي للجمهورية لتونسية عدد 84 الصادر في 10 ديسمبر 1991 ص 1658 بمقتضى الأمر عدد 1865 لسنة 1991 المؤرّخ في 10 ديسمبر 1991 .
حكم إبتدائي مدني، القصرين، مؤرّخ في 22 أفريل 1965 ق ت عدد 10 لعام 1965 ص 66.
كمال اللّواتي. المرجع السابق.ص89.
انظر أحمد الفرّاج حسين، نظام الإرث في التشريع الإسلامي، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية 1997 .
فرج القصير .المرجع السابق ص 8
Mezghani Ali , commentaires du code de droit international privé, op.cit p 24 not n° 38
فرج القصيّر، المرجع السابق، ص 25.
ناجح بن عائشة والطيب العبيدي : مقارنة قانونية بين أحكام النسب وأحكام قانون إسناد اللّقب العائلي للأطفال المهملين ومجهولي النسب المحكمة الابتدائيّة بالمهدية السنة القضائية 1999 – 2000 ص 10.
Jean Carbonnier, Droit civil, la famille, T2 l'enfant le couple, 20ème éd, édition PUF p 318
Jean Carbonnier, op.cit p 319
Jean Carbonnier op.cit p 319.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 

إثبات النّسب بين م أ ش والقانون عدد75 لسنة 1998 . رسالة تخرّج من المعهد الأعلى للقضاء إعداد الملحق القضائي : أنيس سكمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

 مواضيع مماثلة

-
» القانون رقم 89 لسنة 1998 في شأن المناقصات و المزايدات بواسطة شركة اسكانتا
» أحداث الكشح فى المرحلة الأولى15/8/ 1998 م
» قانون عدد 14 لسنة 1998 مؤرخ في 18 فيفري 1998 يتعلق بتعاطي تجارة المشروبات الكحولية المعدة للحمل.
» مجموعة المبادئ التي قررتها الدائرة الثانية من 1997-1998
» قانون عدد 65 لسنة 1998 مؤرخ في 20 جويلية 1998 يتعلق بالشركات المهنية للمحامين.

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 ::  :: -