البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 العنف ضد المرأة بين الشريعة والقانون التونسي د. منجية السوايحي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: العنف ضد المرأة بين الشريعة والقانون التونسي د. منجية السوايحي   السبت سبتمبر 06, 2014 11:34 am

العنف ضد المرأة بين الشريعة والقانون التونسي
د. منجية السوايحي

أستاذة علوم القرآن والتفسير بجامعة الزيتونة -تونس





لا تمثّل الأصوليات الاسلامية المتطرّفة استثناءً في تاريخ الحركات الدينية اسلاميّة كانت او مسيحية او يهودية او غيرها، وذلك عبر مختلف العصور والمجتمعات والثقافات، انما جاء اهتمامنا في هذه الفترة من تاريخ مجتمعاتنا العربية بمواقف الاصوليات الاسلامية المتطرفة من قضايا اجتماعية مثل قضية المرأة لما لتلك المواقف، من جهة ، من أثر على التقدم الذي احرزته العديد من المجتمعات العربية في هذا المجال، محاولة الارتداد بها عن المكاسب التي حقّقتها في إطار تحرير المرأة والنهوض بأوضاعها وتفعيل مساهمتها في الحياة العامة، ولما تمثّله هذه المواقف، من جهة ثانية، من تعسّف على النص الديني الاسلامي والخروج به عن مقاصده في موضوع حقّق فيه الاسلام ثورة كبرى على الممارسات التي كانت ترتّب مقام المرأة في الدرجة السفلى من البناء الاجتماعي داخل الجزيرة العربية وداخل المجتمعات المجاورة لها.
وقد رمنا في هذا البحث العودة الى النص الديني الاسلامي بقر نه وسنّته ومدوّنته التفسيرية، والذي تتّخذه الحركات الاصولية المتطرّفة سندا لتحريم ما لم يُحرّم وإجازة ما لم تتم إجازته في تنظيم العلاقة مع المرأة، وللعودة بها الى المرتبة الدنيا التي انتشلها منها الاسلام وذلك لنستقرئ موقف هذا النص من العنف تجاه المرأة بشكليه المادي والرمزي ثم لنستقرئ، في مرحلة ثانية، مجلة الأحوال الشخصية التونسية وبعض المدوّنات التشريعية الأخرى لنبرز مواقف المشرّع التونسي من هذه القضيّة، وذلك كنموذج لما يمكن ان تكون عليه القوانين الوضعية في استلهامها للدّين الاسلامي ولتعامله المنفتح في قضية هي من أشد القضايا حساسية عبر كل تاريخ الانسانية.
العنف بين القر ن والسنّة
لما هاجر المسلمون الى مكة، ووقع الاختلاط بين الأنصار والمهاجرين حصل تأثير بين الثقافتين، ومن نتيجة ذلك التلاقح تأدب نساء قريش بأدب نساء الأنصار، ومن ذلك الأدب مطالبة القريشيات بمنع العنف المسلّط عليهن من أزواجهن، ووجدت تلك المطالبة أذنا صاغية من الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم الذي قال لهم: "لا تضربوا إماء اللّه "(1).
أراد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يصبح ذلك تشريعا يطبّق، تتحقق به المساواة بين الجنسين، وهذا حديث عن ام كلثوم بنت أبي بكر الصدّيق تقول فيه: "كان الرجال نُهوا عن ضرب النساء" (2) والذي نهاهم هو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بناء على طلب النساء.
ولم تكن ثورتهن على الضرب فقط، فقد طالبن بتحقيق المساواة الكاملة مع الرجال. بعد أن كان الضرب في مكّة يعتبر عملا عاديا بدلالة حديث اسماء بنت ابي بكر، تقول: "كنت رابعة اربع نسوة عند الزبير ابن العوام رضي اللّه عنه، فإذا غضب على واحدة منّا ضربها بعود المشجب حتى يكسّره عليها "(3)، والمشجب خشبة توثق في الأرض تنشر عليها الثياب، ولا يبدو في كلام أسماء بنت الخليفة ما يظهر الاستنكار، أو الاستغراب، مما يفعله زوجها بهن، لأنّ نساء قريش تعوّدن الضرب، ولكن في المدينة حدث التغيير لما رأينه من حسن معاملة رجال الأنصار لزوجاتهم. يقول عمر بن الخطاب: "كنّا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذت نساؤنا تتأدّب بأدب نساء الأنصار" (4)، وحسب الأخبار، فإن حركة الثورة هذه تزعمتها أم سلمة زوج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي هند بنت أبي أمية بن المغيرة وقد قالت للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: "يا رسول اللّه يغزو الرجال ولا نغزو، ولهم من الميراث ضعف ما لنا، فليتنا كنّا رجالا" (5).
وفي تفسير الرازي أن امرأة جاءت الى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وقالت له: "ربّ الرجال والنساء واحد، وأنت رسول إلينا وإليهم، وأبونا آدم، وأمنا حوّاء، فما السبب في أن الله يذكر الرجال ولا يذكرنا" (6)، وكانت تلك الثورة عنيفة، وشديدة أدّت الى أن النساء ذئرن على أزواجهن يعني نشزن واجترأن، فأزعجن السلطة الذكورية.
ولكن هذه الثورة النسائية قابلتها ثورة مضادّة تزعمها عمر بن الخطاب الذي كان يدعو صراحة لضرب النساء، وروي عنه أنه قال: يا أشعب احفظ عنّي ثلاثا حفظتهنّ عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أذكر منها ما يهم الموضوع ونصّه "لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته "(7). وسأل عمر الرسول عن ضرب النساء فقال: "فأتيت الرسول صلّى الله عليه وسلّم فقلت: "ذئرت النساء على أزواجهنّ، فأذن في ضربهنّ "(Cool، ومما يؤكّد موقف عمر من النساء أنه لما خطب أم كلثوم بنت ابي بكر الصدّيق، قالت: "لا حاجة لي فيه.. إنه خشن العيش، شديد على النساء" (9).
ونظرا لمكانة عمر وموقف الرجال من هذه القضية، فإن ضرب النساء تواصل رغم نهي الرسول، وتدعّم بامتداد العدوى الى رجال الأنصار الذين أصبح بعضهم يضرب زوجته فيُرفع الأمر الى الرسول فيحكم بالقصاص مثلما وقع بين سعد بن الربيع أحد وجهاء المدينة وزوجته، وقبل أن يتم القصاص ينزل الوحي بعد أن التزم الرسول بتطبيق القصاص ثلاث سنوات كاملة، وكان سعد وزوجه خر من حكم لهما الرسول" (10).
الآية 34 من سورة النساء لدى المفسّرين
"الرجال قوّامون على النساء بما فضّل الله بعضهم على بعض، وبما انفقوا من أموالهم، فالصالحات فاتنات، حافظات للغيب بما حفظ اللّه، واللاّتي تخافون نشوزهن فعظوهنّ واهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ.
كيف فسّر علماء المسلمين قديما هذه الآية؟
يقول الطبري وهو من رجال القرن الثالث للهجرة/التاسع للميلاد: "واضربوهنّ يعني بذلك جلّ ثناؤه فعظوهنّ أيها الرجال في نشوزهنّ فإن أبين الإياب الى ما يلزمهنّ لكم فشدّوهن، واضربوهن ليؤبن الى الواجب عليهنّ من طاعة الله في اللازم لهنّ من حقوقكم "(11).
والضرب المقبول عند ابن كثير ذلك الذي "لم يَكسر فيها عضوا ولا يؤثر فيها شيئا"(12)، وعند الآلوسي الضرب غير المبرح هو الذي "لا يقطع لحما ولا يكسر عظما" (13)، وأجمع المفسّرون والفقهاء قديما على جواز الضرب، وصنّفوه الى أنواع حسب مقاييس لا تخضع للواقع، وتحط من كرامة المرأة.
ولكن هل طوّر المفسّرون المعاصرون نظرتهم الى قضية الضرب هذه؟
لقد اخترنا تفسير المنار لأنه معاصر وفيه جرأة كبيرة، إلا أن الذي يثير الاستغراب دعم محمد عبده (ت 1905)، وتلميذه رشيد رضا (1935) ضرب المرأة حيث يقول محمد عبده: "إن مشروعية ضرب النساء ليست بالأمر المستنكر في العقل أو الفطرة فيحتاج الى تأويل" (14).
ويسانده رشيد رضا بقوله: "يستنكر بعض مقلدة الافرنج في دابهم منا مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز عليه فتجعله وهو رئيس البيت مرؤوسا محقورا.. ولا أدري بما يعالجون هؤلاء النواشز، وبما يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهنّ به، فأي فساد يقع في الأرض إذا أبيح للرجل التقيّ الفاضل أن يخفّض من صلف إحداهنّ ويدهورها من نشز غرورها بسواك يضرب به يدها أو كفّ يهوي به على رقبتها" (15)، ومشكلته هنا أنه سيّد وأنه تقي وأنه فاضل لذلك لا بدّ أن يضرب.
وانطلقت كل هذه التفاسير مع أقوال بعض الفقهاء من تفضيل الرجل على المرأة، وبما أنه الأفضل والأقوى ويمتلك سلطة المال، فله حق استعباد المرأة وتأديبها. ولم تتأثر الأصولية المتشددة إلا بهؤلاء، والحال أن بعض المفسرين القدماء فسّروا التفضيل على أنه اتفاق وتبادل، ولا أفضلية للرجل على المرأة، ومنهم الرازي ونصّ عبارته: "النساء تكلّمن في تفضيل اللّه الرجال عليهنّ في الميراث فذكر اللّه تعالى في هذه الآية أنه إنما فضّل الرجال على النساء في الميراث، لأن الرجال قوامون على النساء، فإنهما، وإن اشتركا في استمتاع كل واحد منهما بالآخر، فقد أمر الله الرجال أن يدفعوا إليهنّ المهور ويدرّوا عليهنّ النفقة، فصارت الزيادة من الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر فكأنه لا فضل البتّة "(16).
وهذا أبو بكر بن العربي في كتابه "أحكام القرآن أورد حكم عطاء بن أبي رباح وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ولكن يغضب عليها.. وهذا من فقه عطاء فإنه من فهمه للشريعة ووقوفه على مضانّ الاجتهاد علم ان الأمر بالضرب ها هنا أمر إباحة، ووقف على الكراهة من طريق أخرى في قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث عبد اللّه بن زمعة: "إني لأكره للرجل أن يضرب زوجته عند غضبه، ولعلّه أن يضاجعها من يومه" (17)، وقال عبد المنعم بن الفرس من رجال القرن السادس للهجرة والثاني عشر للميلاد، ومفسر الأندلس متحدّثا عن العلماء: "انكروا الأحاديث المروية بالضرب.
بعد هذه الوقفة مع الفكر الإسلامي والذي انحرف جله عن حكم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ننظر الآن في سبب نزول الآية:
زوال أسباب الاباحة
فهل ما فعله الرسول صلّى الله عليه وسلم من حكم القصاص في قضية الضرب يتعارض مع ما أراده اللّه؟ لو كان متعارضا مع إرادته لنبّه رسوله الى الصواب في حينه. وهذا ما يفرض علينا قراءة تاريخية للآية نستشفّها من الأخبار التي وصفت الأوضاع يوم نزولها، فلقد مُنِيَ المسلمون بهزيمة أُحُد، وكانت شرّ هزيمة، فالظرف متأزّم، والأمة الناشئة مطوّقة بالأعداء بين رافض ومنافق ومترصّد، ومثل هذه الظروف التاريخية تحتاج الى استراتيجية حكيمة يقدّم فيها الأهمّ على المهمّ. إضافة الى هذا غضب الرجال من حكم القصاص وخاصة عندما وصل الأمر الى سعد بن الربيع من كبارالأنصار، وتجاوز النساء حدّهن مع الأزواج، كل هذا من شأنه أن يغذّي فتيل الفتنة، ويساعد على التفرقة، وتمزيق شمل الجماعة.
وتستدعي مثل هذه الظروف القضاء على الخلافات الداخلية ورأب الصّدع، وتهدئة الخواطر، لأن الأمة في حاجة الى أن تضمد جروحها، وتلملم شتاتها، فتنزّل الآية في إطارها التاريخي والاجتماعي والإنساني الذي يحفظ للأمة وحدتها وسلامتها. كما ظهر أن تجربة القصاص والمساواة في المدينة لم تتهيّأ لها النفوس بعد، لأنها جاءت قبل أوانها، فعادت بالسلب على المجتمع بصفة عامّة وعلى المهاجرين بصفة خاصة، كما تقتضي الحكمة تقديم تنازلات أملتها الظروف للحدّ من الصدام بين النساء والرجال أوّلا، ولصالح الأمة ثانيا، فكان قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم "والذي أراد الله خيرا قولا في مكانه مراعاة للظروف الحاصلة، وحماية للأمة من خطر الانشقاق، وفي نفس الوقت يتم التأكيد على حسن معاملة المرأة في قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: "ولن يضرب خياركم فتكاملت إرادة الرسول مع إرادة الله، وما أراده كان الأصلح في ذلك الزمن، ومن هنا نفهم الاية في اللحظة التاريخية التي نزلت أثناءها، وارتباطها بالحدث الزماني، ومراعاتها للحالة النفسية للناس والحالة الاجتماعية، ولا يمكن أن نقف عند ذلك التاريخ لأنه حركة تدفع الى الأمام، الى التطوّر، ولا عكسية فيه. وهذا الفهم هو مفتاح تفسير النص المقدّس، لندرك أنه مطابق للواقع في صيرورته الزمنية، ونعتبر إباحة الضرب إباحة ظرفية، ومجرّد تنازل عن المهم للأهمّ، يسقط ذلك التنازل بتغيّر الظروف ومرورها وبزوال أسباب الإباحة، وعندها يصبح المنع هو الأصل، وليس الضرب هو الأصل.
إضافة الى هذا، إذا عدنا الى المعاجم اللغوية كلها نجد أن أحد معاني كلمة الضرب" (18) تعني الإعراض، فيصبح المعنى أعرض عن الزوجة ولا تكلّمها، فلماذا لا نترك معنى الضرب الذي يقصد منه التعنيف ونستبدله بمعنى الإعراض والغضب خاصة وأن الآية 35 من سورة النساء تؤيّد هذا الاختيار ونصّها: "فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا، إن اللّه كان عليّا كبيرا. وإن خفتم شقاقَ بينهما فابعثوا حكما من أهله، وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق اللّه بينهما.
والتنصيص على الحكمين هنا ينفي وجود الضرب، فعلى الزوج، إن كانت زوجه هي الظالمة، أن يغضب منها وله أن يعظها فإن اشتدّ الخصام يلتجئ للحكمين، ولا يمكن ان يجتمع الضرب والحكمان معا.
كما أن العقل يرفض الضرب، فهذه المرأة ناشز، والناشز لا يردّها الضرب، وإنما اللّين وحسن المعاملة.
وأخيرا لا يمكن أن تأمر الأديان بالعنف، ولا نص فيها يؤيّد ما تزعمه الأصولية من أقوال وما تتبنّاه من أفعال.
مجلة الأحوال الشخصية التونسية .. وفضل القراءة المقاصدية لنصوص الشريعة
بناءً على مبدإ المساواة بين الرّجل والمرأة الذي يضمنه دستور الجمهورية التونسية واستنادًا الى قراءة مستنيرة للدّين الاسلامي وفهم صحيح لمقاصده الداعية الى تكريم الانسان والرقي بمنزلته على أسس قيم الحرية والعدل والتسامح والتضامن، صدرت مجلة الأحوال الشخصية في 13 أوت/اغسطس 1956 لتمكّن المرأة التونسية من مرجعية تشريعية هامة تعلي من مكانتها وتضمن حقوقها وتدفع بها أشواطا في الحياة العامة. ولقد جاءت التنقيحات العديدة التي أدخلت عليها في 12 جويلية/يوليو 1993 معززة لهذه الحقوق وفاتحة افاقا جديدة امام المرأة التونسية من اجل شراكة فاعلة بينها وبين الرّجل داخل الأسرة وفي مجالات الحياة العامة.
وكان من الطبيعي ان تشمل هذه التنقيحات أول ما تشمل الفصول المقنّنة لعلاقة الرجل والمرأة داخل البيت كزوجين تقوم علاقتهما على الاحترام والشراكة أكثر مما تقوم على الأمر والطاعة، وباعتبارهما أيضا وليين لأطفال لهم عليهما نفس الواجبات والحقوق أي نفس المسؤولية القانونية التي تُسنَدُ في أغلب المجتمعات الاسلامية الى الرجل وحده.
وهكذا بعد ان كان الفصل 23 من مجلة الأحوال الشخصية الصادر عام 1956 ينصّ على واجب طاعة الزوجة لزوجها في ما يأمرها به، استبدلت الطاعة بالاحترام المتبادل وبالمعروف المتوجبين على كلّ من الزوجين حيث ورد في الفصل الجديد "على كل واحد من الزوجين ان يعامل الآخر بالمعروف ويحسن عشرته ويتجنّب إلحاق الضرر به.
واذ يكرّس الفصل الجديد مبدأ الاحترام وحسن العشرة بين الزوجين، فإنه يدعو الى تجنّب إلحاق الضرر معنويا كان او ماديا، وهو هناك لا يخصص المرأة بوقوع الضرر عليها بل يفترض إمكانية وقوعه على الطرفين بما يستتبع ذلك من استنكار مبدئي واخلاقي ومنعه قانونيا.
ودائما في اطار نفس الفصل الثالث والعشرين من مجلة الاحوال الشخصية في نسختها المنقّحة يأتي التأكيد على "التعاون على تسيير شؤون الأسرة وحسن تربية الأبناء وتصريف شؤونهم بما في ذلك التعليم والسفر والمعاملات المالية لا فقط لتكريس مبدإ المساواة والشراكة في تحمل مسؤولية الأسرة والأبناء وعدم إقرار علوية أو تفرّد الرّجل بهذه المسؤولية خاصة في المسائل الهامة والمصيرية التي تهم وضع الأبناء وانما أيضا لإضفاء صفة الانسجام والتفاهم والتعاون على العلاقة بين الزوجين وهو ما يتنافى مع كلّ مظاهر التوتر والعنف المعنوي والمادي الذي يمكن ان يشوب العلاقة بينهما والذي ذهب بعض المتفقهين الذاهبين عكس حركة نمو المجتمعات بل وعكس ما استقرّ من مبادئ في الحضارة الاسلامية وما نادى به الاسلام من تبجيل للانسان وصَوْن لحرمة بدنه.. ذهبوا الى اقراره بل وتشريعه.
ولأن العنف يتجاوز الضرب الى الاكراه على كلّ ما يخلّ بالكرامة الانسانية وعلى كل ما يصادر الحرية الشخصية للانسان رجلا كان او امرأة، فإن مجلة الاحوال الشخصية اوقفت زواج القاصر على موافقة الأب والأم معا، فإن امتنع احدهما وتمسّكت القاصر برغبتها يرفع الأمر للقاضي و"الاذن بالزواج لا يقبل الطعن بأي وجه كما ورد في الفصل السادس.
وتبدو الفصول الخاصة بالطلاق بمجلة الاحوال الشخصية التونسية خاصة في نسختها المنقّحة أكثر تطوّرا مما ساد من أعراف وتقاليد في العديد من المجتمعات الاسلامية في تعاملها مع انهاء الحياة الزوجية التي كثيرًا ما يقرّرها الزوج بشكل فردي واعتباطي. بل تبدو أشدّ وفاء لمبادئ الاسلام وقيمه وتعمّقا في نصوص الشريعة وفهما لمقاصدها، تلك التي يقف بعض المتاجرين بالدّين والجاهلين بالمقاصد النبيلة للشريعة على سطحها، وعلى أسوإ التأويلات، التي تبلغ أحيانا مبلغ العبث بها.
فالقانون التونسي لا يُقرّ الطلاق الا عن طريق المحكمة، منعا لتحكم المزاج في علاقة يفترض انها وجدت لتحفظ في كنف الاحترام وتدوم، وبعد ان تجري محاولات صلح بين الزوجين وبعد ان يُنتهى الى العجز عن الاصلاح بينهما، وتتكرر هذه المحاولات عند وجود اطفال قصّر ثلاث مرات، وذلك حفاظا على كيان الاسرة، ومَنْعا، كما اسلفنا لما يمكن ان يتفرد به الزوج من قرار يوقع الضرر على الزوجة وعلى مستقبلها ومستقبل أبنائها، هذا فضلا عما يوفره القانون التونسي من حقوق النفقة على الزوجة والابناء والسكنى الخ.. حسب شروط معلومة تحول دون إلحاق الأذى بكرامة الزوجة وأبنائها.
ويبلغ الحرص على حقوق الزوجين، في مسألة الطلاق، وكرامتهما بالفصل 32 من المجلّة الى أن ينص على التالي: "اذا تحيل احد الزوجين لغاية عدم بلوغ الاستدعاء الى الطرف الآخر يعاقب بالسجن مدة عام.
ولأن العنف المعنوي يكون احيانا أشدّ وطأة من العنف المادي واكثر اثرا في النفس، واستلهاما من روح العدل والتضامن التي يحث عليها الاسلام، ومن السياسة التونسية التي كرّست هذه المبادئ في تشريعاتها الدستورية والقانونية، منح المشرّع التونسي لمن وُلِدَ خارج تونس من أم تونسية وأب أجنبي حق اكتساب الجنسية التونسية، وذلك تأكيدًا على هويته وانتمائه لبلد والدته، وضمانا لحقوقه في العديد من الحالات التي لا توفر فيها جنسية الأب هذه الحقوق او لصعوبة الحصول عليها.
مبدأ عدم التمييز بين المرأة والرجل في التشريعات التونسية
واذا ما كان الحفاظ على كرامة المرأة وصيانة حقوقها وتمكينها من نقل جنسيتها الى طفلها المولود من أب اجنبي تخصّ دائرة الفضاء الخصوصي الذي تتحرّك فيه المرأة، فإن مجلّة الشغل التي تضبط جانبا هاما من جوانب مساهمة المرأة في الحياة العامة، نصّت في فصلها الخامس على عدم التمييز بين الرجل والمرأة في أحكام مجلّة الشغل والنصوص التطبيقية لها. وقد جاء هذا الفصل ليضيف مبدأ عدم التمييز بين المرأة والرجل في حق الشغل. وهذا الفصل هو تدعيم لاتفاقية كوبنهاغن التي صادقت عليها تونس والتي تقرّ بعدم التمييز بين الجنسين في ما يخصّ الشغل.
لقد انطلقنا في بحثنا من موضوع ضرب المرأة وها نحن نصل الى موضوع عدم التمييز بين المرأة والرجل في العمل، ولا شك اننا بهذه المسافة التي قطعناها من العنف المادّي الى العنف اللامادّي نؤكد تقدم ما وصل إليه التشريع التونسي في مجال صيانة كرامة المرأة ودعم حقوقها. فلا شك أن الاكراه أو المنع او التمييز هي من ضروب العنف المعنوي التي تلحق الأذى بالمرأة وتحطّ من كرامتها.
وتؤكد فصول المجلة الجنائية التونسية الخاصة بأحكام الخيانة الزوجية هذه المعاني وهي تقرّر في فصلها 207 العقاب "بالسجن مدّة 5 أعوام الزوج الخائن لزوجته .. ولئن أُلحقت هذه العقوبة بالحقّ العام، في النصّ المنقّح للمجلة الجنائية فذلك أيضا يدخل في عدم ايجاد اي مشروعية لما يطلق عليه بجرائم الشرف، التي كثيرا ما نقرأ عنها في الصحف العربية، وتظلّ في العديد من المجتمعات العربية بدون عقاب، ومعاملتها مثل اية جريمة اخرى، وذلك بهدف عدم تجريم المرأة فقط لكونها امرأة وانما معاقبتها، ومعاقبة من يقترف جريمة في حقها، كمجرمين في الحق العام، أي كمجرّد مواطنين فقط لا علاقة بجريمة احدهما بجنسه ذكورة او انوثة.
وبهذه القوانين الرائدة التي وردت في مجلة الأحوال الشخصية والمجلة الجنائية ومجلة الجنسية التونسية عمل المشرّع التونسي من خلال الحدّ من ظاهرة العنف ضد المرأة في الأسرة وفي المجتمع على الاعلاء من منزلة المرأة وحقوقها والحفاظ على كرامتها، وذلك طبقا لروح الشريعة الاسلامية ولكل القوانين الدولية الخاصة بحقوق الانسان وبمناهضة التمييز بين المرأة والرجل والتي يعد التوقيع عليها من قِبل تونس إحدى مفاخر هذا البلد الذي يمثل فيه الرهان على المرأة والرجل رهانا أوليا وأساسيا.
*******
لمصادر:
(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 1 ص 5ط2، بيروت 1408/1988
(2) محمد رشيد رضا، تفسير المنار، ج 5 ص 57، ط، دار المعرفة بيروت، 1393/1973
(3) الآلوسي روح المعاني، ج 5 ص 52، ط 4، 1405/1985
(4) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 10، ص 90، وانظر المنار ج 5، ص 75
(5) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج 5 ص 38 + 40، ط. تونس 1984
(6) الرازي، مفاتيح الغيب، ج 10ص 82
(7) ابن كثير، تفسير القرآ ن العظيم، ج 10، ص 90
(Cool الرازي، مفاتيح الغيب، ج 10، ص 90، والمنار ج 5، ص 75
(9) الطبري، تاريخ الأمم والملوك، ج 64 ص 426
(10) أبو بكر بن العربي، أحكام القرآن، ج 1، ص 415 ط. دار الجيل
(11) جامع البيان في تفسير القرآن، لابن جرير الطبري، ج 5، ص 45
(12) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج 1 ص 501
(13) روح المعاني، للآلوسي، ج 1 ص 25
(14) المنار، د ج 5، ص 75
(15) المنار، ج 5، ص 75
(16) مفاتيح الغيب، ج 10، ص 87
(17) أبو بكر ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1 ص 420
(18) لسان العرب لابن منظور، مادة (ض،ر،ب)، وانظر الصحاح للجوهري والقاموس المحيط للفيروز ابادي..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 
العنف ضد المرأة بين الشريعة والقانون التونسي د. منجية السوايحي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 1-1- بحوث عامة في القانون التونسي-
انتقل الى: