البوابةالبوابة  الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  دخول  

شاطر | 
 

 المجلة الجزائية والتطوّر العلمي والتكنولوجي أثر التطوّر العلمي والتكنولوجي في أحكام المجلّة الجزائية د. علي كحلون

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير أ/ طه العبيدي
Admin


عدد الرسائل : 5079
الإسم و اللقب : رجال القانون
نقاط : 5321
تاريخ التسجيل : 19/01/2008

مُساهمةموضوع: المجلة الجزائية والتطوّر العلمي والتكنولوجي أثر التطوّر العلمي والتكنولوجي في أحكام المجلّة الجزائية د. علي كحلون   الثلاثاء سبتمبر 29, 2015 12:04 pm

المجلة الجزائية والتطوّر العلمي والتكنولوجي
أثر التطوّر العلمي والتكنولوجي في أحكام المجلّة الجزائية
د. علي كحلون



المقدّمة
-مفهوم التطور العلمي والتكنولوجي: يهدف العلم إجمالا إلى فهم قوانين المادة، بينما تعني عبارة التكنولوجيا دراسة المعارف العلمية وذلك بالسيطرة على المكتسبات العلمية والهندسية في اتجاه وعي أبعادها بداية وتطوير نتائجها نهاية ويقصد بعبارة التقنية الطريقة المعتمدة في إنجاز المعرفة . فالعلم والهندسة وما يدخل في تلك المعاني يعدّ الأساس لمعنى التكنولوجيا والتقنية من تطبيقات التكنولوجيا ، لكنه كثيرا ما يقع الخلط بين هذه المفاهيم الثلاثة، وفعلا تطور مفهوم التكنولوجيا وأصبح من الممكن استعمالها للدّلالة على مستوى التطور التقني الذي أحدثه البشر .
وقد عرفت التكنولوجيا على وجه الإجمال تقدّما في جميع المجالات في الطب وعلم الإحياءbiologie وطبّ الحياة biomédicale والبيوفيزيا biophysique والبيوتكنولوجيا biotechnologie حيث أصبح من الممكن الحديث عن الطب الإنجابي وكراء الرحم والاستنساخ ونقل الأعضاء البشرية والتحكم في جنس البشر وقدراته وغير ذلك من الصور وأصبحت التقنية تتحكّم في حياة الإنسان وشكله وصورته وجنسه وقدرته وكذلك في الاتصالات والمعلومات حيث أصبح من الممكن الحديث عن الشبكات المعلوماتية المغلقة والمفتوحة وأصبح من الممكن القيام بجميع الأعمال، مهما كانت طبيعتها، بطريقة افتراضية خالية من السند المادي وفي النقل والفلاحة والتعليم وفي الحياة الاجتماعية بصفة عامة وفعلا أحدث التقدم العلمي والتكنولوجي سلوكيات اجتماعية حديثة ليس فقط في علاقة الأفراد بل كذلك في علاقات الدّول ، وبنفس الدّرجة والحدّة كان لهذا التطور أثره على مستوى القوانين الجزائية.
-علاقة التطور العلمي والتكنولوجي بالأحكام الجزائية: الأكيد أنّ التطوّر التقني له تأثيره في مجال تدخّل القانون الجزائي، فقد يحدث أن يؤدّي التطوّر إلى إيجاد جرائم جديدة لم تكن معلومة أصلا مثل الاستنساخ أو كراء الرحم أو بيع الأعضاء البشرية أو تحديد شكل الإنسان أو يساهم التطور في توفير وسائل حديثة في ارتكاب الجريمة التقليدية كما أن تعتمد الشبكات المفتوحة الافتراضية في ارتكاب الجريمة التقليدية أو أن تستعمل آلية القانون الجزائي لحماية المكتسبات العلمية . وتلك هي الصور الثلاثة التي يظهر من خلالها علاقة التطور العلمي بالقانون الجزائي.
-لمحة تاريخية عن المجلة الجزائية: لقد صدرت المجلة الجزائية سنة 1913 وبدأ العمل بها في غرة جانفي 1914، إلا أنّها خضعت للتنقيح في أكثر من 56 مناسبة ، والواضح أنّ تدخّلات المشرع تعكس فعلا حقيقة هذه المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وبنفس الدّرجة تساير النصوص الجزائية الحديثة أثر هذا التطور العلمي والإحاطة بآثاره الإيجابية والسلبية. فإلى أي مدى اعتمدت المجلة الجزائية التونسية ملخص التطور التقني ؟ الواضح أنّ المجلة اعتمدت جانبا من هذا التطور (I) ولكنه اعتماد غير كاف ربّما له تفسيراته المنطقية(II).
I-اعتماد المجلة الجزائية لجانب من التطور العلمي والتكنولوجي
الأكيد أنّ المجلة الجزائية قد اعتمدت لغة عصرها في بيان وسائل الجريمة أو الأجزاء المعتدى عليها أو طريقة الاعتداء في حدّ ذاتها وبذلك حصلت الإشارة منذ سنة 1913 إلى استعمال الطوابع (الفصول 179 وما بعد م.ج.) والاعتداء على العملة (الفصول 185 وما بعد م.ج) والاعتداء على وسائل النقل البحرية والجوية وعربات الأرتال (الفصول 304 وما بعد م.ج.) واستعمال المواد السمية (الفصل 310 م.ج) والمرض الوبائي (الفصل 312) والعربات (الفصل 320 م.ج.). وغير ذلك من الصور المشابهة.
والواضح كذلك أنّ التنظيم العام للمجلّة إنما هو تنظيم يعكس المستوى المعرفي في ذلك العصر ويبرز طبيعة عيش الإنسان خلال تلك المرحلة، ولو أنّ التقسيم المعتمد في التفريق بين جرائم الاعتداء على الأمن وعلى المال أو الأملاك وعلى الذات والأخلاق إنما هو تقسيم مستقر منذ مدة قبل تحرير المجلة، وإنما ما ورد فيه من تفصيلات يعكس ذلك المستوى حيث يتوفر بالمجلة بعض الجرائم التي أوجدها المشرع حديثا يوم تحريرها مراعاة لواقع التنظيم العام للدولة ومستلزمات المرحلة خاصة وأنها كتبت بيد المستعمر الفرنسي. وربما كان ذلك يعبر عن طبيعة المستوى الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي أكثر من المستوى العلمي والتكنولوجي في مفهومه الضيق.
ولكنّ التأثير التقني كان واضحا في صياغة بعض النصوص بالإشارة إلى بعض الوسائل والتقنيات العلمية وتجاوزا لصياغة سنة 1913 فقد كان أمر 10 جانفي 1957 المنقح للباب المتعلق بجرائم الاعتداء على النظام العام (الفصول 60 و60 مكرر و61 و61 مكرر و61 ثالثا و61 رابعا و62 و62 مكرر م.ج.) مناسبة إلى الإشارة إلى جملة من المفاهيم والوسائل الحديثة في الاعتداء، مثل استعمال عبارة الطائرات والبواخر بالفصل 60 مكرر م.ج. والتصميمات والرسوم الشمسية بالفصل 60 رابعا والتطبيقات الصناعية بالفصل 61 ثالثا، بل اعتمد الفصل 61 مكرر مفهوما عاما في الاعتداء "بأية وسيلة" كما أورد الفصل 61 ثالثا المضاف سنة 1957 الاعتداء بأية طريقة وأشار الفصل 61 رابعا المضاف كذلك استعمال الجاني "لوسيلة من وسائل الإبلاغ عن بعد"، واعتمد الفصل 138 المنقح سنة 1927 صيغة عامة "بغيرها من وسائل وطرق الخداع مهما كان نوعها" في جرائم التجارة والصناعة. والواضح أنّ هذه الصيغ الحديثة في بيان وسائل الاعتداء إنما تبرز مدى تأثير المجال التقني على نصوص المجلة الجزائية. وهي تمثل بذلك جانبا من اعتماد المجلة الجزائية لمجرى التطور العلمي والتكنولوجي.
كما أدخل المشرع على أحكام الفصل 254 م.ج. سنة 1940 تعديلات هامة تأثيرا بمستوى التطور العلمي في اتجاه تنظيم حالات إسقاط الجنين وصور الوشاية فيها وسمح للأطباء والعاملين في القطاع الطبي بالتبليغ الاختياري عن تلك الحالات دون أن تقع مؤاخذتهم من أجل خرق واجب السرّ المهني ، حيث "يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها مائة وعشرون دينارا الأطباء والجرّاحون وغيرهم من أعوان الصحة والصيادلة والقوابل وغيرهم ممن هم مؤتمنون على الأسرار نظرا لحالتهم أو لوظيفتهم، الذين يفشون هذه الأسرار في غير الصور التي أوجب عليهم القانون فيها القيام بالوشاية أو رخص لهم فيها. إلا أنه ودون أن يكون الأشخاص المذكورون أعلاه ملزمين بالإعلام بحالات إسقاط الجنين غير المشروعة التي اطلعوا عليها بمناسبة مباشرة وظيفتهم فإنهم لا يستوجبون عند الوشاية بها للعقوبات المنصوص عليها بالفقرة السابقة. ولهم أداء شهادتهم، إذا تم استدعاؤهم لدى المحاكم في قضية تتعلق بإسقاط جنين، دون أن يكونوا عرضة لأي عقوبة ."
وأدخل المشرّع كذلك تنقيحات هامة على أحكام الفصل 214 م.ج. سنتي 1965 و1973 في اتجاه تنظيم حالة الإجهاض في الحدود المسموح علميّا من حيث زمن الإجهاض وطريقته، حيث إنّ ""كل من تولى أو حاول أن يتولى إسقاط حمل ظاهر أو محتمل بواسطة أطعمة أو مشروبات أو أدوية أو أية وسيلة أخرى سواء كان ذلك برضى الحامل أو بدونه يعاقب بخمسة أعوام سجنا وبخطية قدرها عشرة آلاف دينار أو بإحدى العقوبتين. وتعاقب بعامين سجنا وبخطية قدرها ألفا دينار أو بإحدى العقوبتين المرأة التي أسقطت حملها أو حاولت ذلك أو رضيت باستعمال ما أشير به عليها أو وقع مدها به لهذا الغرض. ويرخص في إبطال الحمل خلال الثلاثة أشهر الأولى منه من طرف طبيب مباشر لمهنته بصفة قانونية في مؤسسة استشفائية أو صحية أو في مصحة مرخص فيها. كما يرخص فيه بعد الثلاثة أشهر إن خشي من مواصلة الحمل أن تتسبب في انهيار صحة الأم أو توازنها العصبي أو كان يتوقع أن يصاب المولود بمرض أو آفة خطيرة وفي هذه الحالة يجب أن يتم ذلك في مؤسسة مرخص فيها. وإنّ إبطال الحمل المشار إليه بالفقرة السابقة يجب إجراؤه بعد الاستظهار لدى الطبيب الذي سيتولى ذلك بتقرير من الطبيب الذي يباشر المعالجة ".
وتجاوزا لجميع تلك الصور والحالات يلاحظ، باستقراء التنقيحات الواردة على أحكام المجلة من تاريخ صدورها إلى تاريخ اليوم أن المشرع تدخل في مناسبتين هامتين لتنظيم جوانب هامة لها علاقة بأثر تطور المعلوماتية، الأولى كانت سنة 1999 بموجب القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرّخ في 2 أوت 1999(أ) والثانية كانت بموجب القانون عدد 73 لسنة 2004 المؤرخ في 2 أوت 2004(ب).
أ-تنقيح 1999
لا شكّ في أنّ المعلوماتيّة مفهوم حديث لم يظهر إلاّ مع النّصف الثّاني للقرن العشرين، وهو يعرف إجمالا " بعلم المعالجة العقلانيّة، لاسيّما بواسطة الآلات الأوتوماتيكيّة، للمعلومة التّي تعرّف بأنّها كلّ " مادة معرّفة قابلة لأن تتمثّل في إشارات متعارف عليها من أجل حفظها أو معالجتها أو بثّها " والتّي تعتبر مرتكزا للمعارف الإنسانيّة ولوسائل الاتّصال في المجال التّقني والاقتصادي والاجتماعي." وتردّ المعلوماتيّة لأعمال الحاسوب الذّي يضمّ الأعضاء الضّروريّة لعمله المستقلّ ، وهو يعمل من خلال التّرابط الشّديد بين وسائله الماديّة وبرمجيّاته ، ومن خلال نظام متكامل يدعى النّظام الآلي للمعالجة الإلكترونية .
وتعدّدت التّطبيقات المعلوماتيّة وتنوّعت، بحكم انتشار الأنظمة المعلوماتيّة المعتمدة بالأساس على تقنية الإيبرتاكس أي الخدمات التّفاعليّة، بما في ذلك بنوك المعلومات وقواعد البيانات والوسائط المتعدّدة والشّبكات، وهي لا تحصى ولا تعدّ. لكنّها تردّ إلى عنصرين، فإمّا أن تكون المعالجة مستقلّة أو أن ترتبط بأخرى. فإذا ارتبطت بأخرى، فيمكن أن يكون ذلك في إطار الشّبكات الخاصّة أو في إطار الشّبكات المفتوحة، والأمر لا يخرج عن تطبيقات الأنترنات . وتزامن هذا التطور مع نموّ وسائل التخزين الإلكتروني مافتئت تتغير سنة بعد سنة .
ولا شكّ في أنّ الخدمات التّي توفّرها التّطبيقات المعلوماتيّة كثيرة وكثيرة جدّا، لكنّها لا تخرج عن اثنين: التّصرّف الإلكتروني المستقلّ في البيانات أو التّصرّف الإلكتروني عن بعد. وأوّل ما تتميّز به المعلوماتيّة هو عنصر اللاّماديّة بحكم فقدان المعلومة لوعائها المادي، فهي قابلة للتّبخّر والتّبدّل في أيّة لحظة، ومن هذه الناحية فهي توجب وضع إمكانيات فنية لتأمين سلامة المعالجة خوفا من إتلافها أو إفسادها، وأمام شبكة مفتوحة مثل الأنترنات ترتقي الموجبات إلى أكثر من ذلك في اتّجاه ضمان سلامة intégrité الرّسائل المتبادلة من التّغيير والإتلاف من طرف الغير، وسريّة المعلومة confidentialité والتّعريف بالطّرفين identification واستثباتهما authentification أي مراقبة هويّتهما وعدم إنكار المراسلةnon répudiation . فليس من المستبعد أن يطّلع الغير على مضمون الرّسائل المتبادلة، وقد يعمد إلى تغيير محتواها أو تحويره، وذلك من الأمور الهيّنة. وعليه تطلّب العمل أوّلا ضمان سلامة الرّسائل من التّغيير والتّوقّي من تدخّل الغير غير المشروع بمضمون الوثيقة. ويجب التّأكّد من هويّة الطّرف المقابل، بمعنى التّعرّف على حالته المدنيّة وأهليّته وسلطته القانونيّة وإن كان يجلس وراء شاشته في مكان بعيد من هذا العالم. وإذا حاول إنكار قيامه بالمعاملة يطلب وضع الآليّات النّاجعة لمعارضته ومواجهته.
ولم تكن المعلوماتية يوما ما بعيدة عن الاعتداءات، بل ساهم هذا الفضاء الافتراضي في تنمية الجريمة وطنيا ودوليا، فقد تكون المعلوماتيّة في حدّ ذاتها بذلك المفهوم محلّ اعتداء، بمعنى أن يُعتدى على الأنظمة المعلوماتية تقنيا أو أن تدلس محتويات الوثيقة الإلكترونية، فإنّها بالمثل يمكن أن تكون سببا في تسهيل ارتكاب الجريمة، فنتحدّث في الصّورة الأولى عن جرائم الاعتداء على سريّة وسلامة وجاهزيّة المعطيات والأنظمة المعلوماتيّة في مرحلة أولى، وعن التّزوير والتّدليس المعلوماتي في مرحلة ثانية، وهذه هي الجريمة المعلوماتيّة في مفهومها الضّيق، ونتعرّض في الصّورة الثّانية لمسألة الجرائم المتعلّقة بالمحتوى. وهذا هو التّقسيم الذّي استقرّ عليه الرّأي دوليّا ووطنيّا.
وقد اضطرّ القضاء في البداية إلى تطبيق النّصوص الجزائيّة العاديّة في السّرقة والاحتيال والإضرار بملك الغير لمعاقبة مثل هذه الأعمال ليقينه أنّها تمثّل عملا غير مشروع، وحمّل النّصوص الجزائيّة ما لا تطيق من تأويلات لإيقاع الممارسات المعلوماتيّة تحت طائلة النّص الجزائي، فمن أجل معاقبة أخذ البيانات المعلوماتيّة على أساس جريمة السرقة اضطرّ فقه القضاء إلى التّوسّع في مفهوم الاختلاس، إلى أن أصبح يتوفّر بمجرّد حرمان الغير من احتكار الحيازة القانونيّة للشيء . وأمكن كذلك اللّجوء إلى الأحكام التقليدية المتعلّقة بالتّدليس لمقاضاة الجرائم المعلوماتيّة، حيث قاربت محكمة بروكسال سنة 1990 بين إدخال الرقم السرّي والتّزوير الذّي يلحق الرّسوم الورقيّة . لكنّ المعلوماتيّة فيها من الجديد ما يخرج عن الضّوابط التّقليديّة ويطلب التّأطير الخاص.
ومن أجل ذلك توجهت أغلب التشاريع في أواخر التسعينات إلى وضع نصوص خاصة بالجريمة المعلوماتية بعد أن اعترفت بأسس التعامل الإلكتروني من خلال الاعتراف بالوثيقة الإلكترونية والإمضاء الإلكتروني حيث كان لابدّ من طمأنة المتعاملين وتشجيعهم على الممارسة المعلوماتية، ولا يمكن أن يتحقّق ذلك إلاّ عبر جزر الجريمة المعلوماتيّة وضمان سلامة المعلوماتيّة وحماية المعطيات الشّخصيّة.
وإذا كان أصل المعلوماتيّة في نظامها وبرامجها، وأصبح بالإمكان الاعتداء على هذا النّظام في أيّ طور من أطواره، وتخريب سير عمله، أو إتلاف البيانات الموجودة به، وذلك هو أصل الجريمة المعلوماتيّة، أي أنّ الجريمة المعلوماتيّة وببساطة هي الاعتداء على نظام المعالجة الآليّة للبيانات ، فإنه من اللازم وضع نصوص جزائية حديثة لمؤاخذة هذه الأفعال الجديدة التي لا تدخل في باب من الأبواب التقليدية.
وعلى غرار أغلب الدّول اعتمد المشرّع التّونسي قانونا خاصّا بالجريمة المعلوماتيّة بموجب القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرّخ في 2 أوت 1999 والمتعلّق بتنقيح المجلّة الجزائيّة، وأضاف الفصلين 199 مكرّر 199 ثالثا وعدّل الفصل 172 م.ج. في فقرته الأخيرة (1) ومع ذلك فإنّ الصياغة لم تكن موفقة (2).
1-صياغة الفصول 199 مكرر و199 ثالثا و172 م.ج
أضاف القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرخ في 2 أوت 1999 الفصل 199 مكرر، الذي جاء فيه أنه "يعاقب بالسجن من شهرين إلى عام وبخطية قدرها ألف دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط، كل من ينفذ أو يبقى بصفة غير شرعية بكامل أو بجزء من نظام البرمجيات والبيانات المعلوماتية. وترفع العقوبة إلى عامين سجنا والخطية إلى ألفي دينار إذا نتج عن ذلك ولو عن غير قصد إفساد أو تدمير البيانات الموجودة بالنظام المذكور. ويعاقب بالسجن مدة ثلاثة أعوام وبخطية قدرها ثلاثة آلاف دينار كلّ من تعمد إفساد أو تدمير تدمير سير نظام معالجة معلوماتيّة. ويعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها خمسة آلاف دينار كلّ من يدخل بصفة غير شرعية بيانات بنظام معالجة معلوماتيّة من شأنها إفساد البيانات التّي يحتوي عليها البرنامج أو طريقة تحليلها أو تحويلها. وتضاعف العقوبات إذا ارتكبت الفعلة المذكورة من طرف شخص بمناسبة مباشرته لنشاطه المهني. والمحاولة موجبة للعقاب".
كما أضاف القانون عدد 89 لسنة 1999 المؤرخ في 2 أوت 1999 الفصل 199 ثالثا وجاء فيه أنه "يعاقب بالسجن مدة عامين وبخطية قدرها ألفا دينار كلّ من يدخل تغييرا بأي شكل كان على محتوى وثائق معلوماتية أو إلكترونية أصلها صحيح شريطة حصول ضرر للغير. ويعاقب بنفس العقوبات كلّ من يمسك أو يستعمل عن قصد الوثائق المذكورة. ويضاعف العقاب إذا ارتكبت الأفعال المذكورة من موظف عمومي أو شبهه. والمحاولة موجبة للعقاب".
كما نقّح المشرع الفصل 172 م.ج الوارد في باب التدليس بموجب نفس القانون وأصبح هذا الفصل ينص على أنّه " "يعاقب بالسجن بقية العمر وبخطية قدرها ألف دينار كلّ موظف عمومي أو شبهه وكل عدل يرتكب في مباشرة وظيفته زورا من شأنه إحداث ضرر عام أو خاص وذلك في الصور التالية: -بصنع كلّ أو بعض كتب أو عقد مكذوب أو بتغيير أو تبديل أصل كتب بأي وسيلة كانت سواء كان ذلك بوضع علامة طابع مدلس به أو إمضاء مدلس أو كان بالشهادة زورا بمعرفة الأشخاص وحالتهم. -بصنع وثيقة مكذوبة أو تغيير متعمد للحقيقة بأي وسيلة كانت في كلّ سند سواء كان ماديا أو غير مادي من وثيقة معلوماتية أو إلكترونية وميكروفيلم وميكروفيش ويكون موضوعه إثبات حق أو واقعة منتجة لآثار قانونية".
وعليه تدخّل المشرّع سنة 1999 في اتّجاه تجريم:
-النّفاذ أو البقاء غير الشّرعي بكامل أو بجزء من نظام البرمجيّات والبيانات المعلوماتيّة دون تأثير مضرّ أو الناجم عنه إفساد أو تدمير.
-الإفساد أو التّدمير العمدي لسير نظام معالجة معلوماتيّة.
-إدخال بيانات بنظام معالجة معلوماتيّة بطرق غير شرعيّة من شأنها إفساد البيانات التّي يحتوي عليها البرنامج أو طريقة تحليلها أو تحويلها.
-إدخال تغيير على محتوى وثائق معلوماتيّة أو إلكترونيّة أصلها صحيح بشرط حصول ضرر للغير.
-مسك واستعمال وثائق معلوماتيّة أو إلكترونيّة مدلّسة عن قصد.
-صنع وثيقة مكذوبة أو تغيير متعمّد للحقيقة بأيّ وسيلة كانت في كلّ سند سواء كان ماديّا أو غير ماديّ من وثيقة معلوماتيّة أو إلكترونيّة وميكروفيلم وميكروفيش ويكون موضوعه إثبات حقّ أو واقعة منتجة لآثار قانونيّة .
وقد أراد المشرّع من خلال هذا التنقيح تحقيق ثلاثة أهداف:
-وضع إطار قانوني للأفعال الحديثة: الاطلاع على البيانات وتخريبها وتعطيل سير النظام المعلوماتي.
-وضع نصّ قانوني لجريمة الاعتداء على الوثيقة الإلكترونية التي تعدّ بمثابة الشهادة الإدارية وما يدخل في حكمها أي التدليس على معنى الفصل 199 م.ج.
-وضع إطار قانوني للتدّليس المعلوماتي إذا كانت الحجة مثبتة لحق أو منتجة لآثار قانونية أي التدليس على معنى الفصل 172 م.ج.
ويتّفق رجال القانون على تجريم الاعتداء على كامل النّظام أو جزء منه، لذلك نصّ المشرّع التّونسي على كامل أو جزء من النّظام، وعلى المعالجة الإلكترونية التّي تمثّل نتيجة محدّدة ومضبوطة، ويبدو أنّ المشرّع التّونسي يشترط أن يكون النّظام محميّا بالإشارة إلى التدّخل غير الشرعي بالأنظمة. لكنّها ليست القاعدة باعتبار أنّ شرط الحماية يمكن أن ينحصر في الجانب القانوني وليس في الجانب الفنّي، فيفهم من حماية النظام عدم الإذن لا أكثر ولا أقلّ وليس حمايته بطرق فنية. والتّوجّه الأغلب على المستوى الدّولي أن تقرّر الحماية للأنظمة ولو لم تكن محميّة فنيّا .
وترتبط جرائم الاعتداء على الأنظمة المعلوماتيّة والمعطيات الإلكترونية، بنوع جديد من الإجرام المرتبط بوسائل حماية الأنظمة. حيث إنّ جرائم النّفاذ والالتقاط والاعتداءات بأنواعها، لا يمكن أن تطال الأنظمة المعلوماتيّة المحميّة إلاّ إذا تمّ خرق وسائل الحماية المستعملة. لذلك حرص المشرّع التّونسي على تنظيم هذا الجانب، سواء بالقانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلّق بالمبادلات والتّجارة الإلكترونية (الفصل 48) أو بالقانون عدد 1 لسنة 2001 المتعلّق بمجلّة الاتّصالات (الفصل87) ، وألقى بالمسؤوليّة الجزائيّة على كلّ من:
- استعمل بصفة غير مشروعة عناصر تشفير شخصية متعلقة بإمضاء غيره .
- استعمل أو صنع أو استورد أو صدر أو حاز لأجل البيع أو التوزيع مجانا أو بمقابل أو عرض للبيع أو باع وسائل أو خدمات التشفير أو أدخل تغييرا عليها أو إتلافها دون مراعاة أحكام الأمر المنصوص عليه بالفصل 9 من مجلّة الاتّصالات . ويذكر أنّ المشرّع ضبط شروط وإجراءات استعمال وسائل أو خدمات التّشفير عبر شبكات الاتّصالات وتعاطي الأنشطة ذات العلاقة، تطبيقا لهذا الفصل، بموجب الأمر عدد 2727 لسنة 2001 المؤرّخ في 20 نوفمبر 2001. وأهمّ ما جاء فيه، في هذا الجانب، هو إخضاع وسائل التّشفير من الصّنف الثّاني للمصادقة الأوّليّة من طرف الهيئة الوطنيّة للمصادقة الإلكترونية .
ويتلخّص من ذلك أنّه من الممكن أن تتوارد الجرائم فيتمّ النّفاذ إلى الأنظمة المحميّة بواسطة استعمال وسائل تشفير على ملك الغير، ومن الممكن كذلك أن تلحق بالمتّهم جرائم الاعتداء على الأنظمة المعلوماتيّة والمعطيات الإلكترونية والجرائم المتعلّقة بوسائل التّشفير بدون ضمّ، خاصّة إذا لم يحترم المتّهم الذّي نفذ إلى الأنظمة المعلوماتيّة موجبات المصادقة على وسائل التّشفير على سبيل المثال . غير أنّ المشرّع لم يكن دقيقا في صياغته وأبقت الصياغة الحديثة جملة من العيوب كانت محلّ جدل على امتداد السنوات الفارطة.
2-عيوب الصياغة
الواضح أنّ المشرّع التّونسي نقل أحكام القانون الفرنسي عدد 19 لسنة 1988 المؤرّخ في 5 جانفي 1988 المتعلّق بالتّزوير المعلوماتي في صياغته لأحكام الفصل 199 مكرّر والفصل 199 ثالثا والفصل 172 فقرة أخيرة من المجلّة الجزائيّة ، لكنّه لم يحافظ على الصياغة المعتمدة بهذا النّص، كما أنّ الأحكام الواردة بالقانون الفرنسي قد تجاوزها التّطبيق بعض الشيء بشكل أضرّ بالمفاهيم المعتمدة بالقانون التّونسي. فالنّصّ الفرنسي اعتمد مسألة النّفاذ والبقاء وتدمير وفساد المعطيات والاعتداء على نظام المعالجة الإلكترونية وإدخال بيانات وتزوير وثائق إلكترونيّة واستعمالها بأيّة طريقة كانت. غير أنّ المشرّع التّونسي أبقى على جريمة البقاء والنّفاذ والفساد والتّدمير والاعتداء على النّظام وإدخال بيانات، ولم يعتمد المفهوم العام في تزوير الوثائق واستعمالها واقتصر على ذكر " تغيير وثيقة إلكترونيّة أصلها صحيح " تماشيا مع بعض الصّور الخاصّة الواردة بالمجلّة الجزائيّة ، الأمر الذّي لم يكن متناسقا بالمرّة مع ما تتطلّبه الإعلاميّة ويُبقي على جملة من الجرائم خارج إطار التّجريم، كما إذا صنع الجاني وثيقة جديدة بعد اطّلاعه على وثيقة تابعة للغير واستعملها في شكلها الجديد دون أن تأتي تحت طائلة الفصل 172 فقرة أخيرة م.ج.، وعبّر المشرّع الفرنسي على هذه الحالة بقوله " كلّ شخص عمد إلى تزوير وثائق معلوماتيّة مهما كانت طبيعتها من شأنها إلحاق الضّرر بالغير يعاقب ......" ويعاقب كذلك " كلّ من استعمل هذه الوثائق المزوّرة..." ثمّ إنّ المشرّع التّونسي أدرج الوثيقة الإلكترونيّة بالفصل 172 من المجلّة الجزائيّة المتعلّق بمؤاخذة أعمال التزوير التّي تطال في أغلبها الحجّة الرّسميّة، والحال أنّ الوثيقة الإلكترونيّة مازالت معتبرة مجرّد حجّة غير رسميّة.
وينتقد هذا التّشريع الجديد كذلك في حدود أنّه لم يعتمد تعريفات واضحة للمفاهيم التّي استعملها والحال أنّها تمثّل الأساس في ضبط الرّكن المادي للجريمة، حيث استعمل المشرّع التّونسي بالفصل 199 مكرّر مفاهيم لا يتّفق حولها المختصّون للدّلالة على نظام المعالجة الآليّة للبيانات: système de traitement automatisé de données, فتبنّى من جهة مفهوم " نظام البرمجيّات والبيانات المعلوماتيّة "، ومن جهة أخرى " نظام معالجة معلوماتيّة "، والحال أنّه لم يتعرّض للفرق بين المفهومين، ولا أظنّ أنّ المشرّع يفرّق بين المفاهيم المستعملة، خاصّة وأنّ النّص الفرنسي للفصل 199 مكرّر تبنّى مفهوما تقنيّا واحدا وهو: نظام المعالجة الآليّة للبيانات. وكان من المؤمّل أن يخيّر المشرّع التّونسي هذا التّوجّه السّليم.
واستعمل المشرّع التّونسي بالفصل 199 ثالثا عبارة الوثائق الإلكترونية أو المعلوماتيّة والحال أنّه لا وجود لفرق بين الوثيقة الإلكترونية والمعلوماتيّة. كما أنّ المشرّع التّونسي تبنّى مفهوم المعالجة المعلوماتيّة الذّي لا يتجاوز من الوجهة الواقعيّة نظم المعلوماتيّة التّي لا ترتبط بشبكة مواصلات، وقد تقرّر منذ مدّة وبعد نقاشات مطوّلة تطبيق الجريمة الإعلاميّة حتّى بالنسبة إلى نظام تبادل المعطيات الإلكترونية وهو ما يعرف بالالتقاط البيني. لذلك كان من المستحسن لو تبنّى المشرّع التّونسي مفهوم نظام المعالجة الآليّة للبيانات لأنّه مفهوم عامّ يشمل جملة الصّور التّي مثّلت محور النّقاشات الفقهيّة والقضائيّة.
وإذا كان من الجائز تبرير ما أقدم عليه المشرّع التّونسي، فنقول إنّ المشرّع التّونسي تخلّى عن مفهوم نظام المعالجة الآليّة للبيانات بعلّة حرصه على التّفرقة الواضحة بين الاعتداء على البيانات ذاتها بالاطّلاع عليها أو إتلافها أو سرقتها بدون حقّ من جهة، والاعتداء على نظام المعالجة ذاته بتعطيله أو تحويره، وكان ذلك واضحا في إشارة المشرّع إلى نظام البرمجيّات من جهة والبيانات المعلوماتيّة من جهة أخرى. لكنّه كان يخيّر اعتماد المفهوم الفنيّ السّليم للإشارة إلى جملة الصّور والحالات، وهو نظام المعالجة الآليّة للبيانات. ومن هذه النّاحية كان من الضّروري التّدخّل لتنقيح الفصول 172 و199 مكرّر وثالثا.
ونظرا إلى هذا الغموض لم تجد المحكمة الابتدائيّة ببنزرت بالقضيّة عدد 7245 بتاريخ 28-11- 2000 سوى القضاء بعدم سماع الدّعوى في قضيّة عمد فيها الجاني إلى " فتح رموز سريّة لبطاقات رقميّة أصليّة مستعملة عادة من متعاقديها لالتقاط محطّات أرضيّة، وعلى ضوء تلك الرّموز السريّة المشفّرة قام بشحن بطاقات رقميّة غير مبرمجة عذراء بتلك الرّموز السريّة المستنسخة من البطاقات الرقميّة الأصليّة ثمّ قام بواسطة متّهم ثاني ببيعها."وكانت النّيابة العموميّة أحالت المتّهمين إلى المجلس الجناحي لمقاضاتهم من أجل " افتعال وثيقة معلوماتيّة ...ومسك واستعمال تلك الوثيقة." وسارت محكمة الاستئناف ببنزرت في نفس الاتّجاه بالقضيّة عدد 747 بتاريخ 31 ماي 2001، بعلة عدم انطباق نصّ الإحالة. فتعقّبه ممثّل النّيابة العمومية ناعيا عليه " خرق القانون قولا بأنّ المحكمة متعهّدة بالافتعال لا بالإحالة وطالما ثبت من تصريحات المتّهمين أنّ الأوّل افتعل وثيقة والثّاني تولّى تسويقها للغير بغاية تسهيل الاطّلاع على برامج تلفزيّة مشفّرة هي على ملك الغير وتمّ التّسهيل للاطّلاع عليها بدون موافقة مالكها فإنّ هذه الأفعال تندرج ضمن ما درج على تسميته فقهاء القانون بالمشاركة في سرقة الاستعمال المنصوص عليها بالفصل 258 ق.ج. طالبا على هذا الأساس النّقض والإحالة."لكنّ محكمة التّعقيب رفضت مطلب التّعقيب أصلا تحت عدد 16065 بتاريخ 24 أفريل 2002 بعلّة " أنّ المشرّع لم يحرم افتعال مثل تلك البطاقات وبالتّالي لم يحدّد أيّة عقوبة على كلّ من يعمد إلى تقليد أو افتعال أيّة بطاقة إلكترونيّة أو معلوماتية....ومن البديهي الوقوف عند عبارات النصّ الجزائي وعدم التّوسّع فيه عملا بالمبدأ القائل بأن تأويل النّصّ الجزائي يكون ضيّقا وإن حصل يجب أن يكون لصالح المتّهم.....وحيث إنّ اقتصار نصّ الإحالة على تجريم فعل التّغيير فقط دون الافتعال يجعل ما نعاه ممثّل النّيابة العامّة على القرار المخدوش فيه يفتقر إلى السّند الصّحيح ضرورة أنّ مقتضيات الفصل 258 المتعلّق بسرقة الاستعمال تستوجب شروطا خاصّة حدّدها المشرّع وأوضحها عمل المحاكم وأنّ ما أتاه المتّهمان من أفعال لا يمكن صهرها في مجال النصّ القانوني المشار إليه لانعدام الأركان القانونيّة المستوجبة لها. وحيث طالما أنّ فصل الإحالة اقتضى معاقبة من يدخل تغييرا على وثيقة معلوماتيّة أصلها صحيح ولا ينصّ مطلقا على معاقبة من يفتعل تلك الوثيقة يكون القرار المنتقد حين قضى على النّحو المصرّح به في طريقه قانونا ."
ورغم أنّ هذه الشّبكة تُعدّ شبكة خاصّة ولا يمكن النّفاذ إلي خدماتها إلاّ بموجب اشتراك مسبق وهي ضمن شبكات الأقمار الصّناعيّة التّي تستند في عملها لنظام معالجة إلكترونيّة، ورغم أنّ المحكمة تعترف بأنّ هذه البطاقات تُعدّ بطاقات إلكترونيّة فقد أخلي سبيل المتّهمين ولم يؤاخذوا من أجل النّفاذ أو البقاء. صحيح أنّ المشرّع اتّخذ مفهوما خاطئا للافتعال كما تقدّم ولكنّه كان بالإمكان معاقبة المتّهمين من أجل النّفاذ غير الشّرعي. ولكنّ صياغة النّصوص الجزائيّة بتلك الطّريقة ساهم بقسط كبير في تناقض الحلول المعتمدة.
والحقيقة أن محكمة التعقيب تردّدت كثيرا في تطبيق محتوى الفصول 199 مكرر و 199 ثالثا و172 فقرة أخيرة م.ج.، فباستثناء بعض القرارات القليلة التي كانت واضحة ، لم نجد لمحكمة التعقيب قضاءً مستقرا في شرح أحكام هذه الفصول سواء في القرارات المنشورة أو غير المنشورة، وكثيرا ما يقع الخلط بين الفصلين 199 ثالثا و172 ولا يقع التمييز بين جريمة الاعتداء على الوسائل المعلوماتية وحالة أن تستعمل المعلوماتية كوسيلة في ارتكاب الجريمة وكثيرا ما يقع اللّجوء إلى النصوص العامة وترك الخاص منها، وذلك بسبب غموض الصياغة وعدم تعريف المصطلحات الجديدة ، والحال أنّ مناط تجريم الفصل 172 يختلف تماما عن بقية الفصول 199 وما بعد م.ج. .
والمعروف أنّ مجال التّجريم يبدو واضحا في هذا المجال وقد كان محلّ عدّة دراسات هامّة. فقد بدأ الحديث عن خصوصيّة المعلوماتيّة منذ سنة 1985، وضبط خبراء المجلس الأوروبي منذ سنة 1989 مكوّنات الجريمة المعلوماتيّة، واقترحت لجنة الاتّحاد الأوروبي في تقريرها الواصل إلى مجلس الاتّحاد والبرلمان بتاريخ 26 جانفي 2001 جملة من المسائل والضّوابط من بينها ما يتعلّق بالجريمة المعلوماتيّة، من أجل بعث مجتمع المعلومات في صورته الصّحيحة، وانتهى الأمر إلى صياغة اتّفاقيّة دوليّة منذ 27 أفريل 2000 بسعي من المجلس الأوروبي، وهي في طريقها إلى تأليف الإجماع بين الدّول . وتعتبر هذه النّصوص الأسس التّي اعتمدت من طرف الدّول الأوروبيّة في تقنينها المتعلّق بالجريمة المعلوماتيّة، مثل قانون 28 نوفمبر 2000 البلجيكي الخاص بالجريمة المعلوماتيّة .
وقد قسّمت الاتّفاقيّة الدوليّة الجرائم التّي لها علاقة بالأنظمة المعلوماتيّة والمعطيات الإلكترونية إلى صنفين:
1-الجرائم المتعلّقة بسريّة وسلامة وجاهزيّة المعطيات والأنظمة المعلوماتيّة.
2-التّدليس والتزوير المعلوماتي.
أمّا فيما يتعلّق بالصنف الأوّل، فقد أوردت الاتّفاقيّة أربع جرائم، النّفاذ غير الشّرعي والالتقاط البيني غير الشّرعي والاعتداء على سلامة المعطيات الإلكترونية والاعتداء على سلامة الأنظمة المعلوماتيّة.
ويقتضي النّفاذ غير الشّرعي للأنظمة المعلوماتيّة الدّخول العمدي إلى الأنظمة المعلوماتيّة سواء كان هذا النّظام محميّا أو غير محميّ، وسواء كان مرتبطا بأنظمة معلوماتيّة أخرى أو غير مرتبط، وذلك بهدف الحصول على بيانات معلوماتيّة أو بهدف الإضرار. وفوّضت الاتّفاقيّة إلى الدّول المتعاقدة اتّخاذ النّصوص القانونيّة الملائمة، أو فرض شروط دون أخرى.
والمقصود بالالتقاط البيني غير الشّرعي هو الالتقاط العمدي بواسطة طرق فنيّة لمعطيات إلكترونيّة خاصّة وهي في طريقها إلى مكان معيّن ذهابا وإيّابا، بما في ذلك الإرساليّات الكهرومغناطسيّة الصّادرة عن الأنظمة المعلوماتيّة والنّاقلة للمعطيات الإلكترونية. ويستوي الأمر إن كان هذا الالتقاط بنيّة إحداث الضّرر أو خلافه. وفوّضت الاتّفاقيّة إلى الدّول الأعضاء اتّخاذ القواعد القانونيّة المناسبة وفرض الشّروط التّي تراها صالحة.
ويفهم من الاعتداء على سلامة المعطيات، أن يأتي الفاعل أفعالا عمديّة التّي من شأنها الإضرار بالمعطيات المعلوماتيّة أو فسخها أو إتلافها أو تعديلها أو إعدامها. ومن الممكن أن تعلّق الدّول توفّر أركان هذه الجريمة على الأفعال التّي من شأنها إحداث ضرر معتبر.
ويفهم أخيرا من الاعتداء على سلامة النّظام، الأعمال العمديّة الخطيرة التّي من شأنها إعاقة عمل النّظام المعلوماتي، سواء عن طريق إدخال البيانات المعلوماتيّة أو نقلها أو الإضرار بها أو فسخها أو إتلافها أو تعديلها أو إعدامها.
أمّا فيما يتعلّق بالصّنف الثّاني، أي التّدليس والتّزوير، فقد فوّضت الاتّفاقيّة إلى الدّول المصادقة بأن تعتمد النّصوص القانونيّة المناسبة في اتّجاه إقرار المسؤوليّة الجزائيّة في مواجهة أعمال التّدليس المعلوماتي، أي تعديل المعطيات الإلكترونية أوفسخها أو إدخالها أو إعدامها، إذا كان ذلك عن عمد، ومن شأنها أن تغيّر من حقيقة البيانات، وبهدف استخدامها في الإجراءات القانونيّة على أنّها صحيحة، سواء كان ذلك على سند ورقي أو سند غير مادي. ومن الممكن أن توجب القوانين الدّاخليّة توفّر نيّة التّدليس أو نيّة الإضرار للقول بالمسؤوليّة الجزائيّة. ومن الممكن كذلك تجريم جميع أعمال التّزوير المعلوماتي، أي الأفعال العمديّة وغير الشّرعيّة التّي من شأنها إلحاق الضّرر المادي بالغير، سواء بإتلاف المعطيات الإلكترونية أو فسخها أو تعديلها أو إعدامها أو إدخالها، وبجميع أشكال الاعتداء على عمل النّظام المعلوماتي، وذلك بهدف التّزوير والإضرار والحصول على مردود اقتصادي لفائدة الفاعل أو لفائدة الغير. والملاحظ أنّ الاتّفاقيّة تفرّق بين أفعال التّدليس وأفعال التّزوير.
وآن الوقت بالنسبة إلى المشرّع التّونسي لتعديل تلك الأحكام، ويمكن أن تكون هذه القواعد الأسس في المراجعة.
ب- تنقيح 2004
ولكنّ المعلوماتية وبحكم تطبيقاتها المتعدّدة وتنوع خدماتها وسهولة مباشرتها أدت إلى تناول المعلومة بأشكالها التفاعلية ومعالجتها بشتى الصور وبذلك كانت سببا أو وسيلة في ارتكاب الجريمة التقليدية. وإذا كان رجال القانون يقسمون عادة الجرائم إلى جرائم الاعتداء على الأمن العام، وجرائم الاعتداء على الممتلكات، وجرائم الاعتداء على الذّات البشريّة، وجرائم الاعتداء على الأخلاق، فالمعلوم أنّه في إطار الشّبكات المعلوماتيّة من الممكن أن ترتكب جميع هذه الجرائم، وبالسّهولة التّي ربّما لا تتوفّر في العالم الواقعي. وكثير من الوقائع تبقي آثارها السيّئة على حقوق الغير، حيث إنّ تداول المعلومة في فضاء مفتوح فيه من الضّرر الكثير سواء على مستوى إحداث المواقع أو استغلالها أو على مستوى مجموعات الأخبار، والشبكات الاجتماعية، بل إنّ خدمة البريد الإلكتروني، ورغم خصوصيّاتها قد تكون سببا في إلحاق الضّرر. ولعلّ المحتويات التّي تفضي إلى الاعتداء على الأمن والأشخاص و الحريّات الخاصّة والحياة الخاصة بشكل عام، وعلى المصنّفات الأدبيّة، وحقوق المستهلك، من أكثر المحتويات رواجا على الشّبكات المعلوماتيّة المفتوحة. حيث إنّ الشّبكات المفتوحة وسيلة سهلة في اتّجاه الاعتداء على الحريّات الخاصّة وعلى كلّ ما يتّصل بالشّخص، وإذا كانت الجريمة تتطلّب في عالمها المادي شيئا من "الحذق والتّعب"، فإنّها السّهولة الكاملة في فضائها الافتراضي، بفضل أدوات المعلوماتيّة وتقنيّاتها، وهي تتحقّق في أوقات قياسيّة لم يشهد لها التّاريخ مثلا. ويمكن أن يشمل الاعتداء شرف الإنسان وعرضه وأخلاقه وأمنه. ونمّت المعلوماتيّة فعلا أشكال الثّلب والشّتم والميز العنصري والإرهاب والتّحريض على الجريمة والتّجسّس والمتاجرة بجسد الطّفل وبجميع الأشكال الجنسيّة.
ويمثّل الاعتداء على أمن الأشخاص ومن ثمّ الاعتداء على الأمن العام إحدى النّتائج السيّئة للتّطبيقات المعلوماتيّة، وقد نشطت المنظّمات ووجدت في الأنترنات على وجه التّحديد أرضيّة طيّبة لترويع النّاس والتّحريض على الجريمة وتنمية منتوجها وتنظيم عملها وترويج الأخبار الزّائفة، بل ظهرت خدمات فرضيّة لها علاقة باستعمال الأسلحة وصناعة المعدّات الحربيّة وحتّى القنابل، وأضحت الشّبكة طريقة سهلة للجوسسة ورصد المعارف الوطنيّة والدّوليّة بطريقة غير شرعيّة.
ولعلّ الجرائم الجنسيّة الأكثر شهرة في هذا الباب، بحكم شرعيّة مثل هذه الممارسات لدى معظم الدّول الأوروبيّة والأمريكيّة، وأشدّ مظاهرها المتاجرة بجسد الطّفل، التّي تلاقي معارضة شديدة من أغلب الدّول في العالم. وأقرّ الملتقى الدّولي حول الاستغلال الجنسي للأطفال المنعقد بستوكهولم سنة 1996 " أنّ الأنترنات فتحت قنوات جديدة في اتّجاه تنمية الممارسات الجنسيّة "، ويمكن أن يلحق الضّرر بالأطفال سواء باطّلاعهم على المحتوى الجنسي أو كانوا أنفسهم محلّ استغلال جنسي. وفعلا تواجدت عدّة مواقع ليس لها إلاّ محتوى جنسي وتبقي تأثيراتها ليس فقط على الطّفل بل الكهل كذلك، وعادة ما تشترط هذه المواقع الإعلان عن سنّ الزّائر، محافظة منها على حدود الطّفل، لكنّ هذا الشّرط ليس جدّيا باعتبار إمكانيّة تجاوزه بمجرّد الإعلان عن اسم غير حقيقي.
والحقيقة أنّ الجرائم التّي يمكن أن ترتكب بواسطة الشّبكات المفتوحة والتّي لها علاقة بحريّة الإنسان، تكاد لا تحصى ولا تعدّ، بما في ذلك المواقع التّي تدعو إلى القتل وارتكاب الجريمة والانتحار، وانتشرت كذلك دور القمار الفرضيّة والسمسرة غير الشّرعيّة وما شابه ذلك من الوقائع، وفي كلمة يمكن القول إنّ ما يمكن القيام به في الحياة الماديّة من الممكن القيام به في الحياة الفرضيّة. وبنفس هذه الدرجة تقع الاعتداءات على حقوق الملكية الأدبية والصناعية وحقوق المستهلك.
وإذا كان المحتوى المخالف لا يحصى ولا يعدّ، وإذا تسبّبت التّطبيقات الحديثة في تنمية فرص الاعتداء ومساعدة الفاعل على إتقان جرمه، فالسّؤال المطروح هو إن كان من الممكن الاكتفاء بالإطار القانوني التّقليدي، أم لا بدّ من صياغة نصوص حديثة تتماشى مع هذا التّطوّر. ولهذا الغرض تدخلت عدة بلدان للتنصيص على هذه الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة وجعلت العقوبة أشدّ .
وقد حاول المشرع التونسي سنة 2004 أن يعدّل بعضا من أحكام المجلة في هذا الاتّجاه حيث أضاف القانون عدد 73 لسنة 2004 المؤرخ في 2 أوت 2004 الفصل 226 مكرر ونصّ به على أنّه " يعاقب بالسجن مدة ستة أشهر وبخطية قدرها ألف دينار كل من يتعدى علنا على الأخلاق الحميدة أو الآداب العامة بالإشارة أو القول أو يعمد إلى مضايقة الغير بوجه يخل بالحياء. ويستوجب نفس العقوبات المذكورة بالفقرة المتقدمة كل من يلفت النظر علنا إلى وجود فرصة لارتكاب فجور وذلك بكتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو إلكترونية أو ضوئية". وكان ذلك في إطار زجر الاعتداء على الأخلاق الحميدة والتحرش الجنسي، حيث أورد المشرع هذه الصيغة الحديثة وألغى أحكام الأمر المؤرخ في 25 أفريل 1940 المتعلق بزجر الاعتداء على الأخلاق الحميدة .
وقد أراد المشرع من خلال هذه الإضافة مؤاخذة كلّ من يعمد إلى لفت نظر العموم لمحتوى جنسي مهما كان السند في ذلك : كتابات أو تسجيلات أو إرساليات سمعية أو بصرية أو إلكترونية أو ضوئية، فقد يكون السند مجرد مكتوب أو تسجيل أو إرسالية، سمعية أو بصرية، إلكترونية أو ضوئية. فقد يحمل المعنى إلى تخزين المحتوى على حامل إلكتروني أو قرص مضغوط ونشره على العامة بأية طريقة ويشمل المعنى كذلك نشر المضمون بشبكات عامة مثل الأنترنات وحتى الشبكات الاجتماعية التي يتوفر بها معنى العلنية. المهم أن يكون المحتوى قد وضع للعامة ويوفر فرصة لارتكاب الفجور أي الفعل الجنسي الممنوع.
على أنّ هذا النصّ قد قيّد المؤاخذة الجزائية بشروط لم ترد بأمر سنة 1940 حيث بالرغم من قدمه فإنّ به معاني تسمح بانطباقه على الشبكات الحديثة باستعماله لعبارة الاعتداء على الأخلاق الحميدة بجميع الوسائل، لكنّ الشيء الجديد بتنقيح 2004 أنّه أشار لبعض من الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة، وكان ينتظر أن يشير إلى هذه الوسائل في جميع الجرائم التي يمكن ارتكابها بهذه الوسائل، لكنه لم يفعل وكان اعتماد المجلة الجزائية لمكتسبات التطور التقني اعتمادا غير كاف.
II-اعتماد المجلة الجزائية غير كاف
بالرغم من تدخل المشرع في تلك المناسبات (الفصول 199 مكرر و199ثالثا و172 م.ج.) لوضع عقوبات جزائية للجريمة المعلوماتية بعد تحديد أركانها وبين الوسيلة الحديثة في ارتكاب جريمة الفصل 226 مكرر إلا أنّ التدخل لم يكن كاف لإظهار الجوانب القانونية للتطور التقني، لأنّ التعديلات كانت منقوصة من أهمّ أثر في التطور التقني (أ) والبعض منها كان غير دقيق بالرغم من اعتماده (ب).
أ‌- اعتماد المجلة الجزائية اعتماد منقوص
يرى البعض أنّه إذا كان من الضروري إدراج نصوص خاصة بالمجلة بالنسبة إلى المستحدثة تقنيا، فإنّ تغير الوسائل وتعدّدها في ارتكاب الجرائم التقليدية لا يوجب تعديل النصوص الجزائية لذكر هذه الوسائل لأنّ تغيير الوسيلة لا يغير شيء من طبيعة النص الجزائي وبالإمكان استعمال تقنية التأويل دون حاجة إلى تعديل النصّ (1)، غير أنّ أهمية التقنيات الحديثة وقوة وقعها لا تبقيها في مستوى الوسائل العادية في ارتكاب الجريمة بل تنهض سندا في تعميق التفكير في اتّجاه زجر الجريمة بأكثر حدّة وربما تكون الوسيلة ظرف تشديد ولا بدّ من التنصيص على هذه الآليات والحالة تلك، وفي ذلك ذهبت القوانين المقارنة وكان من المفروض تعديل المجلة في هذا الاتجاه منذ مدّة (2).
على أنّ إبقاء معظم الجرائم الحديثة الناتجة عن التطور العلمي والتكنولوجي بنصوص خاصة خارجة عن إطار المجلة الجزائية نقص في الاعتماد له أهميته(3).
1-قواعد التأويل بالعلة للنصّ الجزائي غير كاف لإدراك أهمية الوسائل التقنية في ارتكاب الجريمة
يرى البعض أنه بالإمكان الاستناد إلى قواعد التأويل حتى يواكب النص الجزائي متغيرات العصر . فإذا كان مبدأ الشرعية يقتضي أن يرد النص التشريعي مبينا للتجريم والعقاب بتحديد الأركان والعقوبة وليس للقاضي من شأن في بيان ما اتصل بها، ومن آثاره أن تنحصر مصادر التجريم والعقاب في النصوص التشريعية فتستبعد المصادر الثانوية مثل العرف وقواعد العدالة ومبادئ القانون الطبيعي، ولو أنها تبقى مصادر للقانون الجزائي وبالإمكان اعتمادها صراحة، فإنّ للقاضي واجب تفريد العقوبة وتأويل القاعدة. حيث يقتضي مبدأ التفريد أنّ يتخير القاضي انطلاقا من المبادئ والأحكام الجزائية المنصوص عليها العقوبة الملائمة للجاني، كما أنّه لا يمنع على القاضي تأويل القاعدة الجزائية بهدف تحديد مقصد الشارع من خلال المعاني والألفاظ المستعملة ومدلولاتها توصلا لتطبيق النص على الوقائع المعروضة أمامه، وفي ذلك طريقتان التحليل اللفظي للنص وتحديد علّة أو غرض النصّ.
ومقتضى التحليل اللفظي أن يقف القاضي على معاني ودلالة اللفظ اصطلاحا ومفهوما، فيأخذ كلّ لفظ على حدة ثمّ يأخذ بالمعنى الإجمالي وله أن يعود في ذلك إلى الأعمال التحضيرية وإذا كتبت العبارة بعدة لغات فله أن يأخذ بهذه المعاني.
ومقتضى طريقة علّة النصّ أن يقف القاضي على الغرض الذي قصده المشرع من خلال التجريم، فمن خلال الغرض الذي أراد المشرع حمايته تتحدّد أركان الجريمة. معنى ذلك أن تحدّد الأغراض الذي أراد المشرع حمايتها وذلك ما يجب بيانه تأويلا وإذا ظهر الغرض استوت الوسائل المستعملة، كما في صورة أن يعاقب المشرع على جريمة العنف، فالغرض من ذلك هو حماية الجسد، ومن خلال هذا الغرض تتحدّد أركان الجريمة، فيستوي الأمر إن كان الاعتداء بواسطة الضرب أو الجرح أو اللكم. وتعتبر هذه الطريقة بقيّة النصوص القانونية الجزائية أي النظام العام الجزائي المعتمد من الدولة، فلا يجب أن يخالف التأويل قاعدة جزائية منصوصا عليها وتعتمد بالمثل المفاهيم والوسائل المنصوص عليها بنصوص أخرى غير النصّ الخاضع للتأويل. ومن خلال ذلك تكون نتيجة التأويل ثمرة المقارنة بين النصوص الجزائية دون الخروج عن النظام العام الجزائي. والمحصّل في ذلك أنّ تفسير النص الجزائي لا يقف بالضرورة عند اللفظ بل يتعداه إلى علّة النصّ توصلا لتحديد مقصد الشارع من النصّ، ولكنّ ذلك لا يحمل إلى إمكانية اعتماد القياس في المادة الجزائية، فثمّة فصل واضح بين إباحة التأويل بالعلة والقياس، حيث إنّ البحث عن مقصد الشارع هو بيان هذا المقصد من خلال النصّ التشريعي المتوفر فلا ينتهي مطلقا إلى القول بالتجريم والعقاب في واقعة لم يجرمها المشرع ولكنّ القياس قد يحمل إلى تجريم واقعة ليس فيها نص قياسا على نصّ جزائي موجود وذلك ما لا تأخذ به قواعد التأويل الجزائي .
وفعلا أخذت محكمة التعقيب ببعض القرارات بغرض النص والاستفادة من التوجه العام للنصوص الجزائية، وهو التأويل بالعلة، فلمّا كان الغرض بالفصل 185 م.ج. على سبيل المثال هو تجريم تدليس العملة وحماية العملة من التدليس، فتستوي في ذلك الطرق والوسائل . ويكتفي الأخذ بغرض المشرع حتى يتيسّر القول بأنّ التدليس الوارد بالفصل 185 م.ج. يمكن أن يكون بالوسائل الإلكترونية. وتلك هي طريقة التأويل بالعلّة التي قال فيها البعض إنها طريقة واسعة في تأويل النصّ الجزائي يُطلب اعتمادها لعجز النصّ عن الإشارة إلى جميع الوسائل المستحدثة في التجريم . وما كانت المحكمة لتحتاج إلى قاعدة التأويل بالعلة لو أن المشرع نصّ صراحة على الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة. وما كان من الممكن أن تلجأ المحكمة أصلا إلى هذا التأويل لو نصّ المشرع بالفصل 185 م.ج. صراحة على إمكانية استعمال الوسائل الإلكترونية في التدليس أو وضع قاعدة عامة بالمجلة الجزائية في اتجاه استعمال الوسائل الحديثة في تحقيق الجرائم.
ولكنّ هذه الطريقة في التأويل قد لا تفي بالحاجة إذا كان النصّ الجزائي نفسه أشار إلى وسائل معينة في ارتكاب الجريمة فلا يمكن بالتالي استعمال تقنية التأويل بالعلة توصلا لاستيعاب مكتسبات التطور وقد جاءت الوسائل المستعملة على وجه الحصر بالنصّ الجزائي وفي أغلبها تكون عادة وسائل مادية لا تستوعب مقتضيات التقنية الحديثة . فليس من الممكن دوما أن يتيسر للمحكمة إعمال قواعد التأويل مهما كانت الطريقة فالأصل أن تمتنع المحكمة عن التأويل إذا وردت الوسيلة بالنصّ الجزائي على وجه الحصر، والعكس يؤدّي حتما إلى تحريف النصّ الجزائي.
وقلما لا يورد النصّ الجزائي وسيلة الجريمة وفي بعض الأحيان ينص على صيغة عامة مثل"مهما كانت الوسيلة" وفي البعض الآخر ينص على وسيلة محدّدة. فالواضح أنّه يجوز التأويل في الحالتين الثانية والثالثة ولا يجوز مطلقا في الحالة الأولى مهما كانت طريقة التأويل .
والحقيقة أنّ محكمة التعقيب كانت أقرب في معظم الحالات إلى طريقة التأويل اللفظي للنصوص الجزائية ولم تطمئن إجمالا إلى طريقة التأويل بالعلة ، وعادة ما يكون عدم ذكر الوسيلة الجديدة في ارتكاب الجريمة سببا في ترك السبيل أو حجة لتطبيق مفهوم الاعتداء على المعلوماتية عوضا عن مفهوم استعمال المعلوماتية في ارتكاب الجريمة. والفرق شاسع بين المفهومين، فإذا كان مفهوم الاعتداء على المعلوماتية يتطلب ضرورة نصوصا حديثة للقول بالتجريم باعتبارها جرائم حديثة لها جملة من الأركان المستحدثة لا تقدر النصوص التقليدية على ضمّها، فإن استعمال المعلوماتية في ارتكاب الجريمة لا يحتاج إجمالا إلى نصوص جديدة في التجريم إذا ما اعتمدنا طريقة التأويل بالعلة استنادا إلى الغرض من النص الجزائي، حيث تستوي الوسائل إذا بقي الغرض واحدا، وإن كان الأفضل تدخل المشرع بغاية التنصيص على الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة .
2-اعتماد منقوص بسبب عدم ذكر الوسائل المستعملة في ارتكاب الجريمة التقليدية
نص الفصل 9 من كرّاس الشّروط الضابط للشروط الخاصة بوضع واستغلال الخدمات ذات القيمة المضافة للاتصالات من نوع أنترنات منذ سنة 1997 على ما يلي: "..... كما يكون الحرفاء المشتركون في الخدمات من نوع أنترنات والمالكون للصفحات وللموزعين الذين تمّ إيواؤهم، مسوؤلين عن المخالفات لمقتضيات التشريع الجاري به العمل..... ".
ويتلخّص من ذلك أنّ التشريع الجاري به العمل يبقى منطبقا على الأفعال التّي يرتكبها المستعمل وخاصة منه المجلّة الجزائيّة والقانون المتعلق بالملكية الأدبيّة والفنية ومجلّة الصّحافة و أحكام الملكيّة الصناعيّة وحماية المستهلك ، والقانون المتعلق بالبيع عن بعد، والإشهار التجاري . وجملة الجرائم التّي من الممكن ارتكابها بواسطة شبكات الاتّصالات الحديثة المبيّنة بالقوانين الجزائيّة.
ولم يكتف المشرع بالإطار التشريعي الموجود لتجريم المحتوى المعلوماتي المخالف، بل جاءت النصوص القانونية الخاصة بتجريم المحتوى المعلوماتي منجمة على مرّ الأيام متى حصلت القناعة بضرورة تأطير الجرائم المستحدثة. فأصبح الاعتداء على الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية ولو في فضائها اللامادي جريمة على معنى القانون عدد 63 لسنة 2004 المؤرّخ في 27 جويلية 2004 ، كما أن الاعتداء على الأخلاق الحميدة الواقعة بواسطة المعلوماتية جريمة على معنى الفصل 226 مكرر م.ج بعد تنقيحها سنة 2004 ، وأوردت مجلة الاتصالات الواردة بموجب القانون عدد 1 لسنة 2001 عدة جرائم لها علاقة بالاستعمال السيء لأجهزة الاتصالات والإمضاء الإلكتروني وحدّد القانون القانون عدد 83 لسنة 2000 المؤرّخ في 9 أوت 2000 الجرائم المرتبطة بالمبادلات والتّجارة الإلكترونيّة بما في ذلك جرائم التشفير.
وكان المشرع منذ سنة 1994 وضع إطارا خاصا للبرامج المعلوماتية ووضع المشرع إطارا خاصا للجرائم الخاصة بالبطاقات البنكية والدّفع الإلكتروني بموجب القانون عدد 51 لسنة 2005 المؤرخ في 27 جوان 2005 المتعلّق بالتحويل الإلكتروني للأموال .
لكنّ المشرّع التونسي لم ينقح المجلّة الجزائيّة أو النّصوص الخاصّة لجعلها تساير الجرائم المرتكبة بواسطة القنوات الحديثة ، ولربما يكون ذلك عائقا أمام تطبيق التشريع الجزائي الخاضع لمبدأ الشرعيّة ، الذي من نتائجه الرئيسية التأويل الضيّق للنص الجزائي .
وما يعاب على المجلّة الجزائيّة إجمالا أنّها لم تنصّ إلى حدّ الآن ، وكقاعدة عامّة، على ارتكاب الجريمة بواسطة الشّبكات المعلوماتيّة، والحال أنّ ذكر الوسيلة هام في بيان العناصر المادية للجريمة ، على غرار ما أوردته مجلّة الاتّصالات في مؤاخذة " كل من يتعمد الإساءة إلى الغير أو إزعاج راحتهم عبر الشبكات العموميّة للاتصالات " بوجه عام ، أوعلى غرار بعض التّشاريع . والحال أنّه من الممكن ارتكاب عدّة جرائم منصوص عليها بالمجلّة الجزائيّة بواسطة الشّبكات المعلوماتيّة المفتوحة وخاصّة منها جرائم الاعتداء على أمن الدّولة وعلى الأشخاص وجرائم الاعتداء على الأخلاق الحميدة والجرائم الأخلاقيّة بوجه عام خاصّة منها جرائم التّحرّش الجنسي والتّحريض على الخناء واستغلال جسد الطّفل والإرشاء والارتشاء وتشارك المفسدين وتقليد الطوابع وتدليس العملة وافتعال الرخص والشهادات والتجاهر بما ينافي الحياة و عرض النفس و القذف وحتى السرقة وغير ذلك.
كما لم تعدّل المجلة الجزائية في اتجاه التنصيص على الوسائل المعلوماتية في ارتكاب الجريمة كما في صورة تدليس العملة الورقية بواسطة المعدات المعلوماتية أو افتعال وصنع الشهادات بواسطة المعدات المعلوماتية . فقد ينتظر أن ينص المشرع على هذه الوسائل مستقبلا وهي قوية التأثير على نظام التجريم والعقاب ، وترفع عن قاضي التأويل حرج التأويل وعناء البحث .
ففي عدة فصول تكون الوسيلة المستعملة سببا في عقوبة أشد والأمثلة كثيرة في الاستيلاءات والاختلاسات (الفصول 95 وما بعد م.ج) وهضم الجانب (الفصول 125 وما بعد م.ج) وتعطيل حرية العمل (الفصول 136 وما بعد م.ج) والاعتداء بما ينافي الحياء (الفصول 227 وما بعد م.ج) والسرقات (الفصول 262 وما بعد م.ج) وتحويل وجهة (الفصول 237 وما بعد م.ج) والحجز (الفصول الفصول 250 وما بعد م.ج) والإضرار بملك الغير(الفصول 304 وما بعد م.ج)......ويتعين ذكر الوسيلة الحديثة لوصف الجريمة وجعل العقوبة أشد.
وفي عدة فصول يأتي المشرع بمفهوم عام : والأمثلة كثيرة كما في صورة الاعتداء على النظام العام (الفصول 60 وما بعد م.ج.) والصناعة والتجارة (الفصل 139 م.ج.) والفصل 172 في التدليس ...وإن كانت الوسيلة عامة وتستوعب تأويلاً الوسائل الحديثة إلا أنه يستحسن ذكر الوسيلة الحديثة .
وفي أغلب الأحيان لا يشير النصّ إلى أية وسيلة: والأمثلة كثيرة مثل الإرشاء والارتشاء (الفصول 83 وما بعد) وتشارك المفسدين (الفصول 131 وما بعد م.ج) وتقليد الطابع (الفصول 179 وما بعد م.ج) وتدليس العملة (الفصول 185 وما بعد) وافتعال الرخص والشهادات (الفصول 193 وما بعد م.ج) والتجاهر بما ينافي الحياة (الفصل 226 م.)وفي عرض النفس (الفصول 231 وما بعد م.ج.) وفي القذف (الفصول 245 وما بعد م.ج) وحتى السرقة المجردة (الفصل 258 م.ج.). ولا بدّ من الإشارة إلى الوسيلة الحديثة حتى تصح المؤاخذة إلا إذا اعتمدنا طرق التأويل الواسعة التي كانت محلّ جدل ونقاش.
3-اعتماد منقوص لأنّ المجلة الجزائية لم تستوعب كامل الجرائم المستحدثة
فإذا كانت العلاقة بين التطور العلمي والتكنولوجي والقانون الجزائي تنتهي إلى ظهور جرائم حديثة وخلق وسائل حديثة تساعد على ارتكاب الجريمة أو أن يستعمل النص الجزائي لحماية المكتسبات العلمية فالأولى أن يقع التنصيص على هذه الوسائل كما تقدم وأن تعتمد الجرائم الحديثة بالمجلة الجزائية وهو المكان الطبيعي لهذه الجرائم بحكم أهميتها وخصوصيتها ويبقى ما يدخل في باب الحماية بنصوص خاصة.
وبالرغم من ظهور جرائم حديثة وكان المستحدث من الجرائم هاما يتجاوز إطار الجرائم المعلوماتية ، ومن ذلك خاصة الجرائم الطبية والحياتيّة التي لها تأثير على نوع البشر وذاته وأمشاجه، والتي لها علاقة بالأعضاء البشرية والطب الإنجابي وبأخلاقيات علم الحياة على وجه العمومéthique biomédicale ، إلا أنّ المشرع أبقاها خارج إطار المجلة وفي ذلك نقص في الاعتماد.
فقد أباح القانون عدد 22 لسنة 1991 المؤرخ فى 25 مارس 1991 المتعلق بأخذ الأعضاء البشرية وزرعها لغاية العلاج أخذ عضو من شخص متبرع قصد زرعه لشخص آخر ويشترط في المتبرع أن يكون رشيدا سليم المدارك العقلية متمتعا بالأهلية القانونية الكاملة وأن يكون رضاه صريحا وصادرا عن اختيار، وأجاز أخذ عضو من جثة شخص ميت لغاية علاجية أو علمية ما لم تحصل ممانعة من الهالك في قائم حياته أو بعد وفاته من الأشخاص كاملي الأهلية.
لكنّه حجّر مطلقا أخذ كامل العضو الضروري للحياة من الأحياء لزرعه ولو برضاهم. ويعتبر عضوا ضروريا للحياة العضو الذي بأخذه تحصل حتما وفاة الشخص الذي أخذ منه. كما يحجّر مطلقا أخذ أعضاء الإنجاب الناقلة للصفات الوراثية من الأحياء والأموات قصد زرعها. وأخذ الأعضاء بمقابل مالي أو بأي صفة من صفات التعامل في الحالات المشار إليها بقطع النظر عن إرجاع المصاريف التي قد تستلزمها عمليات الأخذ والزرع. ولا يجوز أخذ عضو من جثة لغايات علاجية قبل معاينة الموت من قبل المختصين. وارتقت بالتالي تلك الأفعال إلى جرائم جزائية وضع لها المشرع العقوبة المناسبة لحماية الذات البشرية وهي ضمن الأهداف العامة للقانون الجزائي .
كما منع القانون عدد 93 لسنة 2001 المؤرخ في 7 أوت 2001 المتعلق بالطب الإنجابي اللّجوء إلى الطبّ الإنجابي إلا بالنسبة ّإلى شخصين متزوجين وعلى قيد الحياة وبواسطة أمشاج متأتية منهما فقط وأن يكونا في سن الإنجاب.
ولا يمكن تلقيح الأمشاج و لا زرع الأجنة في إطار الطب الإنجابي إلا بالحضور الشخصي للزوجين المعنيين وبعد الحصول على موافقتهما الكتابية. ويمكن استثنائيا للشخص غير المتزوج والذي يخضع لعلاج أو الذي يستعد للخضوع إلى عمل طبي من شأنه أن يؤثر على قدرته على الإنجاب اللجوء إلى تجميد أمشاجه قصد استعمالها لاحقا في إطار رابطة زواج شرعي وفي نطاق الطب الإنجابي وطبقا للقواعد والشروط الواردة بهذا القانون.
ويمنع تكوين الجنين البشري أو استعماله لغايات تجارية أو صناعية أو قصد انتقاء النسل. كما يمنع منعا باتا في إطار الطب الإنجابي اللجوء إلى تقنيات الاستنساخ والحصول على أجنة بشرية بواسطة الأنبوب أو بتقنيات أخرى قصد الدراسة أو البحث أو التجربة. ويمكن بصورة استثنائية للزوجين المعنيين، بشرط التعبير عن رضائهما بكل تبصر وعن طريق الكتابة، السماح بأن تجرى على جنينهما لغاية طبية صرفة أعمال علاجية ليس فيها تغيير للخلقة وتفاديا لمرض خطير قد يتعرض له الطفل. ولا يمكن إجراء تجميد للأمشاج أو الأجنة إلا لغايات علاجية قصد مساعدة الزوجين على الإنجاب وبطلب كتابي منهما. ولا تستعمل الأمشاج أو الأجنة المجمّدة قصد الإنجاب إلا في إطار احترام الشروط المنصوص عليها قانونا. ولا يمكن حفظ الأمشاج أو الأجنة المجمدة إلا لمدة قصوى لا تتجاوز خمس (5) سنوات قابلة للتجديد لنفس المدة بطلب كتابي من الشخص المعني بالنسبة إلى الأمشاج ومن الزوجين بالنسبة إلى الأجنة وبانتهاء هذه المدة دون تجديد الطلب أو بمجرد ثبوت وفاة أحد الزوجين المعنيين يتمّ وجوبا إتلاف تلك الأمشاج وإنهاء تجميد الأجنّة. غير أنّه وقبل انقضاء ذلك الأجل يمكن لكل شخص المطالبة كتابيّا بإتلاف أمشاجه، أمّا بالنسبة إلى الأجنة فيشترط أن يكون طلب إنهاء التجميد ممضى من قبل الزوجين معا. ويقدم الطلب إلى الطبيب المنسق لوحدة الطب الإنجابي المودعة لديها الأمشاج أو الأجنة ويمكن للزوجين أو لأحدهما أن يطلب من المحكمة المتعهدة بقضية الطلاق بإنهاء تجميد الأجنة المتأتية منهما وذلك بعد الحكم بالطلاق. كما يحق لأحد المفارقين قبل انقضاء المدة المشار إليها المطالبة بإنهاء تجميد تلك الأجنة بمقتضى إذن على عريضة.
ولا يمكن الحصول على جنين بشري بواسطة الأنبوب أو بتقنيات أخرى إلا في إطار الطب الإنجابي ووفقا لغاياته كما يضبطها هذا القانون. ويمنع اللجوء إلى الغير للتبرّع بالأمشاج في إطار الطب الإنجابي، كما يمنع التبرع بالأجنة. ولا يمكن بأي صورة من الصور، في إطار الطب الإنجابي استعمال رحم امرأة أخرى لحمل الجنين. ولا تجرى أعمال الطب الإنجابي إلا في الهياكل الصحية العمومية أو المؤسسات الصحية الخاصة المتحصلة خصيصا على التراخيص الضرورية. وارتقت بالتالي تلك الأفعال إلى جرائم جزائية وضع لها المشرع العقوبة المناسبة لحماية النوعية البشرية وضمان عدم اختلاط الأمشاج وهي ضمن الأهداف العامة للقانون الجزائي .
وكان أولى لو وردت هذا الجرائم بنصوص المجلة الجزائية لأهميتها إبرازا لحماية الذات البشرية ونوعه وأمشاجه، وهي ضمن الأهداف الأساسية للقانون الجزائي، وفي ذلك ذهبت القوانين المقارنة وفتحت أبوابا خاصة بالمجلات الجزائية لها علاقة بأخلاقيات العلوم الطبية والحياة infractions nouvelles en matière d'éthique biomédicale .
ب-اعتماد المجلة اعتماد غير دقيق
اعتماد المجلة لمكتسبات التطور لم يكن دقيقا لأنّ المعتمد لم يكن واضحا بالدّرجة الكافية (1) وجانب من الاعتماد كان صناعيا (2) ولم تكن سياسة المشرّع واضحة في الاعتماد في نهاية الأمر(3).
1- المعتمد لم يكن واضحا
فما ورد في صياغة باب الاعتداء على الأمن وباب الاعتداء على الصناعة والتجارة لم يكن في الحقيقة يرمي إلى استيعاب مكتسبات التطور، فلم تكن غاية المشرع مسايرة النمو التكنولوجي، بل كانت الغاية ضمان عدم الاعتداء على تلك المصالح الحيوية، وبالرغم من الصياغة العامة في الوسائل المستعملة إلا أنّها تبقي جانبا كبيرا من التردد لدى رجال القانون والقضاة، ولا مخرج منه إلا بذكر هذه الوسائل الحديثة. ولا يمكن أن تتصور من ناحية أخرى أنّ الصياغة الواردة سنة 1913 من الممكن أن تستوعب مكتسبات المعلوماتية التي لم تظهر في نهاية الأمر ولم تمر إلى الممارسة اليومية حقيقة إلا سنة 1980.
ولقد ظهر جليا في النهاية أنّ ما اعتمده المشرع في صياغة الفصول 199 مكرر و199 ثالثا و172 م.ج سنة 1999 وكذلك ما بينه بالفصل 226 مكرر المضاف سنة 2004 إلى المجلة الجزائية كان غامضا ولم تكن الصياغة محكمة وفتحت المجال لتأويلات متناقضة وتطبيقات قضائية بعيدة عن الصواب كما تقدم.
2-المعتمد كان صناعيا
تدخّل المشرع سنة 2001 لتنقيح مجلّة الصحافة بموجب القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2001 المؤرخ في 3 ماي 2001 وبالمرة ألحق عدّة فصول بالمجلة الجزائية على أساس أنها جرائم عامة ظهرت نتيجة التطور في مجال الاتصالات والنشر على وجه الإجمال وسحبها بالتالي من مجلة الصحابة . وإنّ في ذلك خروج عن محكمات الضوابط الجزائية.
فقد أضاف المشرع الفصل 121 مكرر إلى المجلة الجزائية بموجب القانون الأساسي عدد 43 لسنة 2001 المؤرخ في 3 ماي 2001 المتعلق بتنقيح مجلة الصحافة، وأصبح هذا الفصل ينصّ على أنّه " يعاقب بالسجن من ستة عشر يوما إلى عام وبخطية من ستين دينارا إلى ستمائة دينار من يتولى عمدا بيع أو توزيع أو نقل مؤلفات محجرة أو نشر أو ترويج مؤلفات محجرة تحت عنوان آخر. وتجري وزارة الداخلية الحجز الإداري على نسخ المؤلفات المحجرة وما نقل منها".
كما أضاف الفصل 121 ثالثا للمجلّة بموجب نفس التنقيح وأصبح هذا الفصل ينصّ على أنّه "يحجّر توزيع المناشير والنشرات والكتابات الأجنبية المصدر أو غيرها التي من شأنها تعكير صفو النظام العام أو النيل من الأخلاق الحميدة وكذلك بيعها وعرضها على العموم ومسكها بنية ترويجها أو بيعها أو عرضها لغرض دعائي. وكلّ مخالفة للتحجير المنصوص عليه بالفقرة السابقة يمكن أن يترتب عنه زيادة عن الحجز في الحين عقاب بالسجن من ستة أشهر إلى خمسة أعوام وبخطية من مائة وعشرين دينارا إلى ألف ومائتي دينار".
وأضاف الفصل 220 مكرر بموجب نفس التنقيح، وجاء فيه أنه " يعاقب بالسجن من ستة أيام إلى شهر وبخطية من مائة وعشرين دينارا إلى ألف ومائتي دينار أو بإحدى العقوبتين فقط من يجهر بأي نوع من أنواع الصراخ أو الأناشيد المهيجة التي تلقى بأماكن واجتماعات عمومية بقطع النظر عن تطبيق مقتضيات القانون أو القرارات البلدية المتعلقة بالمخالفات".
ونصّ الفصل 321 مكرر المضاف بنفس التاريخ على أنّه " على كلّ من يريد أن يتعاطى مهنة بائع متجول أو موزع بالطريق العام أو بغير ذلك من الأماكن العامة أو الخاصة للكتب والكتابات والمجلدات والصور والمنقوشات المصورة والمطبوعات الحجرية والأشرطة المغناطيسية والأفلام والاسطوانات أن يقدم إعلاما في ذلك لمركز الولاية الكائن بدائرتها محل سكناه. ويكون الإعلام مشتملا على اسم القائم بالإعلام ولقبه وجنسيته ومهنته ومقره وسنه ومكان ولادته ويسلم له وصل في ذلك. ويوجه القائم بالإعلام في نفس الوقت نسخة من ذلك إلى كتابة الدولة للإعلام. وإن مباشرة مهنة بائع متجول أو موزع بدون سابق إعلام أو الإعلام بغير الواقع أو عدم تقديم الوصل عند كل طلب تشكل مخالفات تستوجب ارتكابها عقابا بخطية من دينارين إلى خمسة دنانير وبالسجن من يوم إلى خمسة عشر يوما أو بإحدى العقوبتين فقط وفي صورة العود لارتكاب المخالفات المذكورة أو تقديم إعلام كاذب يكون الحكم بالسجن وجوبا".
ونصّ الفصل 303 مكرر المضاف بنفس التنقيح على أنّه " كلّ من أزال أو مزق أو غطى أو شوه بطريقة من الطرق إعلانات معلقة بإذن من الإدارة بالأماكن المخصصة لذلك قصد تغييرها أو جعل قراءتها غير ممكنة يعاقب بخطية من اثني عشر إلى مائة وعشرين دينار. وفي صورة ارتكاب ذلك من طرف موظف أو عون من أعوان السلطة فإن العقاب يكون بخطية من أربع وعشرين إلى مائتين وأربعين دينارا وبالسجن من ستة عشر يوما إلى شهر أو بإحدى العقوبتين فقط".
وأورد الفصل 303 ثالثا المضاف بنفس التنقيح أنه على " كلّ من يتولى بدون رخصة من الإدارة وضع معلقات ويعمد بأية وسيلة إلى كتابات أو رسم علامات أو صور بملك منقول أو بعقار تابع لأملاك الدولة أو المؤسسات العمومية أو بملك مخصص للقيام بمصلحة عمومية وكذلك كلّ من يتولى وبدون أن يكون مالكا لعقار أو منتفعا بريعه أو متسوغا له من غير أن يكون له ترخيص في ذلك من طرف أحد الأشخاص المذكورين وضع معلقات وعمد بأية وسيلة كانت إلى رسم كتابات أو رسم علامات أو صور يعاقب بخطية من أربع وعشرين إلى مائتين وأربعين دينارا وبالسجن من ستة عشر يوما إلى شهر أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
وانتهى الفصل 315 مكرر المضاف بنفس التاريخ إلى أنّه " يتولى رئيس البلدية بالنسبة للمنطقة البلدية والوالي بالنسبة إلى للمناطق الأخرى تعيين الأماكن المعدة خصيصا لتعليق النصوص الصادرة عن السلطة العمومية. ويحجر أن تعلق بها الإعلانات الخاصة. ومعلقات النصوص الصادرة عن السلطة العمومية تنفرد بالطبع على الورق الأبيض. وكلّ مخالفة لأحكام هذا الفصل يعاقب مرتكبها بخطية من عشرين إلى مائتي دينار وعند العود من أربعين إلى أربعمائة دينار".
والواضح أنّ المشرّع اعتبر بيع أو توزيع أو نقل مؤلفات محجرة أو نشر أو ترويج مؤلفات محجرة تحت عنوان آخر وكذلك توزيع المناشير والنشرات والكتابات الأجنبية المصدر أو غيرها التي من شأنها تعكير صفو النظام العام أو النيل من الأخلاق الحميدة وكذلك بيعها وعرضها على العموم ومسكها بنية ترويجها أو بيعها أو عرضها لغرض دعائي ومن يجهر بأي نوع من أنواع الصراخ أو الأناشيد المهيجة التي تلقى بأماكن واجتماعات عمومية وكلّ من يمارس مهنة بيع المطبوعات والسندات بدون تصريح بما في ذلك الكتابات والمجلدات والصور والمنقوشات المصورة والمطبوعات الحجرية والأشرطة المغناطيسية والأفلام والاسطوانات من قبيل الجرائم العامة وأدمجها بالمجلة الجزائية والحال أنّها جرائم لها علاقة بالطباعة والنشر تحكمها قواعد خاصة وعلى رأسها مبدأ حرية التعبير ولا يجوز بأية حال مؤاخذتها إلا في إطار ما تجيزه القوانين الخاصة وهي مجلة الصحافة قديما والمرسوم عدد 115 لسنة 2011 المؤرّخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بحرية الصحافة والطباعة والنشر حاليا. فلا يمكن بعد ذلك الإبقاء على جانب من الأفعال الممنوعة بالمجلة والحال أنّ نظام النشر والطباعة والصحافة من حيث الهياكل والتنظيم والنشاط أراده المشرع بنصّ خاص.
كما أنّ طريقة تعليق المنشورات بالأماكن العامة والخاصة والاعتداء عليها بأية طريقة كانت محلّ نصّ خاص وهو القانون عدد 12 لسنة 2009 المؤرخ في 2 مارس 2009 المتعلق بالإشهار بالملك العمومي للطرقات وبالأملاك العقارية المجاورة له التابعة للأشخاص كما هو منقح بموجب المرسوم عدد 84 لسنة 2011 المؤرخ في 5 سبتمبر 2011، وقد تضمن هذا النصّ الخاص جميع الجرائم التي لها علاقة بالتعليق بالأماكن العامة والخاصة، فلا يمكن بعد ذلك إحالة بعض المضامين إلى أحكام المجلة الجزائية. وحتى لو جاء بما تمّ تعليقه ما يخالف مبدأ حرية التعبير فالأصل اعتماد أحكام النشر والطباعة إضافة إلى أحكام القانون المنظم لكيفية الإشهار.
فقد شمل التطور التقني أعمال الصحافة والنشر والطباعة والإشهار وأصبح من الممكن إتمام الجريمة باستعمال التقنيات الحديثة مع مراعاة فضاء الحرية الذي أراده المشرع، وليست الشّبكات الرّقميّة الحديثة إلا وسيلة من وسائل الاتّصال أو هي خدمة من الخدمات السّمعيّة البصريّة أو هي خدمة من خدمات الصّحافة والنّشر أو أنها خدمة تجتمع فيها جميع تلك المواصفات . وعليه ما كان من الممكن قطع جانب من هذه الجرائم وإلحاقها بالمجلة الجزائية دون مراعاة خصوصية المؤاخذة الجزائية في هذه النصوص الخاصة.
فلا يمكن بعد ذلك إدماج ما هو خاص من النصوص بالمجلة الجزائية، كما كانت الصورة في تنقيح سنة 2001، فبالرغم من تعلّق هذه الجرائم بالصحافة والنشر والطباعة التي لها نصّ خاص إلا أنّ المشرع قطعها وألحقها بأحكام المجلة الجزائية بطريقة تبدو غير طبيعية بالمرة..وفعلا أثارت عدّة نقاشات فقهية وقضائية حول إمكانية نسخها من عدمها بموجب المرسوم عدد 115 لسنة 2011.
3-غياب السياسة التشريعية الواضحة
فالحقيقة أنّ الأمر لا يخرج عن فكرتين أساسيّتين إما أن يكون التطور التقني قد أحدث فعلا جرائم حديثة هامة بحكم تأثيراتها تجد مكانها ضمن المنظومة العامة للجرائم أو أصبح من الممكن استعمال التقنية الحديثة في ارتكاب الجرائم التقليدية وتلك هي الفكرة الأولى أو أنّ التقنية أحدثت جرائم جديدة لها من الخصوصيات ما يتعدّد أو أنّها ساعدت على تنمية بعض الجرائم الخاصة وتلك هي الفكرة الثانية.
فتقتضي المعاينة الأولى إدماج المستحدث من الجرائم بالمجلة الجزائية وذكر الوسائل الحديثة بنصوص المجلة الجزائية وتفرض الصورة الثانية إبقاء المستحدث خارج المجلة.
أمّا أن ندمج ما هو خاص من الجرائم بالمجلة، كما فعل المشرع بالنسبة إلى بعض الجرائم التي لها علاقة بالطباعة والنشر، أو أن نبقي ما هو عام وهام من الجرائم خارج المجلة، كما فعل المشرع بالنسبة إلى الجرائم التي لها علاقة بالذات البشرية ونوعها وأمشاجها (الإنجاب وزرع الأعضاء) فذلك هو الخلل، ويمكن اعتباره نقص في وضوح السياسة التشريعية.
فمقتضيات الخصوصية أن يتوفر النص الخاص في التعريف بالمستحدث من حيث المصطلحات والمفاهيم والأركان وغير ذلك من الموجبات ومن أجل ذلك فإن أغلب مظاهر التطور التقني قد وردت بنصوص خاصة التي أتت على الجرائم تعريفا وأركانا وعقوبة إما بوضع عقوبة جزائية معينة أو بالإحالة إلى العقوبات المحدّدة بالمجلة الجزائية مثل قانون 1991 في أخذ الأعضاء. ومن أجل ذلك كان النصّ الخاص مقدّما على النصّ العام في المؤاخذة الجزائية.
والحقيقة أنّ المشرّع التونسي لم يخير إدماج جميع الجرائم الحديثة بالمجلّة الجزائية على غرار بعض القوانين المقارنة، بل أوقف خياره على إبقاء الجرائم الحديثة منظمة بنصوص خاصة، فكلّ ما يتعلّق بالطب الإنجابي وزرع الأعضاء وعلم الأحياء تحكمه قوانين خاصة وكذلك الصورة بالنسبة إلى تكنولوجيا الاتصال ‏‏ والصناعات المستحدثة في السلاح والمتفجرات والنفايات والبيئة والمترولوجيا والمعادن والمواد السمية والنقل وغيرها . ولكنّه أخذ فقط جانبا من الجرائم الهامة المتعلقة بالمعلوماتية وأقحمها بالمجلة. وكان من المفروض أن تستوعب المجلّة الجزائية بقية الجرائم الهامة المستحدثة مع الإبقاء على خصوصية بعض النصوص الخاصة.
الخلاصة
لقد عرف الإنسان تطورا علميا وتقنيا منذ انطلاق الثورة الصناعية أثر في طبيعة عيش الإنسان اجتماعيا واقتصاديا وما فتئت الاختراعات والاكتشافات تتراكم بنسق متصاعد يوما بعد يوم، وأصبح من الممكن اليوم السيطرة على كلّ ما يتعلق بأمن الإنسان وصحته وحياته وأخلاقه وأملاكه وتوجيهها في الزوايا المطلوبة بل أصبح من الممكن واقعيا القيام بجميع الأعمال التي يأتيها البشر عادة في عالمه المادي بطريقة افتراضية إلكترونية. فنمت الجريمة بشكل ملفت للانتباه إلى درجة الاعتراف بعدم القدرة على تتبعها أو ضبطها أو حتى وضع الإطار المناسب لها، فناد البعض على امتداد السنوات القليلة الماضية بعدم وضع قوانين جزائية قد تعيق التقدّم التقني والعلمي والتكنولوجي فلا يحتاج هذا المجال حسب هذا الزعم إلى قوانين تعيق نسق تقدّمه بقدر ما يحتاج إلى ضمان جانب من الحرية تساعد على الخلق والإبداع وقادت هذا الاتجاه أقوى المنظمات والجمعيات التي تعنى بحقوق الإنسان والحقوق التجارية على المستوى الدّولي. وعارض رجال القانون هذا الاتجاه واعتبروه مفضيا لجانب الفوضى إذ لا شيء يخرج عن المنظومة الجزائية مهما كانت طبيعة سلوك البشر مادية أو افتراضية ومهما كانت الدوافع علمية أو صناعية، فأين توجد الجريمة يتوفر النصّ الجزائي ومن الممكن تطبيق المنظومة الجزائية حتى في العلاقات الافتراضية. وفعلا انتهى الرأي إلى القبول بوضع أقل ما يمكن من الأحكام الجزائية مراعاة لذات الإنسان وحياته الخاصة وضمانا لحقوق الطفل وتحقيقا لسلامة المعاملات الإلكترونية وسريتها وبذلك أخذت معظم القوانين في العالم حيث أصبح من الثابت أنّ التكنولوجيا الحديثة تساعد على ارتكاب الجريمة بل تسهل تحقيقها كما ظهرت جملة من الجرائم لم تكن معروفة أصلا.
ولم يخرج القانون التونسي عن هذا الاتجاه، فلقد ضبط نتائج التطور بنصوص خاصة سواء بتجريم جملة من الأفعال الحديثة مثل الاستنساخ أو التشفير وغير ذلك أو بذكر الوسائل المستحدثة في ارتكاب الجريمة مثل جرائم النشر أو بوضع عقوبات جزائية مراعاة لخصوصية المستحدث.
لكنّ حظّ المجلة الجزائية في ذلك كان قليلا، فلم تأخذ المجلة إلا بالجريمة المعلوماتية بالفصول 199 مكرر وثالثا و172 وفي الاعتداء على الأخلاق الحميدة بواسطة الوسائل الإلكترونية بالفصل 226 مكرر وفي جانب من جرائم النشر والطباعة والإشهار بالفصول 315 مكرّر-303 مكرّر-303 ثالثا-321 مكرّر-220 مكرّر-121 مكرّر 121 ثالثا.
وقد كان اعتمادا منقوصا وغير دقيق، إذ لم يسع المشرع مطلقا إلى ذكر الوسائل الحديثة في ارتكاب الجريمة بالرغم من حجم التطور وأثره، وما اعتمد كان غير دقيق بالمرة بحكم غموض المصطلحات المستعملة وخروجه عن السياسة المعتمدة في الإبقاء على نتائج التطور خارج إطار المجلة تحكمه جملة من النصوص الخاصة. ولو أنّ القوانين المقارنة اتجهت في معظمها إلى تضمين المجلة الجزائية خلاصة الجرائم الحديثة الهامة مع ذكر الوسائل العلمية الجديدة في ارتكاب الجريمة التقليدية. وربما كان ذلك أدقّ وأنفع للسياسة الجزائية.
انتهى بعون اللّه
علي كحلون

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.tahalabidi-avocat.fr.gd
 
المجلة الجزائية والتطوّر العلمي والتكنولوجي أثر التطوّر العلمي والتكنولوجي في أحكام المجلّة الجزائية د. علي كحلون
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: 1-1- بحوث عامة في القانون التونسي :: أبحاث و مقالات و ملتقيات-
انتقل الى: